د . مهدي مبارك عبد الله
في 29 يناير كانون الثاني 2024 كانت هند رجب البالغة من العمر خمس سنوات تحاول النزوح مع أفراد من عائلتها من منطقة تل الهوا جنوب غربي مدينة غزة عندما تعرضت السيارة التي تقلهم لإطلاق نار إسرائيلي فقتل ستة من أفراد عائلتها وبقيت هند وحدها عالقة داخل السيارة بين جثامين أقاربها ثم تمكنت من الاتصال بالهلال الأحمر الفلسطيني وطلبت النجدة وهي في حالة من الخوف والرعب بينما كان المسعفان يوسف زينو وأحمد المدهون يحاولان الوصول إليها لإنقاذها لكنهما قتلا بدورهما قبل أن يتمكنا من الوصول إليها وبعد نحو اثني عشر يوما عثر على جثمان هند داخل السيارة إلى جانب جثامين أفراد عائلتها وجثماني المسعفين ليكتمل بذلك مشهد جريمة هزت ضمير العالم كله .
بعد عامين ونصف تقريبا من الجريمة وبعد نفي طويل لوجود قواتها في المكان اضطرت إسرائيل أخيرا إلى الاعتراف بأن جنودها أطلقوا النار على السيارة التي كانت تقل الطفلة الفلسطينية هند رجب البالغة من العمر خمس سنوات وستة من أفراد عائلتها في مدينة غزة يوم 29 يناير كانون الثاني 2024 ثم اعترفت أيضا بأن قواتها أطلقت النار على سيارة الإسعاف التي أرسلها الهلال الأحمر الفلسطيني لإنقاذها فقتل المسعفان يوسف زينو وأحمد المدهون وهنا لا يعود السؤال هل وقعت الجريمة ومن المسؤول عنها لأن إسرائيل نفسها أقرت بجزء جوهري من الوقائع وإنما يصبح السؤال الأخطر من سيحاسب دولة قتلت طفلة كانت تستغيث وعرقلت إنقاذها ثم قررت أن تحقق بنفسها في الجريمة التي ارتكبتها قواتها .
هند لم تكن مقاتلة ولم تكن تحمل سلاحا ولم تكن جزءا من معركة كانت طفلة في الخامسة من عمرها تحاول الفرار مع عائلتها من منطقة تل الهوا في غزة حين تعرضت السيارة التي تقلهم لإطلاق النار فقتل أفراد العائلة وبقيت هند عالقة داخل السيارة بين جثامين أقاربها وظلت على اتصال بالهلال الأحمر الفلسطيني لنحو ثلاث ساعات تستغيث وتطلب النجدة وتروي بصوت طفولي مذعور ما يجري حولها ثم أرسل الهلال الأحمر سيارة إسعاف للوصول إليها لكن الاتصال انقطع وبعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة عثر على جثمان هند وجثامين أفراد عائلتها وجثماني المسعفين بعد نحو اثني عشر يوما وقد اعترف الجيش الإسرائيلي الآن بأن قواته أطلقت النار على سيارة العائلة ثم أطلقت قذيفة على سيارة الإسعاف .
صرخة هند الموجعة التي سمعها العالم في تلك الساعات الفاصلة كانت أطول من عمرها ومكالمتها مع الهلال الأحمر ستبقى واحدة من أكثر الوثائق الإنسانية إيلاما في حرب غزة لأنها لم تكن رواية سياسية ولا شهادة طرف في النزاع وإنما صوت طفلة صغيرة تطلب من العالم أن ينقذها وهي محاصرة بين الموتى ولذلك أصبحت هند بعد استشهادها رمزا لطفولة فلسطينية وجدت نفسها في مواجهة آلة حرب لا تميز في كثير من الأحيان بين طفل وراشد وبين مدني ومقاتل وبين سيارة عائلية وسيارة إسعاف .
الأخطر من الجريمة نفسها هو ما جاء بعدها حين أنكرت إسرائيل في البداية وجود قوات لها في المنطقة التي قتلت فيها هند وعائلتها ثم جاءت التحقيقات الصحفية والحقوقية والأدلة الميدانية لتضع القوات الإسرائيلية في قلب المشهد قبل أن تعود المؤسسة العسكرية نفسها اليوم وبعد مرور أكثر من عامين لتقر بأن قواتها أطلقت النار على السيارة ولذلك فإن الاعتراف الجديد لا يمثل مجرد تصحيح لرواية سابقة وإنما يطرح سؤالا بالغ الخطورة حول سبب إنكار وجود القوات في المكان طوال هذه المدة ولماذا احتاجت الحقيقة إلى عامين ونصف تقريبا حتى تصل إلى اعتراف إسرائيلي رسمي .
لعل الامر لأشد إثارة للقلق أن الاعتراف لم يتبعه تسليم القضية إلى جهة مستقلة وإنما أعلنت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فتح تحقيق جنائي داخلي وقالت إن ذلك جاء بسبب ما وصفته بإخفاقات في تنسيق حركة سيارة الإسعاف وهنا تكمن المفارقة التي يصعب على أي ضمير قانوني أن يتجاهلها كيف يمكن للجهة التي كان جنودها طرفا في إطلاق النار أن تكون هي نفسها الجهة التي تحدد طبيعة الجريمة وهي التي تجمع الأدلة وهي التي تستجوب المتهمين وهي التي تقرر في النهاية ما إذا كان هناك جرم يستحق العقاب .
