د , مهدي مبارك عبد الله
تشهد خريطة النفوذ والتموضع العسكري في الساحل الغربي لليمن تحولات دراماتيكية متسارعة أعادت صياغة معادلات القوة في واحدة من أكثر الممرات المائية حيوية في العالم حيث جاءت التطورات الأخيرة المتمثلة في التمدد الميداني لجماعة انصار الله نحو مدينة المخا الاستراتيجية واقتراب القوى المسلحة من إحكام قبضتها على مضيق باب المندب لتدق ناقوس الخطر في العواصم الإقليمية والدولية ولتضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار جيوسياسي بالغ التعقيد والخطورة في توقيت حساس مشحون بالتجاذبات الدولية وموازي للانتخابات النصفية الامريكية الوشيكة.
اللافت بشكل دقيق في تطور الاحداث انه رغم فداحة هذا التحول الميداني الذي يهدد الشرايين الرئيسية للاقتصاد العالمي وحركة الملاحة البحرية وتزايد الضغوط والاتصالات الدبلوماسية المكثفة التي أجرتها الرياض مع واشنطن لحثها على التدخل العسكري المباشر وشن ضربات جوية رادعة ضد قوات الحوثيين إلا أن موقف الرئيس دونالد ترامب جاء حاسماً بالرفض التام مفضلاً الاكتفاء بتقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي غير القتالي مما أثار موجة من التساؤلات العميقة في أروقة مراكز القرار حول الأسباب الحقيقية التي تجعل واشنطن تخشى الغوص مجدداً في الرمال اليمنية المتحركة.
القراءة المتأنية للرفض الأمريكي تكشف عن رغبة واشنطن في تجنب استنساخ سيناريوهات الحروب السابقة المفتوحة وغير محسومة النتائج حيث تدرك إدارة ترامب أن المليشيات الحوثية باتت تمتلك ترسانة صاروخية وشبكة مسيرات قادرة على استهداف العمق الإقليمي لجميع دول المنطقة فضلا عن مصادر الطاقة وأن أي تصعيد جوي امريكي مباشر قد يفجر مواجهة إقليمية شاملة تسعى الولايات المتحدة لتفاديها في الوقت الراهن من اجل حماية اسواق النفط العالمية التي تشهد بالفعل قفزات مقلقة في الأسعار تجاوزت حاجز المائة دولار للبرميل حتى الان .
الحسابات السياسية الداخلية للرئيس ترامب تبرز كعامل حاسم في صياغة هذا الموقف حيث يرفع البيت الأبيض بشكل مستمر شعار التركيز على مواجهة رأس الحربة في طهران وضمان أمن مضيق هرمز بدلاً من تشتيت الجهود العسكرية الأمريكية في جبهات فرعية مستنزفة علاوة على أن عقيدة ترامب القائمة على مبدأ أمريكا أولاً ترفض بشكل قاطع تقديم صكوك عسكرية مجانية للحلفاء مفضلة الضغط الاقتصادي والعقوبات الصارمة لقطع خطوط التمويل عن أذرع إيران عبر استراتيجيات العزل المالي والتسليحي .
البعد الاستراتيجي الأكثر تعقيداً في هذا الانكفاء الأمريكي يتمثل في تنامي الصراع الدولي الصامت على البحر الأحمر حيث ترقب بكين وموسكو أي تورط عسكري أمريكي جديد في اليمن لاستغلاله كفرصة لتعزيز نفوذهما المتصاعد في شرق أفريقيا وغرب آسيا مما جعل الإدارة الأمريكية تدرك تماماً أن أي استنزاف لقواتها البحرية والجوية في مواجهة مسيرات الحوثيين المنخفضة التكلفة سيمنح خصومها الكبار فرصة ذهبية لملء الفراغ الجيوسياسي في مناطق حيوية أخرى من العالم وتحديداً في حوض المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي .
في ذات السياق إن التردد الأمريكي في استخدام القوة المفرطة يعكس أزمة أعمق تتعلق بفشل المنظومات الدفاعية الغربية التقليدية في التعامل مع تكتيكات الحرب غير المتناظرة التي يبرع فيها الحوثيون حيث أثبتت المعارك البحرية الأخيرة أن الصواريخ الاعتراضية الباهظة الثمن التي تمتلكها البوارج الأمريكية تعاني من استنزاف مستمر أمام وابل الطائرات الانتحارية غير المكلفة مما يشكل ثقلاً مالياً وعسكرياً لا ترغب ميزانية الدفاع الأمريكية في تحمله دون وجود أهداف عسكرية واضحة وقابلة للتحقيق على المدى القصير.
