المحامي مالك أبو السعود
أدى التطور المتسارع في التكنولوجيا والاتصالات إلى ظهور واقع قانوني جديد، لم تعد فيه التركة مقصورة على الأموال والحقوق في صورتها التقليدية، وإنما أصبح الشخص يترك بعد وفاته وجودًا رقميًا يضم الحسابات الإلكترونية، والمراسلات، والصور، والملفات، والمحتوى الرقمي، والأصول ذات القيمة المالية، وهو ما أوجد ما يُعرف بالميراث الرقمي.
وتكمن الإشكالية القانونية في أن هذه العناصر لا تتحد في طبيعتها؛ فبعضها يمثل أموالًا أو حقوقًا مالية قابلة للانتقال، بينما يرتبط بعضها الآخر بالخصوصية والحياة الشخصية للمتوفى أو بحقوق الغير. ومن ثم لا يمكن إخضاع جميع العناصر الرقمية لحكم قانوني واحد، وإنما يتعين تحديد طبيعة كل عنصر ومدى قابليته للانتقال إلى الورثة.
فالأصل الرقمي ذي القيمة المالية يمكن أن يدخل في نطاق التركة متى توافرت فيه شروط انتقال الحق، أما الحسابات الشخصية والمراسلات والصور والبيانات الخاصة فلا تنتقل إلى الورثة بالضرورة لمجرد وفاة صاحبها؛ إذ يجب مراعاة طبيعتها وحقوق الغير المرتبطة بها. ومن هنا فإن المعيار الحقيقي ليس كون الحق رقميًا، وإنما طبيعته القانونية ومدى قابليته للانتقال.
أولًا: الفرق بين الميراث الرقمي والميراث الشرعي التقليدي
يختلف الميراث الرقمي عن الميراث الشرعي التقليدي من حيث طبيعة محل الميراث وطريقة انتقاله؛ فالميراث التقليدي ينصب أساسًا على الأموال والحقوق المالية التي تدخل في التركة وتنتقل إلى الورثة وفقًا للأنصبة والقواعد المقررة شرعًا وقانونًا. أما الميراث الرقمي فيتعلق بعناصر ذات طبيعة رقمية متعددة، منها ما يمثل مالًا أو حقًا ماليًا قابلًا للإرث، ومنها ما يرتبط بالحسابات والبيانات والمحتوى الشخصي، وهي عناصر لا يمكن اعتبارها جميعًا أموالًا موروثة لمجرد وجودها في البيئة الرقمية.
ولذلك فإن الإشكال في الميراث الرقمي لا يتعلق فقط بكيفية توزيع التركة، وإنما يسبق ذلك بتحديد ما الذي يُعد أصلًا أو حقًا قابلًا للانتقال، وما الذي تظل حمايته مرتبطة بخصوصية المتوفى وشخصيته وحقوق الغير.
ثانيًا: الفراغ التشريعي في تنظيم الميراث الرقمي
أفرز التطور الرقمي صورًا جديدة من الحقوق والبيانات التي تظل قائمة بعد وفاة صاحبها، الأمر الذي كشف عن قصور القواعد التقليدية في تحديد مصير الحسابات الإلكترونية والمحتوى الرقمي والبيانات الشخصية والحقوق ذات القيمة المالية أو المعنوية.
وقد يذهب البعض إلى الاعتداد بحيازة مقدم الخدمة الرقمية لهذه البيانات، أو بما تفرضه شروط الاستخدام من سيطرة فعلية على الحساب والمحتوى، ما لم يكن المتوفى قد حدد في وصيته الرقمية مصيرها على نحو آخر غير أنه لا نجد في واقعنا العملي واليومي أي شخص يكتب وصيه للميراث الرقمي غير أن هذا الاتجاه لا يكفي من الناحية القانونية؛ إذ إن الحيازة في المنقول لا تصلح بذاتها أساسًا لإسباغ الملكية على البيانات والمحتويات الرقمية، لاختلاف طبيعتها عن المنقولات المادية التقليدية.
وتزداد المسألة أهمية في القانون الأردني ، إذ لا يوجد تنظيم تشريعي متكامل يحدد بصورة صريحة المركز القانوني للميراث الرقمي ومصير الحسابات والبيانات والمحتويات الرقمية بعد الوفاة. ومن ثم فإن الحاجة لا تتمثل في اعتبار كل ما يوجد في البيئة الرقمية جزءًا من التركة، وإنما في وضع معيار قانوني يحدد طبيعة كل عنصر ومدى قابليته للانتقال.