الجريمة الاسرائيلية الصارخة ليست مجرد مسألة سياسية يمكن حسمها بالشعارات وإنما مسألة قانونية لها قواعد واضحة فالقانون الدولي الإنساني يفرض حماية المدنيين ويحظر استهدافهم كما يفرض حماية خاصة للطواقم الطبية التي تقوم بمهمات الإنقاذ والعلاج واتفاقية جنيف الرابعة تؤكد احترام وحماية العاملين الطبيين المدنيين وتكفل لهم ممارسة مهماتهم كما أن القانون الدولي الإنساني يعتبر قتل الأشخاص المحميين عمدا أو استهداف المدنيين في ظروف تحظر فيها الهجمات عليهم من أخطر الانتهاكات التي يمكن أن ترقى إلى جرائم حرب . ما يجب الاصرار عليه قانونيا واخلاقيا إن قضية هند لا ينبغي أن تختزل في السؤال الإسرائيلي حول ما إذا كان هناك إخفاق في التنسيق فحتى لو افترضنا جدلا وجود خطأ في التنسيق فإن ذلك لا يلغي الأسئلة الأساسية المتعلقة بتمييز الأهداف والتناسب والاحتياطات الواجبة وحماية المدنيين والطواقم الطبية ولا يلغي مسؤولية من أصدر الأمر أو نفذه أو كان يعلم بوجود خطر على مدنيين ولم يتخذ الإجراءات اللازمة لمنع وقوع الضرر وإذا أثبت التحقيق المستقل أن إطلاق النار كان متعمدا أو عشوائيا أو تم مع العلم بأن الضحايا مدنيون فإن التكييف القانوني يصبح أكثر خطورة بكثير . قضية قتل هند لا تقف عندها وحدها حيث أعلنت إسرائيل في الوقت نفسه عن فتح تحقيق جنائي آخر في مقتل خمسة عشر من العاملين في الإسعاف والدفاع المدني والإغاثة في رفح عام 2025 بينما رفضت فتح تحقيقات جنائية في وقائع أخرى بينها مقتل سبعة من العاملين في منظمة ورلد سنترال كيتشن وهذا الانتقاء نفسه يثير سؤالا مشروعا عن معيار العدالة الذي تستخدمه المؤسسة العسكرية في تحديد أي الوقائع تستحق التحقيق الجنائي وأيها يمكن إغلاقها باعتبارها أخطاء عملياتية . الأهم في هذا الحدث الغادر أن هذه ليست المرة الأولى التي تثار فيها قضية المساءلة الإسرائيلية في قتل الفلسطينيين فقد سبق لخبراء أمميين مستقلين أن حذروا في قضية هند نفسها من أن قتل الطفلة وعائلتها والمسعفين قد يشكل جريمة حرب وطالبوا بتحقيق سريع وموثوق وقالوا إن غياب التحقيق والمساءلة يمكن أن يشكل بحد ذاته انتهاكا للحق في الحياة كما أكدوا أن القتل المتعمد أو العشوائي للمدنيين والعاملين الطبيين والإنسانيين يمكن أن يشكل جرائم حرب وإذا جاء ضمن نمط واسع ومنهجي فقد يدخل في نطاق جرائم دولية أشد خطورة . الاكتفاء المحلي والدولي بالاحتجاج السياسي أو إصدار بيان إدانة جديد لا يكفي لان ملف هند يجب أن يتحول إلى ملف قانوني موثق يتضمن التسجيلات الهاتفية والأدلة الجنائية وصور المركبة ومسارها وشهادات الهلال الأحمر ومعلومات الاتصالات والأدلة التي تحدد مواقع القوات الإسرائيلية وأي أوامر عسكرية أو تسجيلات ميدانية يمكن أن تكشف ما حدث في تلك الساعات ويجب حفظ هذه الأدلة بصورة قانونية تمهيدا لاستخدامها أمام الهيئات القضائية الدولية والمحاكم الوطنية التي تسمح قوانينها بممارسة الولاية القضائية على جرائم الحرب . أهمية المحكمة الجنائية الدولية تبرز باعتبار فلسطين دولة طرف في نظام روما الأساسي وقد أكدت المحكمة أن اختصاصها الإقليمي في الحالة الفلسطينية يشمل غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية كما أن المحكمة فتحت تحقيقا في الحالة الفلسطينية منذ عام 2021 ولذلك فإن مقتل هند ليس خارج الإطار القانوني الدولي وليس قضية لا يملك العالم أدوات لمحاسبة مرتكبيها وإنما القضية في الإرادة السياسية والقدرة على جمع الأدلة وتحويلها إلى ملفات جنائية وملاحقة المسؤولين عنها. من الخطأ ألقاتل أن تتحول فكرة التحقيق الإسرائيلي الداخلي إلى ذريعة لتجميد المساءلة الدولية فحتى في القانون الدولي لا يكفي مجرد إعلان الدولة أنها تحقق في نفسها حتى تعتبر القضية مغلقة بل إن معيار الجدية والاستقلال والقدرة على التحقيق الحقيقي والملاحقة الفعلية هو الذي يحدد قيمة الإجراءات الداخلية ولذلك فإن إعلان تحقيق بعد عامين ونصف من الجريمة لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق وإنما يجب أن يكون بداية لفتح الطريق أمام تحقيق مستقل يستطيع الوصول إلى الشهود والأدلة والادانة دون أن يكون مقيدا بالمؤسسة العسكرية التي ينتمي إليها المتهمون . السؤال الحقيقي لا يتمحور حول من أطلق النار على هند وإنما من أعطى الأمر ومن كان في موقع القيادة ومن عرف بوجود طفلة محاصرة ومن عرف أن سيارة إسعاف تتجه لإنقاذها ومن قرر إطلاق النار عليها ومن سمح بعد ذلك ببقاء جثامين الضحايا في المكان كل هذه الأسئلة يجب أن تكون جزءا من التحقيق لأن المسؤولية الجنائية في جرائم الحرب لا تتوقف دائما عند الجندي الذي ضغط على الزناد وإنما قد تمتد إلى من أصدر الأوامر أو ساعد أو حرض أو كان مسؤولا عن منع الجريمة ولم يفعل ما كان يجب عليه فعله وفقا للقانون . على المستوى الدولي دوليا يتوجب تشكيل آلية تحقيق مستقلة وشفافة لا تخضع لإسرائيل ولا لأي طرف متهم في الجريمة وأن تتولى الأمم المتحدة والجهات القضائية الدولية والمنظمات الحقوقية المتخصصة حماية الأدلة والشهود وأن تتم إحالة النتائج إلى الجهات القضائية