أحمد سليمان العُمري
بسم الله الرحمن الرحيم برلين تميل يسارا بينما مكلنبورغ تذهب يمينا دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري واصلت الانتخابات في برلين و «مكلنبورغ - فوربومرن» في شرق ألمانيا تحوّل الخريطة السياسية الألمانية، والمتمثّلة باستمرارية صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا». في مكلنبورغ حصل الحزب على 38.2%، متقدماً على الحزب الاشتراكي الديمقراطي في النتائج الأولية بعد اكتمال الفرز، بعدما كان قد حصل على 16.7% فقط في انتخابات 2021.
وفي برلين حصل على 16.3%، مقارنة بـ 9.1% في انتخابات 2023. أي أن الحديث عن تراجع «البديل» في برلين غير دقيق؛ الحزب صعد هناك أيضاً، لكنه لم يصعد بالحدّة نفسها التي ظهر بها في «مكلنبورغ». الولايتان تقعان في شرق ألمانيا، لكن الناخب الشرقي لم يعد كتلة سياسية واحدة. القاسم المشترك الأوضح بين برلين ومكلنبورغ كان السخط على الحكومة الاتحادية، فقد رأى 59% من الناخبين في مكلنبورغ و53% في برلين أن الحكومة الاتحادية تستحق «صفعة انتخابية»، كما بلغت نسبة الرضا عن الحكومة المحلية في برلين 20% فقط قبل الانتخابات، وهو أدنى مستوى تسجّله قياسات «إنفراتست ديماب» في العاصمة منذ بدء هذا النوع من القياس.
إذن، لم تكن صناديق الاقتراع في الولايتين تتحدث عن الهجرة والأمن وحدهما، بل عن الأسعار والاقتصاد والسكن، وأداء الحكومات وعن شعور متزايد لدى قطاعات من الناخبين بأن الأحزاب التقليدية لم تعد تقدم إجابات مقنعة لمخاوفهم. الغضب يتخذ طريقين مختلفين. في مكلنبورغ استطاع البديل أن يكون الوعاء الأكبر لهذا الغضب.
وتشير بيانات انتقال الأصوات إلى أن الحزب استفاد من أصوات جاءت من غير المصوتين ومن الاشتراكي الديمقراطي والاتحاد المسيحي الديمقراطي واليسار وأحزاب أخرى. والأكثر دلالة أن قوة الحزب لم تعد محصورة في فئة عمرية واحدة، بل امتدت إلى شرائح عمرية مختلفة، بما فيها الناخبون الأصغر سناً، وهذا يجعل تفسير صعوده بوصفه ظاهرة تخص جيلاً شرقياً قديماً وحده تفسيراً غير كافٍ.
لكن هناك عاملاً آخر لا يقل أهمية، وهو تآكل الأحزاب التقليدية. الاتحاد المسيحي الديمقراطي يواجه في مكلنبورغ نتيجة شديدة الضعف، إذ حصل على 4.9% فقط، ليخرج بذلك من برلمان الولاية، وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الاتحاد المسيحي الديمقراطي التي يفشل فيها الحزب في تجاوز عتبة الـ 5% ودخول برلمان إحدى الولايات الألمانية. وهنا تظهر شخصية «مانويلا شفِزيغ»، رئيسة حكومة ولاية مكلنبورغ عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بوصفها عاملاً سياسياً محلياً مهماً في نتيجة الانتخابات، فقد استطاعت أن تفصل نفسها جزئياً عن الحكومة الاتحادية، وأن تقدّم نفسها في الحملة الانتخابية بوصفها صوتاً يعترض على بعض توجهات برلين، مستفيدة من حضورها الشخصي ومن تجربتها الطويلة في الولاية.
وهذه الجزئية مهمة، فصعود البديل إلى 38.2% لا يعني أن كل من يعارض الحكومة الاتحادية أصبح ناخباً للحزب، فقد نجحت «شفِزيغ» في جذب جزء من هذا الغضب إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي حصل على 35.5% رغم خسارته صدارة الولاية. أما برلين فالقصّة مختلفة فالمدينة التي كانت جزءاً من ألمانيا الشرقية لا تشبه مكلنبورغ انتخابياً؛ برلين عاصمة ضخمة شديدة التحضّر والتنوع وقضاياها اليومية مختلفة، بدءاً من السكن مروراً بالإيجارات ولا تنتهي بالنقل والخدمات الحضرية.
