د . مهدي مبارك عبد الله
قبل ايام قليلة حلت الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي تعتبر واحدة من أكبر الأحداث التي غيرت وجه العالم في التاريخ المعاصر والتي نفذها مجموعة انتحاريون اختطفوا أربع طائرات ركاب تجارية اصطدمت ثلاث منها ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر البنتاغون في فرجينيا بينما تحطمت الرابعة في ولاية بنسلفانيا مما أسفر عن مقتل ما يقرب من ثلاثة آلاف ضحية واندلاع ما عُرف لاحقاً بالحرب العالمية على الإرهاب وبعد ربع قرن من الزمان لم يعد السؤال الحقيقي ماذا فعلت أمريكا بعد 11 سبتمبر بصورة انتقامية متهورة وإنما ماذا تعلمت من نتائج كل ما فعلته وهل أدركت أخيراً أن القوة العسكرية قد تستطيع تدمير المدن والجيوش لكنها تعجز وحدها عن صناعة الأمن والاستقرار والسلام . بعد مرور ربع قرن على الواقعة لم يعد ممكناً إخفاء الحقيقة تحت عباءة الشعارات البراقة التي روجت لها ماكينات الدعاية الغربية طويلاً حيث أثبتت الوقائع أن واشنطن لم تتعلم ما يكفي من حروبها السابقة حين انتقلت من أفغانستان إلى العراق ثم إلى سلسلة متواصلة من التدخلات العسكرية والسياسية والتي ساهمت حينها بإضعاف الدولة العراقية وعودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان وتعميق الفوضى الإقليمية .
الخطأ الفكري الأول كان الاعتقاد الامريكي الجازم بأن الإرهاب ولد عند بعض العرب والمسلمين بسبب كراهيتهم للحرية الأمريكية التي تنتشر في العالم وليس نتيجة سياقات سياسية وتاريخية محددة والغريب ان هذه الرؤية المغلوطة أعفت واشنطن كليا من مراجعة سياساتها في المنطقة أو التفكير في آثار العقوبات والحروب والوجود العسكري والدعم غير المشروط لإسرائيل والتجاهل المستمر للمأساة الفلسطينية ولم تسعى واشنطن بتاتا الى دراسة او تفسير أسباب التطرف كنتيجة حتمية لاستمرار استهداف المدنيين وارتكاب الجرائم وان تجاهل الأسباب السياسية والاجتماعية التي تستغلها التنظيمات المتطرفة لا يؤدي إلى القضاء عليها بل يساعد في إنتاج بيئة جديدة أكثر قابلية للتطرف والعداء .
الحرب على العراق عام 2003 جاءت لتقدم الدليل الأكثر فجاجة على خطورة تحويل القوة العسكرية إلى بديل عن السياسة خاصة وان الغزو بني على معلومات ثبت زيفها بشأن أسلحة الدمار الشامل والربط المفتعل بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة حيث انهارت الدولة العراقية وتفككت مؤسساتها واشتعل العنف واستشرت الطائفية وظهرت البيئة التي ساعدت لاحقاً على ولادة تنظيم الدولة الإسلامية وبعد عقدين من الحرب والإنفاق والاحتلال اضطرت الولايات المتحدة إلى مغادرة أفغانستان عام 2021 لتجد طالبان التي حاربتها طوال عشرين عاماً تتمكن من العودة السلطة من جديد اكثر قوة وثبات .
التجربة الامريكية المريرة والخاسرة في افغانستان كان يفترض أن تكون كافية لإقناع واشنطن بأن عمليات القصف وسياسات الغزو والاحتلال لا يستطيع وحدها صناعة نهاية سياسية للحروب كما كان يتوجب أن يصبح درس العراق وأفغانستان قاعدة استراتيجية ثابتة في السياسة الأمريكية وهي أن إسقاط نظام أو تدمير منشآت عسكرية شيء وصناعة نظام مستقر وقابل للحياة شيء آخر تماماً لكن اعادة الاسلوب نفسه من جديد في منطقة الشرق الاوسط يوحي بأن هذه العبر و الدروس لم تستقر بعد في العقل الاستراتيجي الأمريكي المتعنت .
بعد خمسة وعشرين عاماً على 11 سبتمبر تدخل الولايات المتحدة مرة أخرى حرباً كبرى لكن هذه المرة ضد إيران والتي بداة في 28 فبراير 2026 بقصف المدن والمواقع العسكرية والمنشأة النووية والحيوية بمشاركة اسرائيلية وسط تقديرات أمريكية أولية بأنها قد تستمر أسابيع قليلة قبل أن يتبين أن الحسابات كانت أكثر تعقيداً وفسوة وبعد مرور أكثر من ستة أشهر لم تنته الحرب ولم يتم التوصل الى تسوية سياسية مقبولة بينما تغيرت أهداف الحرب تدريجياً من فرضية اسقاط النظام الى المطالبة باعادة فتح مضيق هرمز كواحد من أهم أهداف واشنطن بعدما لم يكن ذلك الهدف في صدارة الحسابات عند بداية الحرب .
هنا تحديداً تتكرر واحدة من أكبر أخطاء مرحلة ما بعد 11 سبتمبر وهي الدخول في الحرب قبل امتلاك تصور واضح لليوم التالي للحرب فقد تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل إلحاق أضرار عسكرية كبيرة بخصم قوي مثل إيران لكن ذلك لا يعني القدرة على فرض نهاية سياسية للحرب حيث أظهرت الأشهر الماضية أن إيران استطاعت مواصلة المواجهة والصمود والقتال والرد المؤلم باستهداف القواعد الامريكية في الخليج والاردن وكردستان ا بالإضافة الى استغلالها للجغرافيا والممرات البحرية لإحداث كلفة اقتصادية واستراتيجية باهضه جدا على خصومها وهكذا انتقلت واشنطن من الحديث عن ضرب القدرات العسكرية الإيرانية إلى مواجهة أزمة أوسع تتعلق بإمدادات الطاقة وخطوط الملاحة العالمية والسيطرة الايرانية على مضيق هرمز وتعطيل عبور السفن .