ثالثًا: فلسفة الحماية الجنائية للميراث الرقمي
إذا كانت قواعد الميراث والقانون المدني تحدد الحقوق التي يمكن أن تنتقل إلى الورثة، فإن القانون الجنائي يتدخل لحماية هذه الحقوق من الاعتداء. ولا تقتصر الحماية الجنائية هنا على المال الرقمي، وإنما تمتد إلى الخصوصية وسرية البيانات وسلامة المعلومات والثقة في البيئة الرقمية.
فقد يقع الاعتداء على حساب المتوفى بقصد الاستيلاء على أموال أو أصول رقمية، أو بقصد الاطلاع على أسراره ومراسلاته، أو بتغيير بياناته أو حذفها أو استخدامها بصورة غير مشروعة. ولذلك تبرز فلسفة التجريم في تحقيق التوازن بين حق الورثة في مباشرة حقوقهم وبين حماية خصوصية المتوفى وحقوق الغير.
فلا تكفي صلة القرابة وحدها لإباحة الوصول المطلق إلى الحياة الرقمية للمتوفى، كما لا يجوز أن تؤدي حماية الخصوصية إلى حرمان الورثة من حقوق مالية ثبت انتقالها إليهم. ومن ثم يجب أن يقوم التجريم على مبدأ الشرعية والتناسب، بحيث يحدد المشرع بدقة الأفعال التي تمثل اعتداءً على الأصول والبيانات الرقمية، ويفصل بينها وبين الاستعمال المشروع.
رابعًا: الخصوصية الرقمية بعد الوفاة
تتداخل في الميراث الرقمي حقوق متعددة؛ فقد تتضمن رسالة إلكترونية مثلًا بيانات تخص المتوفى وأشخاصًا آخرين في الوقت ذاته. ولذلك فإن تمكين الورثة من الوصول إلى الحسابات لا ينبغي أن يتحول إلى إباحة مطلقة للاطلاع على جميع محتوياتها.
ومن هنا يجب التمييز بين الحق في الوصول إلى الأصل المالي الرقمي، باعتباره امتدادًا محتملًا للحق الموروث، وبين الحق في الاطلاع على المحتوى الشخصي، الذي قد ترد عليه قيود تفرضها الخصوصية وحماية البيانات وحقوق الغير.
خامسًا: الميراث الرقمي والحاجة إلى التدخل التشريعي
إن التحولات الرقمية تفرض على المشرع تطوير القواعد القانونية القائمة بما يسمح باستيعاب الأصول والحقوق الرقمية بعد الوفاة. ولا يعني ذلك بالضرورة إنشاء نظام قانوني مستقل عن القواعد القائمة، وإنما يستلزم تعديل واستكمال وتنسيق التشريعات ذات الصلة بما يحدد المركز القانوني لكل صورة من صور الميراث الرقمي.
ويشمل ذلك القواعد المنظمة للتركة والميراث، والقانون المدني، وتشريعات حماية البيانات والخصوصية، وقانون جرائم تكنولوجياالمعلومات، فضلًا عن القواعد المنظمة للمعاملات والخدمات المالية الرقمية بحسب طبيعة الأصل محل الميراث.
وينبغي أن يقوم هذا التدخل على فلسفة تشريعية مؤداها أن التحول الرقمي لا ينبغي أن يؤدي إلى سقوط الحق، كما لا ينبغي أن يؤدي إلى إطلاقه دون حدود؛ فالوارث لا يفقد حقه لمجرد أن المال أو الحق أصبح في صورة رقمية، وفي المقابل لا ينبغي أن تتحول صفة الوارث إلى سند لإباحة الاعتداء على خصوصية المتوفى أو حقوق الغير.
وأخيراً، فإن الميراث الرقمي يمثل تحديًا تشريعيًا حديثًا يقتضي تدخل المشرع الأردني لتعديل واستكمال التشريعات ذات الصلة بما يتلاءم مع التطور الرقمي، ويحدد الحقوق الرقمية القابلة للانتقال وحدود وصول الورثة إليها، مع تحقيق التوازن بين حق الإرث وخصوصية المتوفى وحقوق الغير والحماية الجنائية للأصول والبيانات الرقمية.
وبذلك يصبح القانون قادرًا على مواكبة التحولات التكنولوجية ومواجهة صور الاعتداء المستحدثة، دون إخلال بمبادئ الشرعية والتناسب والعدالة.