لذلك وجد الناخب الغاضب أمامه أكثر من طريق للتعبير عن رفضه. وهنا دخل اليسار بقوة. نجاح اليسار في برلين لم يعد قائماً فقط على قاعدته القديمة في أحياء الشرق وسكان ألمانيا الشرقية السابقين، بل على قاعدة انتخابية أوسع ضمّت شباباً وأكاديميين وسكان أحياء المدينة الكبيرة، فضلاً عن الناخبين من أصول مهاجرة. وبهذه التشكيلة الاجتماعية حصل الحزب على 25.7%، محققاً أفضل نتيجة له في تاريخ برلين.
أما في ملفّ غزّة وفلسطين، فهناك موقف حزبي واضح يتجاوز شخصية «إليف إرالب» التركية - الألمانية، والمرشّحة عن اليسار لرئاسة حكومة الولاية، فقد وصف اليسار في يونيو/حزيران من هذا العام ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة بأنه «إبادة جماعية»، وطالب الحكومة الألمانية بالوقف الفوري لتصدير السلاح إلى إسرائيل وإنهاء التعاون العسكري معها، مؤكّداً أن استمرار الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري للحكومة الإسرائيلية، رغم ما وصفه بجرائم حرب موثّقة، يمثّل خرقاً للالتزامات الدولية. وهو يتقاطع في ذلك مع «تحالف سارا فاغنكنشت»، الذي تبنى بدوره ذات الموقف. بمعنى آخر، الغضب موجود في برلين كما هو موجود في مكلنبورغ، لكن صناديق الاقتراع لم تمنحه الاتجاه نفسه.
في مكلنبورغ كان البديل المستفيد الأكبر ... أما في برلين، فقد تقاسمته قوى سياسية أخرى، وعلى رأسها حصّة الأسد لليسار. إن اختزال المشهد الانتخابي بعبارة «شرق ألمانيا معقل للبديل» لم يعد مقنعاً، فالشرق نفسه يتغير. نعم البديل يواصل التقدم في الشرق، كما كان الحال في «ساكسونيا-أنهالت»، لكنه لا يجد أمامه البيئة الانتخابية نفسها في كل مكان، كما البارحة في برلين، رغم استفادته من السخط، لترتفع حصته بوضوح، لكنه واجه يساراً استطاع أن يعيد تشكيل قاعدته الانتخابية حول قضايا المدينة.
صعود البديل ليس موجة واحدة تسير في اتجاه واحد، بل ظاهرة تتغذّى من ضعف الولاءات الحزبية القديمة ومن أزمة الثقة بالأحزاب التقليدية، لكنها تتخذ أشكالاً مختلفة بحسب طبيعة المجتمع والولاية والقضايا التي تشغل الناخبين. إذن، إلى أي مدى يستطيع البديل أن يصعد؟ ولماذا يجد هذا الصعود طريقاً مفتوحاً في بعض المناطق، بينما تجد أصوات الغضب في مناطق أخرى أحزاباً مختلفة تستوعبها؟ لقد كشفت صناديق الاقتراع البارحة أن الظاهرة الانتخابية لا تخص البديل بعينه، بل المنظومة الحزبية الألمانية، التي أصبح ناخبها أقل ارتباطاً بحزبه القديم، وأكثر قدرة على الانتقال من حزب إلى آخر. [email protected]
أحمد سليمان العُمري
بسم الله الرحمن الرحيم برلين تميل يسارا بينما مكلنبورغ تذهب يمينا دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري واصلت الانتخابات في برلين و «مكلنبورغ - فوربومرن» في شرق ألمانيا تحوّل الخريطة السياسية الألمانية، والمتمثّلة باستمرارية صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا». في مكلنبورغ حصل الحزب على 38.2%، متقدماً على الحزب الاشتراكي الديمقراطي في النتائج الأولية بعد اكتمال الفرز، بعدما كان قد حصل على 16.7% فقط في انتخابات 2021.
وفي برلين حصل على 16.3%، مقارنة بـ 9.1% في انتخابات 2023. أي أن الحديث عن تراجع «البديل» في برلين غير دقيق؛ الحزب صعد هناك أيضاً، لكنه لم يصعد بالحدّة نفسها التي ظهر بها في «مكلنبورغ». الولايتان تقعان في شرق ألمانيا، لكن الناخب الشرقي لم يعد كتلة سياسية واحدة. القاسم المشترك الأوضح بين برلين ومكلنبورغ كان السخط على الحكومة الاتحادية، فقد رأى 59% من الناخبين في مكلنبورغ و53% في برلين أن الحكومة الاتحادية تستحق «صفعة انتخابية»، كما بلغت نسبة الرضا عن الحكومة المحلية في برلين 20% فقط قبل الانتخابات، وهو أدنى مستوى تسجّله قياسات «إنفراتست ديماب» في العاصمة منذ بدء هذا النوع من القياس.
