بقلم: د. قيس البطوش
في عالم يتسارع فيه شريط الأخبار ليصل زمن انتباه الإنسان أمام الشاشات إلى 47 ثانية فقط، ألقى جلالة الملك عبد الله الثاني من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة خطاباً يتجاوز أطر البروتوكول المعتادة؛ خطاباً لم يكتف بوضع النقاط على الحروف، بل خاض في عمق 'سيكولوجيا السياسة' الدولية، مُحذراً من أن أخطر ما يواجه القضايا العادلة اليوم ليس غياب الحلول، بل تشتيت الوعي وتفريغ القانون الدولي من قيمته.
لقد وضع الملك العالم أمام معادلته الأكثر إرباكاً: الانتباه اليوم لم يعد رفاهية ذهنية، بل أصبح مورداً جيوسياسياً نادراً. وحين تُمتهن الدبلوماسية لاحتواء الصراعات بدلاً من مواجهتها، وحين يستبيح الاستيطان والعدوان الأرض والإنسان في فلسطين دون حسيب، فإن هذا التشتت الدولي ليس حادثاً عابراً، بل هو استراتيجية مُمنهجة تُمارس لإيصال المجتمعات إلى مرحلة يصبح فيها 'غير المقبول مألوفاً'.
إن الشجاعة التي اتسمت بها الكلمة تجلّت في تسمية الأشياء بمسمياتها دون مداهنة. تفكيك علني للأوهام الثلاثة التي يستند إليها شلل المجتمع الدولي: إيهام النفس بأن غزة والضفة قضيتان منفصلتان، وأن الرفض الإسرائيلي المتطرف لحل الدولتين سيتغير تلقائياً دون ضغط، والافتراء بـ 'عدم وجود شريك عربي للسلام'. أعلنها الخطاب صريحة: المساءلة تبدأ من الجرأة في التوصيف، أما استمرار الازدواجية واقتصار قرارات الشرعية الدولية تجاه إسرائيل على أن تكون 'حبراً على ورق'، فهو هدم صريح للمنظومة الأخلاقية التي أُسست عليها المنظمة الدولية.
ولم يغفل الخطاب رسائل القوة الوطنية السيادية؛ فالأردن الذي يبني نموذجاً استثنائياً قائماً على القيم والثبات في منطقة تموج بالتقلبات، بعث بعبارات حاسمة لا تحتمل التأويل: حدودنا الشمالية، أمننا المائي، وأمننا القومي هي خطوط حمراء لن يزيح الأردن نظره عنها أو يتساهل مع أي تهديد يمسّها.
لقد أثبت الخطاب أن الموقف الأردني الثابت لا يحيد بحسب اتجاهات الرياح السياسية ولا يتأثر بتقلبات انتباه العالم. إنها دعوة لإيقاظ الضمير العالمي، مفادها أن الاستثمار في تشتيت الانتباه لن يُلغي الحقيقة، وأن معركة اليوم هي ألا نترك أحداً يسرق منا البوصلة.
بقلم: د. قيس البطوش
في عالم يتسارع فيه شريط الأخبار ليصل زمن انتباه الإنسان أمام الشاشات إلى 47 ثانية فقط، ألقى جلالة الملك عبد الله الثاني من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة خطاباً يتجاوز أطر البروتوكول المعتادة؛ خطاباً لم يكتف بوضع النقاط على الحروف، بل خاض في عمق 'سيكولوجيا السياسة' الدولية، مُحذراً من أن أخطر ما يواجه القضايا العادلة اليوم ليس غياب الحلول، بل تشتيت الوعي وتفريغ القانون الدولي من قيمته.
لقد وضع الملك العالم أمام معادلته الأكثر إرباكاً: الانتباه اليوم لم يعد رفاهية ذهنية، بل أصبح مورداً جيوسياسياً نادراً. وحين تُمتهن الدبلوماسية لاحتواء الصراعات بدلاً من مواجهتها، وحين يستبيح الاستيطان والعدوان الأرض والإنسان في فلسطين دون حسيب، فإن هذا التشتت الدولي ليس حادثاً عابراً، بل هو استراتيجية مُمنهجة تُمارس لإيصال المجتمعات إلى مرحلة يصبح فيها 'غير المقبول مألوفاً'.