المفارقة الأشد قسوة أن الولايات المتحدة التي خاضت حروبها السابقة تحت شعار حماية الأمن والسلم العالمي تجد نفسها اليوم أمام أزمة أمنية واقتصادية عالمية متصاعدة ساهمت الحرب الحالية في تعميقها بعدما تراجعت حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض في الأيام الأخيرة رغم أن المضيق كان يمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز العالمية كما تجاوزت أسعار النفط حاجز المئة دولار وهي مرشحة للزيادة في ظل اضطراب الإمدادات ووصول تأثير الحرب إلى البنية النفطية في الخليج والبحر الأحمر .
بالنظر الى الكلفة المالية المباشرة للحرب نجد ان حجم المشكلة بدأ يتكشف بصورة أكثر وضوحاً حيث قدرت هيئة الميزانية في الكونغرس الأمريكي مؤخرا كلفة الحرب على إيران بنحو 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس الماضي مع توقع إضافة ما بين ملياري وثلاثة مليارات دولار شهرياً إذا استمر القتال لمدة اطول كما أشارت تقارير موثقة بان بروز ضغوط جديدة على مخزونات بعض الذخائر الأمريكية والمطالبة بتكاليف إضافية لإعادة بناء القدرات التي استهلكتها الحرب وهنا يعود السؤال الذي كان ينبغي أن تتعلمه واشنطن من عدوانها على العراق وأفغانستان وهو ليس فقط كم تستطيع الولايات المتحدة أن تنفق على الحرب وإنما إلى أين تقودها هذه الحرب في النهاية وماذا ستفعل في اليوم الذي يلي توقف القتال .
الواقع الاكثر دلالة على التخبط والعجز الامريكي يظهر في ان الحرب بدأت بأهداف محددة ثم أخذت تتبدل مع الزمن وهذه ليست مسألة تفصيلية بل علامة استراتيجية شديدة الأهمية لأن الحرب التي تتغير أهدافها أثناء استمرارها تكون معرضة للتحول من عملية عسكرية محدودة إلى صراع مفتوح يبحث عن مخرج بعدما أصبح المخرج نفسه جزءاً من المشكلة وهذا ما حدث في العراق حين تحولت مهمة إسقاط النظام إلى احتلال ثم إلى بناء دولة ثم إلى مواجهة تمرد مسلح ثم إلى حرب طويلة استنزفت الولايات المتحدة وأضعفت صورتها الدولية .
حتى الساعة لم تتعلم واشنطن من تجربة العراق وأفغانستان بأن الخصم الذي لا يستطيع مواجهة القوة الأمريكية في حرب تقليدية قد يمتلك وسائل أخرى لإطالة الحرب ورفع كلفتها وإيران لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً لكي تجعل الحرب مكلفة وإنما يكفيها أن تستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام والضغط على الممرات البحرية والقواعد والمصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الحرب لم تعد محصورة داخل الأراضي الإيرانية بل أصبحت تمتد إلى هرمز والبحر الأحمر والخليج ودول الحلفاء والمنشآت النفطية والممرات التجارية .
اللافت ان الفرق الكبير بين الانتصار العسكري والانتصار السياسي لم تفهمه الولايات المتحدة وظلت تعتقد ان تدمير الأهداف العسكرية أو القواعد أو المنشأة الحيوية بالقوة وحدها قد تجعل دولة بحجم إيران تقبل بإملاءاتها السياسية التي لا تريدها وهذه هي بالضبط العقدة التي واجهتها واشنطن في العراق وأفغانستان والتي كان يفترض أن تكون من أكثر عبر ودروس ربع القرن وضوحاً بان القوة تستطيع عمليا فتح الحرب لكنها لا تستطيع وحدها إغلاقها بشروط المنتصر .
لا شك بان واشنطن أنفقت خلال ربع القرن المضي تريليونات من الدولارات وخاضت حروباً عديدة وأسقطت حكومات وأقامت قواعد وفرضت عقوبات واسعة لكن النتيجة لم تؤدي الى اختفاء الخصوم والاعداء وإنما تكاثروا وتغيرت أشكالهم واهدافهم وقوتهم وكل حرب امريكية تركت وراءها جروحاً سياسية وذاكرة جماعية وشعوراً واسعاً بالظلم واستعداداً أكبر للانتقام ومقاومة النفوذ الأمريكي وهكذا تحولت الحرب التي كان يفترض أن تجعل الولايات المتحدة أكثر أمناً إلى انتشار عدم الاستقرار وفقدان الامن الذي تعاني منه اليوم المنطقة والعالم .
الملاحظ بوضوح كبير ان مشهد الفشل الأمريكي المزمن بات يكتمل في معالجتها للقضية الفلسطينية حيث تصرفت واشنطن طوال عقود باعتبارها وسيطاً بينما قدمت في الواقع دعماً سياسياً وعسكرياً واسعاً لإسرائيل الأمر الذي جعل الفلسطينيين والعرب يرون وجود فجوة هائلة في الممارسة الفعلية بين الخطاب الأمريكي عن القانون الدولي وحقوق الإنسان ومع استمرار الحرب على غزة والتوسع الاستيطاني والعنف في الضفة الغربية تبدو واشنطن وكأنها تعيد إنتاج أحد أهم أسباب الغضب الذي قالت إنها جاءت بعد 11 سبتمبر للقضاء عليه.
