الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
في عالم الإدارة، من السهل أن تكون صاحب قرار، لكن الأصعب أن تكون قائدًا يعرف متى يتخذ القرار، وكيف يطبقه، وكيف يحافظ في الوقت ذاته على كرامة الإنسان الذي سيتأثر به. فالقيادة الحقيقية لا تُختبر عندما تسير الأمور كما خُطط لها، وإنما عندما يخطئ موظف، أو يتعثر فريق، أو تتراجع النتائج، أو تفرض الظروف قرارًا صعبًا. لسنوات طويلة، ارتبطت صورة المدير القوي في بعض مؤسساتنا بالصرامة، وارتفاع سقف الأوامر، والمسافة التي تفصله عن العاملين. حتى أصبح البعض يخشى أن يُفسر الاستماع ضعفًا، وأن يُفهم التسامح ترددًا، وأن يؤدي الاقتراب من الناس إلى فقدان الهيبة .
لكن التجربة تقول إن القائد يستطيع أن يكون حازمًا دون قسوة، وقريبًا دون أن يفقد سلطته، ومتعاطفًا دون أن يتنازل عن معايير الأداء والمساءلة. فالتعاطف القيادي ليس مجاملة ولا إعفاءً من المسؤولية، وإنما القدرة على فهم الإنسان قبل الحكم على الموقف، والاستماع قبل اتخاذ القرار، والتمييز بين الخطأ الناتج عن الإهمال والخطأ الذي يحدث أثناء محاولة جادة، وبين من يتهرب من مسؤوليته ومن يواجه ظرفًا يحتاج معه إلى فرصة عادلة.
وفي الأردن نماذج وطنية تؤكد أن البعد الإنساني يمكن أن يتحول إلى نهج مؤسسي. ففي مركز الحسين للسرطان ارتبطت مسيرة سمو الأميرة غيداء طلال بفكرة أن علاج المريض لا ينفصل عن كرامته وحالته النفسية والاجتماعية وظروف أسرته.
وعندما امتدت خدمات المركز إلى العقبة، لم يكن الأمر مجرد توسع جغرافي، بل خطوة لتقريب العلاج من مرضى الجنوب وتخفيف مشقة السفر والابتعاد عن أسرهم، إلى جانب توفير فرص عمل لأبناء المجتمعات المحلية. وفي القطاع الخاص، تقدم تجربة أرامكس التي انطلقت بقيادة الريادي الأردني فادي غندور مثالًا مختلفًا على الاستثمار في الإنسان، وبناء ثقافة مؤسسية تهتم بتطوير العاملين وتشجع المبادرة وريادة الأعمال والمسؤولية المجتمعية. وقد امتدت هذه الرؤية إلى مبادرات اجتماعية وتعليمية تستثمر في الشباب وتمكنهم من خدمة مجتمعاتهم. فالنجاح المؤسسي المستدام لا يصنعه رأس المال وحده، وإنما الإنسان الذي يشعر بأن له قيمة ودورًا وصوتًا.
وفي جامعاتنا ومدارسنا ومستشفياتنا ومصانعنا يمكن ممارسة هذا النوع من القيادة يوميًا. قد يبدأ الأمر عندما يستمع رئيس القسم إلى عضو هيئة تدريس شاب قبل الحكم على تجربته، أو عندما يبحث مدير المصنع عن أسباب تراجع أداء أحد العاملين قبل معاقبته، أو عندما يقدر المسؤول حجم الضغط الذي يتحمله الطبيب والممرض، أو عندما يمنح المدير موظفًا يواجه ظرفًا طارئًا مساحة من المرونة دون الإخلال بحقوق المؤسسة. لكن التعاطف لا يعني أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، أو أن تصبح الظروف مبررًا دائمًا للتقصير. فالمؤسسة التي تغيب عنها المساءلة تضعف، كما تضعف المؤسسة التي تتحول أنظمتها إلى نصوص جامدة لا ترى الإنسان. والقيادة الناضجة تعرف الفرق بين الرحمة والمحسوبية، وبين المرونة والفوضى، وبين منح فرصة جديدة والتساهل المستمر مع التقصير.