المحامي مالك أبو السعود
أدى التطور المتسارع في التكنولوجيا والاتصالات إلى ظهور واقع قانوني جديد، لم تعد فيه التركة مقصورة على الأموال والحقوق في صورتها التقليدية، وإنما أصبح الشخص يترك بعد وفاته وجودًا رقميًا يضم الحسابات الإلكترونية، والمراسلات، والصور، والملفات، والمحتوى الرقمي، والأصول ذات القيمة المالية، وهو ما أوجد ما يُعرف بالميراث الرقمي.
وتكمن الإشكالية القانونية في أن هذه العناصر لا تتحد في طبيعتها؛ فبعضها يمثل أموالًا أو حقوقًا مالية قابلة للانتقال، بينما يرتبط بعضها الآخر بالخصوصية والحياة الشخصية للمتوفى أو بحقوق الغير. ومن ثم لا يمكن إخضاع جميع العناصر الرقمية لحكم قانوني واحد، وإنما يتعين تحديد طبيعة كل عنصر ومدى قابليته للانتقال إلى الورثة.
فالأصل الرقمي ذي القيمة المالية يمكن أن يدخل في نطاق التركة متى توافرت فيه شروط انتقال الحق، أما الحسابات الشخصية والمراسلات والصور والبيانات الخاصة فلا تنتقل إلى الورثة بالضرورة لمجرد وفاة صاحبها؛ إذ يجب مراعاة طبيعتها وحقوق الغير المرتبطة بها. ومن هنا فإن المعيار الحقيقي ليس كون الحق رقميًا، وإنما طبيعته القانونية ومدى قابليته للانتقال.
أولًا: الفرق بين الميراث الرقمي والميراث الشرعي التقليدي
يختلف الميراث الرقمي عن الميراث الشرعي التقليدي من حيث طبيعة محل الميراث وطريقة انتقاله؛ فالميراث التقليدي ينصب أساسًا على الأموال والحقوق المالية التي تدخل في التركة وتنتقل إلى الورثة وفقًا للأنصبة والقواعد المقررة شرعًا وقانونًا. أما الميراث الرقمي فيتعلق بعناصر ذات طبيعة رقمية متعددة، منها ما يمثل مالًا أو حقًا ماليًا قابلًا للإرث، ومنها ما يرتبط بالحسابات والبيانات والمحتوى الشخصي، وهي عناصر لا يمكن اعتبارها جميعًا أموالًا موروثة لمجرد وجودها في البيئة الرقمية.
ولذلك فإن الإشكال في الميراث الرقمي لا يتعلق فقط بكيفية توزيع التركة، وإنما يسبق ذلك بتحديد ما الذي يُعد أصلًا أو حقًا قابلًا للانتقال، وما الذي تظل حمايته مرتبطة بخصوصية المتوفى وشخصيته وحقوق الغير.
ثانيًا: الفراغ التشريعي في تنظيم الميراث الرقمي
أفرز التطور الرقمي صورًا جديدة من الحقوق والبيانات التي تظل قائمة بعد وفاة صاحبها، الأمر الذي كشف عن قصور القواعد التقليدية في تحديد مصير الحسابات الإلكترونية والمحتوى الرقمي والبيانات الشخصية والحقوق ذات القيمة المالية أو المعنوية.
وقد يذهب البعض إلى الاعتداد بحيازة مقدم الخدمة الرقمية لهذه البيانات، أو بما تفرضه شروط الاستخدام من سيطرة فعلية على الحساب والمحتوى، ما لم يكن المتوفى قد حدد في وصيته الرقمية مصيرها على نحو آخر غير أنه لا نجد في واقعنا العملي واليومي أي شخص يكتب وصيه للميراث الرقمي غير أن هذا الاتجاه لا يكفي من الناحية القانونية؛ إذ إن الحيازة في المنقول لا تصلح بذاتها أساسًا لإسباغ الملكية على البيانات والمحتويات الرقمية، لاختلاف طبيعتها عن المنقولات المادية التقليدية.
وتزداد المسألة أهمية في القانون الأردني ، إذ لا يوجد تنظيم تشريعي متكامل يحدد بصورة صريحة المركز القانوني للميراث الرقمي ومصير الحسابات والبيانات والمحتويات الرقمية بعد الوفاة. ومن ثم فإن الحاجة لا تتمثل في اعتبار كل ما يوجد في البيئة الرقمية جزءًا من التركة، وإنما في وضع معيار قانوني يحدد طبيعة كل عنصر ومدى قابليته للانتقال.
ثالثًا: فلسفة الحماية الجنائية للميراث الرقمي
إذا كانت قواعد الميراث والقانون المدني تحدد الحقوق التي يمكن أن تنتقل إلى الورثة، فإن القانون الجنائي يتدخل لحماية هذه الحقوق من الاعتداء. ولا تقتصر الحماية الجنائية هنا على المال الرقمي، وإنما تمتد إلى الخصوصية وسرية البيانات وسلامة المعلومات والثقة في البيئة الرقمية.
فقد يقع الاعتداء على حساب المتوفى بقصد الاستيلاء على أموال أو أصول رقمية، أو بقصد الاطلاع على أسراره ومراسلاته، أو بتغيير بياناته أو حذفها أو استخدامها بصورة غير مشروعة. ولذلك تبرز فلسفة التجريم في تحقيق التوازن بين حق الورثة في مباشرة حقوقهم وبين حماية خصوصية المتوفى وحقوق الغير.
فلا تكفي صلة القرابة وحدها لإباحة الوصول المطلق إلى الحياة الرقمية للمتوفى، كما لا يجوز أن تؤدي حماية الخصوصية إلى حرمان الورثة من حقوق مالية ثبت انتقالها إليهم. ومن ثم يجب أن يقوم التجريم على مبدأ الشرعية والتناسب، بحيث يحدد المشرع بدقة الأفعال التي تمثل اعتداءً على الأصول والبيانات الرقمية، ويفصل بينها وبين الاستعمال المشروع.
رابعًا: الخصوصية الرقمية بعد الوفاة
تتداخل في الميراث الرقمي حقوق متعددة؛ فقد تتضمن رسالة إلكترونية مثلًا بيانات تخص المتوفى وأشخاصًا آخرين في الوقت ذاته. ولذلك فإن تمكين الورثة من الوصول إلى الحسابات لا ينبغي أن يتحول إلى إباحة مطلقة للاطلاع على جميع محتوياتها.
ومن هنا يجب التمييز بين الحق في الوصول إلى الأصل المالي الرقمي، باعتباره امتدادًا محتملًا للحق الموروث، وبين الحق في الاطلاع على المحتوى الشخصي، الذي قد ترد عليه قيود تفرضها الخصوصية وحماية البيانات وحقوق الغير.
خامسًا: الميراث الرقمي والحاجة إلى التدخل التشريعي
إن التحولات الرقمية تفرض على المشرع تطوير القواعد القانونية القائمة بما يسمح باستيعاب الأصول والحقوق الرقمية بعد الوفاة. ولا يعني ذلك بالضرورة إنشاء نظام قانوني مستقل عن القواعد القائمة، وإنما يستلزم تعديل واستكمال وتنسيق التشريعات ذات الصلة بما يحدد المركز القانوني لكل صورة من صور الميراث الرقمي.
ويشمل ذلك القواعد المنظمة للتركة والميراث، والقانون المدني، وتشريعات حماية البيانات والخصوصية، وقانون جرائم تكنولوجياالمعلومات، فضلًا عن القواعد المنظمة للمعاملات والخدمات المالية الرقمية بحسب طبيعة الأصل محل الميراث.
وينبغي أن يقوم هذا التدخل على فلسفة تشريعية مؤداها أن التحول الرقمي لا ينبغي أن يؤدي إلى سقوط الحق، كما لا ينبغي أن يؤدي إلى إطلاقه دون حدود؛ فالوارث لا يفقد حقه لمجرد أن المال أو الحق أصبح في صورة رقمية، وفي المقابل لا ينبغي أن تتحول صفة الوارث إلى سند لإباحة الاعتداء على خصوصية المتوفى أو حقوق الغير.
وأخيراً، فإن الميراث الرقمي يمثل تحديًا تشريعيًا حديثًا يقتضي تدخل المشرع الأردني لتعديل واستكمال التشريعات ذات الصلة بما يتلاءم مع التطور الرقمي، ويحدد الحقوق الرقمية القابلة للانتقال وحدود وصول الورثة إليها، مع تحقيق التوازن بين حق الإرث وخصوصية المتوفى وحقوق الغير والحماية الجنائية للأصول والبيانات الرقمية.
وبذلك يصبح القانون قادرًا على مواكبة التحولات التكنولوجية ومواجهة صور الاعتداء المستحدثة، دون إخلال بمبادئ الشرعية والتناسب والعدالة.