خلال السنوات الخمس والعشرون الماضية كان على واشنطن ان تراجع نفسها وتستوعب وتفهم أن العنف السياسي لا يولد من فراغ وأن الاحتلال والقصف والعقوبات والتدخلات الخارجية يمكن أن تتحول إلى وقود طويل الأمد للصراعات وهذا التصور لا يبرر الإرهاب ولا يستثني المسؤولين عن قتل المدنيين من المحاسبة ولكنه يثبت أن محاربة العنف لا يمكن أن تنجح إذا ظلت السياسات التي تغذي الغضب والاستقطاب قائمة ومن هنا فإن استمرار واشنطن في معالجة أزمات الشرق الأوسط بالقوة العسكرية وحدها يعني أنها لم تفهم بتاتا أهم دروس 11 سبتمبر بضرورة التوقف عن استخدام القوة المتكرر باعتبارها بديلاً عن السياسة والدبلوماسية والتفاهمات الإقليمية .
لعل الأخطر في القراءة الدقيقة للتطورات الجارية أن الحرب الإيرانية الحالية جاءت في وقت لم تعد فيه المنطقة كما كانت عام 2001 حيث تغيرت موازين القوى وتطورت قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة وازدادت أهمية الممرات البحرية وظهرت قوى إقليمية قادرة على تعطيل الحسابات الأمريكية والإسرائيلية ولذلك فإن محاولة ترامب إدارة الشرق الأوسط بعقلية مرحلة ما بعد 11 سبتمبر لم تعد مجرد خطأ سياسي وإنما أصبحت مخاطرة استراتيجية يمكن أن تفتح أبواباً لا يعرف نفسه كيف سيغلقها كن ما كان عليه ان يفهم الحرب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الطائرات التي تستطيع الدولة إرسالها إلى السماء وإنما بقدرتها على تحمل التداعيات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية لما بعد الضربة الأولى .
السؤال الذي تطرحه الذكرى الخامسة والعشرون للحادي عشر من سبتمبر لم يعد سؤالاً تاريخياً عن أخطاء جورج بوش وحده وإنما عن واشنطن اليوم فإذا كانت الولايات المتحدة قد عرفت بعد العراق وأفغانستان أن القوة العسكرية لا تستطيع وحدها فرض نظام سياسي بديل وأن الحروب المفتوحة تخلق أعداء جدد اشد تصميما وعقيدة وأن الاحتلال يولد مقاومة عنيفة وأن غياب خطة اليوم التالي يحول الانتصار العسكري إلى مأزق سياسي فلماذا تعيد إنتاج المنطق نفسه والاخطاء ذاتها في إيران لقد كان يفترض أن تكون السنوات الخمس والعشرون الماضية مدرسة استراتيجية كبرى لواشنطن للتعلم من أخطائها .
ختاما : إن النتيجة الحتمية لخمسة وعشرين عاماً من الحرب العالمية على الإرهاب تتجلى في التآكل الكامل للأسس الفلسفية والأخلاقية التي كانت تبرر بها أمريكا قيادتها للعالم والقانون الدولي فقد معناه الحقيقي بعدما بات يطبق بانتقائية فجة لمعاقبة الخصوم في ايران بينما يتم التغاضي عن جرائم الأصدقاء في اسرائيل كما ان حقوق الإنسان التي تتغنى بها امريكا أصبحت مجرد أداة للابتزاز السياسي بعد أن استثني منها الإنسان العربي والمسلم في فلسطين والعراق وأفغانستان واليمن ولبنان وسوريا مما يثبت أن ربع قرن من الزمان كان كافياً ليفصل التاريخ فيه الهستيريا والواقع عن الدعاية ولتدرك شعوب الأرض كافة يأن الإمبراطورية الأمريكية لم تتعلم شيئاً ولم تراجع أخطاءها بل بقيت أسيرة لغطرسة القوة وشهوة التوسع والنفوذ التي ستقودها حتماً إلى مزيد من الانحدار الجيوسياسي والأخلاقي والعسكري في عالم يرفض هيمنة الاحادية القطبية وغير مستعد لقبول الوصاية والتبعية القسرية الأمريكية . كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]
د . مهدي مبارك عبد الله
قبل ايام قليلة حلت الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي تعتبر واحدة من أكبر الأحداث التي غيرت وجه العالم في التاريخ المعاصر والتي نفذها مجموعة انتحاريون اختطفوا أربع طائرات ركاب تجارية اصطدمت ثلاث منها ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر البنتاغون في فرجينيا بينما تحطمت الرابعة في ولاية بنسلفانيا مما أسفر عن مقتل ما يقرب من ثلاثة آلاف ضحية واندلاع ما عُرف لاحقاً بالحرب العالمية على الإرهاب وبعد ربع قرن من الزمان لم يعد السؤال الحقيقي ماذا فعلت أمريكا بعد 11 سبتمبر بصورة انتقامية متهورة وإنما ماذا تعلمت من نتائج كل ما فعلته وهل أدركت أخيراً أن القوة العسكرية قد تستطيع تدمير المدن والجيوش لكنها تعجز وحدها عن صناعة الأمن والاستقرار والسلام . بعد مرور ربع قرن على الواقعة لم يعد ممكناً إخفاء الحقيقة تحت عباءة الشعارات البراقة التي روجت لها ماكينات الدعاية الغربية طويلاً حيث أثبتت الوقائع أن واشنطن لم تتعلم ما يكفي من حروبها السابقة حين انتقلت من أفغانستان إلى العراق ثم إلى سلسلة متواصلة من التدخلات العسكرية والسياسية والتي ساهمت حينها بإضعاف الدولة العراقية وعودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان وتعميق الفوضى الإقليمية .