إذن، لم تكن صناديق الاقتراع في الولايتين تتحدث عن الهجرة والأمن وحدهما، بل عن الأسعار والاقتصاد والسكن، وأداء الحكومات وعن شعور متزايد لدى قطاعات من الناخبين بأن الأحزاب التقليدية لم تعد تقدم إجابات مقنعة لمخاوفهم. الغضب يتخذ طريقين مختلفين. في مكلنبورغ استطاع البديل أن يكون الوعاء الأكبر لهذا الغضب.
وتشير بيانات انتقال الأصوات إلى أن الحزب استفاد من أصوات جاءت من غير المصوتين ومن الاشتراكي الديمقراطي والاتحاد المسيحي الديمقراطي واليسار وأحزاب أخرى. والأكثر دلالة أن قوة الحزب لم تعد محصورة في فئة عمرية واحدة، بل امتدت إلى شرائح عمرية مختلفة، بما فيها الناخبون الأصغر سناً، وهذا يجعل تفسير صعوده بوصفه ظاهرة تخص جيلاً شرقياً قديماً وحده تفسيراً غير كافٍ.
لكن هناك عاملاً آخر لا يقل أهمية، وهو تآكل الأحزاب التقليدية. الاتحاد المسيحي الديمقراطي يواجه في مكلنبورغ نتيجة شديدة الضعف، إذ حصل على 4.9% فقط، ليخرج بذلك من برلمان الولاية، وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الاتحاد المسيحي الديمقراطي التي يفشل فيها الحزب في تجاوز عتبة الـ 5% ودخول برلمان إحدى الولايات الألمانية. وهنا تظهر شخصية «مانويلا شفِزيغ»، رئيسة حكومة ولاية مكلنبورغ عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بوصفها عاملاً سياسياً محلياً مهماً في نتيجة الانتخابات، فقد استطاعت أن تفصل نفسها جزئياً عن الحكومة الاتحادية، وأن تقدّم نفسها في الحملة الانتخابية بوصفها صوتاً يعترض على بعض توجهات برلين، مستفيدة من حضورها الشخصي ومن تجربتها الطويلة في الولاية.
وهذه الجزئية مهمة، فصعود البديل إلى 38.2% لا يعني أن كل من يعارض الحكومة الاتحادية أصبح ناخباً للحزب، فقد نجحت «شفِزيغ» في جذب جزء من هذا الغضب إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي حصل على 35.5% رغم خسارته صدارة الولاية. أما برلين فالقصّة مختلفة فالمدينة التي كانت جزءاً من ألمانيا الشرقية لا تشبه مكلنبورغ انتخابياً؛ برلين عاصمة ضخمة شديدة التحضّر والتنوع وقضاياها اليومية مختلفة، بدءاً من السكن مروراً بالإيجارات ولا تنتهي بالنقل والخدمات الحضرية.
لذلك وجد الناخب الغاضب أمامه أكثر من طريق للتعبير عن رفضه. وهنا دخل اليسار بقوة. نجاح اليسار في برلين لم يعد قائماً فقط على قاعدته القديمة في أحياء الشرق وسكان ألمانيا الشرقية السابقين، بل على قاعدة انتخابية أوسع ضمّت شباباً وأكاديميين وسكان أحياء المدينة الكبيرة، فضلاً عن الناخبين من أصول مهاجرة. وبهذه التشكيلة الاجتماعية حصل الحزب على 25.7%، محققاً أفضل نتيجة له في تاريخ برلين.
أما في ملفّ غزّة وفلسطين، فهناك موقف حزبي واضح يتجاوز شخصية «إليف إرالب» التركية - الألمانية، والمرشّحة عن اليسار لرئاسة حكومة الولاية، فقد وصف اليسار في يونيو/حزيران من هذا العام ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة بأنه «إبادة جماعية»، وطالب الحكومة الألمانية بالوقف الفوري لتصدير السلاح إلى إسرائيل وإنهاء التعاون العسكري معها، مؤكّداً أن استمرار الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري للحكومة الإسرائيلية، رغم ما وصفه بجرائم حرب موثّقة، يمثّل خرقاً للالتزامات الدولية. وهو يتقاطع في ذلك مع «تحالف سارا فاغنكنشت»، الذي تبنى بدوره ذات الموقف. بمعنى آخر، الغضب موجود في برلين كما هو موجود في مكلنبورغ، لكن صناديق الاقتراع لم تمنحه الاتجاه نفسه.
