بين تقاطع المصالح المحلية والدولية من يقف وراء اغتيال سيف الإسلام القذافي ؟


رم -

مهدي مبارك عبد الله

حين يُغتال الخصم السياسي علنا وفي وضح النهار اعرف أن الدولة ماتت حيث لم يكن اغتيال سيف الإسلام القذافي خطأ أمنيا ولا نتيجة فوضى عشوائية كما تحاول سلطات الأمر الواقع في الغرب الليبي تسويقه بل كان قرارا سياسيا واعيا نُفذ بدم بارد في بلد حول نفسه منذ سنوات الى مشروع للعنف والتصفية فعندما يُقتل شخص بهذا الثقل الرمزي في وضح النهار وداخل مدينة مثل الزنتان المعروفة بتوازنات السيطرة فيها وبخضوعها لنفوذ كتائب ومليشيات محددة يصبح الحديث عن جريمة جنائية عادية ضربا من التضليل المتعمد لان ما جرى هو في الحقيقة اغتيال سياسي مكتمل الأركان تتحمل مسؤوليته منظومة حكم عاجزة أو متواطئة تسيطر على طرابلس وقد حولت الصراع السياسي إلى تصفية جسدية منظمة

الجريمة لم تكن مفاجئة لمن يتابع المشهد الليبي بدقة بل كانت متوقعة وممهدة بخطاب كراهية وإقصاء طويل قادته مليشيات الإسلام السياسي وبعض التشكيلات المسلحة في مصراتة وطرابلس والتي لم تُخف عداءها لسيف الإسلام وأنصاره حيث الرجل تُرك لسنوات مكشوفا بلا حماية حقيقية رغم التهديدات العلنية ووجود محاولات سابقة لاستهدافه وهو ما يجعل الصمت الرسمي من حكومات الغرب الليبي مشاركة فعلية لا إهمالا عابرا فعندما تعلم السلطات بوجود خطر وتختار عدم التحرك فهي لا تفشل فقط بل تمنح الضوء الأخضر لوصول رصاصة القاتل إلى جسد الهدف

الانشغال القائم بهوية المنفذين وحدهم هو محاولة مكشوفة لحماية الرعاة الحقيقيين للجريمة والسؤال الأخطر ليس في معرفة من ضغط الزناد بل من استفاد ومن الذي ربح من إخراج سيف الإسلام من المعادلة الليبية دون انتخابات ودون قضاء خاصة وان الرجل لم يكن قائدا عسكريا لكنه كان يحمل ما هو أخطر من السلاح شرعية وجوبية محتملة في بلد بلا شرعية ورمزية وقادرة على اختراق خطوط الانقسام وهو ما جعله يشكل تهديدا مباشرا لمليشيات بعينها وشخصيات سياسية وقيادات قبلية بنت نفوذها على إطالة عمر الفوضى وتحويل طرابلس ومصراتة إلى مراكز قرار بقوة السلاح لا بقوة التفويض الشعبي

التوقيت المنظم للجريمة وحده يفضح النوايا والاغتيال جاء في لحظة انسداد سياسي شامل حيث تتآكل كل الأجسام القائمة في الغرب الليبي وتتعطل المسارات الانتخابية بفعل قوة فصائل مسلحة تقتات على الفوضى ومع كل تأجيل لها كانت عودة سيف الإسلام تتحول من احتمال نظري إلى هاجس حقيقي لدى هذه القوى ولذلك كان اغتياله قرار إعدام متعمد لفكرة البديل وإعادة فرض للأمر الواقع بالقوة وإغلاق نهائي لأي فرصة لإعادة خلط الأوراق ديمقراطيا

كما ان طريقة التنفيذ تكشف ايضا حجم التواطؤ وان تعطيل كاميرات المراقبة واقتحام موقع إقامة يُفترض أنه خاضع لرقابة مجموعات مسلحة محلية وتنفيذ عملية احترافية ثم الانسحاب بلا أثر ولا محاسبة لا يمكن أن يحدث في الزنتان دون علم أو تغاض أو اختراق عميق لبنية الأمن المحلي والقبلي المرتبط بشبكات نفوذ في طرابلس وهو ما يجعل الحديث عن دولة موحدة مجرد سخرية سوداء في بلد تحكمه المليشيات والعشائر أكثر مما تحكمه المؤسسات والقوانين