الخطأ الفكري الأول كان الاعتقاد الامريكي الجازم بأن الإرهاب ولد عند بعض العرب والمسلمين بسبب كراهيتهم للحرية الأمريكية التي تنتشر في العالم وليس نتيجة سياقات سياسية وتاريخية محددة والغريب ان هذه الرؤية المغلوطة أعفت واشنطن كليا من مراجعة سياساتها في المنطقة أو التفكير في آثار العقوبات والحروب والوجود العسكري والدعم غير المشروط لإسرائيل والتجاهل المستمر للمأساة الفلسطينية ولم تسعى واشنطن بتاتا الى دراسة او تفسير أسباب التطرف كنتيجة حتمية لاستمرار استهداف المدنيين وارتكاب الجرائم وان تجاهل الأسباب السياسية والاجتماعية التي تستغلها التنظيمات المتطرفة لا يؤدي إلى القضاء عليها بل يساعد في إنتاج بيئة جديدة أكثر قابلية للتطرف والعداء .
الحرب على العراق عام 2003 جاءت لتقدم الدليل الأكثر فجاجة على خطورة تحويل القوة العسكرية إلى بديل عن السياسة خاصة وان الغزو بني على معلومات ثبت زيفها بشأن أسلحة الدمار الشامل والربط المفتعل بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة حيث انهارت الدولة العراقية وتفككت مؤسساتها واشتعل العنف واستشرت الطائفية وظهرت البيئة التي ساعدت لاحقاً على ولادة تنظيم الدولة الإسلامية وبعد عقدين من الحرب والإنفاق والاحتلال اضطرت الولايات المتحدة إلى مغادرة أفغانستان عام 2021 لتجد طالبان التي حاربتها طوال عشرين عاماً تتمكن من العودة السلطة من جديد اكثر قوة وثبات .
التجربة الامريكية المريرة والخاسرة في افغانستان كان يفترض أن تكون كافية لإقناع واشنطن بأن عمليات القصف وسياسات الغزو والاحتلال لا يستطيع وحدها صناعة نهاية سياسية للحروب كما كان يتوجب أن يصبح درس العراق وأفغانستان قاعدة استراتيجية ثابتة في السياسة الأمريكية وهي أن إسقاط نظام أو تدمير منشآت عسكرية شيء وصناعة نظام مستقر وقابل للحياة شيء آخر تماماً لكن اعادة الاسلوب نفسه من جديد في منطقة الشرق الاوسط يوحي بأن هذه العبر و الدروس لم تستقر بعد في العقل الاستراتيجي الأمريكي المتعنت .
بعد خمسة وعشرين عاماً على 11 سبتمبر تدخل الولايات المتحدة مرة أخرى حرباً كبرى لكن هذه المرة ضد إيران والتي بداة في 28 فبراير 2026 بقصف المدن والمواقع العسكرية والمنشأة النووية والحيوية بمشاركة اسرائيلية وسط تقديرات أمريكية أولية بأنها قد تستمر أسابيع قليلة قبل أن يتبين أن الحسابات كانت أكثر تعقيداً وفسوة وبعد مرور أكثر من ستة أشهر لم تنته الحرب ولم يتم التوصل الى تسوية سياسية مقبولة بينما تغيرت أهداف الحرب تدريجياً من فرضية اسقاط النظام الى المطالبة باعادة فتح مضيق هرمز كواحد من أهم أهداف واشنطن بعدما لم يكن ذلك الهدف في صدارة الحسابات عند بداية الحرب .
هنا تحديداً تتكرر واحدة من أكبر أخطاء مرحلة ما بعد 11 سبتمبر وهي الدخول في الحرب قبل امتلاك تصور واضح لليوم التالي للحرب فقد تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل إلحاق أضرار عسكرية كبيرة بخصم قوي مثل إيران لكن ذلك لا يعني القدرة على فرض نهاية سياسية للحرب حيث أظهرت الأشهر الماضية أن إيران استطاعت مواصلة المواجهة والصمود والقتال والرد المؤلم باستهداف القواعد الامريكية في الخليج والاردن وكردستان ا بالإضافة الى استغلالها للجغرافيا والممرات البحرية لإحداث كلفة اقتصادية واستراتيجية باهضه جدا على خصومها وهكذا انتقلت واشنطن من الحديث عن ضرب القدرات العسكرية الإيرانية إلى مواجهة أزمة أوسع تتعلق بإمدادات الطاقة وخطوط الملاحة العالمية والسيطرة الايرانية على مضيق هرمز وتعطيل عبور السفن .
المفارقة الأشد قسوة أن الولايات المتحدة التي خاضت حروبها السابقة تحت شعار حماية الأمن والسلم العالمي تجد نفسها اليوم أمام أزمة أمنية واقتصادية عالمية متصاعدة ساهمت الحرب الحالية في تعميقها بعدما تراجعت حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض في الأيام الأخيرة رغم أن المضيق كان يمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز العالمية كما تجاوزت أسعار النفط حاجز المئة دولار وهي مرشحة للزيادة في ظل اضطراب الإمدادات ووصول تأثير الحرب إلى البنية النفطية في الخليج والبحر الأحمر .
بالنظر الى الكلفة المالية المباشرة للحرب نجد ان حجم المشكلة بدأ يتكشف بصورة أكثر وضوحاً حيث قدرت هيئة الميزانية في الكونغرس الأمريكي مؤخرا كلفة الحرب على إيران بنحو 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس الماضي مع توقع إضافة ما بين ملياري وثلاثة مليارات دولار شهرياً إذا استمر القتال لمدة اطول كما أشارت تقارير موثقة بان بروز ضغوط جديدة على مخزونات بعض الذخائر الأمريكية والمطالبة بتكاليف إضافية لإعادة بناء القدرات التي استهلكتها الحرب وهنا يعود السؤال الذي كان ينبغي أن تتعلمه واشنطن من عدوانها على العراق وأفغانستان وهو ليس فقط كم تستطيع الولايات المتحدة أن تنفق على الحرب وإنما إلى أين تقودها هذه الحرب في النهاية وماذا ستفعل في اليوم الذي يلي توقف القتال .