هذا التحول الامريكي الجيوسياسي ينعكس مباشرة على منظومة الأمن القومي العربي حيث يمثل الرفض الأمريكي الصادم محطة فاصلة تفرض على عواصم القرار في المنطقة إعادة التفكير في جدوى الاعتماد على الوعود الدفاعية التاريخية للغرب والتحرك الجاد نحو بناء عقيدة أمنية إقليمية مستقلة قادرة على حماية الممرات المائية العربية دون حاجة لغطاء أجنبي أثبتت المتغيرات الحالية أنه الغطاء الامريكي هش ومحكوم بالمصالح الضيقة وتوازنات القوى الانتخابية داخل الولايات المتحدة .
على الجانب الاخر لا يمكن إغفال التداعيات الاقتصادية الكارثية التي قد تترتب على أي مغامرة عسكرية غير محسوبة في باب المندب خاصة وان الشركات الملاحية الدولية وشركات التأمين البحري بدأت بالفعل في تسعير المخاطر العالية وتغيير مسارات سفنها نحو طريق رأس الرجاء الصالح مما يعني أن أي ضربات أمريكية واسعة ستؤدي حتماً إلى شلل شبه كامل في حركة التجارة بين الشرق والغرب وهو الأمر الذي تخشاه واشنطن نظراً لانعكاساته الفورية على معدلات التضخم الداخلي في أمريكا والتي تشكل التحدي الأكبر لوعود ترامب الاقتصادية لجمهوره .
التحليل الميداني العسكري للجغرافيا الساحلية اليمنية الممتدة من ذوباب وباب المندب صعوداً إلى الخوخة والتحيتا يعزز صوابية الحذر الأمريكي لان السيطرة الحوثية على المرتفعات الجبلية المطلة على الساحل الغربي مثل جبال كهبوب وموزع تمنح قوات صنعاء ميزة السيطرة النارية المطلقة والقدرة على رصد وتوجيه الضربات المباغتة لأي قوات بحرية تحاول الاقتراب ما يجعل أي رهان على تحييد هذه التهديدات عبر القصف الجوي الامريكي وحده ضرباً من الوهم العسكري ونوعاً من الانتحار الجيوسياسي الذي ترفضه حسابات البنتاغون بدقة متناهية .
كما أن استغلال الحوثيين لشبكة معقدة من الأودية والغطاء النباتي الكثيف في مناطق مثل مزارع النخيل بالجرّاحي وبيت الفقيه وتطويرهم لترسانة من الألغام البحرية المصنعة محلياً والقوارب الانتحارية المسيرة والمفخخة ذاتية التوجيه قد يحول الساحل الغربي بالكامل إلى حقل ألغام استراتيجي مرعب وعائق يستحيل تخطيه دون كلفة بشرية ومالية باهظة وهي التكلفة التي لا يمكن لترامب المغامرة بها أمام ناخبه الأمريكي الذي وعده بإنهاء الحروب الخارجية لا الغرق في مستنقعاتها .
في المقابل لم يعد خافياً أن هذه المتغيرات الميدانية في الجغرافيا الساحلية قد فرضت واقعاً ملموساً تجاوز تفاهمات ستوكهولم القديمة وأسقط كل الخطط الدولية السابقة الرامية لتقويض القوة البحرية المتنامية في صنعاء حيث أثبتت التجربة أن سلاح المسيرات والصواريخ البالستية المضادة للسفن قد غير قواعد الاشتباك البحري بشكل جذري وجعل من التموضع الحوثي على طول الشريط الساحلي الممتد قوة ردع إقليمية حقيقية قادرة على فرض شروطها وإجبار القوى العظمى على مراجعة حساباتها والاعتراف بالأمر الواقع.
التراجع الأمريكي عن التدخل المباشر في المستنقع اليمني يمثل رسالة سياسية بالغة الدلالة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً مفادها أن الاعتماد المطلق على المظلة العسكرية الأمريكية لحسم الصراع الداخلي بات رهاناً خاسراً وأن التغييرات الجارية في خارطة النفوذ بالساحل الغربي تطلب مراجعة شاملة للتحالفات وبناء القدرات الذاتية بعيداً عن أوهام التدخلات الخارجية التي تخضع لحسابات واشنطن الخاصة ومصالحها الانتخابية والجيوسياسية المتغيرة .