السؤال المطروح بإلحاح عن سبب عدم حماية سيف الإسلام رغم وضوح الخطر إجابته سياسية بامتياز لان حمايته كانت تعني الاعتراف به كلاعب مشروع وبحقه الكامل كمواطن في الحياة السياسية وبما في ذلك الترشح للرئاسة وهو ما رفضته قوى نافذة في الغرب الليبي مدعومة بحلفاء خارجيين رأت في عودته تهديدا مباشرا لمعادلات صُممت بعناية لإنتاج سلطات ضعيفة خاضعة للمليشيات بلا أي تفويض شعبي حقيقي فكان الحل الأسهل والأقذر هو إزالته جسديا من الطريق

لكن اغتيال سيف الاسلام لا يغلق ملف أنصار النظام السابق بل سيفجره وبدلا من إدماجهم في مسار مصالحة وطنية شاملة جرى توجيه رسالة دموية مفادها أن الإقصاء مستمر وأن العدالة انتقائية والسياسة العامة في ليبيا لا تزال تُدار بمنطق الغلبة المسلحة لا القانون وهو ما يدفع هذا التيار إلى فقدان أي ثقة في العمل السلمي والمؤسسي الذي تدعيه سلطات طرابلس وبعض الليبيين

الحديث الان عن خليفة سيف الإسلام يمثل قراءة سطحية ومضللة والرجل لم يكن زعيما حزبيا يمكن استبداله بسهولة بل كان عقدة تاريخية تمثل شريحة واسعة من الليبيين التي جرى شطبها قسرا بعد 2011 واغتياله لا يخلق بديلا بقدر ما يفتح فراغا خطيرا قد تملؤه خيارات أكثر راديكالية وتطرف وأقل قابلية للضبط خصوصا في الجنوب والوسط الليبي

الاعتقاد بأن أنصاره سيسكتون على خذخ الجريمة النكراء هو مجرد وهم آخر تروج له قوى الأمر الواقع والسكوت في ليبيا ليس نهاية بل تخزين للغضب والدم الذي لا يُحاسب عليه يتحول إلى دين مؤجل في الذاكرة الجمعية وقد يُستدعى في أكثر اللحظات هشاشة وهذا ما يجعل اغتيال سيف الاسلام مكسبا قصير الأمد لمليشيات الغرب مقابل كلفة وطنية مستقبلية باهظة

في سياقات الشكوك السياسية بمن يقف وراء الاغتيال لا يمكن تجاهل اسم خليفة حفتر لا من باب الاتهام القضائي بل من باب التساؤل المشروع خصوصا وان الرجل يملك نفوذا عسكريا واسعا وشبكة علاقات أمنية ممتدة و سيف الإسلام كان يمثل تهديدا محتملا لأي مشروع يسعى لاحتكار التمثيل السياسي والعسكري في الشرق والجنوب والصمت المطبق من معسكره وغياب أي موقف واضح يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول حدود علمه أو استفادته السياسية من غياب هذا الخصم الرمزي

لا يمكن ايضا في ذات التوجه القفز على مسؤولية حكومة طرابلس ومراكز النفوذ المسلحة في مصراتة دون طرح اتهام سياسي مباشر لا لبس فيه فهذه السلطات التي تدّعي الشرعية ولم تكتفِ بالعجز عن حماية سيف الإسلام رغم علمها المسبق بحجم التهديد بل وفرت ببيئتها الأمنية المختلة الغطاء المثالي للجريمة وحين تُدار العاصمة والمناطق المحيطة بها بمنطق المليشيات لا بمنطق الدولة يصبح الاغتيال نتيجة طبيعية لا استثناء مؤسفا كما أن العداء المعلن من قوى نافذة في مصراتة لسيف الإسلام وتحريضها المستمر ضده يجعل صمتها بعد الجريمة أقرب إلى التواطؤ السياسي منه إلى الحياد فالحكومة التي تعجز عن كشف القتلة أو ترفض فتح تحقيق شفاف لا يمكن اعتبارها شاهدا بريئا بل طرفا سياسيا مستفيدا من تغييب خصم كان يهدد معادلة سلطتها القائمة على تعطيل الانتخابات وإقصاء المنافسين بالقوة لا بالقانون

