رم - صدر حديثًا كتاب المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات للكاتب الأردني الدكتور حسين جداونه في كتاب إلكتروني، ضمن مشروعه الإبداعي المتواصل في الأدب الوجيز، يضمّ الكتاب ما يزيد عن سبعمئة مقولة وشذرة تمتدّ على مئة وست صفحات من القطع المتوسط.
ينطلق هذا الكتاب من مفهوم جماليّ يقوم على الوعي بالنثر الوجيز وممكناته، وبأنّ الكتابة الحقيقية لا تنفصل عن جدليتها الداخلية؛ فهي في جوهرها حركةٌ بين نقيضين متكاملين حيث تتضافر المقولة والشذرة لتشكّلا معًا خطابًا أدبيًا يقتنص اللحظة في أقصى توتّرها الدلالي. ويأتي عنوان "جدليّة المنجل والسنبلة" بوصفه مفتاحًا تأويليًا يوجّه القراءة نحو إدراك طبيعة العلاقة بين النصوص القصيرة وفضاء المعنى الذي تولّده؛ فالمنجل، بحدّته ودوره في القطع، يحيل إلى فاعلية الجملة المكثّفة حين تشطر المألوف أو تفكّك السائد، بينما تمثل السنبلة صورة المعنى الجديد، والرؤية المتولّدة، والطبقة الأخيرة من الدلالة التي تنتج عن لغة مقتضبة لكنها مشحونة.
بهذا المعنى، تستند "المقولة" إلى بنية شبه استدلالية، تبدو فيها الجملة الواحدة بمثابة صياغة نهائية لفكرة نضجت عبر تراكم معرفي وتفكير نقدي. هي شكلٌ يقترب من الحكمة، لا بمعناه القاطع، بل بوصفه خلاصة رؤية تستعير من البلاغة دقتها، ومن الفلسفة عمقها، ومن الأدب تكثيفه وإيقاعه. تتماهى التجربة الذاتية في "المقولة" مع الوعي الجمالي، فينتج نصٌّ يوازن بين البعد التأمّلي والصرامة الأسلوبية. والمقولة عادةً: تقريرية، أحادية الصوت، مغلقة الدلالة، يمكن اقتطاعها دون أن تخسر أثرها، فهي فكرة مكتفية بذاتها.
أما "الشذرة" فتتحرّك في فضاء أكثر انفتاحًا؛ لأنها تنتمي إلى كتابة تقوم على الإيماء لا على الإحكام، وعلى التلميح لا على التصريح. إنها كتابة الفراغات بقدر ما هي كتابة الحضور، تستعير من الشعر جوهره الشعري، ومن السرد قدرته على الخفاء والتجلي. فالشذرة لا تغلق المعنى، وإنّما تشرعه أمام احتمالات قرائية متعددة، ممّا يمنحها طبيعة تفاعلية تجعل القارئ شريكًا في إعادة إنتاج النص. إنها كتابة تنتمي إلى الهامش، لكنها في الوقت نفسه تزعزع مركز القراءة التقليدية. فالشذرة تنجز الفكرة بدل أن تقولها، وتستعيض عن الحدث التفصيلي برؤية، وتعتمد على الانزياح، تاركة فراغًا تأويليًا على القارئ أن يملأه. وهي فكرة تقوّض من داخلها، فالنص الشذري لا يشرح الفكرة بل ينجزها، وهو لا يكتفي بعرض الرأي بل يسعى لإحداث أثر.
وتتأسّس الوحدة الجمالية في هذا الكتاب عبر التقاطع بين هذين النمطين، مشكلة فسيفساء نصية تتراوح بين الانضباط والحرية، وبين النسق والشرود. وفي هذا التقاطع تحديدًا يكتسب النص القصير طاقته الأدبية: فالمقولة تمنح الكتاب عموده الفقري، فيما تمنحه الشذرة نبضه الإيقاعي وتوتره الجمالي. فكسر نمط القراءة هنا، استراتيجية تلقي؛ لاستدراج القارئ إلى حالة تيقّظ دائم، وليس فوضى أجناسية.
إن "جدليّة المنجل والسنبلة"، في بعدها الرمزي، تغدو رؤية نقدية لطبيعة الكتابة الوجيزة ذاتها: كتابة تقطع لتكشف، وتومض لتستمر، وتختصر لتوسّع. وبين حدّ المنجل وامتلاء السنبلة تنشأ المسافة التي يشغلها هذا الكتاب، حيث تتحوّل الجملة القصيرة إلى أسئلة تحاور القارئ وتدعوه إلى اكتشاف ما يتخفّى خلف الاقتصاد اللغوي من ثراء دلالي وجمالي.
هذه المقولات والشذرات سجلها الكاتب على مدى سنوات عديدة، وفي مناسبات وظروف مختلفة، فكل منها مرتبط بتجربة ما، كانت الفكرة وليدتها.