أما الرسالة الموجهة للرياض فتبدو أكثر رصانة ووضوحاً حيث يؤكد هذا الموقف أن الإدارة الأمريكية رغم التزامها بحفظ أمن شركائها التقليديين وتزويدهم بالمعلومات لن تقحم جيشها في حرب استنزاف برية أو جوية بالوكالة وأن على القوى الإقليمية إدراك حدود القوة الأمريكية وإمكانية التحرك نحو خيارات بديلة سواء عبر تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك الإقليمية الجديدة أو البحث عن مسارات تفاوضية من موقع قوة بعد أن ثبت أن لغة الصواريخ وحدها لم تعد كافية لتغيير الواقع الميداني المفروض على الأرض في اليمن .
ترامب في خضم هذه المشكلة يحاول الإمساك بالعصا من الوسط حيث يريد إبقاء البحر الأحمر مفتوحاً وحماية المصالح الأميركية ومنع انهيار حلفائه الإقليميين لكنه لا يريد أن يدفع ثمناً عسكرياً جديداً من أجل معركة لا يضمن نهايتها وهذا ما يفسر مضمون عبارته السياسية الأهم عملياً وهي أن الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة شركائها لكنها تريد منهم أن يتولوا زمام معالجة التحديات الأمنية الإقليمية التي تواجههم بأنفسهم .
بالمفهوم السياسي الموضوعي يمكن القول إن رفض ترامب طلب ولي العهد السعودي ابن سلمان قد لا يكون دليلاً على ضعف العلاقة الأميركية السعودية بقدر ما هو تعبير عن تغير في حسابات واشنطن سيما وان الرئيس الأميركي يريد اختيار معاركه بنفسه لا أن يخوض حروب حلفائه بالنيابة عنهم وهو يدرك جيدا أن فتح جبهة يمنية جديدة في الوقت الذي تغلق فيه إيران مضيق هرمز لا يمثل رأس سلم أولوياته لآنه يمكن أن يحول التفوق العسكري الأميركي إلى عبء استراتيجي مرهق وبدون جدوى .
ختاما : الرياض طلبت من واشنطن المبادرة بضرب الحوثيين لأنها وجدت أن الخطر الحوثي بات يقترب من باب المندب ويهدد مصالحها الحيوية أما ترامب فكان يرى الصورة من زاوية أوسع حيث إنه لا يسأل فقط كيف يمكن ان نضرب الحوثيين بل ماذا سيحدث بعد الضربة وهذه هي النقطة التي تجعل الرفض الأميركي أكثر دلالة من الطلب السعودي نفسه حيث تبدو واشنطن للمرة الأولى أمام معضلة يمنية لا تخشى فيها من عدم قدرتها على إطلاق الصواريخ وإنما من قدرتها على إطلاقها من دون أن تعرف كيف تنهي الحرب لان النار ستبقى مشتعلة تحت جمر الساحل الغربي ولهذا تخشى واشنطن فتح جبهة اليمن . كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
د , مهدي مبارك عبد الله
تشهد خريطة النفوذ والتموضع العسكري في الساحل الغربي لليمن تحولات دراماتيكية متسارعة أعادت صياغة معادلات القوة في واحدة من أكثر الممرات المائية حيوية في العالم حيث جاءت التطورات الأخيرة المتمثلة في التمدد الميداني لجماعة انصار الله نحو مدينة المخا الاستراتيجية واقتراب القوى المسلحة من إحكام قبضتها على مضيق باب المندب لتدق ناقوس الخطر في العواصم الإقليمية والدولية ولتضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار جيوسياسي بالغ التعقيد والخطورة في توقيت حساس مشحون بالتجاذبات الدولية وموازي للانتخابات النصفية الامريكية الوشيكة.
اللافت بشكل دقيق في تطور الاحداث انه رغم فداحة هذا التحول الميداني الذي يهدد الشرايين الرئيسية للاقتصاد العالمي وحركة الملاحة البحرية وتزايد الضغوط والاتصالات الدبلوماسية المكثفة التي أجرتها الرياض مع واشنطن لحثها على التدخل العسكري المباشر وشن ضربات جوية رادعة ضد قوات الحوثيين إلا أن موقف الرئيس دونالد ترامب جاء حاسماً بالرفض التام مفضلاً الاكتفاء بتقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي غير القتالي مما أثار موجة من التساؤلات العميقة في أروقة مراكز القرار حول الأسباب الحقيقية التي تجعل واشنطن تخشى الغوص مجدداً في الرمال اليمنية المتحركة.
