أ.د. علي حياصات قبل أكثر من ثلاثين عاماً، وتحديداً في تعداد السكان والمساكن عام 1994، كنت مشرفاً ميدانياً على فريق من الباحثين في إحدى مناطق محافظة البلقاء، وهي منطقة كثيفة السكان وحساسة تجاه بعض أسئلة الاستبيان. كان يدير العملية آنذاك المرحوم الدكتور عبدالهادي العلاوين. لم تكن هناك منصات رقمية ولا ذكاء اصطناعي، ومع ذلك أدار التعداد بهدوء واحتراف، وبخطاب جعل المواطن يشعر بأنه شريك في مهمة وطنية، لا طرفاً مطلوباً منه الامتثال تحت وطأة العقوبة. كانت الأدوات أقل تطوراً، لكن لغة التواصل ربما كانت أكثر ذكاءً. تذكرت تلك التجربة وأنا أتابع الجدل الذي أثارته تصريحات مدير عام دائرة الإحصاءات العامة، الدكتور حيدر فريحات، بشأن تعداد السكان والمساكن 2026، ولا سيما الحديث عن الغرامات المترتبة على عدم التعاون. القضية ليست في وجود نص قانوني أو عقوبة، فالقانون يُحترم ويُطبق، وإنما في سؤال أبسط وأعمق: لماذا نبدأ الحديث مع المواطن من باب العقوبة قبل أن نطرق باب الشراكة والثقة؟ فالفرق كبير بين أن تقول للمواطن: نحتاج إليك لإنجاح مشروع وطني، وبين أن تكون أول رسالة يسمعها: إن لم تتعاون فهناك غرامة. وهنا تظهر المفارقة. ففي الوقت الذي تقدم فيه الحكومة الناطق الرقمي بالذكاء الاصطناعي «فرح» بوصفه وجهاً حديثاً للتواصل الذكي وتبسيط المعلومة، تعيدنا بعض أشكال الخطاب الرسمي إلى فلسفة قديمة في مخاطبة الناس. نمتلك أحدث أدوات الاتصال، لكننا لا نمتلك دائماً أحدث ثقافة للاتصال. فالذكاء الاصطناعي لا يجعل الخطاب ذكياً تلقائياً، والمنصة الرقمية لا تجعل الإدارة حديثة لمجرد أنها رقمية. التحديث الحقيقي يبدأ عندما تتغير نظرة المؤسسة إلى المواطن: من متلقٍ للمعلومة إلى طرف يفهم غايتها، ويعرف كيف ستُستخدم بياناته، وما الضمانات التي تحميها، وما القيمة التي ستعود عليه وعلى مجتمعه من دقتها؟ فالثقة لا تُطلب من المواطن، بل تُبنى معه: بمعلومة واضحة، وإجراء بسيط، وشفافية في استخدام البيانات، وإجابة مقنعة عن السؤال الذي يسبق كل استبيان: لماذا تريدون هذه المعلومات، وماذا ستفعلون بها؟ لكن تعداد 2026 يطرح سؤالاً يتجاوز الجدل حول تصريح بعينه: هل نحتاج فقط إلى تحديث طريقة مخاطبة المواطن، أم إلى تحديث فلسفة التعداد نفسها؟ فإذا كانت الدولة تمتلك قواعد بيانات واسعة لدى الأحوال المدنية والوزارات والبلديات ومؤسساتها المختلفة، فمن المشروع أن نسأل: لماذا لا يتسارع الانتقال نحو تعداد يعتمد بدرجة أكبر على تكامل السجلات الإدارية وربط قواعد البيانات، بحيث يصبح العمل الميداني وسيلة للتحقق واستكمال النواقص، بدلاً من جمع بيانات تمتلك الدولة جزءاً كبيراً منها أصلاً؟ فالتحول الرقمي الحقيقي يفترض أن يخفض الكلفة والازدواجية والعبء على المواطن، وإلا تحول إلى مجرد واجهة إلكترونية لإجراءات قديمة. وهنا ربما تكمن القضية كلها: ليست المشكلة في أن نستخدم التكنولوجيا أو ألا نستخدمها، بل في العقل الإداري الذي يستخدمها. فقد نرقمن الإجراء، ونربط قواعد البيانات، ونستعين بالذكاء الاصطناعي، ثم نبقي العلاقة بين المؤسسة والمواطن كما كانت قبل عقود. لذلك، فإن قصة «فرح» وفريحات ليست قصة أسماء بقدر ما هي مفارقة في مفهوم التحديث نفسه. قد ننجح في صناعة ناطق حكومي بالذكاء الاصطناعي، لكن التحدي الأصعب سيبقى صناعة خطاب حكومي ذكي. فالحداثة لا تبدأ من الشاشة، بل من العقل الذي يقف خلفها، ولا تُقاس بقدرتنا على جعل الآلة تتحدث مثل الإنسان، بقدر ما تُقاس بقدرتنا على جعل المؤسسة تتحدث مع الإنسان باحترام.
