من كُنّاشة مُعلِّم في السّبعينيّات ( معهد المعلمين/ حُوّارة) سلامٌ على ذاك اليافع، وهو عازم على السّفر للدراسة في معهد المعلمين في حوّارة متوجها من الجنوب، ومن قرية نائية، لا كهرباء ولا ماء ولا طريق معبّدا فيها، ناطحا عالمًا مجهولا، وغربة واغترابا نفسيا يومها، متوجسًا من رياح الشّمال أن تثنيَه عن هدفه. حملَ حقيبته الكرتونيّة ذات القفلين الجانبيين، بعد أن أمضى ليلته الأخيرة في جمع بعض ملابسه فَرِحًا (ببيجامته) المُرقّطة سروالا بلا قميص ..
اشترتها العجوز الخياطة بالذراع من (الصّوف الربيعيّ) و أحاط السّروال في أعلاه(مغيطا) رفيعا ( آخر ما توصلت إليه الخيّاطة العجوز) لِيلفّه حول خصرِه النّحيل، متلهفا الوصول وممارسة لبس البيجامة ليلا أمام الزملاء! كان هذا هو الدرس الأول في الاعتماد على النفس ... والمرّة الأولى التي سيقابل بها زملاءه القادمين من شتى الأنحاء ليصبّوا سيرهم الذاتية في المعهد وفي القسم الداخلي بالذات... يا لَها من دهشة محمومة أنْ تنام ليلة مع هذا الخليط العجيب من الزملاء... لهجات متباينة.. وعادات متنوعة...وأمزجة متعددة! لكنها تجربة فريدة. الليل في المعهد له مذاقٌ خاص، وسكون مرعب، لم يتبدد قليلا إلا عندما لبست البيجامة المخطّطة، ولففتُ حول رقبتي ( بشكير الجيش الأخضر) وحملت صابونة النّعامة التي لو سقطت على قدمي لطلب لي مراقب القاعات سيارة الإسعاف فورا ... غسلتُ يديّ بصعوبة لما ران عليها من آثار السفر، ولم تكن فرشاة الأسنان من الأولويات، حاولت أن أتلمس وجهي في المرآة لكنني لم أجده. نشرتُ ملابسي الداخليّة بجوار أخواتها من الملابس على لوحة التدفئة المركزيّة، وصعدت سُلّم السريرِ المُدلّى ذي الطابقين كالقنفذ، وسط مجموعة كبيرة من نزلاء الغرفة المستجدين ومن سبقونا، وبعد محاولات من المجاملات الطفوليّة، وإظهار(الفهلوة والعرط والمزط) نامت عيناي، ولَم أنم. سلامٌ على مَمرّ القسم الداخلي الطويل، الذي تتناهشه غرف الطلاب يُمنة ويسرة، وهو يغصُّ بعشرات الخزانات المحشوّة بالبيض المسلوق، وبقايا الخبز والجبن للقدامى، المخطوفة من مطعم المعهد للاستمتاع بها في سهرة منتصف الليل على الأسرّة. وقت العشاء الساعة السادسة مساء.. نظام عسكري صارم، والجوع لا يزغزغ الأفواه والبطون إلا متأخرا! معهد حوّارة يبعدُ عن البلدة القديمة، وحول المعهد فضاءٌ ممتد، فترى من نوافذ غرفهِ إيدون غربا والرمثا شرقا، وسهولا مزروعة بالقمح تسرّ الناظرين، وبين حوارة وإربد شارع رئيس هرم، تهرّه الكلاب، ويخلو جنباته من العمران، وليس أمام الطلاب من سبيل إلى الرفاهية وتغيير الحال، عند غيري، أما أنا فلا، إلا وجبات القسم الداخلي المجانيّة و( مجدرة يوم