وأحيانًا تصنع التفاصيل الصغيرة الفرق الأكبر: أن تستمع دون مقاطعة، وأن تسأل قبل أن تحكم، وأن تشكر من أنجز، وأن تنسب الفكرة إلى صاحبها، وأن تنتقد العمل دون إهانة صاحبه، وأن تمتلك الشجاعة لتقول: أخطأت. هذه التفاصيل قد لا تظهر في التقارير، لكنها تبني أهم رصيد داخل أي مؤسسة: الثقة. نحن بحاجة إلى إعادة تعريف صورة القائد القوي في مؤسساتنا. فارتفاع الصوت ليس قوة، وكثرة العقوبات ليست انضباطًا، وإغلاق الأبواب لا يصنع الهيبة.
القائد الحقيقي يستطيع أن يقول “لا” دون إهانة، وأن يحاسب دون انتقام، وأن يصحح الخطأ دون تحطيم صاحبه، وأن يضع مصلحة المؤسسة فوق المجاملات دون أن يفقد إنسانيته. وفي النهاية، سيغادر كل قائد مكتبه يومًا، وستبقى بعض قراراته في الملفات، لكن أثره الأعمق سيبقى في الناس الذين عملوا معه: هل جعلهم أكثر خوفًا أم أكثر ثقة؟ هل أغلق أمامهم أبواب المبادرة أم منحهم مساحة للنمو؟ وهل كانوا يعملون معه لأنهم يخشونه، أم لأنهم يحترمونه؟ هنا تكمن قوة التعاطف في القيادة: أن تدير بعقلك، وتحكم بعدلك، وتقود بإنسانيتك.
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
في عالم الإدارة، من السهل أن تكون صاحب قرار، لكن الأصعب أن تكون قائدًا يعرف متى يتخذ القرار، وكيف يطبقه، وكيف يحافظ في الوقت ذاته على كرامة الإنسان الذي سيتأثر به. فالقيادة الحقيقية لا تُختبر عندما تسير الأمور كما خُطط لها، وإنما عندما يخطئ موظف، أو يتعثر فريق، أو تتراجع النتائج، أو تفرض الظروف قرارًا صعبًا. لسنوات طويلة، ارتبطت صورة المدير القوي في بعض مؤسساتنا بالصرامة، وارتفاع سقف الأوامر، والمسافة التي تفصله عن العاملين. حتى أصبح البعض يخشى أن يُفسر الاستماع ضعفًا، وأن يُفهم التسامح ترددًا، وأن يؤدي الاقتراب من الناس إلى فقدان الهيبة .
لكن التجربة تقول إن القائد يستطيع أن يكون حازمًا دون قسوة، وقريبًا دون أن يفقد سلطته، ومتعاطفًا دون أن يتنازل عن معايير الأداء والمساءلة. فالتعاطف القيادي ليس مجاملة ولا إعفاءً من المسؤولية، وإنما القدرة على فهم الإنسان قبل الحكم على الموقف، والاستماع قبل اتخاذ القرار، والتمييز بين الخطأ الناتج عن الإهمال والخطأ الذي يحدث أثناء محاولة جادة، وبين من يتهرب من مسؤوليته ومن يواجه ظرفًا يحتاج معه إلى فرصة عادلة.
وفي الأردن نماذج وطنية تؤكد أن البعد الإنساني يمكن أن يتحول إلى نهج مؤسسي. ففي مركز الحسين للسرطان ارتبطت مسيرة سمو الأميرة غيداء طلال بفكرة أن علاج المريض لا ينفصل عن كرامته وحالته النفسية والاجتماعية وظروف أسرته.
وعندما امتدت خدمات المركز إلى العقبة، لم يكن الأمر مجرد توسع جغرافي، بل خطوة لتقريب العلاج من مرضى الجنوب وتخفيف مشقة السفر والابتعاد عن أسرهم، إلى جانب توفير فرص عمل لأبناء المجتمعات المحلية. وفي القطاع الخاص، تقدم تجربة أرامكس التي انطلقت بقيادة الريادي الأردني فادي غندور مثالًا مختلفًا على الاستثمار في الإنسان، وبناء ثقافة مؤسسية تهتم بتطوير العاملين وتشجع المبادرة وريادة الأعمال والمسؤولية المجتمعية. وقد امتدت هذه الرؤية إلى مبادرات اجتماعية وتعليمية تستثمر في الشباب وتمكنهم من خدمة مجتمعاتهم. فالنجاح المؤسسي المستدام لا يصنعه رأس المال وحده، وإنما الإنسان الذي يشعر بأن له قيمة ودورًا وصوتًا.