القراءة المتأنية للرفض الأمريكي تكشف عن رغبة واشنطن في تجنب استنساخ سيناريوهات الحروب السابقة المفتوحة وغير محسومة النتائج حيث تدرك إدارة ترامب أن المليشيات الحوثية باتت تمتلك ترسانة صاروخية وشبكة مسيرات قادرة على استهداف العمق الإقليمي لجميع دول المنطقة فضلا عن مصادر الطاقة وأن أي تصعيد جوي امريكي مباشر قد يفجر مواجهة إقليمية شاملة تسعى الولايات المتحدة لتفاديها في الوقت الراهن من اجل حماية اسواق النفط العالمية التي تشهد بالفعل قفزات مقلقة في الأسعار تجاوزت حاجز المائة دولار للبرميل حتى الان .
الحسابات السياسية الداخلية للرئيس ترامب تبرز كعامل حاسم في صياغة هذا الموقف حيث يرفع البيت الأبيض بشكل مستمر شعار التركيز على مواجهة رأس الحربة في طهران وضمان أمن مضيق هرمز بدلاً من تشتيت الجهود العسكرية الأمريكية في جبهات فرعية مستنزفة علاوة على أن عقيدة ترامب القائمة على مبدأ أمريكا أولاً ترفض بشكل قاطع تقديم صكوك عسكرية مجانية للحلفاء مفضلة الضغط الاقتصادي والعقوبات الصارمة لقطع خطوط التمويل عن أذرع إيران عبر استراتيجيات العزل المالي والتسليحي .
البعد الاستراتيجي الأكثر تعقيداً في هذا الانكفاء الأمريكي يتمثل في تنامي الصراع الدولي الصامت على البحر الأحمر حيث ترقب بكين وموسكو أي تورط عسكري أمريكي جديد في اليمن لاستغلاله كفرصة لتعزيز نفوذهما المتصاعد في شرق أفريقيا وغرب آسيا مما جعل الإدارة الأمريكية تدرك تماماً أن أي استنزاف لقواتها البحرية والجوية في مواجهة مسيرات الحوثيين المنخفضة التكلفة سيمنح خصومها الكبار فرصة ذهبية لملء الفراغ الجيوسياسي في مناطق حيوية أخرى من العالم وتحديداً في حوض المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي .
في ذات السياق إن التردد الأمريكي في استخدام القوة المفرطة يعكس أزمة أعمق تتعلق بفشل المنظومات الدفاعية الغربية التقليدية في التعامل مع تكتيكات الحرب غير المتناظرة التي يبرع فيها الحوثيون حيث أثبتت المعارك البحرية الأخيرة أن الصواريخ الاعتراضية الباهظة الثمن التي تمتلكها البوارج الأمريكية تعاني من استنزاف مستمر أمام وابل الطائرات الانتحارية غير المكلفة مما يشكل ثقلاً مالياً وعسكرياً لا ترغب ميزانية الدفاع الأمريكية في تحمله دون وجود أهداف عسكرية واضحة وقابلة للتحقيق على المدى القصير.
هذا التحول الامريكي الجيوسياسي ينعكس مباشرة على منظومة الأمن القومي العربي حيث يمثل الرفض الأمريكي الصادم محطة فاصلة تفرض على عواصم القرار في المنطقة إعادة التفكير في جدوى الاعتماد على الوعود الدفاعية التاريخية للغرب والتحرك الجاد نحو بناء عقيدة أمنية إقليمية مستقلة قادرة على حماية الممرات المائية العربية دون حاجة لغطاء أجنبي أثبتت المتغيرات الحالية أنه الغطاء الامريكي هش ومحكوم بالمصالح الضيقة وتوازنات القوى الانتخابية داخل الولايات المتحدة .
على الجانب الاخر لا يمكن إغفال التداعيات الاقتصادية الكارثية التي قد تترتب على أي مغامرة عسكرية غير محسوبة في باب المندب خاصة وان الشركات الملاحية الدولية وشركات التأمين البحري بدأت بالفعل في تسعير المخاطر العالية وتغيير مسارات سفنها نحو طريق رأس الرجاء الصالح مما يعني أن أي ضربات أمريكية واسعة ستؤدي حتماً إلى شلل شبه كامل في حركة التجارة بين الشرق والغرب وهو الأمر الذي تخشاه واشنطن نظراً لانعكاساته الفورية على معدلات التضخم الداخلي في أمريكا والتي تشكل التحدي الأكبر لوعود ترامب الاقتصادية لجمهوره .
