بقلم: الأستاذ الدكتور أمجدالفاهوم
في كل عام، ومع بدء القبول الجامعي، يتكرر السؤال ذاته في آلاف البيوت الأردنية: أي جامعة نختار؟ وأي تخصص يناسب المعدل؟ وما التخصص الأكثر قبولاً وحضوراً في المجتمع؟ غير أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق ذلك كله هو: ماذا سيتمكن أبناؤنا من أن يعملوا بعد التخرج؟ وما المعرفة والمهارات والخبرات التي يحتاجون إليها ليجدوا مكانهم في سوق عمل يتغير بوتيرة غير مسبوقة؟ هذا السؤال لم يعد رفاهاً فكرياً أو نقاشاً تربوياً مؤجلاً.
فالطالب الذي يبدأ دراسته اليوم سيواجه بعد عامين أو أربعة أعوام سوقاً مختلفاً عن السوق الذي نعرفه الآن. وظائف ستتغير، ومهن ستتراجع، وأخرى ستنشأ، ومهارات كانت كافية بالأمس قد لا تكون كافية غداً. لذلك أصبح لزاماً علينا أن نعيد النظر في العلاقة بين التعليم والعمل، وبين الشهادة والمهارة، وبين ما ندرّسه وما يحتاج إليه الاقتصاد فعلياً.
وتؤكد الأرقام حجم التحدي. فقد بلغ معدل البطالة بين الأردنيين في الربع الأول من عام 2026 نحو 21.1%، وارتفع بين الأردنيات إلى 32.7%، في الوقت الذي سجل فيه الاقتصاد الأردني نمواً حقيقياً بنسبة 2.9%. وهذه الأرقام تستحق قراءة تتجاوز ظاهرها؛ فوجود النمو الاقتصادي لا يعني تلقائياً أن كل باحث عن عمل يمتلك المهارات التي تحتاج إليها الوظائف التي يولدها هذا النمو، كما أن زيادة أعداد الخريجين لا تعني بالضرورة توافر الكفاءات التي يبحث عنها أصحاب العمل.
وبين هاتين الحقيقتين تظهر إحدى أهم مشكلات التعليم وسوق العمل: الفجوة بين المؤهل والمهارة، وبين ما يتعلمه الطالب وما يستطيع أن ينجزه فعلياً بعد التخرج. وفي العالم من حولنا، يعاد تشكيل مفهوم الوظيفة بسرعة كبيرة. فالذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، وأشباه الموصلات، والأتمتة، والطاقة المتجددة، والتصنيع المتقدم، والتجارة الرقمية لم تعد عناوين مرتبطة بمستقبل بعيد، بل أصبحت جزءاً من اقتصاد اليوم.
ويشير تقرير «مستقبل الوظائف 2025» للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن نحو 39% من المهارات الأساسية للعاملين مرشحة للتغير أو التقادم بحلول عام 2030، كما يتوقع أن تسهم التحولات التكنولوجية والاقتصادية والديموغرافية في استحداث نحو 170 مليون وظيفة، مقابل إزاحة نحو 92 مليون وظيفة. وهذا يعني أن القضية ليست اختفاء العمل، بقدر ما هي تغير طبيعته وتغير المهارات المطلوبة للقيام به.
من هنا، لم تعد الشهادة وحدها ضمانة للوظيفة. صاحب العمل يريد أن يعرف ماذا يستطيع الخريج أن يفعل، وما الأدوات والتقنيات التي يتقنها، وهل يستطيع تشخيص مشكلة وحلها، والعمل ضمن فريق، والتواصل بفاعلية، والتعامل مع بيئة عمل حقيقية، والتكيف عندما تتغير التكنولوجيا. وهنا تحديداً تبرز فلسفة التعليم التقني والتطبيقي؛ فهو لا يستبدل المعرفة النظرية، بل يمنحها قيمة عملية، وينقل الطالب من معرفة المعلومة إلى القدرة على استخدامها، ومن دراسة المشكلة إلى التعامل معها، ومن القاعة الدراسية إلى المختبر والورشة والشركة والمصنع وموقع العمل.