الثلاثاء) وسبع حبات من الزيتون يوميا، وقطعة دجاج على الغداء.. وجباتٌ محدودة ومحصورة كَمّا وكيفا لطلبة لا يشبعون ! لذا، لا غرابة أن تصدقوني إن قلتُ إنّ بيضة مسلوقة مسروقة من مطعم المعهد(سَحَلت) من جيب أحد الطلاب المُغادرين المطعم لتتوقف عند قدميْ مُراقب الطّعام وسط قهقهات من شهدوا الوقيعة في المطعم! فمن الضروري، والحالة كذلك، أن يفكر الطلبة في خطط جهنميّة لتأمين ما يؤكل فيما بعد، وتوفير جزء من وجبة السادسة( والدجاج لم ينم بعد) من المطعم للخارج ولو سرقة بريئة ومن حصته الشخصيّة. سلامٌ على الأساتذة الذين تكلّست أصابعُهم بالطباشير البيضاء أمام السبورة الخضراء الممتدة خلفهم... ليبنوا لطلبتهم قصورا شاهقة من الرّخام الأبيض! سلامٌ على باص المعهد العجوز، الذي تسمع سُعاله من بعيد، حين كان يتنقل بطلبة التطبيق المُكثّف في السنة الأخيرة، ويلقي بهم أمام مدارس إربد، ويعود بهم ظهرا إلى حيث روائح مطعم المعهد وغرف النوم! كان التطبيقُ العمليّ في المدارس متعة وزهوًا؛ لأن الطالب الُمتدرّب يصبحُ معلمًا، ويزاول مهنة التدريس، ويتدرب على التحضير، ويخوض غمار المواقف الصفيّة، وما فيها من متعة وطرافة وحَرَج أحيانا. سلامٌ على مدرسة الأرقم بن الأرقم في الرمثا ، التي وقف بها صاحب البيجامة لأول مرّة معلما أمام طلبة الصف الرابع مزهوا بربطة عنقه القصيرة و(بجاكيت أزرق) كان مشنوقا على رصيف أحد محلات البالة أمام معسكر الزرقاء، استعدادا لمثل هذا اللقاء السنيّ أمام الطلاب! سلامٌ على الدنانير الثلاثة التي هي كل مصروفي الشهري المتحصّل عليها من أخي بائع (بوزا وإيما) ثلاجة الكتف بحزامها الكالح ينادي صباح مساء على بضاعته بين أزقة القرية ودهشة الأطفال وحتى الكبار. الطفل بائع(الأسكيمو) لا يجرّب تذوقها خوفا من الخسارة! كم كان منظر ( بسكوتة البوزا) الملّونة المُمتلئة أمرا مدهشا، والثلاجة الصغيرة المُستجلبة من المصنع في الكرك محمولة على الأكتاف الغضة أمرا مؤلما وقاسيا! وأخيرا، سلامٌ على تلك العجوز، التي كانت تُكسّرُ عُمرَها أمام(الصاج) حطبًا، لتجعل منه معلما(قدّ الدُّنيا) وأستاذا جامعيّا متقاعدا، لا تغرُّه الدّنيا!
من كُنّاشة مُعلِّم في السّبعينيّات ( معهد المعلمين/ حُوّارة) سلامٌ على ذاك اليافع، وهو عازم على السّفر للدراسة في معهد المعلمين في حوّارة متوجها من الجنوب، ومن قرية نائية، لا كهرباء ولا ماء ولا طريق معبّدا فيها، ناطحا عالمًا مجهولا، وغربة واغترابا نفسيا يومها، متوجسًا من رياح الشّمال أن تثنيَه عن هدفه. حملَ حقيبته الكرتونيّة ذات القفلين الجانبيين، بعد أن أمضى ليلته الأخيرة في جمع بعض ملابسه فَرِحًا (ببيجامته) المُرقّطة سروالا بلا قميص ..