الواقع الاكثر دلالة على التخبط والعجز الامريكي يظهر في ان الحرب بدأت بأهداف محددة ثم أخذت تتبدل مع الزمن وهذه ليست مسألة تفصيلية بل علامة استراتيجية شديدة الأهمية لأن الحرب التي تتغير أهدافها أثناء استمرارها تكون معرضة للتحول من عملية عسكرية محدودة إلى صراع مفتوح يبحث عن مخرج بعدما أصبح المخرج نفسه جزءاً من المشكلة وهذا ما حدث في العراق حين تحولت مهمة إسقاط النظام إلى احتلال ثم إلى بناء دولة ثم إلى مواجهة تمرد مسلح ثم إلى حرب طويلة استنزفت الولايات المتحدة وأضعفت صورتها الدولية .
حتى الساعة لم تتعلم واشنطن من تجربة العراق وأفغانستان بأن الخصم الذي لا يستطيع مواجهة القوة الأمريكية في حرب تقليدية قد يمتلك وسائل أخرى لإطالة الحرب ورفع كلفتها وإيران لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً لكي تجعل الحرب مكلفة وإنما يكفيها أن تستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام والضغط على الممرات البحرية والقواعد والمصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الحرب لم تعد محصورة داخل الأراضي الإيرانية بل أصبحت تمتد إلى هرمز والبحر الأحمر والخليج ودول الحلفاء والمنشآت النفطية والممرات التجارية .
اللافت ان الفرق الكبير بين الانتصار العسكري والانتصار السياسي لم تفهمه الولايات المتحدة وظلت تعتقد ان تدمير الأهداف العسكرية أو القواعد أو المنشأة الحيوية بالقوة وحدها قد تجعل دولة بحجم إيران تقبل بإملاءاتها السياسية التي لا تريدها وهذه هي بالضبط العقدة التي واجهتها واشنطن في العراق وأفغانستان والتي كان يفترض أن تكون من أكثر عبر ودروس ربع القرن وضوحاً بان القوة تستطيع عمليا فتح الحرب لكنها لا تستطيع وحدها إغلاقها بشروط المنتصر .
لا شك بان واشنطن أنفقت خلال ربع القرن المضي تريليونات من الدولارات وخاضت حروباً عديدة وأسقطت حكومات وأقامت قواعد وفرضت عقوبات واسعة لكن النتيجة لم تؤدي الى اختفاء الخصوم والاعداء وإنما تكاثروا وتغيرت أشكالهم واهدافهم وقوتهم وكل حرب امريكية تركت وراءها جروحاً سياسية وذاكرة جماعية وشعوراً واسعاً بالظلم واستعداداً أكبر للانتقام ومقاومة النفوذ الأمريكي وهكذا تحولت الحرب التي كان يفترض أن تجعل الولايات المتحدة أكثر أمناً إلى انتشار عدم الاستقرار وفقدان الامن الذي تعاني منه اليوم المنطقة والعالم .
الملاحظ بوضوح كبير ان مشهد الفشل الأمريكي المزمن بات يكتمل في معالجتها للقضية الفلسطينية حيث تصرفت واشنطن طوال عقود باعتبارها وسيطاً بينما قدمت في الواقع دعماً سياسياً وعسكرياً واسعاً لإسرائيل الأمر الذي جعل الفلسطينيين والعرب يرون وجود فجوة هائلة في الممارسة الفعلية بين الخطاب الأمريكي عن القانون الدولي وحقوق الإنسان ومع استمرار الحرب على غزة والتوسع الاستيطاني والعنف في الضفة الغربية تبدو واشنطن وكأنها تعيد إنتاج أحد أهم أسباب الغضب الذي قالت إنها جاءت بعد 11 سبتمبر للقضاء عليه.
خلال السنوات الخمس والعشرون الماضية كان على واشنطن ان تراجع نفسها وتستوعب وتفهم أن العنف السياسي لا يولد من فراغ وأن الاحتلال والقصف والعقوبات والتدخلات الخارجية يمكن أن تتحول إلى وقود طويل الأمد للصراعات وهذا التصور لا يبرر الإرهاب ولا يستثني المسؤولين عن قتل المدنيين من المحاسبة ولكنه يثبت أن محاربة العنف لا يمكن أن تنجح إذا ظلت السياسات التي تغذي الغضب والاستقطاب قائمة ومن هنا فإن استمرار واشنطن في معالجة أزمات الشرق الأوسط بالقوة العسكرية وحدها يعني أنها لم تفهم بتاتا أهم دروس 11 سبتمبر بضرورة التوقف عن استخدام القوة المتكرر باعتبارها بديلاً عن السياسة والدبلوماسية والتفاهمات الإقليمية .
لعل الأخطر في القراءة الدقيقة للتطورات الجارية أن الحرب الإيرانية الحالية جاءت في وقت لم تعد فيه المنطقة كما كانت عام 2001 حيث تغيرت موازين القوى وتطورت قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة وازدادت أهمية الممرات البحرية وظهرت قوى إقليمية قادرة على تعطيل الحسابات الأمريكية والإسرائيلية ولذلك فإن محاولة ترامب إدارة الشرق الأوسط بعقلية مرحلة ما بعد 11 سبتمبر لم تعد مجرد خطأ سياسي وإنما أصبحت مخاطرة استراتيجية يمكن أن تفتح أبواباً لا يعرف نفسه كيف سيغلقها كن ما كان عليه ان يفهم الحرب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الطائرات التي تستطيع الدولة إرسالها إلى السماء وإنما بقدرتها على تحمل التداعيات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية لما بعد الضربة الأولى .