أ.د. علي حياصات قبل أكثر من ثلاثين عاماً، وتحديداً في تعداد السكان والمساكن عام 1994، كنت مشرفاً ميدانياً على فريق من الباحثين في إحدى مناطق محافظة البلقاء، وهي منطقة كثيفة السكان وحساسة تجاه بعض أسئلة الاستبيان. كان يدير العملية آنذاك المرحوم الدكتور عبدالهادي العلاوين. لم تكن هناك منصات رقمية ولا ذكاء اصطناعي، ومع ذلك أدار التعداد بهدوء واحتراف، وبخطاب جعل المواطن يشعر بأنه شريك في مهمة وطنية، لا طرفاً مطلوباً منه الامتثال تحت وطأة العقوبة. كانت الأدوات أقل تطوراً، لكن لغة التواصل ربما كانت أكثر ذكاءً. تذكرت تلك التجربة وأنا أتابع الجدل الذي أثارته تصريحات مدير عام دائرة الإحصاءات العامة، الدكتور حيدر فريحات، بشأن تعداد السكان والمساكن 2026، ولا سيما الحديث عن الغرامات المترتبة على عدم التعاون. القضية ليست في وجود نص قانوني أو عقوبة، فالقانون يُحترم ويُطبق، وإنما في سؤال أبسط وأعمق: لماذا نبدأ الحديث مع المواطن من باب العقوبة قبل أن نطرق باب الشراكة والثقة؟ فالفرق كبير بين أن تقول للمواطن: نحتاج إليك لإنجاح مشروع وطني، وبين أن تكون أول رسالة يسمعها: إن لم تتعاون فهناك غرامة. وهنا تظهر المفارقة. ففي الوقت الذي تقدم فيه الحكومة الناطق الرقمي بالذكاء الاصطناعي «فرح» بوصفه وجهاً حديثاً للتواصل الذكي وتبسيط المعلومة، تعيدنا بعض أشكال الخطاب الرسمي إلى فلسفة قديمة في مخاطبة الناس. نمتلك أحدث أدوات الاتصال، لكننا لا نمتلك دائماً أحدث ثقافة للاتصال. فالذكاء الاصطناعي لا يجعل الخطاب ذكياً تلقائياً، والمنصة الرقمية لا تجعل الإدارة حديثة لمجرد أنها رقمية. التحديث الحقيقي يبدأ عندما تتغير نظرة المؤسسة إلى المواطن: من متلقٍ للمعلومة إلى طرف يفهم غايتها، ويعرف كيف ستُستخدم بياناته، وما الضمانات التي تحميها، وما القيمة التي ستعود عليه وعلى مجتمعه من دقتها؟ فالثقة لا تُطلب من المواطن، بل تُبنى معه: بمعلومة واضحة، وإجراء بسيط، وشفافية في استخدام البيانات، وإجابة مقنعة عن السؤال الذي يسبق كل استبيان: لماذا تريدون هذه المعلومات، وماذا ستفعلون بها؟ لكن تعداد 2026 يطرح سؤالاً يتجاوز الجدل حول تصريح بعينه: هل نحتاج فقط إلى تحديث طريقة مخاطبة المواطن، أم إلى تحديث فلسفة التعداد نفسها؟ فإذا كانت الدولة تمتلك قواعد بيانات واسعة لدى الأحوال المدنية والوزارات والبلديات ومؤسساتها المختلفة، فمن المشروع أن نسأل: لماذا لا يتسارع الانتقال نحو تعداد يعتمد بدرجة أكبر على تكامل السجلات الإدارية وربط قواعد البيانات، بحيث يصبح العمل الميداني وسيلة للتحقق واستكمال النواقص، بدلاً من جمع بيانات تمتلك الدولة جزءاً كبيراً منها أصلاً؟ فالتحول الرقمي الحقيقي يفترض أن يخفض الكلفة والازدواجية والعبء على المواطن، وإلا تحول إلى مجرد واجهة إلكترونية لإجراءات قديمة. وهنا ربما تكمن القضية كلها: ليست المشكلة في أن نستخدم التكنولوجيا أو ألا نستخدمها، بل في العقل الإداري الذي يستخدمها. فقد نرقمن الإجراء، ونربط قواعد البيانات، ونستعين بالذكاء الاصطناعي، ثم نبقي العلاقة بين المؤسسة والمواطن كما كانت قبل عقود. لذلك، فإن قصة «فرح» وفريحات ليست قصة أسماء بقدر ما هي مفارقة في مفهوم التحديث نفسه. قد ننجح في صناعة ناطق حكومي بالذكاء الاصطناعي، لكن التحدي الأصعب سيبقى صناعة خطاب حكومي ذكي. فالحداثة لا تبدأ من الشاشة، بل من العقل الذي يقف خلفها، ولا تُقاس بقدرتنا على جعل الآلة تتحدث مثل الإنسان، بقدر ما تُقاس بقدرتنا على جعل المؤسسة تتحدث مع الإنسان باحترام.