وفي جامعاتنا ومدارسنا ومستشفياتنا ومصانعنا يمكن ممارسة هذا النوع من القيادة يوميًا. قد يبدأ الأمر عندما يستمع رئيس القسم إلى عضو هيئة تدريس شاب قبل الحكم على تجربته، أو عندما يبحث مدير المصنع عن أسباب تراجع أداء أحد العاملين قبل معاقبته، أو عندما يقدر المسؤول حجم الضغط الذي يتحمله الطبيب والممرض، أو عندما يمنح المدير موظفًا يواجه ظرفًا طارئًا مساحة من المرونة دون الإخلال بحقوق المؤسسة. لكن التعاطف لا يعني أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، أو أن تصبح الظروف مبررًا دائمًا للتقصير. فالمؤسسة التي تغيب عنها المساءلة تضعف، كما تضعف المؤسسة التي تتحول أنظمتها إلى نصوص جامدة لا ترى الإنسان. والقيادة الناضجة تعرف الفرق بين الرحمة والمحسوبية، وبين المرونة والفوضى، وبين منح فرصة جديدة والتساهل المستمر مع التقصير.
وأحيانًا تصنع التفاصيل الصغيرة الفرق الأكبر: أن تستمع دون مقاطعة، وأن تسأل قبل أن تحكم، وأن تشكر من أنجز، وأن تنسب الفكرة إلى صاحبها، وأن تنتقد العمل دون إهانة صاحبه، وأن تمتلك الشجاعة لتقول: أخطأت. هذه التفاصيل قد لا تظهر في التقارير، لكنها تبني أهم رصيد داخل أي مؤسسة: الثقة. نحن بحاجة إلى إعادة تعريف صورة القائد القوي في مؤسساتنا. فارتفاع الصوت ليس قوة، وكثرة العقوبات ليست انضباطًا، وإغلاق الأبواب لا يصنع الهيبة.
القائد الحقيقي يستطيع أن يقول “لا” دون إهانة، وأن يحاسب دون انتقام، وأن يصحح الخطأ دون تحطيم صاحبه، وأن يضع مصلحة المؤسسة فوق المجاملات دون أن يفقد إنسانيته. وفي النهاية، سيغادر كل قائد مكتبه يومًا، وستبقى بعض قراراته في الملفات، لكن أثره الأعمق سيبقى في الناس الذين عملوا معه: هل جعلهم أكثر خوفًا أم أكثر ثقة؟ هل أغلق أمامهم أبواب المبادرة أم منحهم مساحة للنمو؟ وهل كانوا يعملون معه لأنهم يخشونه، أم لأنهم يحترمونه؟ هنا تكمن قوة التعاطف في القيادة: أن تدير بعقلك، وتحكم بعدلك، وتقود بإنسانيتك.
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
في عالم الإدارة، من السهل أن تكون صاحب قرار، لكن الأصعب أن تكون قائدًا يعرف متى يتخذ القرار، وكيف يطبقه، وكيف يحافظ في الوقت ذاته على كرامة الإنسان الذي سيتأثر به. فالقيادة الحقيقية لا تُختبر عندما تسير الأمور كما خُطط لها، وإنما عندما يخطئ موظف، أو يتعثر فريق، أو تتراجع النتائج، أو تفرض الظروف قرارًا صعبًا. لسنوات طويلة، ارتبطت صورة المدير القوي في بعض مؤسساتنا بالصرامة، وارتفاع سقف الأوامر، والمسافة التي تفصله عن العاملين. حتى أصبح البعض يخشى أن يُفسر الاستماع ضعفًا، وأن يُفهم التسامح ترددًا، وأن يؤدي الاقتراب من الناس إلى فقدان الهيبة .
لكن التجربة تقول إن القائد يستطيع أن يكون حازمًا دون قسوة، وقريبًا دون أن يفقد سلطته، ومتعاطفًا دون أن يتنازل عن معايير الأداء والمساءلة. فالتعاطف القيادي ليس مجاملة ولا إعفاءً من المسؤولية، وإنما القدرة على فهم الإنسان قبل الحكم على الموقف، والاستماع قبل اتخاذ القرار، والتمييز بين الخطأ الناتج عن الإهمال والخطأ الذي يحدث أثناء محاولة جادة، وبين من يتهرب من مسؤوليته ومن يواجه ظرفًا يحتاج معه إلى فرصة عادلة.