السؤال الذي تطرحه الذكرى الخامسة والعشرون للحادي عشر من سبتمبر لم يعد سؤالاً تاريخياً عن أخطاء جورج بوش وحده وإنما عن واشنطن اليوم فإذا كانت الولايات المتحدة قد عرفت بعد العراق وأفغانستان أن القوة العسكرية لا تستطيع وحدها فرض نظام سياسي بديل وأن الحروب المفتوحة تخلق أعداء جدد اشد تصميما وعقيدة وأن الاحتلال يولد مقاومة عنيفة وأن غياب خطة اليوم التالي يحول الانتصار العسكري إلى مأزق سياسي فلماذا تعيد إنتاج المنطق نفسه والاخطاء ذاتها في إيران لقد كان يفترض أن تكون السنوات الخمس والعشرون الماضية مدرسة استراتيجية كبرى لواشنطن للتعلم من أخطائها .
ختاما : إن النتيجة الحتمية لخمسة وعشرين عاماً من الحرب العالمية على الإرهاب تتجلى في التآكل الكامل للأسس الفلسفية والأخلاقية التي كانت تبرر بها أمريكا قيادتها للعالم والقانون الدولي فقد معناه الحقيقي بعدما بات يطبق بانتقائية فجة لمعاقبة الخصوم في ايران بينما يتم التغاضي عن جرائم الأصدقاء في اسرائيل كما ان حقوق الإنسان التي تتغنى بها امريكا أصبحت مجرد أداة للابتزاز السياسي بعد أن استثني منها الإنسان العربي والمسلم في فلسطين والعراق وأفغانستان واليمن ولبنان وسوريا مما يثبت أن ربع قرن من الزمان كان كافياً ليفصل التاريخ فيه الهستيريا والواقع عن الدعاية ولتدرك شعوب الأرض كافة يأن الإمبراطورية الأمريكية لم تتعلم شيئاً ولم تراجع أخطاءها بل بقيت أسيرة لغطرسة القوة وشهوة التوسع والنفوذ التي ستقودها حتماً إلى مزيد من الانحدار الجيوسياسي والأخلاقي والعسكري في عالم يرفض هيمنة الاحادية القطبية وغير مستعد لقبول الوصاية والتبعية القسرية الأمريكية . كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]
د . مهدي مبارك عبد الله
قبل ايام قليلة حلت الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي تعتبر واحدة من أكبر الأحداث التي غيرت وجه العالم في التاريخ المعاصر والتي نفذها مجموعة انتحاريون اختطفوا أربع طائرات ركاب تجارية اصطدمت ثلاث منها ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر البنتاغون في فرجينيا بينما تحطمت الرابعة في ولاية بنسلفانيا مما أسفر عن مقتل ما يقرب من ثلاثة آلاف ضحية واندلاع ما عُرف لاحقاً بالحرب العالمية على الإرهاب وبعد ربع قرن من الزمان لم يعد السؤال الحقيقي ماذا فعلت أمريكا بعد 11 سبتمبر بصورة انتقامية متهورة وإنما ماذا تعلمت من نتائج كل ما فعلته وهل أدركت أخيراً أن القوة العسكرية قد تستطيع تدمير المدن والجيوش لكنها تعجز وحدها عن صناعة الأمن والاستقرار والسلام . بعد مرور ربع قرن على الواقعة لم يعد ممكناً إخفاء الحقيقة تحت عباءة الشعارات البراقة التي روجت لها ماكينات الدعاية الغربية طويلاً حيث أثبتت الوقائع أن واشنطن لم تتعلم ما يكفي من حروبها السابقة حين انتقلت من أفغانستان إلى العراق ثم إلى سلسلة متواصلة من التدخلات العسكرية والسياسية والتي ساهمت حينها بإضعاف الدولة العراقية وعودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان وتعميق الفوضى الإقليمية .
الخطأ الفكري الأول كان الاعتقاد الامريكي الجازم بأن الإرهاب ولد عند بعض العرب والمسلمين بسبب كراهيتهم للحرية الأمريكية التي تنتشر في العالم وليس نتيجة سياقات سياسية وتاريخية محددة والغريب ان هذه الرؤية المغلوطة أعفت واشنطن كليا من مراجعة سياساتها في المنطقة أو التفكير في آثار العقوبات والحروب والوجود العسكري والدعم غير المشروط لإسرائيل والتجاهل المستمر للمأساة الفلسطينية ولم تسعى واشنطن بتاتا الى دراسة او تفسير أسباب التطرف كنتيجة حتمية لاستمرار استهداف المدنيين وارتكاب الجرائم وان تجاهل الأسباب السياسية والاجتماعية التي تستغلها التنظيمات المتطرفة لا يؤدي إلى القضاء عليها بل يساعد في إنتاج بيئة جديدة أكثر قابلية للتطرف والعداء .
الحرب على العراق عام 2003 جاءت لتقدم الدليل الأكثر فجاجة على خطورة تحويل القوة العسكرية إلى بديل عن السياسة خاصة وان الغزو بني على معلومات ثبت زيفها بشأن أسلحة الدمار الشامل والربط المفتعل بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة حيث انهارت الدولة العراقية وتفككت مؤسساتها واشتعل العنف واستشرت الطائفية وظهرت البيئة التي ساعدت لاحقاً على ولادة تنظيم الدولة الإسلامية وبعد عقدين من الحرب والإنفاق والاحتلال اضطرت الولايات المتحدة إلى مغادرة أفغانستان عام 2021 لتجد طالبان التي حاربتها طوال عشرين عاماً تتمكن من العودة السلطة من جديد اكثر قوة وثبات .
التجربة الامريكية المريرة والخاسرة في افغانستان كان يفترض أن تكون كافية لإقناع واشنطن بأن عمليات القصف وسياسات الغزو والاحتلال لا يستطيع وحدها صناعة نهاية سياسية للحروب كما كان يتوجب أن يصبح درس العراق وأفغانستان قاعدة استراتيجية ثابتة في السياسة الأمريكية وهي أن إسقاط نظام أو تدمير منشآت عسكرية شيء وصناعة نظام مستقر وقابل للحياة شيء آخر تماماً لكن اعادة الاسلوب نفسه من جديد في منطقة الشرق الاوسط يوحي بأن هذه العبر و الدروس لم تستقر بعد في العقل الاستراتيجي الأمريكي المتعنت .
