بقلم: نضال أنور المجالي تظل مهنة الطب واحدة من أقدس الرسالات وأسمى المهن الإنسانية؛ فهي الجسر الوثيق الذي يعبر عليه المريض من ظلمات الخوف والقلق إلى رحاب الشفاء والأمل. غير أن هذه المهنة الشريفة لا تكتمل أركانها بالمهارة التشخيصية والتقنيات الحديثة فحسب، بل تُبنى في مقامها الأول على 'الإنسانية'، وعلى إدراك راسخ بأن من يجلس على كرسي الفحص ليس مجرد 'حالة طبية' أو رقم في سجل، بل هو إنسان متكامل المشاعر، يتشبث بكلمة طمأنينة تسكن قلبه قبل أن يبحث عن وصفة دواء. دفعتني إلى تسطير هذه السطور تجربة شخصية مؤلمة ومباغتة عاشتها جوارحي صباح يوم الأربعاء الموافق ١٦/٩/٢٠٢٦ داخل أروقة أحد المستشفيات؛ حيث قصدته أملاً في تشخيص عارضٍ طارئ ألمّ بعيني، وبحثاً عن رأي طبي يُعيد إلى نفسي سكنيتها. لكن ما شهدته داخل غرفة الفحص كان صدمة نفسية وجسدية تجاوزت كل التوقعات. فجأة، وتحت عدسات أجهزة الفحص المتطورة، تحولتُ إلى محط اهتمام غير مألوف؛ تنادى الأطباء فيما بينهم، وتزاحمت نظراتهم خلف الجهاز الموجه نحو عيني، يتبادلون الشرح والهمس بملامح يعلوها الذهول والدهشة. كل هذا يجري وأنا بين أيديهم، أستمع لتهامسهم وأرقب حركة أيديهم، دون أن يكلّف أحدهم خاطره بالالتفات إليّ أو إحاطتي بكلمة واحدة تخفف عني حدة التوتر التي أخذت تتصاعد في صدري كالمرجل. وسط هذا المشهد المفعم بالغموض والرهبة، وفي لحظة خوف حقيقي، لم أملك إلا أن أرفع صوتي متسائلاً بقلبٍ وجل: 'يا جماعة.. شو في؟!'. وليت الصمت استمر، أو ليت الإجابة صُممت برحمة؛ إذ جاءني الرد كالصاعقة المتتالية، خالياً من أي تمهيد أو مراعاة للظرف النفسي: 'معك جلطة في العين.. ونزيف.. وانفصال في السائل!'. كانت هذه الكلمات كفيلة بأسر توازني وهدمه؛ فلم يتحمل عقلي ولا قلبي وطأة الصدمة المباشرة والمركّبة، لتظلم الدنيا في عيني وأسقط مغشياً عليّ متأثراً بصدمة مفاجئة أدت إلى نقلي فوراً إلى قسم الطوارئ. وكل هذا وقع أمام عين زوجتي التي كانت تقف بجانبي، لتتلقى هي الأخرى شظايا الصدمة وتعيش لحظات عصيبة من الرعب والانهيار. وما زاد من حيرتي وعمّق قلقي لاحقاً، أنني ورغم هذا التهويل والتشخيص الصادم والمتعدد، مُنحت موعداً لإجراء الصورة الطبقية وتصوير العين بعد أسبوع كامل للمراجعة! وهنا يتملك المرء التساؤل والتخبط؛ كيف لخبرٍ بهذه الخطورة أن يُلقى دفعة واحدة ليرهب المريض، ثم يخرج وبيده موعدٌ ينتظر فيه أسبوعاً كاملاً تحت سياط القلق والانتظار؟ إنني هنا لا أعترض أبداً على كفاءة أطبائنا ولا أشكك في قراءتهم أو إجراءاتهم، فهم أهل الخبرة والدراية والأقدر على تقييم الحالة علمياً، لكن الاعتراض والعتاب منصَبّ على 'الأسلوب' و'كيفية الطرح'. ألم يكن بمقدور الطبيب أن يهدئ من روعي أولاً؟ ألم يكن بإمكانه تهيئة الجو المناسب، واستدعائي جانباً ليعرض عليّ طبيعة الحالة بأسلوب متزن وشارح لخطوات العلاج وضرورة الانتظار، بما يمنحني القوة لمواجهة المرض بدلاً من إحباط عزيمتي وصدمي؟ إنني إذ أضع علامة استفهام كبيرة حول مدى التزام بعض الكوادر بـ 'أدبيات وثقافة إبلاغ الأخبار الطبية الصعبة'، فإنني أرفع في الوقت ذاته أسمى آيات الشكر والامتنان لكل من وقف بجانبي وساندني في هذه اللحظات العصيبة؛ بدءاً من زوجتي الغالية التي كانت وما زالت السند والرفيق في أحلك الظروف، وأولادي وبناتي، وإخواني وأخواتي، وبشكل خاص أخي الدكتور محمد الجوابرة، وصولاً إلى كل الأهل والأصدقاء والأحبة الذين غمروني بفيض سؤالهم ودعواتهم الصادقة التي كانت البلسم الحقيقي لخاطري. إن هذا العتاب الصريح هو نداء محبة وحرص موجه إلى كافة مؤسساتنا وكوادرنا الطبية؛ لتظل الإنسانية هي العنوان الأبرز لكفاءتنا الطبية المشهود لها عالمياً. تذكروا دائماً.. أن خلف كل جهاز فحص تقفون أمامه، قلباً ينبض، وعائلة تنتظر، وإنساناً يتألم. فكونوا لهم البلسم والسند، ولا تجعلوا من الخبر الصعب صدمةً تهدم ما تبقى من أمل. حفظ الله الأردن والهاشميين.
بقلم: نضال أنور المجالي تظل مهنة الطب واحدة من أقدس الرسالات وأسمى المهن الإنسانية؛ فهي الجسر الوثيق الذي يعبر عليه المريض من ظلمات الخوف والقلق إلى رحاب الشفاء والأمل. غير أن هذه المهنة الشريفة لا تكتمل أركانها بالمهارة التشخيصية والتقنيات الحديثة فحسب، بل تُبنى في مقامها الأول على 'الإنسانية'، وعلى إدراك راسخ بأن من يجلس على كرسي الفحص ليس مجرد 'حالة طبية' أو رقم في سجل، بل هو إنسان متكامل المشاعر، يتشبث بكلمة طمأنينة تسكن قلبه قبل أن يبحث عن وصفة دواء. دفعتني إلى تسطير هذه السطور تجربة شخصية مؤلمة ومباغتة عاشتها جوارحي صباح يوم الأربعاء الموافق ١٦/٩/٢٠٢٦ داخل أروقة أحد المستشفيات؛ حيث قصدته أملاً في تشخيص عارضٍ طارئ ألمّ بعيني، وبحثاً عن رأي طبي يُعيد إلى نفسي سكنيتها. لكن ما شهدته داخل غرفة الفحص كان صدمة نفسية وجسدية تجاوزت كل التوقعات. فجأة، وتحت عدسات أجهزة الفحص المتطورة، تحولتُ إلى محط اهتمام غير مألوف؛ تنادى الأطباء فيما بينهم، وتزاحمت نظراتهم خلف الجهاز الموجه نحو عيني، يتبادلون الشرح والهمس بملامح يعلوها الذهول والدهشة. كل هذا يجري وأنا بين أيديهم، أستمع لتهامسهم وأرقب حركة أيديهم، دون أن يكلّف أحدهم خاطره بالالتفات إليّ أو إحاطتي بكلمة واحدة تخفف عني حدة التوتر التي أخذت تتصاعد في صدري كالمرجل. وسط هذا المشهد المفعم بالغموض والرهبة، وفي لحظة خوف حقيقي، لم أملك إلا أن أرفع صوتي متسائلاً بقلبٍ وجل: 'يا جماعة.. شو في؟!'. وليت الصمت استمر، أو ليت الإجابة صُممت برحمة؛ إذ جاءني الرد كالصاعقة المتتالية، خالياً من أي تمهيد أو مراعاة للظرف النفسي: 'معك جلطة في العين.. ونزيف.. وانفصال في السائل!'