المختصة وأن تتعاون الدول التي تسمح قوانينها بملاحقة جرائم الحرب مع هذه الجهود وألا يتحول مرور الزمن إلى وسيلة لحماية المتهمين . أما فلسطينيا فإن قضية هند يجب أن تصبح قضية كل طفل فلسطيني لأن حماية أطفال فلسطين لا يمكن أن تكون موسمية ولا أن تبدأ بعد وقوع الجريمة فالمطلوب إنشاء ملف قانوني شامل عن قتل الأطفال واعتقالهم وتعذيبهم وترويعهم وتهجيرهم وحصارهم وحرمانهم من العلاج والتعليم والغذاء وتوثيق كل حالة بالزمان والمكان والشهود والأدلة الطبية والصور والتسجيلات حتى لا تستطيع إسرائيل بعد سنوات أن تقول إنها لم تكن تعرف أو إن ما حدث كان خطأ أو إن المعلومات لم تكن متاحة. امام هذه الجريمة البشعة على العالم الحر والمنظمات الدولية والحقوقية والإنسانية العمل بأكثر من التعبير عن الصدمة والحزن لان البيانات لا تحمي طفلا فلسطينيا اعزل والقوانين التي لا تطبق تتحول إلى أوراق والاتفاقيات الدولية التي لا تحمي الضحايا تفقد معناها الأخلاقي والقانوني ولذلك فإن على الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمحكمة الجنائية الدولية والمنظمات الحقوقية الدولية أن تجعل حماية أطفال فلسطين من القتل والاعتقال والتعذيب والترويع والحبس والتهجير أولوية حقيقية لا مجرد بند في بيانات وتقارير دورية . قواعد العدالة الانسانية تؤكد ان أطفال فلسطين ليسوا استثناء في القانون الدولي ولا يجوز أن تكون طفولة الفلسطيني أقل قيمة من طفولة أي طفل في العالم فالطفل الذي يولد في غزة أو الضفة الغربية لا يفقد بسبب هويته حقه في الحياة والأمان والحماية ولا تصبح حياته مباحة لأن الدولة التي تسيطر على أرضه تصفه بأنه خطر محتمل والقانون الدولي لا يميز بين دم طفل ودم طفل ولا يمنح دولة حق قتل طفل ثم التحقيق في نفسها بعد سنوات . هند رجب لم تعد قادرة على المطالبة بحقها ولكن العالم يستطيع أن يفعل ذلك باسمها وعائلتها تستطيع أن تفعل ذلك باسمها وفلسطين تستطيع أن تفعل ذلك باسمها والقانون الدولي يستطيع أن يفعل ذلك باسمها وإذا كان صوت هند قد انقطع داخل تلك السيارة فإن مسؤولية العالم تبدأ من حيث انقطع صوتها لا من حيث انتهت الجريمة . لقد اعترفت إسرائيل أخيرا بأنها هي التي أطلقت النار على السيارة التي كانت هند داخلها واعترفت بإطلاق النار على سيارة الإسعاف التي جاءت لإنقاذها لكن الاعتراف لا يصنع العدالة والتحقيق الداخلي لا يكفي والوقت لا يمحو الجريمة . السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحا أمام العالم كله بسيط في كلماته هائل في معناه من يحاسب دولة تقتل طفلة ثم تحقق بنفسها في قتلها ومن يحاسب من قتل من جاء ايضا لإنقاذها ومن يحمي أطفال فلسطين إذا كان القانون الدولي نفسه يقف عاجزا أمام الجريمة . الشهيدة الطفلة هند رجب ليست مجرد اسم في سجل ضحايا غزة بل إنها امتحان أخلاقي وقانوني للعالم كله فإذا انتهت قضيتها إلى ملف مغلق أو عقوبة رمزية أو تبرير عسكري فإن الرسالة ستكون أخطر من الجريمة نفسها وهي أن قتل الطفل الفلسطيني يمكن أن يمر بلا عقاب أما إذا تحولت صرختها الأخيرة إلى تحقيق دولي مستقل ومحاكمة حقيقية ومحاسبة للمسؤولين عنها فإن هند التي لم ينقذها العالم وهي حية قد تساعد بعد رحيلها في إنقاذ آلاف الأطفال الذين ما زالوا ينتظرون من العالم أن يسمع صرخاتهم وان جريمة قتل الطفلة الشهيدة هند رجب مأساة انسانية مؤلمة يترتب عليها مسؤولية قانونية وأخلاقية وسياسية يحب على العالم أن لا يتهرب منها . كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]
د . مهدي مبارك عبد الله
في 29 يناير كانون الثاني 2024 كانت هند رجب البالغة من العمر خمس سنوات تحاول النزوح مع أفراد من عائلتها من منطقة تل الهوا جنوب غربي مدينة غزة عندما تعرضت السيارة التي تقلهم لإطلاق نار إسرائيلي فقتل ستة من أفراد عائلتها وبقيت هند وحدها عالقة داخل السيارة بين جثامين أقاربها ثم تمكنت من الاتصال بالهلال الأحمر الفلسطيني وطلبت النجدة وهي في حالة من الخوف والرعب بينما كان المسعفان يوسف زينو وأحمد المدهون يحاولان الوصول إليها لإنقاذها لكنهما قتلا بدورهما قبل أن يتمكنا من الوصول إليها وبعد نحو اثني عشر يوما عثر على جثمان هند داخل السيارة إلى جانب جثامين أفراد عائلتها وجثماني المسعفين ليكتمل بذلك مشهد جريمة هزت ضمير العالم كله .
بعد عامين ونصف تقريبا من الجريمة وبعد نفي طويل لوجود قواتها في المكان اضطرت إسرائيل أخيرا إلى الاعتراف بأن جنودها أطلقوا النار على السيارة التي كانت تقل الطفلة الفلسطينية هند رجب البالغة من العمر خمس سنوات وستة من أفراد عائلتها في مدينة غزة يوم 29 يناير كانون الثاني 2024 ثم اعترفت أيضا بأن قواتها أطلقت النار على سيارة الإسعاف التي أرسلها الهلال الأحمر الفلسطيني لإنقاذها فقتل المسعفان يوسف زينو وأحمد المدهون وهنا لا يعود السؤال هل وقعت الجريمة ومن المسؤول عنها لأن إسرائيل نفسها أقرت بجزء جوهري من الوقائع وإنما يصبح السؤال الأخطر من سيحاسب دولة قتلت طفلة كانت تستغيث وعرقلت إنقاذها ثم قررت أن تحقق بنفسها في الجريمة التي ارتكبتها قواتها .