اشترتها العجوز الخياطة بالذراع من (الصّوف الربيعيّ) و أحاط السّروال في أعلاه(مغيطا) رفيعا ( آخر ما توصلت إليه الخيّاطة العجوز) لِيلفّه حول خصرِه النّحيل، متلهفا الوصول وممارسة لبس البيجامة ليلا أمام الزملاء! كان هذا هو الدرس الأول في الاعتماد على النفس ... والمرّة الأولى التي سيقابل بها زملاءه القادمين من شتى الأنحاء ليصبّوا سيرهم الذاتية في المعهد وفي القسم الداخلي بالذات... يا لَها من دهشة محمومة أنْ تنام ليلة مع هذا الخليط العجيب من الزملاء... لهجات متباينة.. وعادات متنوعة...وأمزجة متعددة! لكنها تجربة فريدة. الليل في المعهد له مذاقٌ خاص، وسكون مرعب، لم يتبدد قليلا إلا عندما لبست البيجامة المخطّطة، ولففتُ حول رقبتي ( بشكير الجيش الأخضر) وحملت صابونة النّعامة التي لو سقطت على قدمي لطلب لي مراقب القاعات سيارة الإسعاف فورا ... غسلتُ يديّ بصعوبة لما ران عليها من آثار السفر، ولم تكن فرشاة الأسنان من الأولويات، حاولت أن أتلمس وجهي في المرآة لكنني لم أجده. نشرتُ ملابسي الداخليّة بجوار أخواتها من الملابس على لوحة التدفئة المركزيّة، وصعدت سُلّم السريرِ المُدلّى ذي الطابقين كالقنفذ، وسط مجموعة كبيرة من نزلاء الغرفة المستجدين ومن سبقونا، وبعد محاولات من المجاملات الطفوليّة، وإظهار(الفهلوة والعرط والمزط) نامت عيناي، ولَم أنم. سلامٌ على مَمرّ القسم الداخلي الطويل، الذي تتناهشه غرف الطلاب يُمنة ويسرة، وهو يغصُّ بعشرات الخزانات المحشوّة بالبيض المسلوق، وبقايا الخبز والجبن للقدامى، المخطوفة من مطعم المعهد للاستمتاع بها في سهرة منتصف الليل على الأسرّة. وقت العشاء الساعة السادسة مساء.. نظام عسكري صارم، والجوع لا يزغزغ الأفواه والبطون إلا متأخرا! معهد حوّارة يبعدُ عن البلدة القديمة، وحول المعهد فضاءٌ ممتد، فترى من نوافذ غرفهِ إيدون غربا والرمثا شرقا، وسهولا مزروعة بالقمح تسرّ الناظرين، وبين حوارة وإربد شارع رئيس هرم، تهرّه الكلاب، ويخلو جنباته من العمران، وليس أمام الطلاب من سبيل إلى الرفاهية وتغيير الحال، عند غيري، أما أنا فلا، إلا وجبات القسم الداخلي المجانيّة و( مجدرة يوم الثلاثاء) وسبع حبات من الزيتون يوميا، وقطعة دجاج على الغداء.. وجباتٌ محدودة ومحصورة كَمّا وكيفا لطلبة لا يشبعون ! لذا، لا غرابة أن تصدقوني إن قلتُ إنّ بيضة مسلوقة مسروقة من مطعم المعهد(سَحَلت) من جيب أحد الطلاب المُغادرين المطعم لتتوقف عند قدميْ مُراقب الطّعام وسط قهقهات من شهدوا الوقيعة في المطعم! فمن الضروري، والحالة كذلك، أن يفكر الطلبة في خطط جهنميّة لتأمين ما يؤكل فيما بعد، وتوفير جزء من وجبة السادسة( والدجاج لم ينم بعد) من المطعم للخارج ولو سرقة بريئة ومن حصته الشخصيّة. سلامٌ على الأساتذة الذين تكلّست أصابعُهم بالطباشير البيضاء أمام السبورة الخضراء الممتدة خلفهم... ليبنوا لطلبتهم قصورا شاهقة من الرّخام الأبيض! سلامٌ على باص المعهد العجوز، الذي تسمع سُعاله من بعيد، حين كان يتنقل بطلبة التطبيق المُكثّف في السنة الأخيرة، ويلقي بهم أمام