إن الشجاعة التي اتسمت بها الكلمة تجلّت في تسمية الأشياء بمسمياتها دون مداهنة. تفكيك علني للأوهام الثلاثة التي يستند إليها شلل المجتمع الدولي: إيهام النفس بأن غزة والضفة قضيتان منفصلتان، وأن الرفض الإسرائيلي المتطرف لحل الدولتين سيتغير تلقائياً دون ضغط، والافتراء بـ 'عدم وجود شريك عربي للسلام'. أعلنها الخطاب صريحة: المساءلة تبدأ من الجرأة في التوصيف، أما استمرار الازدواجية واقتصار قرارات الشرعية الدولية تجاه إسرائيل على أن تكون 'حبراً على ورق'، فهو هدم صريح للمنظومة الأخلاقية التي أُسست عليها المنظمة الدولية.
ولم يغفل الخطاب رسائل القوة الوطنية السيادية؛ فالأردن الذي يبني نموذجاً استثنائياً قائماً على القيم والثبات في منطقة تموج بالتقلبات، بعث بعبارات حاسمة لا تحتمل التأويل: حدودنا الشمالية، أمننا المائي، وأمننا القومي هي خطوط حمراء لن يزيح الأردن نظره عنها أو يتساهل مع أي تهديد يمسّها.
لقد أثبت الخطاب أن الموقف الأردني الثابت لا يحيد بحسب اتجاهات الرياح السياسية ولا يتأثر بتقلبات انتباه العالم. إنها دعوة لإيقاظ الضمير العالمي، مفادها أن الاستثمار في تشتيت الانتباه لن يُلغي الحقيقة، وأن معركة اليوم هي ألا نترك أحداً يسرق منا البوصلة.
بقلم: د. قيس البطوش
في عالم يتسارع فيه شريط الأخبار ليصل زمن انتباه الإنسان أمام الشاشات إلى 47 ثانية فقط، ألقى جلالة الملك عبد الله الثاني من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة خطاباً يتجاوز أطر البروتوكول المعتادة؛ خطاباً لم يكتف بوضع النقاط على الحروف، بل خاض في عمق 'سيكولوجيا السياسة' الدولية، مُحذراً من أن أخطر ما يواجه القضايا العادلة اليوم ليس غياب الحلول، بل تشتيت الوعي وتفريغ القانون الدولي من قيمته.
لقد وضع الملك العالم أمام معادلته الأكثر إرباكاً: الانتباه اليوم لم يعد رفاهية ذهنية، بل أصبح مورداً جيوسياسياً نادراً. وحين تُمتهن الدبلوماسية لاحتواء الصراعات بدلاً من مواجهتها، وحين يستبيح الاستيطان والعدوان الأرض والإنسان في فلسطين دون حسيب، فإن هذا التشتت الدولي ليس حادثاً عابراً، بل هو استراتيجية مُمنهجة تُمارس لإيصال المجتمعات إلى مرحلة يصبح فيها 'غير المقبول مألوفاً'.
إن الشجاعة التي اتسمت بها الكلمة تجلّت في تسمية الأشياء بمسمياتها دون مداهنة. تفكيك علني للأوهام الثلاثة التي يستند إليها شلل المجتمع الدولي: إيهام النفس بأن غزة والضفة قضيتان منفصلتان، وأن الرفض الإسرائيلي المتطرف لحل الدولتين سيتغير تلقائياً دون ضغط، والافتراء بـ 'عدم وجود شريك عربي للسلام'. أعلنها الخطاب صريحة: المساءلة تبدأ من الجرأة في التوصيف، أما استمرار الازدواجية واقتصار قرارات الشرعية الدولية تجاه إسرائيل على أن تكون 'حبراً على ورق'، فهو هدم صريح للمنظومة الأخلاقية التي أُسست عليها المنظمة الدولية.
ولم يغفل الخطاب رسائل القوة الوطنية السيادية؛ فالأردن الذي يبني نموذجاً استثنائياً قائماً على القيم والثبات في منطقة تموج بالتقلبات، بعث بعبارات حاسمة لا تحتمل التأويل: حدودنا الشمالية، أمننا المائي، وأمننا القومي هي خطوط حمراء لن يزيح الأردن نظره عنها أو يتساهل مع أي تهديد يمسّها.
لقد أثبت الخطاب أن الموقف الأردني الثابت لا يحيد بحسب اتجاهات الرياح السياسية ولا يتأثر بتقلبات انتباه العالم. إنها دعوة لإيقاظ الضمير العالمي، مفادها أن الاستثمار في تشتيت الانتباه لن يُلغي الحقيقة، وأن معركة اليوم هي ألا نترك أحداً يسرق منا البوصلة.
التعليقات