أ.د. علي حياصات قبل أكثر من ثلاثين عاماً، وتحديداً في تعداد السكان والمساكن عام 1994، كنت مشرفاً ميدانياً على فريق من الباحثين في إحدى مناطق محافظة البلقاء، وهي منطقة كثيفة السكان وحساسة تجاه بعض أسئلة الاستبيان. كان يدير العملية آنذاك المرحوم الدكتور عبدالهادي العلاوين. لم تكن هناك منصات رقمية ولا ذكاء اصطناعي، ومع ذلك أدار التعداد بهدوء واحتراف، وبخطاب جعل المواطن يشعر بأنه شريك في مهمة وطنية، لا طرفاً مطلوباً منه الامتثال تحت وطأة العقوبة. كانت الأدوات أقل تطوراً، لكن لغة التواصل ربما كانت أكثر ذكاءً. تذكرت تلك التجربة وأنا أتابع الجدل الذي أثارته تصريحات مدير عام دائرة الإحصاءات العامة، الدكتور حيدر فريحات، بشأن تعداد السكان والمساكن 2026، ولا سيما الحديث عن الغرامات المترتبة على عدم التعاون. القضية ليست في وجود نص قانوني أو عقوبة، فالقانون يُحترم ويُطبق، وإنما في سؤال أبسط وأعمق: لماذا نبدأ الحديث مع المواطن من باب العقوبة قبل أن نطرق باب الشراكة والثقة؟ فالفرق كبير بين أن تقول للمواطن: نحتاج إليك لإنجاح مشروع وطني، وبين أن تكون أول رسالة يسمعها: إن لم تتعاون فهناك غرامة. وهنا تظهر المفارقة. ففي الوقت الذي تقدم فيه الحكومة الناطق الرقمي بالذكاء الاصطناعي «فرح» بوصفه وجهاً حديثاً للتواصل الذكي وتبسيط المعلومة، تعيدنا بعض أشكال الخطاب الرسمي إلى فلسفة قديمة في مخاطبة الناس. نمتلك أحدث أدوات الاتصال، لكننا لا نمتلك دائماً أحدث ثقافة للاتصال. فالذكاء الاصطناعي لا يجعل الخطاب ذكياً تلقائياً، والمنصة الرقمية لا تجعل الإدارة حديثة لمجرد أنها رقمية. التحديث الحقيقي يبدأ عندما تتغير نظرة المؤسسة إلى المواطن: من متلقٍ للمعلومة إلى طرف يفهم غايتها، ويعرف كيف ستُستخدم بياناته، وما الضمانات التي تحميها، وما القيمة التي ستعود عليه وعلى مجتمعه من دقتها؟ فالثقة لا تُطلب من المواطن، بل تُبنى معه: بمعلومة واضحة، وإجراء بسيط، وشفافية في استخدام البيانات، وإجابة مقنعة عن السؤال الذي يسبق كل استبيان: لماذا تريدون هذه المعلومات، وماذا ستفعلون بها؟ لكن تعداد 2026 يطرح سؤالاً يتجاوز الجدل حول تصريح بعينه: هل نحتاج فقط إلى تحديث طريقة مخاطبة المواطن، أم إلى تحديث فلسفة التعداد نفسها؟ فإذا كانت الدولة تمتلك قواعد بيانات واسعة لدى الأحوال المدنية والوزارات والبلديات ومؤسساتها المختلفة، فمن المشروع أن نسأل: لماذا لا يتسارع الانتقال نحو تعداد يعتمد بدرجة أكبر على تكامل السجلات الإدارية وربط قواعد البيانات، بحيث يصبح العمل الميداني وسيلة للتحقق واستكمال النواقص، بدلاً من جمع بيانات تمتلك الدولة جزءاً كبيراً منها أصلاً؟ فالتحول الرقمي الحقيقي يفترض أن يخفض الكلفة والازدواجية والعبء على المواطن، وإلا تحول إلى مجرد واجهة إلكترونية لإجراءات قديمة. وهنا ربما تكمن القضية كلها: ليست المشكلة في أن نستخدم التكنولوجيا أو ألا نستخدمها، بل في العقل الإداري الذي يستخدمها. فقد نرقمن الإجراء، ونربط قواعد البيانات، ونستعين بالذكاء الاصطناعي، ثم نبقي العلاقة بين المؤسسة والمواطن كما كانت قبل عقود. لذلك، فإن قصة «فرح» وفريحات ليست قصة أسماء بقدر ما هي مفارقة في مفهوم التحديث نفسه. قد ننجح في صناعة ناطق حكومي بالذكاء الاصطناعي، لكن التحدي الأصعب سيبقى صناعة خطاب حكومي ذكي. فالحداثة لا تبدأ من الشاشة، بل من العقل الذي يقف خلفها، ولا تُقاس بقدرتنا على جعل الآلة تتحدث مثل الإنسان، بقدر ما تُقاس بقدرتنا على جعل المؤسسة تتحدث مع الإنسان باحترام.
التعليقات