مدارس إربد، ويعود بهم ظهرا إلى حيث روائح مطعم المعهد وغرف النوم! كان التطبيقُ العمليّ في المدارس متعة وزهوًا؛ لأن الطالب الُمتدرّب يصبحُ معلمًا، ويزاول مهنة التدريس، ويتدرب على التحضير، ويخوض غمار المواقف الصفيّة، وما فيها من متعة وطرافة وحَرَج أحيانا. سلامٌ على مدرسة الأرقم بن الأرقم في الرمثا ، التي وقف بها صاحب البيجامة لأول مرّة معلما أمام طلبة الصف الرابع مزهوا بربطة عنقه القصيرة و(بجاكيت أزرق) كان مشنوقا على رصيف أحد محلات البالة أمام معسكر الزرقاء، استعدادا لمثل هذا اللقاء السنيّ أمام الطلاب! سلامٌ على الدنانير الثلاثة التي هي كل مصروفي الشهري المتحصّل عليها من أخي بائع (بوزا وإيما) ثلاجة الكتف بحزامها الكالح ينادي صباح مساء على بضاعته بين أزقة القرية ودهشة الأطفال وحتى الكبار. الطفل بائع(الأسكيمو) لا يجرّب تذوقها خوفا من الخسارة! كم كان منظر ( بسكوتة البوزا) الملّونة المُمتلئة أمرا مدهشا، والثلاجة الصغيرة المُستجلبة من المصنع في الكرك محمولة على الأكتاف الغضة أمرا مؤلما وقاسيا! وأخيرا، سلامٌ على تلك العجوز، التي كانت تُكسّرُ عُمرَها أمام(الصاج) حطبًا، لتجعل منه معلما(قدّ الدُّنيا) وأستاذا جامعيّا متقاعدا، لا تغرُّه الدّنيا!
من كُنّاشة مُعلِّم في السّبعينيّات ( معهد المعلمين/ حُوّارة) سلامٌ على ذاك اليافع، وهو عازم على السّفر للدراسة في معهد المعلمين في حوّارة متوجها من الجنوب، ومن قرية نائية، لا كهرباء ولا ماء ولا طريق معبّدا فيها، ناطحا عالمًا مجهولا، وغربة واغترابا نفسيا يومها، متوجسًا من رياح الشّمال أن تثنيَه عن هدفه. حملَ حقيبته الكرتونيّة ذات القفلين الجانبيين، بعد أن أمضى ليلته الأخيرة في جمع بعض ملابسه فَرِحًا (ببيجامته) المُرقّطة سروالا بلا قميص ..
اشترتها العجوز الخياطة بالذراع من (الصّوف الربيعيّ) و أحاط السّروال في أعلاه(مغيطا) رفيعا ( آخر ما توصلت إليه الخيّاطة العجوز) لِيلفّه حول خصرِه النّحيل، متلهفا الوصول وممارسة لبس البيجامة ليلا أمام الزملاء! كان هذا هو الدرس الأول في الاعتماد على النفس ... والمرّة الأولى التي سيقابل بها زملاءه القادمين من شتى الأنحاء ليصبّوا سيرهم الذاتية في المعهد وفي القسم الداخلي بالذات... يا لَها من دهشة محمومة أنْ تنام ليلة مع هذا الخليط العجيب من الزملاء... لهجات متباينة.. وعادات متنوعة...وأمزجة متعددة! لكنها تجربة فريدة. الليل في المعهد له مذاقٌ خاص، وسكون مرعب، لم يتبدد قليلا إلا عندما لبست البيجامة المخطّطة، ولففتُ حول رقبتي ( بشكير الجيش الأخضر) وحملت صابونة النّعامة التي لو سقطت على قدمي لطلب لي مراقب القاعات سيارة الإسعاف فورا ... غسلتُ يديّ بصعوبة لما ران عليها من آثار السفر، ولم تكن فرشاة الأسنان من الأولويات، حاولت أن أتلمس وجهي في المرآة لكنني لم أجده. نشرتُ ملابسي الداخليّة بجوار أخواتها من الملابس على لوحة التدفئة المركزيّة، وصعدت سُلّم السريرِ المُدلّى ذي الطابقين كالقنفذ، وسط مجموعة كبيرة من نزلاء الغرفة المستجدين ومن سبقونا، وبعد