المحامي مالك أبو السعود
أدى التطور المتسارع في التكنولوجيا والاتصالات إلى ظهور واقع قانوني جديد، لم تعد فيه التركة مقصورة على الأموال والحقوق في صورتها التقليدية، وإنما أصبح الشخص يترك بعد وفاته وجودًا رقميًا يضم الحسابات الإلكترونية، والمراسلات، والصور، والملفات، والمحتوى الرقمي، والأصول ذات القيمة المالية، وهو ما أوجد ما يُعرف بالميراث الرقمي.
وتكمن الإشكالية القانونية في أن هذه العناصر لا تتحد في طبيعتها؛ فبعضها يمثل أموالًا أو حقوقًا مالية قابلة للانتقال، بينما يرتبط بعضها الآخر بالخصوصية والحياة الشخصية للمتوفى أو بحقوق الغير. ومن ثم لا يمكن إخضاع جميع العناصر الرقمية لحكم قانوني واحد، وإنما يتعين تحديد طبيعة كل عنصر ومدى قابليته للانتقال إلى الورثة.
فالأصل الرقمي ذي القيمة المالية يمكن أن يدخل في نطاق التركة متى توافرت فيه شروط انتقال الحق، أما الحسابات الشخصية والمراسلات والصور والبيانات الخاصة فلا تنتقل إلى الورثة بالضرورة لمجرد وفاة صاحبها؛ إذ يجب مراعاة طبيعتها وحقوق الغير المرتبطة بها. ومن هنا فإن المعيار الحقيقي ليس كون الحق رقميًا، وإنما طبيعته القانونية ومدى قابليته للانتقال.
أولًا: الفرق بين الميراث الرقمي والميراث الشرعي التقليدي
يختلف الميراث الرقمي عن الميراث الشرعي التقليدي من حيث طبيعة محل الميراث وطريقة انتقاله؛ فالميراث التقليدي ينصب أساسًا على الأموال والحقوق المالية التي تدخل في التركة وتنتقل إلى الورثة وفقًا للأنصبة والقواعد المقررة شرعًا وقانونًا. أما الميراث الرقمي فيتعلق بعناصر ذات طبيعة رقمية متعددة، منها ما يمثل مالًا أو حقًا ماليًا قابلًا للإرث، ومنها ما يرتبط بالحسابات والبيانات والمحتوى الشخصي، وهي عناصر لا يمكن اعتبارها جميعًا أموالًا موروثة لمجرد وجودها في البيئة الرقمية.
ولذلك فإن الإشكال في الميراث الرقمي لا يتعلق فقط بكيفية توزيع التركة، وإنما يسبق ذلك بتحديد ما الذي يُعد أصلًا أو حقًا قابلًا للانتقال، وما الذي تظل حمايته مرتبطة بخصوصية المتوفى وشخصيته وحقوق الغير.
ثانيًا: الفراغ التشريعي في تنظيم الميراث الرقمي
أفرز التطور الرقمي صورًا جديدة من الحقوق والبيانات التي تظل قائمة بعد وفاة صاحبها، الأمر الذي كشف عن قصور القواعد التقليدية في تحديد مصير الحسابات الإلكترونية والمحتوى الرقمي والبيانات الشخصية والحقوق ذات القيمة المالية أو المعنوية.
وقد يذهب البعض إلى الاعتداد بحيازة مقدم الخدمة الرقمية لهذه البيانات، أو بما تفرضه شروط الاستخدام من سيطرة فعلية على الحساب والمحتوى، ما لم يكن المتوفى قد حدد في وصيته الرقمية مصيرها على نحو آخر غير أنه لا نجد في واقعنا العملي واليومي أي شخص يكتب وصيه للميراث الرقمي غير أن هذا الاتجاه لا يكفي من الناحية القانونية؛ إذ إن الحيازة في المنقول لا تصلح بذاتها أساسًا لإسباغ الملكية على البيانات والمحتويات الرقمية، لاختلاف طبيعتها عن المنقولات المادية التقليدية.
وتزداد المسألة أهمية في القانون الأردني ، إذ لا يوجد تنظيم تشريعي متكامل يحدد بصورة صريحة المركز القانوني للميراث الرقمي ومصير الحسابات والبيانات والمحتويات الرقمية بعد الوفاة. ومن ثم فإن الحاجة لا تتمثل في اعتبار كل ما يوجد في البيئة الرقمية جزءًا من التركة، وإنما في وضع معيار قانوني يحدد طبيعة كل عنصر ومدى قابليته للانتقال.