بعد خمسة وعشرين عاماً على 11 سبتمبر تدخل الولايات المتحدة مرة أخرى حرباً كبرى لكن هذه المرة ضد إيران والتي بداة في 28 فبراير 2026 بقصف المدن والمواقع العسكرية والمنشأة النووية والحيوية بمشاركة اسرائيلية وسط تقديرات أمريكية أولية بأنها قد تستمر أسابيع قليلة قبل أن يتبين أن الحسابات كانت أكثر تعقيداً وفسوة وبعد مرور أكثر من ستة أشهر لم تنته الحرب ولم يتم التوصل الى تسوية سياسية مقبولة بينما تغيرت أهداف الحرب تدريجياً من فرضية اسقاط النظام الى المطالبة باعادة فتح مضيق هرمز كواحد من أهم أهداف واشنطن بعدما لم يكن ذلك الهدف في صدارة الحسابات عند بداية الحرب .
هنا تحديداً تتكرر واحدة من أكبر أخطاء مرحلة ما بعد 11 سبتمبر وهي الدخول في الحرب قبل امتلاك تصور واضح لليوم التالي للحرب فقد تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل إلحاق أضرار عسكرية كبيرة بخصم قوي مثل إيران لكن ذلك لا يعني القدرة على فرض نهاية سياسية للحرب حيث أظهرت الأشهر الماضية أن إيران استطاعت مواصلة المواجهة والصمود والقتال والرد المؤلم باستهداف القواعد الامريكية في الخليج والاردن وكردستان ا بالإضافة الى استغلالها للجغرافيا والممرات البحرية لإحداث كلفة اقتصادية واستراتيجية باهضه جدا على خصومها وهكذا انتقلت واشنطن من الحديث عن ضرب القدرات العسكرية الإيرانية إلى مواجهة أزمة أوسع تتعلق بإمدادات الطاقة وخطوط الملاحة العالمية والسيطرة الايرانية على مضيق هرمز وتعطيل عبور السفن .
المفارقة الأشد قسوة أن الولايات المتحدة التي خاضت حروبها السابقة تحت شعار حماية الأمن والسلم العالمي تجد نفسها اليوم أمام أزمة أمنية واقتصادية عالمية متصاعدة ساهمت الحرب الحالية في تعميقها بعدما تراجعت حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض في الأيام الأخيرة رغم أن المضيق كان يمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز العالمية كما تجاوزت أسعار النفط حاجز المئة دولار وهي مرشحة للزيادة في ظل اضطراب الإمدادات ووصول تأثير الحرب إلى البنية النفطية في الخليج والبحر الأحمر .
بالنظر الى الكلفة المالية المباشرة للحرب نجد ان حجم المشكلة بدأ يتكشف بصورة أكثر وضوحاً حيث قدرت هيئة الميزانية في الكونغرس الأمريكي مؤخرا كلفة الحرب على إيران بنحو 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس الماضي مع توقع إضافة ما بين ملياري وثلاثة مليارات دولار شهرياً إذا استمر القتال لمدة اطول كما أشارت تقارير موثقة بان بروز ضغوط جديدة على مخزونات بعض الذخائر الأمريكية والمطالبة بتكاليف إضافية لإعادة بناء القدرات التي استهلكتها الحرب وهنا يعود السؤال الذي كان ينبغي أن تتعلمه واشنطن من عدوانها على العراق وأفغانستان وهو ليس فقط كم تستطيع الولايات المتحدة أن تنفق على الحرب وإنما إلى أين تقودها هذه الحرب في النهاية وماذا ستفعل في اليوم الذي يلي توقف القتال .
الواقع الاكثر دلالة على التخبط والعجز الامريكي يظهر في ان الحرب بدأت بأهداف محددة ثم أخذت تتبدل مع الزمن وهذه ليست مسألة تفصيلية بل علامة استراتيجية شديدة الأهمية لأن الحرب التي تتغير أهدافها أثناء استمرارها تكون معرضة للتحول من عملية عسكرية محدودة إلى صراع مفتوح يبحث عن مخرج بعدما أصبح المخرج نفسه جزءاً من المشكلة وهذا ما حدث في العراق حين تحولت مهمة إسقاط النظام إلى احتلال ثم إلى بناء دولة ثم إلى مواجهة تمرد مسلح ثم إلى حرب طويلة استنزفت الولايات المتحدة وأضعفت صورتها الدولية .
حتى الساعة لم تتعلم واشنطن من تجربة العراق وأفغانستان بأن الخصم الذي لا يستطيع مواجهة القوة الأمريكية في حرب تقليدية قد يمتلك وسائل أخرى لإطالة الحرب ورفع كلفتها وإيران لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً لكي تجعل الحرب مكلفة وإنما يكفيها أن تستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام والضغط على الممرات البحرية والقواعد والمصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الحرب لم تعد محصورة داخل الأراضي الإيرانية بل أصبحت تمتد إلى هرمز والبحر الأحمر والخليج ودول الحلفاء والمنشآت النفطية والممرات التجارية .
اللافت ان الفرق الكبير بين الانتصار العسكري والانتصار السياسي لم تفهمه الولايات المتحدة وظلت تعتقد ان تدمير الأهداف العسكرية أو القواعد أو المنشأة الحيوية بالقوة وحدها قد تجعل دولة بحجم إيران تقبل بإملاءاتها السياسية التي لا تريدها وهذه هي بالضبط العقدة التي واجهتها واشنطن في العراق وأفغانستان والتي كان يفترض أن تكون من أكثر عبر ودروس ربع القرن وضوحاً بان القوة تستطيع عمليا فتح الحرب لكنها لا تستطيع وحدها إغلاقها بشروط المنتصر .