وفي الأردن نماذج وطنية تؤكد أن البعد الإنساني يمكن أن يتحول إلى نهج مؤسسي. ففي مركز الحسين للسرطان ارتبطت مسيرة سمو الأميرة غيداء طلال بفكرة أن علاج المريض لا ينفصل عن كرامته وحالته النفسية والاجتماعية وظروف أسرته.
وعندما امتدت خدمات المركز إلى العقبة، لم يكن الأمر مجرد توسع جغرافي، بل خطوة لتقريب العلاج من مرضى الجنوب وتخفيف مشقة السفر والابتعاد عن أسرهم، إلى جانب توفير فرص عمل لأبناء المجتمعات المحلية. وفي القطاع الخاص، تقدم تجربة أرامكس التي انطلقت بقيادة الريادي الأردني فادي غندور مثالًا مختلفًا على الاستثمار في الإنسان، وبناء ثقافة مؤسسية تهتم بتطوير العاملين وتشجع المبادرة وريادة الأعمال والمسؤولية المجتمعية. وقد امتدت هذه الرؤية إلى مبادرات اجتماعية وتعليمية تستثمر في الشباب وتمكنهم من خدمة مجتمعاتهم. فالنجاح المؤسسي المستدام لا يصنعه رأس المال وحده، وإنما الإنسان الذي يشعر بأن له قيمة ودورًا وصوتًا.
وفي جامعاتنا ومدارسنا ومستشفياتنا ومصانعنا يمكن ممارسة هذا النوع من القيادة يوميًا. قد يبدأ الأمر عندما يستمع رئيس القسم إلى عضو هيئة تدريس شاب قبل الحكم على تجربته، أو عندما يبحث مدير المصنع عن أسباب تراجع أداء أحد العاملين قبل معاقبته، أو عندما يقدر المسؤول حجم الضغط الذي يتحمله الطبيب والممرض، أو عندما يمنح المدير موظفًا يواجه ظرفًا طارئًا مساحة من المرونة دون الإخلال بحقوق المؤسسة. لكن التعاطف لا يعني أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، أو أن تصبح الظروف مبررًا دائمًا للتقصير. فالمؤسسة التي تغيب عنها المساءلة تضعف، كما تضعف المؤسسة التي تتحول أنظمتها إلى نصوص جامدة لا ترى الإنسان. والقيادة الناضجة تعرف الفرق بين الرحمة والمحسوبية، وبين المرونة والفوضى، وبين منح فرصة جديدة والتساهل المستمر مع التقصير.
وأحيانًا تصنع التفاصيل الصغيرة الفرق الأكبر: أن تستمع دون مقاطعة، وأن تسأل قبل أن تحكم، وأن تشكر من أنجز، وأن تنسب الفكرة إلى صاحبها، وأن تنتقد العمل دون إهانة صاحبه، وأن تمتلك الشجاعة لتقول: أخطأت. هذه التفاصيل قد لا تظهر في التقارير، لكنها تبني أهم رصيد داخل أي مؤسسة: الثقة. نحن بحاجة إلى إعادة تعريف صورة القائد القوي في مؤسساتنا. فارتفاع الصوت ليس قوة، وكثرة العقوبات ليست انضباطًا، وإغلاق الأبواب لا يصنع الهيبة.
القائد الحقيقي يستطيع أن يقول “لا” دون إهانة، وأن يحاسب دون انتقام، وأن يصحح الخطأ دون تحطيم صاحبه، وأن يضع مصلحة المؤسسة فوق المجاملات دون أن يفقد إنسانيته. وفي النهاية، سيغادر كل قائد مكتبه يومًا، وستبقى بعض قراراته في الملفات، لكن أثره الأعمق سيبقى في الناس الذين عملوا معه: هل جعلهم أكثر خوفًا أم أكثر ثقة؟ هل أغلق أمامهم أبواب المبادرة أم منحهم مساحة للنمو؟ وهل كانوا يعملون معه لأنهم يخشونه، أم لأنهم يحترمونه؟ هنا تكمن قوة التعاطف في القيادة: أن تدير بعقلك، وتحكم بعدلك، وتقود بإنسانيتك.
التعليقات