في مكلنبورغ كان البديل المستفيد الأكبر ... أما في برلين، فقد تقاسمته قوى سياسية أخرى، وعلى رأسها حصّة الأسد لليسار. إن اختزال المشهد الانتخابي بعبارة «شرق ألمانيا معقل للبديل» لم يعد مقنعاً، فالشرق نفسه يتغير. نعم البديل يواصل التقدم في الشرق، كما كان الحال في «ساكسونيا-أنهالت»، لكنه لا يجد أمامه البيئة الانتخابية نفسها في كل مكان، كما البارحة في برلين، رغم استفادته من السخط، لترتفع حصته بوضوح، لكنه واجه يساراً استطاع أن يعيد تشكيل قاعدته الانتخابية حول قضايا المدينة.
صعود البديل ليس موجة واحدة تسير في اتجاه واحد، بل ظاهرة تتغذّى من ضعف الولاءات الحزبية القديمة ومن أزمة الثقة بالأحزاب التقليدية، لكنها تتخذ أشكالاً مختلفة بحسب طبيعة المجتمع والولاية والقضايا التي تشغل الناخبين. إذن، إلى أي مدى يستطيع البديل أن يصعد؟ ولماذا يجد هذا الصعود طريقاً مفتوحاً في بعض المناطق، بينما تجد أصوات الغضب في مناطق أخرى أحزاباً مختلفة تستوعبها؟ لقد كشفت صناديق الاقتراع البارحة أن الظاهرة الانتخابية لا تخص البديل بعينه، بل المنظومة الحزبية الألمانية، التي أصبح ناخبها أقل ارتباطاً بحزبه القديم، وأكثر قدرة على الانتقال من حزب إلى آخر. [email protected]
أحمد سليمان العُمري
بسم الله الرحمن الرحيم برلين تميل يسارا بينما مكلنبورغ تذهب يمينا دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري واصلت الانتخابات في برلين و «مكلنبورغ - فوربومرن» في شرق ألمانيا تحوّل الخريطة السياسية الألمانية، والمتمثّلة باستمرارية صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا». في مكلنبورغ حصل الحزب على 38.2%، متقدماً على الحزب الاشتراكي الديمقراطي في النتائج الأولية بعد اكتمال الفرز، بعدما كان قد حصل على 16.7% فقط في انتخابات 2021.
وفي برلين حصل على 16.3%، مقارنة بـ 9.1% في انتخابات 2023. أي أن الحديث عن تراجع «البديل» في برلين غير دقيق؛ الحزب صعد هناك أيضاً، لكنه لم يصعد بالحدّة نفسها التي ظهر بها في «مكلنبورغ». الولايتان تقعان في شرق ألمانيا، لكن الناخب الشرقي لم يعد كتلة سياسية واحدة. القاسم المشترك الأوضح بين برلين ومكلنبورغ كان السخط على الحكومة الاتحادية، فقد رأى 59% من الناخبين في مكلنبورغ و53% في برلين أن الحكومة الاتحادية تستحق «صفعة انتخابية»، كما بلغت نسبة الرضا عن الحكومة المحلية في برلين 20% فقط قبل الانتخابات، وهو أدنى مستوى تسجّله قياسات «إنفراتست ديماب» في العاصمة منذ بدء هذا النوع من القياس.
إذن، لم تكن صناديق الاقتراع في الولايتين تتحدث عن الهجرة والأمن وحدهما، بل عن الأسعار والاقتصاد والسكن، وأداء الحكومات وعن شعور متزايد لدى قطاعات من الناخبين بأن الأحزاب التقليدية لم تعد تقدم إجابات مقنعة لمخاوفهم. الغضب يتخذ طريقين مختلفين. في مكلنبورغ استطاع البديل أن يكون الوعاء الأكبر لهذا الغضب.
وتشير بيانات انتقال الأصوات إلى أن الحزب استفاد من أصوات جاءت من غير المصوتين ومن الاشتراكي الديمقراطي والاتحاد المسيحي الديمقراطي واليسار وأحزاب أخرى. والأكثر دلالة أن قوة الحزب لم تعد محصورة في فئة عمرية واحدة، بل امتدت إلى شرائح عمرية مختلفة، بما فيها الناخبون الأصغر سناً، وهذا يجعل تفسير صعوده بوصفه ظاهرة تخص جيلاً شرقياً قديماً وحده تفسيراً غير كافٍ.