التحليل الميداني العسكري للجغرافيا الساحلية اليمنية الممتدة من ذوباب وباب المندب صعوداً إلى الخوخة والتحيتا يعزز صوابية الحذر الأمريكي لان السيطرة الحوثية على المرتفعات الجبلية المطلة على الساحل الغربي مثل جبال كهبوب وموزع تمنح قوات صنعاء ميزة السيطرة النارية المطلقة والقدرة على رصد وتوجيه الضربات المباغتة لأي قوات بحرية تحاول الاقتراب ما يجعل أي رهان على تحييد هذه التهديدات عبر القصف الجوي الامريكي وحده ضرباً من الوهم العسكري ونوعاً من الانتحار الجيوسياسي الذي ترفضه حسابات البنتاغون بدقة متناهية .
كما أن استغلال الحوثيين لشبكة معقدة من الأودية والغطاء النباتي الكثيف في مناطق مثل مزارع النخيل بالجرّاحي وبيت الفقيه وتطويرهم لترسانة من الألغام البحرية المصنعة محلياً والقوارب الانتحارية المسيرة والمفخخة ذاتية التوجيه قد يحول الساحل الغربي بالكامل إلى حقل ألغام استراتيجي مرعب وعائق يستحيل تخطيه دون كلفة بشرية ومالية باهظة وهي التكلفة التي لا يمكن لترامب المغامرة بها أمام ناخبه الأمريكي الذي وعده بإنهاء الحروب الخارجية لا الغرق في مستنقعاتها .
في المقابل لم يعد خافياً أن هذه المتغيرات الميدانية في الجغرافيا الساحلية قد فرضت واقعاً ملموساً تجاوز تفاهمات ستوكهولم القديمة وأسقط كل الخطط الدولية السابقة الرامية لتقويض القوة البحرية المتنامية في صنعاء حيث أثبتت التجربة أن سلاح المسيرات والصواريخ البالستية المضادة للسفن قد غير قواعد الاشتباك البحري بشكل جذري وجعل من التموضع الحوثي على طول الشريط الساحلي الممتد قوة ردع إقليمية حقيقية قادرة على فرض شروطها وإجبار القوى العظمى على مراجعة حساباتها والاعتراف بالأمر الواقع.
التراجع الأمريكي عن التدخل المباشر في المستنقع اليمني يمثل رسالة سياسية بالغة الدلالة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً مفادها أن الاعتماد المطلق على المظلة العسكرية الأمريكية لحسم الصراع الداخلي بات رهاناً خاسراً وأن التغييرات الجارية في خارطة النفوذ بالساحل الغربي تطلب مراجعة شاملة للتحالفات وبناء القدرات الذاتية بعيداً عن أوهام التدخلات الخارجية التي تخضع لحسابات واشنطن الخاصة ومصالحها الانتخابية والجيوسياسية المتغيرة .
أما الرسالة الموجهة للرياض فتبدو أكثر رصانة ووضوحاً حيث يؤكد هذا الموقف أن الإدارة الأمريكية رغم التزامها بحفظ أمن شركائها التقليديين وتزويدهم بالمعلومات لن تقحم جيشها في حرب استنزاف برية أو جوية بالوكالة وأن على القوى الإقليمية إدراك حدود القوة الأمريكية وإمكانية التحرك نحو خيارات بديلة سواء عبر تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك الإقليمية الجديدة أو البحث عن مسارات تفاوضية من موقع قوة بعد أن ثبت أن لغة الصواريخ وحدها لم تعد كافية لتغيير الواقع الميداني المفروض على الأرض في اليمن .
ترامب في خضم هذه المشكلة يحاول الإمساك بالعصا من الوسط حيث يريد إبقاء البحر الأحمر مفتوحاً وحماية المصالح الأميركية ومنع انهيار حلفائه الإقليميين لكنه لا يريد أن يدفع ثمناً عسكرياً جديداً من أجل معركة لا يضمن نهايتها وهذا ما يفسر مضمون عبارته السياسية الأهم عملياً وهي أن الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة شركائها لكنها تريد منهم أن يتولوا زمام معالجة التحديات الأمنية الإقليمية التي تواجههم بأنفسهم .