ولعل من أهم ما نحتاج إلى تغييره تلك الصورة التي ربطت التعليم التقني زمناً طويلاً بمن لم يجد مكاناً في التعليم الأكاديمي. هذه النظرة لم تعد مقبولة في اقتصاد تقوده التكنولوجيا والمهارات. التعليم التقني الحديث ليس مساراً تعليمياً أدنى، بل خيار له فلسفته ومتطلباته وفرصه، وقد يكون في كثير من المجالات أكثر ارتباطاً بالعمل والإنتاج من بعض المسارات التقليدية. فقيمة التخصص لا يحددها اسمه أو صورته الاجتماعية، وإنما تحددها جودة المعرفة التي يقدمها، والمهارة التي يبنيها، والحاجة الاقتصادية إليه، وقدرة خريجه على المنافسة. كما أن مفهوم التعليم التقني نفسه أصبح أوسع بكثير من صورته التقليدية.
نحن نتحدث اليوم عن تخصصات مثل أشباه الموصلات، والهندسة الكهربائية والإلكترونية، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والطاقة المتجددة، وتقنيات البناء، والسياحة والضيافة، والرعاية الصحية، وغيرها من المجالات التي تجمع المعرفة بالتطبيق.
وإلى جانبها تتقدم مجالات واعدة مثل الرياضة والتدريب الرياضي، والريادة وإدارة المؤسسات الصغيرة، وتصميم المنتجات، وهي تخصصات تعكس اتساع الاقتصاد الحديث وتغير طبيعة الفرص المهنية. فالرياضة، على سبيل المثال، لم تعد نشاطاً بدنياً منفصلاً عن العلم والتكنولوجيا، بل أصبحت قطاعاً اقتصادياً ومهنياً تتداخل فيه علوم التدريب والأداء البدني، وتحليل البيانات، والتقنيات القابلة للارتداء، وإدارة المنشآت والفعاليات الرياضية، والتسويق والخدمات المرتبطة بالصحة واللياقة.
ومن هنا يفتح التدريب الرياضي المؤسس على العلم والتطبيق مسارات مهنية تتجاوز المفهوم التقليدي للمدرب إلى صناعة متنامية تقوم على الأداء والقياس والتخصص. والريادة وإدارة المؤسسات الصغيرة تكتسبان أهمية خاصة في مجتمع لا يمكن أن تبقى فيه الوظيفة التقليدية هي المسار الوحيد أمام الشباب. فالمؤسسة الصغيرة والمتوسطة تمثل مساحة حقيقية للعمل والإنتاج وخلق الفرص، لكن النجاح فيها يحتاج إلى أكثر من فكرة جيدة؛ يحتاج إلى فهم السوق، وإدارة الموارد والتمويل، والتسويق الرقمي، وخدمة العملاء، وبناء نموذج عمل قابل للاستمرار والنمو.
ولذلك فإن تعليم الريادة يجب ألا يقوم على التنظير حول إنشاء المشروعات، بل على أن يمارس الطالب عملية بناء المشروع واختباره وتطويره والتعامل مع تحدياته الواقعية. أما تصميم المنتجات، فهو مثال واضح على التقاء الإبداع بالهندسة والتكنولوجيا والأعمال. فالمصمم الحديث لا يرسم شكلاً جميلاً فحسب، بل يدرس حاجة المستخدم، ويطور الفكرة، ويبني النموذج الأولي، ويختبر الوظيفة والمواد والكلفة، ويستفيد من التصميم الرقمي والطباعة ثلاثية الأبعاد والتصنيع الحديث، وصولاً إلى منتج يمكن إنتاجه وتسويقه.
وفي اقتصاد يسعى إلى زيادة القيمة المضافة، تصبح القدرة على الانتقال من الفكرة إلى المنتج مهارة اقتصادية وصناعية مهمة. والذكاء الاصطناعي لن يكون تخصصاً منفصلاً عن هذه المجالات بقدر ما سيصبح أداة حاضرة فيها جميعاً. سيستخدمه محلل البيانات ومتخصص الأمن السيبراني، كما سيستخدم المدرب الرياضي البيانات والأجهزة الذكية لتحليل الأداء، وسيستفيد رائد الأعمال منه في دراسة السوق وإدارة مشروعه وتسويقه، وسيستخدمه مصمم المنتجات في التصميم والنمذجة والمحاكاة وتطوير الحلول. لذلك فإن التحدي لم يعد في تعليم الطالب استخدام أداة بعينها، وإنما في بناء قدرته على التعلم المستمر وتوظيف التكنولوجيا بوعي داخل تخصصه. ويبدأ جزء أساسي من هذا التحول داخل الأسرة. فما زالت قرارات تعليمية كثيرة تتأثر باسم التخصص، أو بمكانته الاجتماعية، أو بتجارب أجيال سابقة، أكثر مما تتأثر بمستقبل المهنة.