محاولات من المجاملات الطفوليّة، وإظهار(الفهلوة والعرط والمزط) نامت عيناي، ولَم أنم. سلامٌ على مَمرّ القسم الداخلي الطويل، الذي تتناهشه غرف الطلاب يُمنة ويسرة، وهو يغصُّ بعشرات الخزانات المحشوّة بالبيض المسلوق، وبقايا الخبز والجبن للقدامى، المخطوفة من مطعم المعهد للاستمتاع بها في سهرة منتصف الليل على الأسرّة. وقت العشاء الساعة السادسة مساء.. نظام عسكري صارم، والجوع لا يزغزغ الأفواه والبطون إلا متأخرا! معهد حوّارة يبعدُ عن البلدة القديمة، وحول المعهد فضاءٌ ممتد، فترى من نوافذ غرفهِ إيدون غربا والرمثا شرقا، وسهولا مزروعة بالقمح تسرّ الناظرين، وبين حوارة وإربد شارع رئيس هرم، تهرّه الكلاب، ويخلو جنباته من العمران، وليس أمام الطلاب من سبيل إلى الرفاهية وتغيير الحال، عند غيري، أما أنا فلا، إلا وجبات القسم الداخلي المجانيّة و( مجدرة يوم الثلاثاء) وسبع حبات من الزيتون يوميا، وقطعة دجاج على الغداء.. وجباتٌ محدودة ومحصورة كَمّا وكيفا لطلبة لا يشبعون ! لذا، لا غرابة أن تصدقوني إن قلتُ إنّ بيضة مسلوقة مسروقة من مطعم المعهد(سَحَلت) من جيب أحد الطلاب المُغادرين المطعم لتتوقف عند قدميْ مُراقب الطّعام وسط قهقهات من شهدوا الوقيعة في المطعم! فمن الضروري، والحالة كذلك، أن يفكر الطلبة في خطط جهنميّة لتأمين ما يؤكل فيما بعد، وتوفير جزء من وجبة السادسة( والدجاج لم ينم بعد) من المطعم للخارج ولو سرقة بريئة ومن حصته الشخصيّة. سلامٌ على الأساتذة الذين تكلّست أصابعُهم بالطباشير البيضاء أمام السبورة الخضراء الممتدة خلفهم... ليبنوا لطلبتهم قصورا شاهقة من الرّخام الأبيض! سلامٌ على باص المعهد العجوز، الذي تسمع سُعاله من بعيد، حين كان يتنقل بطلبة التطبيق المُكثّف في السنة الأخيرة، ويلقي بهم أمام مدارس إربد، ويعود بهم ظهرا إلى حيث روائح مطعم المعهد وغرف النوم! كان التطبيقُ العمليّ في المدارس متعة وزهوًا؛ لأن الطالب الُمتدرّب يصبحُ معلمًا، ويزاول مهنة التدريس، ويتدرب على التحضير، ويخوض غمار المواقف الصفيّة، وما فيها من متعة وطرافة وحَرَج أحيانا. سلامٌ على مدرسة الأرقم بن الأرقم في الرمثا ، التي وقف بها صاحب البيجامة لأول مرّة معلما أمام طلبة الصف الرابع مزهوا بربطة عنقه القصيرة و(بجاكيت أزرق) كان مشنوقا على رصيف أحد محلات البالة أمام معسكر الزرقاء، استعدادا لمثل هذا اللقاء السنيّ أمام الطلاب! سلامٌ على الدنانير الثلاثة التي هي كل مصروفي الشهري المتحصّل عليها من أخي بائع (بوزا وإيما) ثلاجة الكتف بحزامها الكالح ينادي صباح مساء على بضاعته بين أزقة القرية ودهشة الأطفال وحتى الكبار. الطفل بائع(الأسكيمو) لا يجرّب تذوقها خوفا من الخسارة! كم كان منظر ( بسكوتة البوزا) الملّونة المُمتلئة أمرا مدهشا، والثلاجة الصغيرة المُستجلبة من المصنع في الكرك محمولة على الأكتاف الغضة أمرا مؤلما وقاسيا! وأخيرا، سلامٌ على تلك العجوز، التي كانت تُكسّرُ عُمرَها أمام(الصاج) حطبًا، لتجعل منه معلما(قدّ الدُّنيا) وأستاذا جامعيّا متقاعدا، لا تغرُّه الدّنيا!
التعليقات