بالمفهوم السياسي الموضوعي يمكن القول إن رفض ترامب طلب ولي العهد السعودي ابن سلمان قد لا يكون دليلاً على ضعف العلاقة الأميركية السعودية بقدر ما هو تعبير عن تغير في حسابات واشنطن سيما وان الرئيس الأميركي يريد اختيار معاركه بنفسه لا أن يخوض حروب حلفائه بالنيابة عنهم وهو يدرك جيدا أن فتح جبهة يمنية جديدة في الوقت الذي تغلق فيه إيران مضيق هرمز لا يمثل رأس سلم أولوياته لآنه يمكن أن يحول التفوق العسكري الأميركي إلى عبء استراتيجي مرهق وبدون جدوى .
ختاما : الرياض طلبت من واشنطن المبادرة بضرب الحوثيين لأنها وجدت أن الخطر الحوثي بات يقترب من باب المندب ويهدد مصالحها الحيوية أما ترامب فكان يرى الصورة من زاوية أوسع حيث إنه لا يسأل فقط كيف يمكن ان نضرب الحوثيين بل ماذا سيحدث بعد الضربة وهذه هي النقطة التي تجعل الرفض الأميركي أكثر دلالة من الطلب السعودي نفسه حيث تبدو واشنطن للمرة الأولى أمام معضلة يمنية لا تخشى فيها من عدم قدرتها على إطلاق الصواريخ وإنما من قدرتها على إطلاقها من دون أن تعرف كيف تنهي الحرب لان النار ستبقى مشتعلة تحت جمر الساحل الغربي ولهذا تخشى واشنطن فتح جبهة اليمن . كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
د , مهدي مبارك عبد الله
تشهد خريطة النفوذ والتموضع العسكري في الساحل الغربي لليمن تحولات دراماتيكية متسارعة أعادت صياغة معادلات القوة في واحدة من أكثر الممرات المائية حيوية في العالم حيث جاءت التطورات الأخيرة المتمثلة في التمدد الميداني لجماعة انصار الله نحو مدينة المخا الاستراتيجية واقتراب القوى المسلحة من إحكام قبضتها على مضيق باب المندب لتدق ناقوس الخطر في العواصم الإقليمية والدولية ولتضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار جيوسياسي بالغ التعقيد والخطورة في توقيت حساس مشحون بالتجاذبات الدولية وموازي للانتخابات النصفية الامريكية الوشيكة.
اللافت بشكل دقيق في تطور الاحداث انه رغم فداحة هذا التحول الميداني الذي يهدد الشرايين الرئيسية للاقتصاد العالمي وحركة الملاحة البحرية وتزايد الضغوط والاتصالات الدبلوماسية المكثفة التي أجرتها الرياض مع واشنطن لحثها على التدخل العسكري المباشر وشن ضربات جوية رادعة ضد قوات الحوثيين إلا أن موقف الرئيس دونالد ترامب جاء حاسماً بالرفض التام مفضلاً الاكتفاء بتقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي غير القتالي مما أثار موجة من التساؤلات العميقة في أروقة مراكز القرار حول الأسباب الحقيقية التي تجعل واشنطن تخشى الغوص مجدداً في الرمال اليمنية المتحركة.
القراءة المتأنية للرفض الأمريكي تكشف عن رغبة واشنطن في تجنب استنساخ سيناريوهات الحروب السابقة المفتوحة وغير محسومة النتائج حيث تدرك إدارة ترامب أن المليشيات الحوثية باتت تمتلك ترسانة صاروخية وشبكة مسيرات قادرة على استهداف العمق الإقليمي لجميع دول المنطقة فضلا عن مصادر الطاقة وأن أي تصعيد جوي امريكي مباشر قد يفجر مواجهة إقليمية شاملة تسعى الولايات المتحدة لتفاديها في الوقت الراهن من اجل حماية اسواق النفط العالمية التي تشهد بالفعل قفزات مقلقة في الأسعار تجاوزت حاجز المائة دولار للبرميل حتى الان .
الحسابات السياسية الداخلية للرئيس ترامب تبرز كعامل حاسم في صياغة هذا الموقف حيث يرفع البيت الأبيض بشكل مستمر شعار التركيز على مواجهة رأس الحربة في طهران وضمان أمن مضيق هرمز بدلاً من تشتيت الجهود العسكرية الأمريكية في جبهات فرعية مستنزفة علاوة على أن عقيدة ترامب القائمة على مبدأ أمريكا أولاً ترفض بشكل قاطع تقديم صكوك عسكرية مجانية للحلفاء مفضلة الضغط الاقتصادي والعقوبات الصارمة لقطع خطوط التمويل عن أذرع إيران عبر استراتيجيات العزل المالي والتسليحي .