هند لم تكن مقاتلة ولم تكن تحمل سلاحا ولم تكن جزءا من معركة كانت طفلة في الخامسة من عمرها تحاول الفرار مع عائلتها من منطقة تل الهوا في غزة حين تعرضت السيارة التي تقلهم لإطلاق النار فقتل أفراد العائلة وبقيت هند عالقة داخل السيارة بين جثامين أقاربها وظلت على اتصال بالهلال الأحمر الفلسطيني لنحو ثلاث ساعات تستغيث وتطلب النجدة وتروي بصوت طفولي مذعور ما يجري حولها ثم أرسل الهلال الأحمر سيارة إسعاف للوصول إليها لكن الاتصال انقطع وبعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة عثر على جثمان هند وجثامين أفراد عائلتها وجثماني المسعفين بعد نحو اثني عشر يوما وقد اعترف الجيش الإسرائيلي الآن بأن قواته أطلقت النار على سيارة العائلة ثم أطلقت قذيفة على سيارة الإسعاف .
صرخة هند الموجعة التي سمعها العالم في تلك الساعات الفاصلة كانت أطول من عمرها ومكالمتها مع الهلال الأحمر ستبقى واحدة من أكثر الوثائق الإنسانية إيلاما في حرب غزة لأنها لم تكن رواية سياسية ولا شهادة طرف في النزاع وإنما صوت طفلة صغيرة تطلب من العالم أن ينقذها وهي محاصرة بين الموتى ولذلك أصبحت هند بعد استشهادها رمزا لطفولة فلسطينية وجدت نفسها في مواجهة آلة حرب لا تميز في كثير من الأحيان بين طفل وراشد وبين مدني ومقاتل وبين سيارة عائلية وسيارة إسعاف .
الأخطر من الجريمة نفسها هو ما جاء بعدها حين أنكرت إسرائيل في البداية وجود قوات لها في المنطقة التي قتلت فيها هند وعائلتها ثم جاءت التحقيقات الصحفية والحقوقية والأدلة الميدانية لتضع القوات الإسرائيلية في قلب المشهد قبل أن تعود المؤسسة العسكرية نفسها اليوم وبعد مرور أكثر من عامين لتقر بأن قواتها أطلقت النار على السيارة ولذلك فإن الاعتراف الجديد لا يمثل مجرد تصحيح لرواية سابقة وإنما يطرح سؤالا بالغ الخطورة حول سبب إنكار وجود القوات في المكان طوال هذه المدة ولماذا احتاجت الحقيقة إلى عامين ونصف تقريبا حتى تصل إلى اعتراف إسرائيلي رسمي .
لعل الامر لأشد إثارة للقلق أن الاعتراف لم يتبعه تسليم القضية إلى جهة مستقلة وإنما أعلنت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فتح تحقيق جنائي داخلي وقالت إن ذلك جاء بسبب ما وصفته بإخفاقات في تنسيق حركة سيارة الإسعاف وهنا تكمن المفارقة التي يصعب على أي ضمير قانوني أن يتجاهلها كيف يمكن للجهة التي كان جنودها طرفا في إطلاق النار أن تكون هي نفسها الجهة التي تحدد طبيعة الجريمة وهي التي تجمع الأدلة وهي التي تستجوب المتهمين وهي التي تقرر في النهاية ما إذا كان هناك جرم يستحق العقاب .
الجريمة الاسرائيلية الصارخة ليست مجرد مسألة سياسية يمكن حسمها بالشعارات وإنما مسألة قانونية لها قواعد واضحة فالقانون الدولي الإنساني يفرض حماية المدنيين ويحظر استهدافهم كما يفرض حماية خاصة للطواقم الطبية التي تقوم بمهمات الإنقاذ والعلاج واتفاقية جنيف الرابعة تؤكد احترام وحماية العاملين الطبيين المدنيين وتكفل لهم ممارسة مهماتهم كما أن القانون الدولي الإنساني يعتبر قتل الأشخاص المحميين عمدا أو استهداف المدنيين في ظروف تحظر فيها الهجمات عليهم من أخطر الانتهاكات التي يمكن أن ترقى إلى جرائم حرب . ما يجب الاصرار عليه قانونيا واخلاقيا إن قضية هند لا ينبغي أن تختزل في السؤال الإسرائيلي حول ما إذا كان هناك إخفاق في التنسيق فحتى لو افترضنا جدلا وجود خطأ في التنسيق فإن ذلك لا يلغي الأسئلة الأساسية المتعلقة بتمييز الأهداف والتناسب والاحتياطات الواجبة وحماية المدنيين والطواقم الطبية ولا يلغي مسؤولية من أصدر الأمر أو نفذه أو كان يعلم بوجود خطر على مدنيين ولم يتخذ الإجراءات اللازمة لمنع وقوع الضرر وإذا أثبت التحقيق المستقل أن إطلاق النار كان متعمدا أو عشوائيا أو تم مع العلم بأن الضحايا مدنيون فإن التكييف القانوني يصبح أكثر خطورة بكثير . قضية قتل هند لا تقف عندها وحدها حيث أعلنت إسرائيل في الوقت نفسه عن فتح تحقيق جنائي آخر في مقتل خمسة عشر من العاملين في الإسعاف والدفاع المدني والإغاثة في رفح عام 2025 بينما رفضت فتح تحقيقات جنائية في وقائع أخرى بينها مقتل سبعة من العاملين في منظمة ورلد سنترال كيتشن وهذا الانتقاء نفسه يثير سؤالا مشروعا عن معيار العدالة الذي تستخدمه المؤسسة العسكرية في تحديد أي الوقائع تستحق التحقيق الجنائي وأيها يمكن إغلاقها باعتبارها أخطاء عملياتية . الأهم في هذا الحدث الغادر أن هذه ليست المرة الأولى التي تثار فيها قضية المساءلة الإسرائيلية في قتل الفلسطينيين فقد سبق لخبراء أمميين مستقلين أن حذروا في قضية هند نفسها من أن قتل الطفلة وعائلتها والمسعفين قد يشكل جريمة حرب وطالبوا بتحقيق سريع وموثوق وقالوا إن غياب التحقيق والمساءلة