رم - فارس كرامة
في عمّان، المدينة التي لا تنام على قرار واحد ولا تستيقظ على رأي واحد، يمرّ بعض المسؤولين كخبر عاجل، ويمرّ آخرون كتحوّل بطيء لكن عميق.
معالي أمين عمان يوسف الشواربة ينتمي للفئة الثانية، أولئك الذين لا يرفعون الصوت، لكنهم يغيّرون المشهد، فلم يأت أمينا لعمان بخطاب إنشائي، ولا بشعار كبير يصلح للملصقات، جاء برؤية تتطوّر، من بداياته حتى اليوم، تغيّر فكره، نضج أداؤه، وتحوّل من إدارة يومية إلى قراءة مدينة كاملة، وهذا بحد ذاته ليس أمرا شائعا في العمل العام.
أمانة عمّان اليوم تحمل على كتفيها مديونية تقارب مليار وثلاثمئة مليون دينار، رقم كفيل بأن يكون ذريعة يومية للتذمر أو الشكوى أو تعليق الإخفاق عليه، لكن الشواربة اختار طريقا آخر، لم يشتك، لم يلوّح بالضغط، ولم يذهب إلى أسهل الحلول، كان قادرا، لو أراد، أن يضيّق على الناس، أن يغلق محلات، أن يفتح معارك تحصيل، لكنه لم يفعل، اختار أن تُدار المدينة بأقل كلفة اجتماعية ممكنة.
في سنوات صعبة، حتى في زمن كورونا، استمر العمل، الجسور لم تتوقف، المشاريع لم تُجمّد، والباص السريع الذي تحوّل إلى ملف سياسي وإعلامي شائك، لم يُترك للمصير السهل، تدخل، عالج، واحتوى الأخطاء بدل إنكارها، وفي وسط البلد، حيث الماء كان يتحول في كل شتاء إلى امتحان للدولة، تغيّر المشهد، عبارات صارت تعمل، تجمعات مياه خفّت، ومناطق كانت تغرق صارت تعبر الشتاء بهدوء.
دوار النهضة، دوار المدينة، إشارة طارق، دوار المشاغل، الثامن، السابع لم تعد عقدة مرورية، والمحطة تحوّلت من مساحة مهملة إلى مشهد حضري له معنى، حدائق، أسوار، وتنظيم يُشبه مدينة تحترم نفسها. هذه ليست تفاصيل، هذه فلسفة إدارة.
الشواربة لا يدير عمّان من مكتب مغلق، يخرج، يتفرج، يناقش، يسافر ليراقب ما تفعله المدن الذكية ويطبق في مدينته التي يحب، ويتعامل معها كفرصة لا كترف، جريء في قراره، لكنه ليس متهورا، ويفهم أن العاصمة لا تُدار بمعزل عن محيطها، لذلك كان داعما للبلديات، لا متعاليا عليها.
ولد يوسف عبد الله القبلان الشواربة في عمّان عام 1968، ونشأ فيها كما لو أن المدينة كانت مختبره الأول، درس القانون في جامعة عمّان الأهلية، ثم مضى أعمق في هذا الحقل، بدبلوم عال وماجستير ودكتوراه في القانون الدستوري، ليبني علاقة مبكرة مع فكرة الدولة، والنص، وحدود السلطة، قبل أن يصل إلى موقع أمين عمّان، مرّ بمحطات كثيرة صقلت تجربته، كان محاميا ومستشارا قانونيا، وعضوا منتخبا في مجلس أمانة عمّان عن منطقة طارق، ثم نائبا للأمين لسنوات حساسة، قبل أن يتولى الأمانة عام 2017، شغل منصب وزير الشؤون السياسية والبرلمانية، وترأس مجلس إدارة جريدة الدستور، وشارك في لجان وطنية مهمة كقانون اللامركزية والخطة الوطنية لحقوق الإنسان، هذا المسار المتدرج، من الميدان إلى القرار، هو ما جعل إدارته للعاصمة مختلفة، رجل يعرف المدينة بنصوصها كما يعرفها بشوارعها، ويعرف الدولة من داخلها لا من شرفاتها.
خلفية قانونية عميقة، دكتوراه في القانون الدستوري، ومسار طويل في العمل العام، جعلته يفهم أن السلطة المحلية ليست سلطة قرار فقط، بل سلطة توازن بين المال والخدمة، بين المشروع والناس، بين الحلم والواقع.
يوسف الشواربة ليس أمين عمّان الذي يلاحق الكاميرات، ولا الذي يبحث عن تصفيق سريع، هو من أولئك الذين يراكمون بصمت، ويتركون للمدينة أن تتكلم عنهم، في زمن تُقاس فيه الإنجازات بالصوت العالي، اختار أن تُقاس بالأثر.
وهنا الفارق الحقيقي.