البعد الاستراتيجي الأكثر تعقيداً في هذا الانكفاء الأمريكي يتمثل في تنامي الصراع الدولي الصامت على البحر الأحمر حيث ترقب بكين وموسكو أي تورط عسكري أمريكي جديد في اليمن لاستغلاله كفرصة لتعزيز نفوذهما المتصاعد في شرق أفريقيا وغرب آسيا مما جعل الإدارة الأمريكية تدرك تماماً أن أي استنزاف لقواتها البحرية والجوية في مواجهة مسيرات الحوثيين المنخفضة التكلفة سيمنح خصومها الكبار فرصة ذهبية لملء الفراغ الجيوسياسي في مناطق حيوية أخرى من العالم وتحديداً في حوض المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي .
في ذات السياق إن التردد الأمريكي في استخدام القوة المفرطة يعكس أزمة أعمق تتعلق بفشل المنظومات الدفاعية الغربية التقليدية في التعامل مع تكتيكات الحرب غير المتناظرة التي يبرع فيها الحوثيون حيث أثبتت المعارك البحرية الأخيرة أن الصواريخ الاعتراضية الباهظة الثمن التي تمتلكها البوارج الأمريكية تعاني من استنزاف مستمر أمام وابل الطائرات الانتحارية غير المكلفة مما يشكل ثقلاً مالياً وعسكرياً لا ترغب ميزانية الدفاع الأمريكية في تحمله دون وجود أهداف عسكرية واضحة وقابلة للتحقيق على المدى القصير.
هذا التحول الامريكي الجيوسياسي ينعكس مباشرة على منظومة الأمن القومي العربي حيث يمثل الرفض الأمريكي الصادم محطة فاصلة تفرض على عواصم القرار في المنطقة إعادة التفكير في جدوى الاعتماد على الوعود الدفاعية التاريخية للغرب والتحرك الجاد نحو بناء عقيدة أمنية إقليمية مستقلة قادرة على حماية الممرات المائية العربية دون حاجة لغطاء أجنبي أثبتت المتغيرات الحالية أنه الغطاء الامريكي هش ومحكوم بالمصالح الضيقة وتوازنات القوى الانتخابية داخل الولايات المتحدة .
على الجانب الاخر لا يمكن إغفال التداعيات الاقتصادية الكارثية التي قد تترتب على أي مغامرة عسكرية غير محسوبة في باب المندب خاصة وان الشركات الملاحية الدولية وشركات التأمين البحري بدأت بالفعل في تسعير المخاطر العالية وتغيير مسارات سفنها نحو طريق رأس الرجاء الصالح مما يعني أن أي ضربات أمريكية واسعة ستؤدي حتماً إلى شلل شبه كامل في حركة التجارة بين الشرق والغرب وهو الأمر الذي تخشاه واشنطن نظراً لانعكاساته الفورية على معدلات التضخم الداخلي في أمريكا والتي تشكل التحدي الأكبر لوعود ترامب الاقتصادية لجمهوره .
التحليل الميداني العسكري للجغرافيا الساحلية اليمنية الممتدة من ذوباب وباب المندب صعوداً إلى الخوخة والتحيتا يعزز صوابية الحذر الأمريكي لان السيطرة الحوثية على المرتفعات الجبلية المطلة على الساحل الغربي مثل جبال كهبوب وموزع تمنح قوات صنعاء ميزة السيطرة النارية المطلقة والقدرة على رصد وتوجيه الضربات المباغتة لأي قوات بحرية تحاول الاقتراب ما يجعل أي رهان على تحييد هذه التهديدات عبر القصف الجوي الامريكي وحده ضرباً من الوهم العسكري ونوعاً من الانتحار الجيوسياسي الذي ترفضه حسابات البنتاغون بدقة متناهية .
كما أن استغلال الحوثيين لشبكة معقدة من الأودية والغطاء النباتي الكثيف في مناطق مثل مزارع النخيل بالجرّاحي وبيت الفقيه وتطويرهم لترسانة من الألغام البحرية المصنعة محلياً والقوارب الانتحارية المسيرة والمفخخة ذاتية التوجيه قد يحول الساحل الغربي بالكامل إلى حقل ألغام استراتيجي مرعب وعائق يستحيل تخطيه دون كلفة بشرية ومالية باهظة وهي التكلفة التي لا يمكن لترامب المغامرة بها أمام ناخبه الأمريكي الذي وعده بإنهاء الحروب الخارجية لا الغرق في مستنقعاتها .