الحقيقة ايضا ان المسؤولية الأخلاقية للمجتمع الدولي لا تقل جسامة عن مسؤولية الأطراف المحلية فالدول التي ترفع شعارات دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان اختارت في الحالة الليبية الصمت الانتقائي وغض الطرف المتعمد عن مناخ التحريض والإقصاء الذي سبق الاغتيال والتغاضي عن سيف الإسلام كفاعل سياسي محتمل ورفض الضغط الجدي لتأمين حقه في المحاكمة العادلة أو المشاركة السياسية جعلا من دمه ثمنا مقبولا في حسابات الاستقرار الزائف وهكذا تحول المجتمع الدولي من ضامن مفترض للشرعية إلى شريك أخلاقي في جريمة الصمت حيث يُقتل الخصم السياسي خارج القانون ثم يُطوى الملف باسم الواقعية السياسية

قد تتسع دائرة المسؤولية الأخلاقية لتشمل أطرافا دولية بعينها لا يمكن فصل سلوكها عن مناخ الإفلات الذي سبق الجريمة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذان تجاهلا عمدا ملف سيف الإسلام كمرشح محتمل ورفضَا الضغط لضمان حقه في الحماية أو المحاكمة العادلة أسهما بصمتهما في تحويله إلى هدف مشروع كما أن بعثة الأمم المتحدة التي اكتفت بإدارة الانسداد السياسي بدل كسره وفرت مظلة سياسية لاستمرار الإقصاء بينما لعبت بعض العواصم الإقليمية الداعمة لقوى الأمر الواقع في طرابلس ومصراتة دورا غير مباشر في ترسيخ معادلة مفادها أن الاستقرار الشكلي أهم من العدالة وهكذا تواطأ الخارج بالصمت والحسابات مع الداخل بالسلاح ليُغتال الخصم السياسي خارج أي إطار قانوني ثم يُقدَّم ذلك كأمر واقع

بهذا الواقع الاليم لم يكن اغتيال سيف الإسلام القذافي نهاية رجل بقدر ما كان إعلان إفلاس كامل لمسار سياسي في ليبيا عجز عن بناء دولة فلجأ إلى الاغتيال كأداة إدارة ومن يفشل في الاحتكام إلى القانون يختبئ خلف المليشيات ومن يخشى صندوق الاقتراع يفتح المقابر وليبيا التي سمحت بحدوث هذه الجريمة بعجزها أو بتواطئها قدمت دليلا إضافيا على أنها ما زالت رهينة منطق القوة وأن الطريق إلى الدولة لا يزال مغلقا بالدم وبعض الليبيين يحملون مصراته و الزنتان والمشري والدبيبات والرئاسي و مجلس الدولة والبرلمان وعبدالله ناكر في هذه المصيبة

في المحصلة : ان اغتيال سيف الإسلام القذافي كان إعلان صارخ بأن ليبيا تُدار بمنطق الرصاص لا بمنطق الدولة وأن من يرفع شعارات الشرعية وهو يعجز عن حماية خصومه أو محاسبة قتلتهم إنما يحكم بالخوف لا بالقانون وان الدم الذي سُفك لإغلاق باب السياسة لن يطفئ الصراع بل سيعيد فتحه بأشكال أعنف لأن الأوطان التي تختار القتل بديلا عن العدالة لا تكتب نهاياتها بقرارات رسمية بل بانفجارات مؤجلة ستطال اثارها الجميع

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]







عدد المشاهدات : (708)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :