د . مهدي مبارك عبد الله
لم تعد الهيمنة الجوية المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية قدراً لا يمكن الفكاك منه في ساحات المعارك المعاصرة وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط الملتهبة بعدما سقطت الكبرياء العسكرية التكنولوجية الامريكية تحت وطأة ضربات دفاعية لم تكن في الحسبان ولعل المشهد الأكثر تعبيراً عن هذا التحول الجيوسياسي الخطير هو مشاهدة طائرات الـ MQ-9 الفاخرة التي حملت اسم ريبر ( الحاصد أو حاصد الأرواح ) وهي تتساقط من علياء السماء لتتحول إلى مجرد حطام متناثر فوق رمال اليمن ومياه مضيق هرمز ومحيط إيران في معادلة عسكرية جديدة معقدة كسرت قواعد الاشتباك التاريخية وألغت مفهوم النزهة الجوية التي اعتاد القيام بها جنرالات البنتاغون على مدى عقود طويلة من الحروب المفتوحة .
التقارير العسكرية الرسمية والاستخباراتية الأمريكية الصادمة كشفت مؤخراً أن واشنطن فقدت بالفعل ما يقرب من خمسة وأربعين طائرة مسيّرة من هذا الطراز الاستراتيجي المتميز أي ما يعادل ربع أسطولها الجوي بالكامل الذي كان يبلغ قبل بدء جولات الصراع الحالية حوالي مئة وخمسة وثمانين طائرة وهي خسارة رقمية فادحة بكل المقاييس العسكرية تعكس استنزافاً غير مسبوق لأهم أسلحة المراقبة والهجوم في الترسانة الأمريكية كما تؤكد أن هناك فجوة قاتلة بدأت تتسع في عقيدة السيطرة الجوية التي تتبناها القوات الجوية ومشاة البحرية الأمريكية .
الخسائر المادية المباشرة الناجمة عن سقوط هذا العدد الضخم من طائرات الريبر تجاوزت حاجز المليار وثلاثمئة مليون دولار أمريكي بالنظر إلى أن تكلفة الطائرة الواحدة تتراوح بين ثلاثين إلى خمسين مليون دولار بناءً على طبيعة المستشعرات والأسلحة والمنظومات الإلكترونية المثبتة عليها وهي فاتورة بلا شك قاسية وباهظة يتكبدها في النهاية دافع الضرائب الأمريكي في معارك استنزاف مستمرة ومفتوحة على كل الاحتمالات حيث تهدر المقدرات التكنولوجية بكفاءة عالية ومن دون تحقيق أي نتائج حاسمة على الأرض تبرر هذا النزيف المالي الهائل .
الخلل الجوهري الذي كشفته معارك سماء إيران واليمن يكمن في البيئة العملياتية التي صُممت من أجلها هذه الطائرات حيث ولدت مسيّرات الريبر وترعرعت في ظروف الحروب غير المتكافئة وضمن أجواء آمنة ومفتوحة بالكامل مثل أفغانستان والعراق واليمن سابقاً حيث لم تكن هناك دفاعات جوية حقيقية تهدد حركتها مما جعل البنتاغون يعتمد عليها بشكل مفرط كمنصة بطيئة تحلق لعدة ساعات طويلة بارتفاعات متوسطة لرصد الأهداف واقتناصها دون الخوف من أي رد دفاعي رادع .
تكتيك المواجهات المباشرة مع القدرات الدفاعية الإيرانية المتطورة والمنظومات الصاروخية ومسيرات الانقضاض التابعة للحوثيين في اليمن غيرت هذه القواعد بشكل جذري حيث تحول البطء الفني لطائرة الريبر وحجمها الضخم وقدرتها المحدودة على المناورة الهروبية من ميزة استطلاع متفوقة إلى نقطة ضعف مأساوية جعلت منها صيداً سهلاً لشبكات صواريخ محلية ومستوردة متلألئة في سماء المنطقة مثل صاروخ ثلاثمئة وثمانية وخمسين وغيره من المضادات الجوية الذكية والرخيصة .
اللافت في السياق ان البنتاغون لم يعد يواجه فقط معضلة تدمير هذه الطائرات بصواريخ اعتراضية بل بات يعاني أيضاً من مخاطر حرب إلكترونية متطورة نجحت في قطع روابط الاتصال والتحكم بين المشغلين الأرضيين في القواعد الأمريكية والطائرات المحلقة في الجو مما تسبب في سقوط واعتراض عدد غير معلوم من هذه المسيرات نتيجة فشل أنظمة التوجيه والسيطرة وهو ما يمثل اختراقاً تقنياً مرعباً لواحد من أكثر الأنظمة العسكرية سرية وتعقيداً وحصانة في العالم بأسره .
مضامين الاعترافات الصادرة عن كبار القادة العسكريين في سلاح الجو الأمريكي أمام اللجان المختصة في مجلس الشيوخ عكست عمق الورطة الحقيقية حيث أكدوا صراحة أن تراجع أعداد أسطول الريبر إلى حوالي مئة وخمسة وثلاثين طائرة فقط قد هبط بالقدرات العملياتية إلى ما دون الحد الأدنى المطلوب قانوناً والبالغ مئة وتسعة وثمانين طائرة مما يضعف قدرة الولايات المتحدة بالحفاظ على خطوط القتال والدوريات الاستطلاعية المستمرة على مدار الساعة في بقية بؤر الصراع العالمي .
المحاولات الامريكية المتكررة لتعويض هذه الخسائر الفادحة من خلال إعادة شراء نسخ قديمة أو تحديث هياكل طائرات منسقة واجهت جداراً عسكرياً واقتصادياً صلباً نظراً لأن شركة جنرال أتوميكس المصنعة لا تمتلك في مخازنها سوى بضع طائرات جاهزة للبيع فضلاً عن أن خطوط الإنتاج الحالية باتت تركز على النسخ الأحدث والأغلى ثمناً مما يجعل عملية التعويض السريع للاستنزاف الدامي أمراً شبه مستحيل في المدى المنظور وهو ما يجبر واشنطن على القبول بواقع تقلص نفوذها الاستخباراتي الجوي .
تداعيات هذا المأزق الخطير دفعت القوات الجوية الأمريكية إلى اتخاذ قرار استراتيجي عاجل بتسريع خطط استبدال عائلة الريبر عبر برنامج عسكري طارئ يهدف إلى تطوير طائرات مسيرة نمطية ورخيصة التكلفة لا تتجاوز قيمة الواحدة منها عشرة ملايين دولار وتتميز بأنها قابلة للاستهلاك الميداني والتضحية بها في الأجواء المعادية عند الضرورة وهو اعتراف صريح بنهاية عصر الطائرات غير المأهولة الباهظة والمعقدة التي لا يمكن تعويض خسارتها بسرعة كافية .
الأبعاد السياسية والجيوسياسية لسقوط ربع أسطول الريبر تتجاوز بكثير قيمتها المالية والتكنولوجية لتمس مباشرة هيبة الردع الأمريكية وصورتها الذهنية كقوة عظمى لا تقهر حيث تحولت هذه الطائرة التي كانت رمزاً لاغتيال القادة وملاحقة عناصر التنظيمات بدقة متناهية إلى مادة إعلامية دسمة لخصوم واشنطن وهم يتباهون بنشر صور حطامها ومكوناتها السرية على شاشات التلفزة ومنصات التواصل الاجتماعي مما يجرئ قوى إقليمية أخرى على تحدي النفوذ الأمريكي وبصورة اكبر .
لعل من اهم الدروس والعبر المستفادة من معركة الأجواء فوق مضيق هرمز وصحاري اليمن تؤكد أننا نعيش اليوم بداية ثورة جديدة في تطوير الشؤون العسكرية حيث لم تعد التكنولوجيا الفائقة والمكلفة تضمن النصر التلقائي أمام حلول دفاعية مبتكرة وقليلة التكلفة تتبع استراتيجيات عدم التناظر العسكري وتجيد استغلال الثغرات الهندسية والعملياتية لأكثر الأسلحة هيبة في الترسانات الغربية والتي صنعت لزمن مضى ولم تعد صالحة لمعارك اليوم او المستقبل .
التحول الدراماتيكي لطائرات الريبر من أداة حسم مرعبة قادرة على فرض الإرادة الأمريكية من الجو إلى مأزق استراتيجي يقيد حركة واشنطن ويستنزف هيبتها ومواردها كما يعلن رسمياً عن سقوط أسطورة السيادة الجوية المطلقة في الشرق الأوسط كما يسطر فصلاً جديداً في فصول التراجع العسكري الأمريكي في المنطقة حيث أثبتت المواجهات في اجواء إيران واليمن أن الإرادة الدفاعية والتصدي التكتيكي بإمكانهما إسقاط أعتى أساطير الغرب التكنولوجية الفاشية وجعلها عاجزة عن حماية نفسها ناهيك عن حماية مصالح واشنطن كلما طال امد الحرب وارتقعت كلفتها .
هنالك جانبا آخر لا يجوز تجاهله وهو أن استمرار اسقاط ريبر يمنح الخصم مكسبا استخباريا أيضا لان حطامها ليس مجرد خردة عسكرية وإنما قد يحتوي على أجهزة استشعار واتصالات ومكونات إلكترونية وتقنيات تشغيل يمكن تحليلها وفهمها وهذا يجعل كل طائرة تسقط فوق أرض الخصم مصدرا محتملا للمعلومات التي تساعده على تطوير قدراته في مواجهة المنظومات الأمريكية في المستقبل .
ما ذكرنا لا يعني بالطبع أن ريبر أصبحت طائرة عديمة القيمة فهي ما تزال فعالة في البيئات منخفضة التهديد حيث لا يمتلك الخصم دفاعا جويا قويا كما تستطيع أداء مهام استطلاع ومراقبة وهجوم بكفاءة كبيرة لكن المشكلة تبدأ عندما تدخل المجال الجوي لخصم قادر على الرد وهنا تحديدا تتراجع قيمتها بصورة حادة مقارنة بما كانت عليه في الماضي القريب .
ختاما : إن تساقط أساطير الريبر في سماء إيران واليمن ليس مجرد خسارة تقنية لأرقام وقطع غيار بل هو جرس إنذار استراتيجي صاخب يجب أن تستفيق واشنطن على دويّه قبل فوات الأوان لان الرسائل القادمة من بقايا الحطام المتناثر واضحة ولا تقبل التأويل والاهم عليها أن تدرك جيداً أن زمن العربدة الجوية غير المشروطة واشعال الحروب من طرف واحد قد وُورِيَ الثرى إلى الأبد ولم تعد التكنولوجيا الباهظة قادرة على شراء النفوذ أو فرض الإرادة في بيئة إقليمية باتت تمتلك من الشجاعة والابتكار والامكانات التي تكسر غطرسة السلاح وإذا لم تفهم الإدارة الأمريكية والبنتاغون أن قواعد اللعبة قد تغيرت جذرياً وأن حلفاءها لن يحموها من تراجع الهيبة المستمر فإن الأيام القادمة لن تحمل لها سوى مزيد من السقوط العمودي لسمعتها العسكرية ومصالحها المتآكلة وسط سماوات باتت تترصد طائراتها ولا تهاب جبروتها المتهاوي يوما بعد يوم . كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
د . مهدي مبارك عبد الله
لم تعد الهيمنة الجوية المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية قدراً لا يمكن الفكاك منه في ساحات المعارك المعاصرة وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط الملتهبة بعدما سقطت الكبرياء العسكرية التكنولوجية الامريكية تحت وطأة ضربات دفاعية لم تكن في الحسبان ولعل المشهد الأكثر تعبيراً عن هذا التحول الجيوسياسي الخطير هو مشاهدة طائرات الـ MQ-9 الفاخرة التي حملت اسم ريبر ( الحاصد أو حاصد الأرواح ) وهي تتساقط من علياء السماء لتتحول إلى مجرد حطام متناثر فوق رمال اليمن ومياه مضيق هرمز ومحيط إيران في معادلة عسكرية جديدة معقدة كسرت قواعد الاشتباك التاريخية وألغت مفهوم النزهة الجوية التي اعتاد القيام بها جنرالات البنتاغون على مدى عقود طويلة من الحروب المفتوحة .
التقارير العسكرية الرسمية والاستخباراتية الأمريكية الصادمة كشفت مؤخراً أن واشنطن فقدت بالفعل ما يقرب من خمسة وأربعين طائرة مسيّرة من هذا الطراز الاستراتيجي المتميز أي ما يعادل ربع أسطولها الجوي بالكامل الذي كان يبلغ قبل بدء جولات الصراع الحالية حوالي مئة وخمسة وثمانين طائرة وهي خسارة رقمية فادحة بكل المقاييس العسكرية تعكس استنزافاً غير مسبوق لأهم أسلحة المراقبة والهجوم في الترسانة الأمريكية كما تؤكد أن هناك فجوة قاتلة بدأت تتسع في عقيدة السيطرة الجوية التي تتبناها القوات الجوية ومشاة البحرية الأمريكية .
الخسائر المادية المباشرة الناجمة عن سقوط هذا العدد الضخم من طائرات الريبر تجاوزت حاجز المليار وثلاثمئة مليون دولار أمريكي بالنظر إلى أن تكلفة الطائرة الواحدة تتراوح بين ثلاثين إلى خمسين مليون دولار بناءً على طبيعة المستشعرات والأسلحة والمنظومات الإلكترونية المثبتة عليها وهي فاتورة بلا شك قاسية وباهظة يتكبدها في النهاية دافع الضرائب الأمريكي في معارك استنزاف مستمرة ومفتوحة على كل الاحتمالات حيث تهدر المقدرات التكنولوجية بكفاءة عالية ومن دون تحقيق أي نتائج حاسمة على الأرض تبرر هذا النزيف المالي الهائل .
الخلل الجوهري الذي كشفته معارك سماء إيران واليمن يكمن في البيئة العملياتية التي صُممت من أجلها هذه الطائرات حيث ولدت مسيّرات الريبر وترعرعت في ظروف الحروب غير المتكافئة وضمن أجواء آمنة ومفتوحة بالكامل مثل أفغانستان والعراق واليمن سابقاً حيث لم تكن هناك دفاعات جوية حقيقية تهدد حركتها مما جعل البنتاغون يعتمد عليها بشكل مفرط كمنصة بطيئة تحلق لعدة ساعات طويلة بارتفاعات متوسطة لرصد الأهداف واقتناصها دون الخوف من أي رد دفاعي رادع .
تكتيك المواجهات المباشرة مع القدرات الدفاعية الإيرانية المتطورة والمنظومات الصاروخية ومسيرات الانقضاض التابعة للحوثيين في اليمن غيرت هذه القواعد بشكل جذري حيث تحول البطء الفني لطائرة الريبر وحجمها الضخم وقدرتها المحدودة على المناورة الهروبية من ميزة استطلاع متفوقة إلى نقطة ضعف مأساوية جعلت منها صيداً سهلاً لشبكات صواريخ محلية ومستوردة متلألئة في سماء المنطقة مثل صاروخ ثلاثمئة وثمانية وخمسين وغيره من المضادات الجوية الذكية والرخيصة .
اللافت في السياق ان البنتاغون لم يعد يواجه فقط معضلة تدمير هذه الطائرات بصواريخ اعتراضية بل بات يعاني أيضاً من مخاطر حرب إلكترونية متطورة نجحت في قطع روابط الاتصال والتحكم بين المشغلين الأرضيين في القواعد الأمريكية والطائرات المحلقة في الجو مما تسبب في سقوط واعتراض عدد غير معلوم من هذه المسيرات نتيجة فشل أنظمة التوجيه والسيطرة وهو ما يمثل اختراقاً تقنياً مرعباً لواحد من أكثر الأنظمة العسكرية سرية وتعقيداً وحصانة في العالم بأسره .
مضامين الاعترافات الصادرة عن كبار القادة العسكريين في سلاح الجو الأمريكي أمام اللجان المختصة في مجلس الشيوخ عكست عمق الورطة الحقيقية حيث أكدوا صراحة أن تراجع أعداد أسطول الريبر إلى حوالي مئة وخمسة وثلاثين طائرة فقط قد هبط بالقدرات العملياتية إلى ما دون الحد الأدنى المطلوب قانوناً والبالغ مئة وتسعة وثمانين طائرة مما يضعف قدرة الولايات المتحدة بالحفاظ على خطوط القتال والدوريات الاستطلاعية المستمرة على مدار الساعة في بقية بؤر الصراع العالمي .
المحاولات الامريكية المتكررة لتعويض هذه الخسائر الفادحة من خلال إعادة شراء نسخ قديمة أو تحديث هياكل طائرات منسقة واجهت جداراً عسكرياً واقتصادياً صلباً نظراً لأن شركة جنرال أتوميكس المصنعة لا تمتلك في مخازنها سوى بضع طائرات جاهزة للبيع فضلاً عن أن خطوط الإنتاج الحالية باتت تركز على النسخ الأحدث والأغلى ثمناً مما يجعل عملية التعويض السريع للاستنزاف الدامي أمراً شبه مستحيل في المدى المنظور وهو ما يجبر واشنطن على القبول بواقع تقلص نفوذها الاستخباراتي الجوي .
تداعيات هذا المأزق الخطير دفعت القوات الجوية الأمريكية إلى اتخاذ قرار استراتيجي عاجل بتسريع خطط استبدال عائلة الريبر عبر برنامج عسكري طارئ يهدف إلى تطوير طائرات مسيرة نمطية ورخيصة التكلفة لا تتجاوز قيمة الواحدة منها عشرة ملايين دولار وتتميز بأنها قابلة للاستهلاك الميداني والتضحية بها في الأجواء المعادية عند الضرورة وهو اعتراف صريح بنهاية عصر الطائرات غير المأهولة الباهظة والمعقدة التي لا يمكن تعويض خسارتها بسرعة كافية .
الأبعاد السياسية والجيوسياسية لسقوط ربع أسطول الريبر تتجاوز بكثير قيمتها المالية والتكنولوجية لتمس مباشرة هيبة الردع الأمريكية وصورتها الذهنية كقوة عظمى لا تقهر حيث تحولت هذه الطائرة التي كانت رمزاً لاغتيال القادة وملاحقة عناصر التنظيمات بدقة متناهية إلى مادة إعلامية دسمة لخصوم واشنطن وهم يتباهون بنشر صور حطامها ومكوناتها السرية على شاشات التلفزة ومنصات التواصل الاجتماعي مما يجرئ قوى إقليمية أخرى على تحدي النفوذ الأمريكي وبصورة اكبر .
لعل من اهم الدروس والعبر المستفادة من معركة الأجواء فوق مضيق هرمز وصحاري اليمن تؤكد أننا نعيش اليوم بداية ثورة جديدة في تطوير الشؤون العسكرية حيث لم تعد التكنولوجيا الفائقة والمكلفة تضمن النصر التلقائي أمام حلول دفاعية مبتكرة وقليلة التكلفة تتبع استراتيجيات عدم التناظر العسكري وتجيد استغلال الثغرات الهندسية والعملياتية لأكثر الأسلحة هيبة في الترسانات الغربية والتي صنعت لزمن مضى ولم تعد صالحة لمعارك اليوم او المستقبل .
التحول الدراماتيكي لطائرات الريبر من أداة حسم مرعبة قادرة على فرض الإرادة الأمريكية من الجو إلى مأزق استراتيجي يقيد حركة واشنطن ويستنزف هيبتها ومواردها كما يعلن رسمياً عن سقوط أسطورة السيادة الجوية المطلقة في الشرق الأوسط كما يسطر فصلاً جديداً في فصول التراجع العسكري الأمريكي في المنطقة حيث أثبتت المواجهات في اجواء إيران واليمن أن الإرادة الدفاعية والتصدي التكتيكي بإمكانهما إسقاط أعتى أساطير الغرب التكنولوجية الفاشية وجعلها عاجزة عن حماية نفسها ناهيك عن حماية مصالح واشنطن كلما طال امد الحرب وارتقعت كلفتها .
هنالك جانبا آخر لا يجوز تجاهله وهو أن استمرار اسقاط ريبر يمنح الخصم مكسبا استخباريا أيضا لان حطامها ليس مجرد خردة عسكرية وإنما قد يحتوي على أجهزة استشعار واتصالات ومكونات إلكترونية وتقنيات تشغيل يمكن تحليلها وفهمها وهذا يجعل كل طائرة تسقط فوق أرض الخصم مصدرا محتملا للمعلومات التي تساعده على تطوير قدراته في مواجهة المنظومات الأمريكية في المستقبل .
ما ذكرنا لا يعني بالطبع أن ريبر أصبحت طائرة عديمة القيمة فهي ما تزال فعالة في البيئات منخفضة التهديد حيث لا يمتلك الخصم دفاعا جويا قويا كما تستطيع أداء مهام استطلاع ومراقبة وهجوم بكفاءة كبيرة لكن المشكلة تبدأ عندما تدخل المجال الجوي لخصم قادر على الرد وهنا تحديدا تتراجع قيمتها بصورة حادة مقارنة بما كانت عليه في الماضي القريب .
ختاما : إن تساقط أساطير الريبر في سماء إيران واليمن ليس مجرد خسارة تقنية لأرقام وقطع غيار بل هو جرس إنذار استراتيجي صاخب يجب أن تستفيق واشنطن على دويّه قبل فوات الأوان لان الرسائل القادمة من بقايا الحطام المتناثر واضحة ولا تقبل التأويل والاهم عليها أن تدرك جيداً أن زمن العربدة الجوية غير المشروطة واشعال الحروب من طرف واحد قد وُورِيَ الثرى إلى الأبد ولم تعد التكنولوجيا الباهظة قادرة على شراء النفوذ أو فرض الإرادة في بيئة إقليمية باتت تمتلك من الشجاعة والابتكار والامكانات التي تكسر غطرسة السلاح وإذا لم تفهم الإدارة الأمريكية والبنتاغون أن قواعد اللعبة قد تغيرت جذرياً وأن حلفاءها لن يحموها من تراجع الهيبة المستمر فإن الأيام القادمة لن تحمل لها سوى مزيد من السقوط العمودي لسمعتها العسكرية ومصالحها المتآكلة وسط سماوات باتت تترصد طائراتها ولا تهاب جبروتها المتهاوي يوما بعد يوم . كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
د . مهدي مبارك عبد الله
لم تعد الهيمنة الجوية المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية قدراً لا يمكن الفكاك منه في ساحات المعارك المعاصرة وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط الملتهبة بعدما سقطت الكبرياء العسكرية التكنولوجية الامريكية تحت وطأة ضربات دفاعية لم تكن في الحسبان ولعل المشهد الأكثر تعبيراً عن هذا التحول الجيوسياسي الخطير هو مشاهدة طائرات الـ MQ-9 الفاخرة التي حملت اسم ريبر ( الحاصد أو حاصد الأرواح ) وهي تتساقط من علياء السماء لتتحول إلى مجرد حطام متناثر فوق رمال اليمن ومياه مضيق هرمز ومحيط إيران في معادلة عسكرية جديدة معقدة كسرت قواعد الاشتباك التاريخية وألغت مفهوم النزهة الجوية التي اعتاد القيام بها جنرالات البنتاغون على مدى عقود طويلة من الحروب المفتوحة .
التقارير العسكرية الرسمية والاستخباراتية الأمريكية الصادمة كشفت مؤخراً أن واشنطن فقدت بالفعل ما يقرب من خمسة وأربعين طائرة مسيّرة من هذا الطراز الاستراتيجي المتميز أي ما يعادل ربع أسطولها الجوي بالكامل الذي كان يبلغ قبل بدء جولات الصراع الحالية حوالي مئة وخمسة وثمانين طائرة وهي خسارة رقمية فادحة بكل المقاييس العسكرية تعكس استنزافاً غير مسبوق لأهم أسلحة المراقبة والهجوم في الترسانة الأمريكية كما تؤكد أن هناك فجوة قاتلة بدأت تتسع في عقيدة السيطرة الجوية التي تتبناها القوات الجوية ومشاة البحرية الأمريكية .
الخسائر المادية المباشرة الناجمة عن سقوط هذا العدد الضخم من طائرات الريبر تجاوزت حاجز المليار وثلاثمئة مليون دولار أمريكي بالنظر إلى أن تكلفة الطائرة الواحدة تتراوح بين ثلاثين إلى خمسين مليون دولار بناءً على طبيعة المستشعرات والأسلحة والمنظومات الإلكترونية المثبتة عليها وهي فاتورة بلا شك قاسية وباهظة يتكبدها في النهاية دافع الضرائب الأمريكي في معارك استنزاف مستمرة ومفتوحة على كل الاحتمالات حيث تهدر المقدرات التكنولوجية بكفاءة عالية ومن دون تحقيق أي نتائج حاسمة على الأرض تبرر هذا النزيف المالي الهائل .