ثالثًا: فلسفة الحماية الجنائية للميراث الرقمي
إذا كانت قواعد الميراث والقانون المدني تحدد الحقوق التي يمكن أن تنتقل إلى الورثة، فإن القانون الجنائي يتدخل لحماية هذه الحقوق من الاعتداء. ولا تقتصر الحماية الجنائية هنا على المال الرقمي، وإنما تمتد إلى الخصوصية وسرية البيانات وسلامة المعلومات والثقة في البيئة الرقمية.
فقد يقع الاعتداء على حساب المتوفى بقصد الاستيلاء على أموال أو أصول رقمية، أو بقصد الاطلاع على أسراره ومراسلاته، أو بتغيير بياناته أو حذفها أو استخدامها بصورة غير مشروعة. ولذلك تبرز فلسفة التجريم في تحقيق التوازن بين حق الورثة في مباشرة حقوقهم وبين حماية خصوصية المتوفى وحقوق الغير.
فلا تكفي صلة القرابة وحدها لإباحة الوصول المطلق إلى الحياة الرقمية للمتوفى، كما لا يجوز أن تؤدي حماية الخصوصية إلى حرمان الورثة من حقوق مالية ثبت انتقالها إليهم. ومن ثم يجب أن يقوم التجريم على مبدأ الشرعية والتناسب، بحيث يحدد المشرع بدقة الأفعال التي تمثل اعتداءً على الأصول والبيانات الرقمية، ويفصل بينها وبين الاستعمال المشروع.
رابعًا: الخصوصية الرقمية بعد الوفاة
تتداخل في الميراث الرقمي حقوق متعددة؛ فقد تتضمن رسالة إلكترونية مثلًا بيانات تخص المتوفى وأشخاصًا آخرين في الوقت ذاته. ولذلك فإن تمكين الورثة من الوصول إلى الحسابات لا ينبغي أن يتحول إلى إباحة مطلقة للاطلاع على جميع محتوياتها.
ومن هنا يجب التمييز بين الحق في الوصول إلى الأصل المالي الرقمي، باعتباره امتدادًا محتملًا للحق الموروث، وبين الحق في الاطلاع على المحتوى الشخصي، الذي قد ترد عليه قيود تفرضها الخصوصية وحماية البيانات وحقوق الغير.
خامسًا: الميراث الرقمي والحاجة إلى التدخل التشريعي
إن التحولات الرقمية تفرض على المشرع تطوير القواعد القانونية القائمة بما يسمح باستيعاب الأصول والحقوق الرقمية بعد الوفاة. ولا يعني ذلك بالضرورة إنشاء نظام قانوني مستقل عن القواعد القائمة، وإنما يستلزم تعديل واستكمال وتنسيق التشريعات ذات الصلة بما يحدد المركز القانوني لكل صورة من صور الميراث الرقمي.
ويشمل ذلك القواعد المنظمة للتركة والميراث، والقانون المدني، وتشريعات حماية البيانات والخصوصية، وقانون جرائم تكنولوجياالمعلومات، فضلًا عن القواعد المنظمة للمعاملات والخدمات المالية الرقمية بحسب طبيعة الأصل محل الميراث.
وينبغي أن يقوم هذا التدخل على فلسفة تشريعية مؤداها أن التحول الرقمي لا ينبغي أن يؤدي إلى سقوط الحق، كما لا ينبغي أن يؤدي إلى إطلاقه دون حدود؛ فالوارث لا يفقد حقه لمجرد أن المال أو الحق أصبح في صورة رقمية، وفي المقابل لا ينبغي أن تتحول صفة الوارث إلى سند لإباحة الاعتداء على خصوصية المتوفى أو حقوق الغير.
وأخيراً، فإن الميراث الرقمي يمثل تحديًا تشريعيًا حديثًا يقتضي تدخل المشرع الأردني لتعديل واستكمال التشريعات ذات الصلة بما يتلاءم مع التطور الرقمي، ويحدد الحقوق الرقمية القابلة للانتقال وحدود وصول الورثة إليها، مع تحقيق التوازن بين حق الإرث وخصوصية المتوفى وحقوق الغير والحماية الجنائية للأصول والبيانات الرقمية.
وبذلك يصبح القانون قادرًا على مواكبة التحولات التكنولوجية ومواجهة صور الاعتداء المستحدثة، دون إخلال بمبادئ الشرعية والتناسب والعدالة.
التعليقات