. كانت هذه الكلمات كفيلة بأسر توازني وهدمه؛ فلم يتحمل عقلي ولا قلبي وطأة الصدمة المباشرة والمركّبة، لتظلم الدنيا في عيني وأسقط مغشياً عليّ متأثراً بصدمة مفاجئة أدت إلى نقلي فوراً إلى قسم الطوارئ. وكل هذا وقع أمام عين زوجتي التي كانت تقف بجانبي، لتتلقى هي الأخرى شظايا الصدمة وتعيش لحظات عصيبة من الرعب والانهيار. وما زاد من حيرتي وعمّق قلقي لاحقاً، أنني ورغم هذا التهويل والتشخيص الصادم والمتعدد، مُنحت موعداً لإجراء الصورة الطبقية وتصوير العين بعد أسبوع كامل للمراجعة! وهنا يتملك المرء التساؤل والتخبط؛ كيف لخبرٍ بهذه الخطورة أن يُلقى دفعة واحدة ليرهب المريض، ثم يخرج وبيده موعدٌ ينتظر فيه أسبوعاً كاملاً تحت سياط القلق والانتظار؟ إنني هنا لا أعترض أبداً على كفاءة أطبائنا ولا أشكك في قراءتهم أو إجراءاتهم، فهم أهل الخبرة والدراية والأقدر على تقييم الحالة علمياً، لكن الاعتراض والعتاب منصَبّ على 'الأسلوب' و'كيفية الطرح'. ألم يكن بمقدور الطبيب أن يهدئ من روعي أولاً؟ ألم يكن بإمكانه تهيئة الجو المناسب، واستدعائي جانباً ليعرض عليّ طبيعة الحالة بأسلوب متزن وشارح لخطوات العلاج وضرورة الانتظار، بما يمنحني القوة لمواجهة المرض بدلاً من إحباط عزيمتي وصدمي؟ إنني إذ أضع علامة استفهام كبيرة حول مدى التزام بعض الكوادر بـ 'أدبيات وثقافة إبلاغ الأخبار الطبية الصعبة'، فإنني أرفع في الوقت ذاته أسمى آيات الشكر والامتنان لكل من وقف بجانبي وساندني في هذه اللحظات العصيبة؛ بدءاً من زوجتي الغالية التي كانت وما زالت السند والرفيق في أحلك الظروف، وأولادي وبناتي، وإخواني وأخواتي، وبشكل خاص أخي الدكتور محمد الجوابرة، وصولاً إلى كل الأهل والأصدقاء والأحبة الذين غمروني بفيض سؤالهم ودعواتهم الصادقة التي كانت البلسم الحقيقي لخاطري. إن هذا العتاب الصريح هو نداء محبة وحرص موجه إلى كافة مؤسساتنا وكوادرنا الطبية؛ لتظل الإنسانية هي العنوان الأبرز لكفاءتنا الطبية المشهود لها عالمياً. تذكروا دائماً.. أن خلف كل جهاز فحص تقفون أمامه، قلباً ينبض، وعائلة تنتظر، وإنساناً يتألم. فكونوا لهم البلسم والسند، ولا تجعلوا من الخبر الصعب صدمةً تهدم ما تبقى من أمل. حفظ الله الأردن والهاشميين.
بقلم: نضال أنور المجالي تظل مهنة الطب واحدة من أقدس الرسالات وأسمى المهن الإنسانية؛ فهي الجسر الوثيق الذي يعبر عليه المريض من ظلمات الخوف والقلق إلى رحاب الشفاء والأمل. غير أن هذه المهنة الشريفة لا تكتمل أركانها بالمهارة التشخيصية والتقنيات الحديثة فحسب، بل تُبنى في مقامها الأول على 'الإنسانية'، وعلى إدراك راسخ بأن من يجلس على كرسي الفحص ليس مجرد 'حالة طبية' أو رقم في سجل، بل هو إنسان متكامل المشاعر، يتشبث بكلمة طمأنينة تسكن قلبه قبل أن يبحث عن وصفة دواء. دفعتني إلى تسطير هذه السطور تجربة شخصية مؤلمة ومباغتة عاشتها جوارحي صباح يوم الأربعاء الموافق ١٦/٩/٢٠٢٦ داخل أروقة أحد المستشفيات؛ حيث قصدته أملاً في تشخيص عارضٍ طارئ ألمّ بعيني، وبحثاً عن رأي طبي يُعيد إلى نفسي سكنيتها. لكن ما شهدته داخل غرفة الفحص كان صدمة نفسية وجسدية تجاوزت كل التوقعات. فجأة، وتحت عدسات أجهزة الفحص المتطورة، تحولتُ إلى محط اهتمام غير مألوف؛ تنادى الأطباء فيما بينهم، وتزاحمت نظراتهم خلف الجهاز الموجه نحو عيني، يتبادلون الشرح والهمس بملامح يعلوها الذهول والدهشة. كل هذا يجري وأنا بين أيديهم، أستمع لتهامسهم وأرقب حركة أيديهم، دون أن يكلّف أحدهم خاطره بالالتفات إليّ أو إحاطتي بكلمة واحدة تخفف عني حدة التوتر التي أخذت تتصاعد في صدري كالمرجل. وسط هذا المشهد المفعم بالغموض والرهبة، وفي لحظة خوف حقيقي، لم أملك إلا أن أرفع صوتي متسائلاً بقلبٍ وجل: 'يا جماعة.. شو في؟!'