لكن هناك عاملاً آخر لا يقل أهمية، وهو تآكل الأحزاب التقليدية. الاتحاد المسيحي الديمقراطي يواجه في مكلنبورغ نتيجة شديدة الضعف، إذ حصل على 4.9% فقط، ليخرج بذلك من برلمان الولاية، وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الاتحاد المسيحي الديمقراطي التي يفشل فيها الحزب في تجاوز عتبة الـ 5% ودخول برلمان إحدى الولايات الألمانية. وهنا تظهر شخصية «مانويلا شفِزيغ»، رئيسة حكومة ولاية مكلنبورغ عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بوصفها عاملاً سياسياً محلياً مهماً في نتيجة الانتخابات، فقد استطاعت أن تفصل نفسها جزئياً عن الحكومة الاتحادية، وأن تقدّم نفسها في الحملة الانتخابية بوصفها صوتاً يعترض على بعض توجهات برلين، مستفيدة من حضورها الشخصي ومن تجربتها الطويلة في الولاية.
وهذه الجزئية مهمة، فصعود البديل إلى 38.2% لا يعني أن كل من يعارض الحكومة الاتحادية أصبح ناخباً للحزب، فقد نجحت «شفِزيغ» في جذب جزء من هذا الغضب إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي حصل على 35.5% رغم خسارته صدارة الولاية. أما برلين فالقصّة مختلفة فالمدينة التي كانت جزءاً من ألمانيا الشرقية لا تشبه مكلنبورغ انتخابياً؛ برلين عاصمة ضخمة شديدة التحضّر والتنوع وقضاياها اليومية مختلفة، بدءاً من السكن مروراً بالإيجارات ولا تنتهي بالنقل والخدمات الحضرية.
لذلك وجد الناخب الغاضب أمامه أكثر من طريق للتعبير عن رفضه. وهنا دخل اليسار بقوة. نجاح اليسار في برلين لم يعد قائماً فقط على قاعدته القديمة في أحياء الشرق وسكان ألمانيا الشرقية السابقين، بل على قاعدة انتخابية أوسع ضمّت شباباً وأكاديميين وسكان أحياء المدينة الكبيرة، فضلاً عن الناخبين من أصول مهاجرة. وبهذه التشكيلة الاجتماعية حصل الحزب على 25.7%، محققاً أفضل نتيجة له في تاريخ برلين.
أما في ملفّ غزّة وفلسطين، فهناك موقف حزبي واضح يتجاوز شخصية «إليف إرالب» التركية - الألمانية، والمرشّحة عن اليسار لرئاسة حكومة الولاية، فقد وصف اليسار في يونيو/حزيران من هذا العام ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة بأنه «إبادة جماعية»، وطالب الحكومة الألمانية بالوقف الفوري لتصدير السلاح إلى إسرائيل وإنهاء التعاون العسكري معها، مؤكّداً أن استمرار الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري للحكومة الإسرائيلية، رغم ما وصفه بجرائم حرب موثّقة، يمثّل خرقاً للالتزامات الدولية. وهو يتقاطع في ذلك مع «تحالف سارا فاغنكنشت»، الذي تبنى بدوره ذات الموقف. بمعنى آخر، الغضب موجود في برلين كما هو موجود في مكلنبورغ، لكن صناديق الاقتراع لم تمنحه الاتجاه نفسه.
في مكلنبورغ كان البديل المستفيد الأكبر ... أما في برلين، فقد تقاسمته قوى سياسية أخرى، وعلى رأسها حصّة الأسد لليسار. إن اختزال المشهد الانتخابي بعبارة «شرق ألمانيا معقل للبديل» لم يعد مقنعاً، فالشرق نفسه يتغير. نعم البديل يواصل التقدم في الشرق، كما كان الحال في «ساكسونيا-أنهالت»، لكنه لا يجد أمامه البيئة الانتخابية نفسها في كل مكان، كما البارحة في برلين، رغم استفادته من السخط، لترتفع حصته بوضوح، لكنه واجه يساراً استطاع أن يعيد تشكيل قاعدته الانتخابية حول قضايا المدينة.
صعود البديل ليس موجة واحدة تسير في اتجاه واحد، بل ظاهرة تتغذّى من ضعف الولاءات الحزبية القديمة ومن أزمة الثقة بالأحزاب التقليدية، لكنها تتخذ أشكالاً مختلفة بحسب طبيعة المجتمع والولاية والقضايا التي تشغل الناخبين. إذن، إلى أي مدى يستطيع البديل أن يصعد؟ ولماذا يجد هذا الصعود طريقاً مفتوحاً في بعض المناطق، بينما تجد أصوات الغضب في مناطق أخرى أحزاباً مختلفة تستوعبها؟ لقد كشفت صناديق الاقتراع البارحة أن الظاهرة الانتخابية لا تخص البديل بعينه، بل المنظومة الحزبية الألمانية، التي أصبح ناخبها أقل ارتباطاً بحزبه القديم، وأكثر قدرة على الانتقال من حزب إلى آخر. [email protected]
التعليقات