الخلل الجوهري الذي كشفته معارك سماء إيران واليمن يكمن في البيئة العملياتية التي صُممت من أجلها هذه الطائرات حيث ولدت مسيّرات الريبر وترعرعت في ظروف الحروب غير المتكافئة وضمن أجواء آمنة ومفتوحة بالكامل مثل أفغانستان والعراق واليمن سابقاً حيث لم تكن هناك دفاعات جوية حقيقية تهدد حركتها مما جعل البنتاغون يعتمد عليها بشكل مفرط كمنصة بطيئة تحلق لعدة ساعات طويلة بارتفاعات متوسطة لرصد الأهداف واقتناصها دون الخوف من أي رد دفاعي رادع .
تكتيك المواجهات المباشرة مع القدرات الدفاعية الإيرانية المتطورة والمنظومات الصاروخية ومسيرات الانقضاض التابعة للحوثيين في اليمن غيرت هذه القواعد بشكل جذري حيث تحول البطء الفني لطائرة الريبر وحجمها الضخم وقدرتها المحدودة على المناورة الهروبية من ميزة استطلاع متفوقة إلى نقطة ضعف مأساوية جعلت منها صيداً سهلاً لشبكات صواريخ محلية ومستوردة متلألئة في سماء المنطقة مثل صاروخ ثلاثمئة وثمانية وخمسين وغيره من المضادات الجوية الذكية والرخيصة .
اللافت في السياق ان البنتاغون لم يعد يواجه فقط معضلة تدمير هذه الطائرات بصواريخ اعتراضية بل بات يعاني أيضاً من مخاطر حرب إلكترونية متطورة نجحت في قطع روابط الاتصال والتحكم بين المشغلين الأرضيين في القواعد الأمريكية والطائرات المحلقة في الجو مما تسبب في سقوط واعتراض عدد غير معلوم من هذه المسيرات نتيجة فشل أنظمة التوجيه والسيطرة وهو ما يمثل اختراقاً تقنياً مرعباً لواحد من أكثر الأنظمة العسكرية سرية وتعقيداً وحصانة في العالم بأسره .
مضامين الاعترافات الصادرة عن كبار القادة العسكريين في سلاح الجو الأمريكي أمام اللجان المختصة في مجلس الشيوخ عكست عمق الورطة الحقيقية حيث أكدوا صراحة أن تراجع أعداد أسطول الريبر إلى حوالي مئة وخمسة وثلاثين طائرة فقط قد هبط بالقدرات العملياتية إلى ما دون الحد الأدنى المطلوب قانوناً والبالغ مئة وتسعة وثمانين طائرة مما يضعف قدرة الولايات المتحدة بالحفاظ على خطوط القتال والدوريات الاستطلاعية المستمرة على مدار الساعة في بقية بؤر الصراع العالمي .
المحاولات الامريكية المتكررة لتعويض هذه الخسائر الفادحة من خلال إعادة شراء نسخ قديمة أو تحديث هياكل طائرات منسقة واجهت جداراً عسكرياً واقتصادياً صلباً نظراً لأن شركة جنرال أتوميكس المصنعة لا تمتلك في مخازنها سوى بضع طائرات جاهزة للبيع فضلاً عن أن خطوط الإنتاج الحالية باتت تركز على النسخ الأحدث والأغلى ثمناً مما يجعل عملية التعويض السريع للاستنزاف الدامي أمراً شبه مستحيل في المدى المنظور وهو ما يجبر واشنطن على القبول بواقع تقلص نفوذها الاستخباراتي الجوي .
تداعيات هذا المأزق الخطير دفعت القوات الجوية الأمريكية إلى اتخاذ قرار استراتيجي عاجل بتسريع خطط استبدال عائلة الريبر عبر برنامج عسكري طارئ يهدف إلى تطوير طائرات مسيرة نمطية ورخيصة التكلفة لا تتجاوز قيمة الواحدة منها عشرة ملايين دولار وتتميز بأنها قابلة للاستهلاك الميداني والتضحية بها في الأجواء المعادية عند الضرورة وهو اعتراف صريح بنهاية عصر الطائرات غير المأهولة الباهظة والمعقدة التي لا يمكن تعويض خسارتها بسرعة كافية .