في المقابل لم يعد خافياً أن هذه المتغيرات الميدانية في الجغرافيا الساحلية قد فرضت واقعاً ملموساً تجاوز تفاهمات ستوكهولم القديمة وأسقط كل الخطط الدولية السابقة الرامية لتقويض القوة البحرية المتنامية في صنعاء حيث أثبتت التجربة أن سلاح المسيرات والصواريخ البالستية المضادة للسفن قد غير قواعد الاشتباك البحري بشكل جذري وجعل من التموضع الحوثي على طول الشريط الساحلي الممتد قوة ردع إقليمية حقيقية قادرة على فرض شروطها وإجبار القوى العظمى على مراجعة حساباتها والاعتراف بالأمر الواقع.
التراجع الأمريكي عن التدخل المباشر في المستنقع اليمني يمثل رسالة سياسية بالغة الدلالة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً مفادها أن الاعتماد المطلق على المظلة العسكرية الأمريكية لحسم الصراع الداخلي بات رهاناً خاسراً وأن التغييرات الجارية في خارطة النفوذ بالساحل الغربي تطلب مراجعة شاملة للتحالفات وبناء القدرات الذاتية بعيداً عن أوهام التدخلات الخارجية التي تخضع لحسابات واشنطن الخاصة ومصالحها الانتخابية والجيوسياسية المتغيرة .
أما الرسالة الموجهة للرياض فتبدو أكثر رصانة ووضوحاً حيث يؤكد هذا الموقف أن الإدارة الأمريكية رغم التزامها بحفظ أمن شركائها التقليديين وتزويدهم بالمعلومات لن تقحم جيشها في حرب استنزاف برية أو جوية بالوكالة وأن على القوى الإقليمية إدراك حدود القوة الأمريكية وإمكانية التحرك نحو خيارات بديلة سواء عبر تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك الإقليمية الجديدة أو البحث عن مسارات تفاوضية من موقع قوة بعد أن ثبت أن لغة الصواريخ وحدها لم تعد كافية لتغيير الواقع الميداني المفروض على الأرض في اليمن .
ترامب في خضم هذه المشكلة يحاول الإمساك بالعصا من الوسط حيث يريد إبقاء البحر الأحمر مفتوحاً وحماية المصالح الأميركية ومنع انهيار حلفائه الإقليميين لكنه لا يريد أن يدفع ثمناً عسكرياً جديداً من أجل معركة لا يضمن نهايتها وهذا ما يفسر مضمون عبارته السياسية الأهم عملياً وهي أن الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة شركائها لكنها تريد منهم أن يتولوا زمام معالجة التحديات الأمنية الإقليمية التي تواجههم بأنفسهم .
بالمفهوم السياسي الموضوعي يمكن القول إن رفض ترامب طلب ولي العهد السعودي ابن سلمان قد لا يكون دليلاً على ضعف العلاقة الأميركية السعودية بقدر ما هو تعبير عن تغير في حسابات واشنطن سيما وان الرئيس الأميركي يريد اختيار معاركه بنفسه لا أن يخوض حروب حلفائه بالنيابة عنهم وهو يدرك جيدا أن فتح جبهة يمنية جديدة في الوقت الذي تغلق فيه إيران مضيق هرمز لا يمثل رأس سلم أولوياته لآنه يمكن أن يحول التفوق العسكري الأميركي إلى عبء استراتيجي مرهق وبدون جدوى .
ختاما : الرياض طلبت من واشنطن المبادرة بضرب الحوثيين لأنها وجدت أن الخطر الحوثي بات يقترب من باب المندب ويهدد مصالحها الحيوية أما ترامب فكان يرى الصورة من زاوية أوسع حيث إنه لا يسأل فقط كيف يمكن ان نضرب الحوثيين بل ماذا سيحدث بعد الضربة وهذه هي النقطة التي تجعل الرفض الأميركي أكثر دلالة من الطلب السعودي نفسه حيث تبدو واشنطن للمرة الأولى أمام معضلة يمنية لا تخشى فيها من عدم قدرتها على إطلاق الصواريخ وإنما من قدرتها على إطلاقها من دون أن تعرف كيف تنهي الحرب لان النار ستبقى مشتعلة تحت جمر الساحل الغربي ولهذا تخشى واشنطن فتح جبهة اليمن . كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
التعليقات