ولا ينبغي أن يكون السؤال للابن أو الابنة: ما التخصص الذي يسمح لك معدلك بدخوله؟ بل: ما المجال الذي تمتلك الاستعداد للنجاح فيه؟ وما فرصه بعد سنوات؟ وما المهارات التي ستكتسبها؟ وكم ستتدرب فعلياً أثناء الدراسة؟ وهل يمنحك هذا المسار القدرة على العمل داخل الأردن وخارجه أو إنشاء مشروعك الخاص؟ فالتخصص الذي يشهد إقبالاً كبيراً اليوم قد يكون مشبعاً عند التخرج، بينما قد يفتح تخصص تقني حديث، أقل شهرة اجتماعياً، أبواباً مهنية أوسع. وقد بدأ الأردن خطوات مهمة في تطوير التعليم المهني والتقني، من خلال التوسع في البرامج المهنية والتطبيقية وبرامج BTEC، وربط التعليم والتدريب بأولويات رؤية التحديث الاقتصادي. وهذه خطوات مهمة، لكن نجاحها لا يقاس بعدد البرامج الجديدة أو أعداد الملتحقين بها فقط.
المطلوب بناء مسار متصل يبدأ بالتوجيه المهني المبكر، ويمر ببرنامج تعليمي يستند إلى حاجة فعلية في السوق، ويشمل تدريباً حقيقياً في بيئة العمل، وينتهي بالتشغيل أو العمل الحر أو تأسيس مشروع، مع إبقاء الطريق مفتوحاً أمام الطالب لمواصلة تعليمه وتطوير مؤهلاته. والجامعة معنية بهذا التحول بقدر المدرسة والقطاع الخاص.
لم يعد كافياً أن تقيس الجامعات نجاح برامجها بعدد الطلبة المقبولين أو الخريجين. المؤشرات الأكثر صدقاً هي: كم خريجاً وجد عملاً؟ وكم استغرق حص وله على أول فرصة؟ وكم منهم يعمل في مجال تخصصه؟ وما تقييم أصحاب العمل لمهاراته؟ وكم طالباً حصل على خبرة فعلية في مكان العمل قبل تخرجه؟ وكم خريجاً استطاع تأسيس مشروع أو خلق فرصة عمل؟ عندما تصبح هذه الأسئلة جزءاً أصيلاً من تقييم البرامج، ستتغير طريقة تصميم التعليم نفسه.
كما أن استحداث البرامج يجب ألا يبدأ بتوافر قاعة أو عضو هيئة تدريس، بل بحاجة اقتصادية واضحة. يجب أن يجلس الأكاديمي مع المصنع والشركة والمؤسسة المهنية وصاحب العمل قبل تصميم البرنامج، وأن تُحدد الوظائف والكفايات والتقنيات المطلوبة، ثم تُبنى الخطط والمساقات والتدريب وطرق التقييم وفقاً لذلك. ولا يعقل أن تتغير التكنولوجيا في أشهر بينما تحتاج الخطة الدراسية إلى سنوات كي تستجيب لها. المرونة والتحديث المستمر والشراكة مع قطاعات العمل أصبحت شروطاً أساسية لجودة التعليم التقني.
وهنا تبرز مسؤولية القطاع الخاص أيضاً. لا يمكن أن نطالبه بتوظيف الخريجين ثم نبقيه بعيداً عن عملية إعدادهم. يجب أن يكون شريكاً في تحديد المهارات، وتوفير التدريب، وتقييم الأداء، ونقل التكنولوجيا والخبرة إلى المؤسسات التعليمية. فالعلاقة بين التعليم وسوق العمل لا ينبغي أن تبدأ عند تسليم الخريج طلب التوظيف، بل منذ اللحظة التي يبدأ فيها تصميم البرنامج الذي سيدرسه.
والأردن يمتلك فرصة حقيقية في هذا المجال. فرأس المال البشري هو أحد أهم مواردنا، وموقع المملكة وعلاقاتها الاقتصادية وسمعة مؤسساتها التعليمية وقربها من أسواق إقليمية واسعة تمنحنا فرصة لإعداد كفاءات لا تعمل للسوق المحلي فقط. المهارة ذات الجودة والمعيار المعترف به تستطيع أن تعبر الحدود. ولهذا يجب أن تجتمع في الخريج الكفاءة التقنية، واللغة، والمهارات الرقمية، والخبرة العملية، والمهارات الشخصية والمهنية، والقدرة على المبادرة والتعلم المستمر.