الأبعاد السياسية والجيوسياسية لسقوط ربع أسطول الريبر تتجاوز بكثير قيمتها المالية والتكنولوجية لتمس مباشرة هيبة الردع الأمريكية وصورتها الذهنية كقوة عظمى لا تقهر حيث تحولت هذه الطائرة التي كانت رمزاً لاغتيال القادة وملاحقة عناصر التنظيمات بدقة متناهية إلى مادة إعلامية دسمة لخصوم واشنطن وهم يتباهون بنشر صور حطامها ومكوناتها السرية على شاشات التلفزة ومنصات التواصل الاجتماعي مما يجرئ قوى إقليمية أخرى على تحدي النفوذ الأمريكي وبصورة اكبر .
لعل من اهم الدروس والعبر المستفادة من معركة الأجواء فوق مضيق هرمز وصحاري اليمن تؤكد أننا نعيش اليوم بداية ثورة جديدة في تطوير الشؤون العسكرية حيث لم تعد التكنولوجيا الفائقة والمكلفة تضمن النصر التلقائي أمام حلول دفاعية مبتكرة وقليلة التكلفة تتبع استراتيجيات عدم التناظر العسكري وتجيد استغلال الثغرات الهندسية والعملياتية لأكثر الأسلحة هيبة في الترسانات الغربية والتي صنعت لزمن مضى ولم تعد صالحة لمعارك اليوم او المستقبل .
التحول الدراماتيكي لطائرات الريبر من أداة حسم مرعبة قادرة على فرض الإرادة الأمريكية من الجو إلى مأزق استراتيجي يقيد حركة واشنطن ويستنزف هيبتها ومواردها كما يعلن رسمياً عن سقوط أسطورة السيادة الجوية المطلقة في الشرق الأوسط كما يسطر فصلاً جديداً في فصول التراجع العسكري الأمريكي في المنطقة حيث أثبتت المواجهات في اجواء إيران واليمن أن الإرادة الدفاعية والتصدي التكتيكي بإمكانهما إسقاط أعتى أساطير الغرب التكنولوجية الفاشية وجعلها عاجزة عن حماية نفسها ناهيك عن حماية مصالح واشنطن كلما طال امد الحرب وارتقعت كلفتها .
هنالك جانبا آخر لا يجوز تجاهله وهو أن استمرار اسقاط ريبر يمنح الخصم مكسبا استخباريا أيضا لان حطامها ليس مجرد خردة عسكرية وإنما قد يحتوي على أجهزة استشعار واتصالات ومكونات إلكترونية وتقنيات تشغيل يمكن تحليلها وفهمها وهذا يجعل كل طائرة تسقط فوق أرض الخصم مصدرا محتملا للمعلومات التي تساعده على تطوير قدراته في مواجهة المنظومات الأمريكية في المستقبل .
ما ذكرنا لا يعني بالطبع أن ريبر أصبحت طائرة عديمة القيمة فهي ما تزال فعالة في البيئات منخفضة التهديد حيث لا يمتلك الخصم دفاعا جويا قويا كما تستطيع أداء مهام استطلاع ومراقبة وهجوم بكفاءة كبيرة لكن المشكلة تبدأ عندما تدخل المجال الجوي لخصم قادر على الرد وهنا تحديدا تتراجع قيمتها بصورة حادة مقارنة بما كانت عليه في الماضي القريب .
ختاما : إن تساقط أساطير الريبر في سماء إيران واليمن ليس مجرد خسارة تقنية لأرقام وقطع غيار بل هو جرس إنذار استراتيجي صاخب يجب أن تستفيق واشنطن على دويّه قبل فوات الأوان لان الرسائل القادمة من بقايا الحطام المتناثر واضحة ولا تقبل التأويل والاهم عليها أن تدرك جيداً أن زمن العربدة الجوية غير المشروطة واشعال الحروب من طرف واحد قد وُورِيَ الثرى إلى الأبد ولم تعد التكنولوجيا الباهظة قادرة على شراء النفوذ أو فرض الإرادة في بيئة إقليمية باتت تمتلك من الشجاعة والابتكار والامكانات التي تكسر غطرسة السلاح وإذا لم تفهم الإدارة الأمريكية والبنتاغون أن قواعد اللعبة قد تغيرت جذرياً وأن حلفاءها لن يحموها من تراجع الهيبة المستمر فإن الأيام القادمة لن تحمل لها سوى مزيد من السقوط العمودي لسمعتها العسكرية ومصالحها المتآكلة وسط سماوات باتت تترصد طائراتها ولا تهاب جبروتها المتهاوي يوما بعد يوم . كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
التعليقات