. وليت الصمت استمر، أو ليت الإجابة صُممت برحمة؛ إذ جاءني الرد كالصاعقة المتتالية، خالياً من أي تمهيد أو مراعاة للظرف النفسي: 'معك جلطة في العين.. ونزيف.. وانفصال في السائل!'. كانت هذه الكلمات كفيلة بأسر توازني وهدمه؛ فلم يتحمل عقلي ولا قلبي وطأة الصدمة المباشرة والمركّبة، لتظلم الدنيا في عيني وأسقط مغشياً عليّ متأثراً بصدمة مفاجئة أدت إلى نقلي فوراً إلى قسم الطوارئ. وكل هذا وقع أمام عين زوجتي التي كانت تقف بجانبي، لتتلقى هي الأخرى شظايا الصدمة وتعيش لحظات عصيبة من الرعب والانهيار. وما زاد من حيرتي وعمّق قلقي لاحقاً، أنني ورغم هذا التهويل والتشخيص الصادم والمتعدد، مُنحت موعداً لإجراء الصورة الطبقية وتصوير العين بعد أسبوع كامل للمراجعة! وهنا يتملك المرء التساؤل والتخبط؛ كيف لخبرٍ بهذه الخطورة أن يُلقى دفعة واحدة ليرهب المريض، ثم يخرج وبيده موعدٌ ينتظر فيه أسبوعاً كاملاً تحت سياط القلق والانتظار؟ إنني هنا لا أعترض أبداً على كفاءة أطبائنا ولا أشكك في قراءتهم أو إجراءاتهم، فهم أهل الخبرة والدراية والأقدر على تقييم الحالة علمياً، لكن الاعتراض والعتاب منصَبّ على 'الأسلوب' و'كيفية الطرح'. ألم يكن بمقدور الطبيب أن يهدئ من روعي أولاً؟ ألم يكن بإمكانه تهيئة الجو المناسب، واستدعائي جانباً ليعرض عليّ طبيعة الحالة بأسلوب متزن وشارح لخطوات العلاج وضرورة الانتظار، بما يمنحني القوة لمواجهة المرض بدلاً من إحباط عزيمتي وصدمي؟ إنني إذ أضع علامة استفهام كبيرة حول مدى التزام بعض الكوادر بـ 'أدبيات وثقافة إبلاغ الأخبار الطبية الصعبة'، فإنني أرفع في الوقت ذاته أسمى آيات الشكر والامتنان لكل من وقف بجانبي وساندني في هذه اللحظات العصيبة؛ بدءاً من زوجتي الغالية التي كانت وما زالت السند والرفيق في أحلك الظروف، وأولادي وبناتي، وإخواني وأخواتي، وبشكل خاص أخي الدكتور محمد الجوابرة، وصولاً إلى كل الأهل والأصدقاء والأحبة الذين غمروني بفيض سؤالهم ودعواتهم الصادقة التي كانت البلسم الحقيقي لخاطري. إن هذا العتاب الصريح هو نداء محبة وحرص موجه إلى كافة مؤسساتنا وكوادرنا الطبية؛ لتظل الإنسانية هي العنوان الأبرز لكفاءتنا الطبية المشهود لها عالمياً. تذكروا دائماً.. أن خلف كل جهاز فحص تقفون أمامه، قلباً ينبض، وعائلة تنتظر، وإنساناً يتألم. فكونوا لهم البلسم والسند، ولا تجعلوا من الخبر الصعب صدمةً تهدم ما تبقى من أمل. حفظ الله الأردن والهاشميين.
التعليقات
حين يتوارى "الإنسان" خلف مجسات الفحص .. عتاب محبة إلى قلوب أطبائنا
التعليقات