لا شك بان واشنطن أنفقت خلال ربع القرن المضي تريليونات من الدولارات وخاضت حروباً عديدة وأسقطت حكومات وأقامت قواعد وفرضت عقوبات واسعة لكن النتيجة لم تؤدي الى اختفاء الخصوم والاعداء وإنما تكاثروا وتغيرت أشكالهم واهدافهم وقوتهم وكل حرب امريكية تركت وراءها جروحاً سياسية وذاكرة جماعية وشعوراً واسعاً بالظلم واستعداداً أكبر للانتقام ومقاومة النفوذ الأمريكي وهكذا تحولت الحرب التي كان يفترض أن تجعل الولايات المتحدة أكثر أمناً إلى انتشار عدم الاستقرار وفقدان الامن الذي تعاني منه اليوم المنطقة والعالم .
الملاحظ بوضوح كبير ان مشهد الفشل الأمريكي المزمن بات يكتمل في معالجتها للقضية الفلسطينية حيث تصرفت واشنطن طوال عقود باعتبارها وسيطاً بينما قدمت في الواقع دعماً سياسياً وعسكرياً واسعاً لإسرائيل الأمر الذي جعل الفلسطينيين والعرب يرون وجود فجوة هائلة في الممارسة الفعلية بين الخطاب الأمريكي عن القانون الدولي وحقوق الإنسان ومع استمرار الحرب على غزة والتوسع الاستيطاني والعنف في الضفة الغربية تبدو واشنطن وكأنها تعيد إنتاج أحد أهم أسباب الغضب الذي قالت إنها جاءت بعد 11 سبتمبر للقضاء عليه.
خلال السنوات الخمس والعشرون الماضية كان على واشنطن ان تراجع نفسها وتستوعب وتفهم أن العنف السياسي لا يولد من فراغ وأن الاحتلال والقصف والعقوبات والتدخلات الخارجية يمكن أن تتحول إلى وقود طويل الأمد للصراعات وهذا التصور لا يبرر الإرهاب ولا يستثني المسؤولين عن قتل المدنيين من المحاسبة ولكنه يثبت أن محاربة العنف لا يمكن أن تنجح إذا ظلت السياسات التي تغذي الغضب والاستقطاب قائمة ومن هنا فإن استمرار واشنطن في معالجة أزمات الشرق الأوسط بالقوة العسكرية وحدها يعني أنها لم تفهم بتاتا أهم دروس 11 سبتمبر بضرورة التوقف عن استخدام القوة المتكرر باعتبارها بديلاً عن السياسة والدبلوماسية والتفاهمات الإقليمية .
لعل الأخطر في القراءة الدقيقة للتطورات الجارية أن الحرب الإيرانية الحالية جاءت في وقت لم تعد فيه المنطقة كما كانت عام 2001 حيث تغيرت موازين القوى وتطورت قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة وازدادت أهمية الممرات البحرية وظهرت قوى إقليمية قادرة على تعطيل الحسابات الأمريكية والإسرائيلية ولذلك فإن محاولة ترامب إدارة الشرق الأوسط بعقلية مرحلة ما بعد 11 سبتمبر لم تعد مجرد خطأ سياسي وإنما أصبحت مخاطرة استراتيجية يمكن أن تفتح أبواباً لا يعرف نفسه كيف سيغلقها كن ما كان عليه ان يفهم الحرب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الطائرات التي تستطيع الدولة إرسالها إلى السماء وإنما بقدرتها على تحمل التداعيات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية لما بعد الضربة الأولى .
السؤال الذي تطرحه الذكرى الخامسة والعشرون للحادي عشر من سبتمبر لم يعد سؤالاً تاريخياً عن أخطاء جورج بوش وحده وإنما عن واشنطن اليوم فإذا كانت الولايات المتحدة قد عرفت بعد العراق وأفغانستان أن القوة العسكرية لا تستطيع وحدها فرض نظام سياسي بديل وأن الحروب المفتوحة تخلق أعداء جدد اشد تصميما وعقيدة وأن الاحتلال يولد مقاومة عنيفة وأن غياب خطة اليوم التالي يحول الانتصار العسكري إلى مأزق سياسي فلماذا تعيد إنتاج المنطق نفسه والاخطاء ذاتها في إيران لقد كان يفترض أن تكون السنوات الخمس والعشرون الماضية مدرسة استراتيجية كبرى لواشنطن للتعلم من أخطائها .
ختاما : إن النتيجة الحتمية لخمسة وعشرين عاماً من الحرب العالمية على الإرهاب تتجلى في التآكل الكامل للأسس الفلسفية والأخلاقية التي كانت تبرر بها أمريكا قيادتها للعالم والقانون الدولي فقد معناه الحقيقي بعدما بات يطبق بانتقائية فجة لمعاقبة الخصوم في ايران بينما يتم التغاضي عن جرائم الأصدقاء في اسرائيل كما ان حقوق الإنسان التي تتغنى بها امريكا أصبحت مجرد أداة للابتزاز السياسي بعد أن استثني منها الإنسان العربي والمسلم في فلسطين والعراق وأفغانستان واليمن ولبنان وسوريا مما يثبت أن ربع قرن من الزمان كان كافياً ليفصل التاريخ فيه الهستيريا والواقع عن الدعاية ولتدرك شعوب الأرض كافة يأن الإمبراطورية الأمريكية لم تتعلم شيئاً ولم تراجع أخطاءها بل بقيت أسيرة لغطرسة القوة وشهوة التوسع والنفوذ التي ستقودها حتماً إلى مزيد من الانحدار الجيوسياسي والأخلاقي والعسكري في عالم يرفض هيمنة الاحادية القطبية وغير مستعد لقبول الوصاية والتبعية القسرية الأمريكية . كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]
التعليقات