يمكن أن يشكل بحد ذاته انتهاكا للحق في الحياة كما أكدوا أن القتل المتعمد أو العشوائي للمدنيين والعاملين الطبيين والإنسانيين يمكن أن يشكل جرائم حرب وإذا جاء ضمن نمط واسع ومنهجي فقد يدخل في نطاق جرائم دولية أشد خطورة . الاكتفاء المحلي والدولي بالاحتجاج السياسي أو إصدار بيان إدانة جديد لا يكفي لان ملف هند يجب أن يتحول إلى ملف قانوني موثق يتضمن التسجيلات الهاتفية والأدلة الجنائية وصور المركبة ومسارها وشهادات الهلال الأحمر ومعلومات الاتصالات والأدلة التي تحدد مواقع القوات الإسرائيلية وأي أوامر عسكرية أو تسجيلات ميدانية يمكن أن تكشف ما حدث في تلك الساعات ويجب حفظ هذه الأدلة بصورة قانونية تمهيدا لاستخدامها أمام الهيئات القضائية الدولية والمحاكم الوطنية التي تسمح قوانينها بممارسة الولاية القضائية على جرائم الحرب . أهمية المحكمة الجنائية الدولية تبرز باعتبار فلسطين دولة طرف في نظام روما الأساسي وقد أكدت المحكمة أن اختصاصها الإقليمي في الحالة الفلسطينية يشمل غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية كما أن المحكمة فتحت تحقيقا في الحالة الفلسطينية منذ عام 2021 ولذلك فإن مقتل هند ليس خارج الإطار القانوني الدولي وليس قضية لا يملك العالم أدوات لمحاسبة مرتكبيها وإنما القضية في الإرادة السياسية والقدرة على جمع الأدلة وتحويلها إلى ملفات جنائية وملاحقة المسؤولين عنها. من الخطأ ألقاتل أن تتحول فكرة التحقيق الإسرائيلي الداخلي إلى ذريعة لتجميد المساءلة الدولية فحتى في القانون الدولي لا يكفي مجرد إعلان الدولة أنها تحقق في نفسها حتى تعتبر القضية مغلقة بل إن معيار الجدية والاستقلال والقدرة على التحقيق الحقيقي والملاحقة الفعلية هو الذي يحدد قيمة الإجراءات الداخلية ولذلك فإن إعلان تحقيق بعد عامين ونصف من الجريمة لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق وإنما يجب أن يكون بداية لفتح الطريق أمام تحقيق مستقل يستطيع الوصول إلى الشهود والأدلة والادانة دون أن يكون مقيدا بالمؤسسة العسكرية التي ينتمي إليها المتهمون . السؤال الحقيقي لا يتمحور حول من أطلق النار على هند وإنما من أعطى الأمر ومن كان في موقع القيادة ومن عرف بوجود طفلة محاصرة ومن عرف أن سيارة إسعاف تتجه لإنقاذها ومن قرر إطلاق النار عليها ومن سمح بعد ذلك ببقاء جثامين الضحايا في المكان كل هذه الأسئلة يجب أن تكون جزءا من التحقيق لأن المسؤولية الجنائية في جرائم الحرب لا تتوقف دائما عند الجندي الذي ضغط على الزناد وإنما قد تمتد إلى من أصدر الأوامر أو ساعد أو حرض أو كان مسؤولا عن منع الجريمة ولم يفعل ما كان يجب عليه فعله وفقا للقانون . على المستوى الدولي دوليا يتوجب تشكيل آلية تحقيق مستقلة وشفافة لا تخضع لإسرائيل ولا لأي طرف متهم في الجريمة وأن تتولى الأمم المتحدة والجهات القضائية الدولية والمنظمات الحقوقية المتخصصة حماية الأدلة والشهود وأن تتم إحالة النتائج إلى الجهات القضائية المختصة وأن تتعاون الدول التي تسمح قوانينها بملاحقة جرائم الحرب مع هذه الجهود وألا يتحول مرور الزمن إلى وسيلة لحماية المتهمين . أما فلسطينيا فإن قضية هند يجب أن تصبح قضية كل طفل فلسطيني لأن حماية أطفال فلسطين لا يمكن أن تكون موسمية ولا أن تبدأ بعد وقوع الجريمة فالمطلوب إنشاء ملف قانوني شامل عن قتل الأطفال واعتقالهم وتعذيبهم وترويعهم وتهجيرهم وحصارهم وحرمانهم من العلاج والتعليم والغذاء وتوثيق كل حالة بالزمان والمكان والشهود والأدلة الطبية والصور والتسجيلات حتى لا تستطيع إسرائيل بعد سنوات أن تقول إنها لم تكن تعرف أو إن ما حدث كان خطأ أو إن المعلومات لم تكن متاحة. امام هذه الجريمة البشعة على العالم الحر والمنظمات الدولية والحقوقية والإنسانية العمل بأكثر من التعبير عن الصدمة والحزن لان البيانات لا تحمي طفلا فلسطينيا اعزل والقوانين التي لا تطبق تتحول إلى أوراق والاتفاقيات الدولية التي لا تحمي الضحايا تفقد معناها الأخلاقي والقانوني ولذلك فإن على الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمحكمة الجنائية الدولية والمنظمات الحقوقية الدولية أن تجعل حماية أطفال فلسطين من القتل والاعتقال والتعذيب والترويع والحبس والتهجير أولوية حقيقية لا مجرد بند في بيانات وتقارير دورية . قواعد العدالة الانسانية تؤكد ان أطفال فلسطين ليسوا استثناء في القانون الدولي ولا يجوز أن تكون طفولة الفلسطيني أقل قيمة من طفولة أي طفل في العالم فالطفل الذي يولد في غزة أو الضفة الغربية لا يفقد بسبب هويته حقه في الحياة والأمان والحماية ولا تصبح حياته مباحة لأن الدولة التي تسيطر على أرضه تصفه بأنه خطر محتمل والقانون الدولي لا يميز بين دم طفل ودم طفل ولا يمنح دولة حق قتل طفل ثم التحقيق في نفسها بعد سنوات . هند رجب لم تعد قادرة على المطالبة بحقها ولكن العالم يستطيع أن يفعل ذلك باسمها وعائلتها تستطيع أن تفعل ذلك باسمها وفلسطين تستطيع أن تفعل ذلك باسمها والقانون الدولي يستطيع أن يفعل ذلك باسمها وإذا كان صوت هند قد انقطع داخل تلك السيارة فإن مسؤولية العالم تبدأ من حيث انقطع صوتها لا من حيث انتهت الجريمة . لقد اعترفت إسرائيل أخيرا بأنها هي التي أطلقت النار على السيارة التي كانت هند داخلها واعترفت بإطلاق النار على سيارة الإسعاف التي جاءت لإنقاذها لكن الاعتراف لا يصنع العدالة والتحقيق الداخلي لا يكفي والوقت لا يمحو الجريمة . السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحا أمام العالم كله بسيط في كلماته هائل في معناه من يحاسب دولة تقتل طفلة ثم تحقق بنفسها في قتلها ومن يحاسب من قتل من جاء ايضا لإنقاذها ومن يحمي أطفال فلسطين إذا كان القانون الدولي نفسه يقف عاجزا أمام الجريمة . الشهيدة الطفلة هند رجب ليست مجرد اسم في سجل ضحايا غزة بل إنها امتحان أخلاقي وقانوني للعالم كله فإذا انتهت قضيتها إلى ملف مغلق أو عقوبة رمزية أو تبرير عسكري فإن الرسالة ستكون أخطر من الجريمة نفسها وهي أن قتل الطفل الفلسطيني يمكن أن يمر بلا عقاب أما إذا تحولت صرختها الأخيرة إلى تحقيق دولي مستقل ومحاكمة حقيقية ومحاسبة للمسؤولين عنها فإن هند التي لم ينقذها العالم وهي حية قد تساعد بعد رحيلها في إنقاذ آلاف الأطفال الذين ما زالوا ينتظرون من العالم أن يسمع صرخاتهم وان جريمة قتل الطفلة الشهيدة هند رجب مأساة انسانية مؤلمة يترتب عليها مسؤولية قانونية وأخلاقية وسياسية يحب على العالم أن لا يتهرب منها . كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]
د . مهدي مبارك عبد الله
في 29 يناير كانون الثاني 2024 كانت هند رجب البالغة من العمر خمس سنوات تحاول النزوح مع أفراد من عائلتها من منطقة تل الهوا جنوب غربي مدينة غزة عندما تعرضت السيارة التي تقلهم لإطلاق نار إسرائيلي فقتل ستة من أفراد عائلتها وبقيت هند وحدها عالقة داخل السيارة بين جثامين أقاربها ثم تمكنت من الاتصال بالهلال الأحمر الفلسطيني وطلبت النجدة وهي في حالة من الخوف والرعب بينما كان المسعفان يوسف زينو وأحمد المدهون يحاولان الوصول إليها لإنقاذها لكنهما قتلا بدورهما قبل أن يتمكنا من الوصول إليها وبعد نحو اثني عشر يوما عثر على جثمان هند داخل السيارة إلى جانب جثامين أفراد عائلتها وجثماني المسعفين ليكتمل بذلك مشهد جريمة هزت ضمير العالم كله .
بعد عامين ونصف تقريبا من الجريمة وبعد نفي طويل لوجود قواتها في المكان اضطرت إسرائيل أخيرا إلى الاعتراف بأن جنودها أطلقوا النار على السيارة التي كانت تقل الطفلة الفلسطينية هند رجب البالغة من العمر خمس سنوات وستة من أفراد عائلتها في مدينة غزة يوم 29 يناير كانون الثاني 2024 ثم اعترفت أيضا بأن قواتها أطلقت النار على سيارة الإسعاف التي أرسلها الهلال الأحمر الفلسطيني لإنقاذها فقتل المسعفان يوسف زينو وأحمد المدهون وهنا لا يعود السؤال هل وقعت الجريمة ومن المسؤول عنها لأن إسرائيل نفسها أقرت بجزء جوهري من الوقائع وإنما يصبح السؤال الأخطر من سيحاسب دولة قتلت طفلة كانت تستغيث وعرقلت إنقاذها ثم قررت أن تحقق بنفسها في الجريمة التي ارتكبتها قواتها .
هند لم تكن مقاتلة ولم تكن تحمل سلاحا ولم تكن جزءا من معركة كانت طفلة في الخامسة من عمرها تحاول الفرار مع عائلتها من منطقة تل الهوا في غزة حين تعرضت السيارة التي تقلهم لإطلاق النار فقتل أفراد العائلة وبقيت هند عالقة داخل السيارة بين جثامين أقاربها وظلت على اتصال بالهلال الأحمر الفلسطيني لنحو ثلاث ساعات تستغيث وتطلب النجدة وتروي بصوت طفولي مذعور ما يجري حولها ثم أرسل الهلال الأحمر سيارة إسعاف للوصول إليها لكن الاتصال انقطع وبعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة عثر على جثمان هند وجثامين أفراد عائلتها وجثماني المسعفين بعد نحو اثني عشر يوما وقد اعترف الجيش الإسرائيلي الآن بأن قواته أطلقت النار على سيارة العائلة ثم أطلقت قذيفة على سيارة الإسعاف .
صرخة هند الموجعة التي سمعها العالم في تلك الساعات الفاصلة كانت أطول من عمرها ومكالمتها مع الهلال الأحمر ستبقى واحدة من أكثر الوثائق الإنسانية إيلاما في حرب غزة لأنها لم تكن رواية سياسية ولا شهادة طرف في النزاع وإنما صوت طفلة صغيرة تطلب من العالم أن ينقذها وهي محاصرة بين الموتى ولذلك أصبحت هند بعد استشهادها رمزا لطفولة فلسطينية وجدت نفسها في مواجهة آلة حرب لا تميز في كثير من الأحيان بين طفل وراشد وبين مدني ومقاتل وبين سيارة عائلية وسيارة إسعاف .
الأخطر من الجريمة نفسها هو ما جاء بعدها حين أنكرت إسرائيل في البداية وجود قوات لها في المنطقة التي قتلت فيها هند وعائلتها ثم جاءت التحقيقات الصحفية والحقوقية والأدلة الميدانية لتضع القوات الإسرائيلية في قلب المشهد قبل أن تعود المؤسسة العسكرية نفسها اليوم وبعد مرور أكثر من عامين لتقر بأن قواتها أطلقت النار على السيارة ولذلك فإن الاعتراف الجديد لا يمثل مجرد تصحيح لرواية سابقة وإنما يطرح سؤالا بالغ الخطورة حول سبب إنكار وجود القوات في المكان طوال هذه المدة ولماذا احتاجت الحقيقة إلى عامين ونصف تقريبا حتى تصل إلى اعتراف إسرائيلي رسمي .
لعل الامر لأشد إثارة للقلق أن الاعتراف لم يتبعه تسليم القضية إلى جهة مستقلة وإنما أعلنت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فتح تحقيق جنائي داخلي وقالت إن ذلك جاء بسبب ما وصفته بإخفاقات في تنسيق حركة سيارة الإسعاف وهنا تكمن المفارقة التي يصعب على أي ضمير قانوني أن يتجاهلها كيف يمكن للجهة التي كان جنودها طرفا في إطلاق النار أن تكون هي نفسها الجهة التي تحدد طبيعة الجريمة وهي التي تجمع الأدلة وهي التي تستجوب المتهمين وهي التي تقرر في النهاية ما إذا كان هناك جرم يستحق العقاب .
الجريمة الاسرائيلية الصارخة ليست مجرد مسألة سياسية يمكن حسمها بالشعارات وإنما مسألة قانونية لها قواعد واضحة فالقانون الدولي الإنساني يفرض حماية المدنيين ويحظر استهدافهم كما يفرض حماية خاصة للطواقم الطبية التي تقوم بمهمات الإنقاذ والعلاج واتفاقية جنيف الرابعة تؤكد احترام وحماية العاملين الطبيين المدنيين وتكفل لهم ممارسة مهماتهم كما أن القانون الدولي الإنساني يعتبر قتل الأشخاص المحميين عمدا أو استهداف المدنيين في ظروف تحظر فيها الهجمات عليهم من أخطر الانتهاكات التي يمكن أن ترقى إلى جرائم حرب . ما يجب الاصرار عليه قانونيا واخلاقيا إن قضية هند لا ينبغي أن تختزل في السؤال الإسرائيلي حول ما إذا كان هناك إخفاق في التنسيق فحتى لو افترضنا جدلا وجود خطأ في التنسيق فإن ذلك لا يلغي الأسئلة الأساسية المتعلقة بتمييز الأهداف والتناسب والاحتياطات الواجبة وحماية المدنيين والطواقم الطبية ولا يلغي مسؤولية من أصدر الأمر أو نفذه أو كان يعلم بوجود خطر على مدنيين ولم يتخذ الإجراءات اللازمة لمنع وقوع الضرر وإذا أثبت التحقيق المستقل أن إطلاق النار كان متعمدا أو عشوائيا أو تم مع العلم بأن الضحايا مدنيون فإن التكييف القانوني يصبح أكثر خطورة بكثير . قضية قتل هند لا تقف عندها وحدها حيث أعلنت إسرائيل في الوقت نفسه عن فتح تحقيق جنائي آخر في مقتل خمسة عشر من العاملين في الإسعاف والدفاع المدني والإغاثة في رفح عام 2025 بينما رفضت فتح تحقيقات جنائية في وقائع أخرى بينها مقتل سبعة من العاملين في منظمة ورلد سنترال كيتشن وهذا الانتقاء نفسه يثير سؤالا مشروعا عن معيار العدالة الذي تستخدمه المؤسسة العسكرية في تحديد أي الوقائع تستحق التحقيق الجنائي وأيها يمكن إغلاقها باعتبارها أخطاء عملياتية . الأهم في هذا الحدث الغادر أن هذه ليست المرة الأولى التي تثار فيها قضية المساءلة الإسرائيلية في قتل الفلسطينيين فقد سبق لخبراء أمميين مستقلين أن حذروا في قضية هند نفسها من أن قتل الطفلة وعائلتها والمسعفين قد يشكل جريمة حرب وطالبوا بتحقيق سريع وموثوق وقالوا إن غياب التحقيق والمساءلة يمكن أن يشكل بحد ذاته انتهاكا للحق في الحياة كما أكدوا أن القتل المتعمد أو العشوائي للمدنيين والعاملين الطبيين والإنسانيين يمكن أن يشكل جرائم حرب وإذا جاء ضمن نمط واسع ومنهجي فقد يدخل في نطاق جرائم دولية أشد خطورة . الاكتفاء المحلي والدولي بالاحتجاج السياسي أو إصدار بيان إدانة جديد لا يكفي لان ملف هند يجب أن يتحول إلى ملف قانوني موثق يتضمن التسجيلات الهاتفية والأدلة الجنائية وصور المركبة ومسارها وشهادات الهلال الأحمر ومعلومات الاتصالات والأدلة التي تحدد مواقع القوات الإسرائيلية وأي أوامر عسكرية أو تسجيلات ميدانية يمكن أن تكشف ما حدث في تلك الساعات ويجب حفظ هذه الأدلة بصورة قانونية تمهيدا لاستخدامها أمام الهيئات القضائية الدولية والمحاكم الوطنية التي تسمح قوانينها بممارسة الولاية القضائية على جرائم الحرب . أهمية المحكمة الجنائية الدولية تبرز باعتبار فلسطين دولة طرف في نظام روما الأساسي وقد أكدت المحكمة أن اختصاصها الإقليمي في الحالة الفلسطينية يشمل غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية كما أن المحكمة فتحت تحقيقا في الحالة الفلسطينية منذ عام 2021 ولذلك فإن مقتل هند ليس خارج الإطار القانوني الدولي وليس قضية لا يملك العالم أدوات لمحاسبة مرتكبيها وإنما القضية في الإرادة السياسية والقدرة على جمع الأدلة وتحويلها إلى ملفات جنائية وملاحقة المسؤولين عنها. من الخطأ ألقاتل أن تتحول فكرة التحقيق الإسرائيلي الداخلي إلى ذريعة لتجميد المساءلة الدولية فحتى في القانون الدولي لا يكفي مجرد إعلان الدولة أنها تحقق في نفسها حتى تعتبر القضية مغلقة بل إن معيار الجدية والاستقلال والقدرة على التحقيق الحقيقي والملاحقة الفعلية هو الذي يحدد قيمة الإجراءات الداخلية ولذلك فإن إعلان تحقيق بعد عامين ونصف من الجريمة لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق وإنما يجب أن يكون بداية لفتح الطريق أمام تحقيق مستقل يستطيع الوصول إلى الشهود والأدلة والادانة دون أن يكون مقيدا بالمؤسسة العسكرية التي ينتمي إليها المتهمون . السؤال الحقيقي لا يتمحور حول من أطلق النار على هند وإنما من أعطى الأمر ومن كان في موقع القيادة ومن عرف بوجود طفلة محاصرة ومن عرف أن سيارة إسعاف تتجه لإنقاذها ومن قرر إطلاق النار عليها ومن سمح بعد ذلك ببقاء جثامين الضحايا في المكان كل هذه الأسئلة يجب أن تكون جزءا من التحقيق لأن المسؤولية الجنائية في جرائم الحرب لا تتوقف دائما عند الجندي الذي ضغط على الزناد وإنما قد تمتد إلى من أصدر الأوامر أو ساعد أو حرض أو كان مسؤولا عن منع الجريمة ولم يفعل ما كان يجب عليه فعله وفقا للقانون . على المستوى الدولي دوليا يتوجب تشكيل آلية تحقيق مستقلة وشفافة لا تخضع لإسرائيل ولا لأي طرف متهم في الجريمة وأن تتولى الأمم المتحدة والجهات القضائية الدولية والمنظمات الحقوقية المتخصصة حماية الأدلة والشهود وأن تتم إحالة النتائج إلى الجهات القضائية المختصة وأن تتعاون الدول التي تسمح قوانينها بملاحقة جرائم الحرب مع هذه الجهود وألا يتحول مرور الزمن إلى وسيلة لحماية المتهمين . أما فلسطينيا فإن قضية هند يجب أن تصبح قضية كل طفل فلسطيني لأن حماية أطفال فلسطين لا يمكن أن تكون موسمية ولا أن تبدأ بعد وقوع الجريمة فالمطلوب إنشاء ملف قانوني شامل عن قتل الأطفال واعتقالهم وتعذيبهم وترويعهم وتهجيرهم وحصارهم وحرمانهم من العلاج والتعليم والغذاء وتوثيق كل حالة بالزمان والمكان والشهود والأدلة الطبية والصور والتسجيلات حتى لا تستطيع إسرائيل بعد سنوات أن تقول إنها لم تكن تعرف أو إن ما حدث كان خطأ أو إن المعلومات لم تكن متاحة. امام هذه الجريمة البشعة على العالم الحر والمنظمات الدولية والحقوقية والإنسانية العمل بأكثر من التعبير عن الصدمة والحزن لان البيانات لا تحمي طفلا فلسطينيا اعزل والقوانين التي لا تطبق تتحول إلى أوراق والاتفاقيات الدولية التي لا تحمي الضحايا تفقد معناها الأخلاقي والقانوني ولذلك فإن على الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمحكمة الجنائية الدولية والمنظمات الحقوقية الدولية أن تجعل حماية أطفال فلسطين من القتل والاعتقال والتعذيب والترويع والحبس والتهجير أولوية حقيقية لا مجرد بند في بيانات وتقارير دورية . قواعد العدالة الانسانية تؤكد ان أطفال فلسطين ليسوا استثناء في القانون الدولي ولا يجوز أن تكون طفولة الفلسطيني أقل قيمة من طفولة أي طفل في العالم فالطفل الذي يولد في غزة أو الضفة الغربية لا يفقد بسبب هويته حقه في الحياة والأمان والحماية ولا تصبح حياته مباحة لأن الدولة التي تسيطر على أرضه تصفه بأنه خطر محتمل والقانون الدولي لا يميز بين دم طفل ودم طفل ولا يمنح دولة حق قتل طفل ثم التحقيق في نفسها بعد سنوات . هند رجب لم تعد قادرة على المطالبة بحقها ولكن العالم يستطيع أن يفعل ذلك باسمها وعائلتها تستطيع أن تفعل ذلك باسمها وفلسطين تستطيع أن تفعل ذلك باسمها والقانون الدولي يستطيع أن يفعل ذلك باسمها وإذا كان صوت هند قد انقطع داخل تلك السيارة فإن مسؤولية العالم تبدأ من حيث انقطع صوتها لا من حيث انتهت الجريمة . لقد اعترفت إسرائيل أخيرا بأنها هي التي أطلقت النار على السيارة التي كانت هند داخلها واعترفت بإطلاق النار على سيارة الإسعاف التي جاءت لإنقاذها لكن الاعتراف لا يصنع العدالة والتحقيق الداخلي لا يكفي والوقت لا يمحو الجريمة . السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحا أمام العالم كله بسيط في كلماته هائل في معناه من يحاسب دولة تقتل طفلة ثم تحقق بنفسها في قتلها ومن يحاسب من قتل من جاء ايضا لإنقاذها ومن يحمي أطفال فلسطين إذا كان القانون الدولي نفسه يقف عاجزا أمام الجريمة . الشهيدة الطفلة هند رجب ليست مجرد اسم في سجل ضحايا غزة بل إنها امتحان أخلاقي وقانوني للعالم كله فإذا انتهت قضيتها إلى ملف مغلق أو عقوبة رمزية أو تبرير عسكري فإن الرسالة ستكون أخطر من الجريمة نفسها وهي أن قتل الطفل الفلسطيني يمكن أن يمر بلا عقاب أما إذا تحولت صرختها الأخيرة إلى تحقيق دولي مستقل ومحاكمة حقيقية ومحاسبة للمسؤولين عنها فإن هند التي لم ينقذها العالم وهي حية قد تساعد بعد رحيلها في إنقاذ آلاف الأطفال الذين ما زالوا ينتظرون من العالم أن يسمع صرخاتهم وان جريمة قتل الطفلة الشهيدة هند رجب مأساة انسانية مؤلمة يترتب عليها مسؤولية قانونية وأخلاقية وسياسية يحب على العالم أن لا يتهرب منها . كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]
التعليقات