القضية في جوهرها ليست إنشاء كليات تقنية أو إضافة تخصصات جديدة إلى أدلة القبول، بل إعادة تعريف الغاية من التعليم. فالطالب يستثمر سنوات مهمة من عمره، والأسرة تستثمر جزءاً كبيراً من مواردها، والدولة تستثمر في المدارس والجامعات والتدريب والبنية التحتية. ومن حق الجميع أن يكون العائد تعليماً يقود إلى قدرة حقيقية على العمل والإنتاج والمشاركة في الاقتصاد، لا مجرد شهادة تضاف إلى ملف الباحث عن وظيفة. لهذا نحتاج إلى التعليم التقني الآن. لأن البطالة لا تعالج بمزيد من الشهادات إذا لم تحمل معها مهارات مطلوبة، ولأن التكنولوجيا لن تنتظر أن ننتهي من تحديث خططنا، ولأن سوق العمل يتغير أمامنا بالفعل، ولأن الاقتصاد الذي نسعى إلى بنائه يحتاج إلى أشخاص يستطيعون أن يفكروا ويطبقوا ويصمموا وينتجوا ويديروا ويبتكروا ويتكيفوا.
وربما حان الوقت لأن نغير السؤال الذي نطرحه على أبنائنا. بدلاً من أن نسأل: أي شهادة تريد؟ علينا أن نسأل: أي مستقبل تريد أن تبني؟ وما المعرفة والمهارة والخبرة التي ستوصلك إليه؟ عندها يصبح التعليم التقني خياراً واعياً لا بديلاً اضطرارياً، ويصبح نجاح التعليم مرتبطاً بما يستطيع الإنسان أن ينجزه بما تعلم، وبقدرته على بناء فرصة لنفسه وإضافة قيمة إلى مجتمعه واقتصاد وطنه. فالمستقبل لن يسأل أبناءنا عن أسماء الشهادات التي يحملونها بقدر ما سيسألهم عما يعرفون، وما يتقنون، وما يستطيعون أن يصنعوا ويطوروا ويضيفوا. ولهذا تحديداً، فإن وقت التعليم التقني هو الآن.
بقلم: الأستاذ الدكتور أمجدالفاهوم
في كل عام، ومع بدء القبول الجامعي، يتكرر السؤال ذاته في آلاف البيوت الأردنية: أي جامعة نختار؟ وأي تخصص يناسب المعدل؟ وما التخصص الأكثر قبولاً وحضوراً في المجتمع؟ غير أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق ذلك كله هو: ماذا سيتمكن أبناؤنا من أن يعملوا بعد التخرج؟ وما المعرفة والمهارات والخبرات التي يحتاجون إليها ليجدوا مكانهم في سوق عمل يتغير بوتيرة غير مسبوقة؟ هذا السؤال لم يعد رفاهاً فكرياً أو نقاشاً تربوياً مؤجلاً.
فالطالب الذي يبدأ دراسته اليوم سيواجه بعد عامين أو أربعة أعوام سوقاً مختلفاً عن السوق الذي نعرفه الآن. وظائف ستتغير، ومهن ستتراجع، وأخرى ستنشأ، ومهارات كانت كافية بالأمس قد لا تكون كافية غداً. لذلك أصبح لزاماً علينا أن نعيد النظر في العلاقة بين التعليم والعمل، وبين الشهادة والمهارة، وبين ما ندرّسه وما يحتاج إليه الاقتصاد فعلياً.
وتؤكد الأرقام حجم التحدي. فقد بلغ معدل البطالة بين الأردنيين في الربع الأول من عام 2026 نحو 21.1%، وارتفع بين الأردنيات إلى 32.7%، في الوقت الذي سجل فيه الاقتصاد الأردني نمواً حقيقياً بنسبة 2.9%. وهذه الأرقام تستحق قراءة تتجاوز ظاهرها؛ فوجود النمو الاقتصادي لا يعني تلقائياً أن كل باحث عن عمل يمتلك المهارات التي تحتاج إليها الوظائف التي يولدها هذا النمو، كما أن زيادة أعداد الخريجين لا تعني بالضرورة توافر الكفاءات التي يبحث عنها أصحاب العمل.
وبين هاتين الحقيقتين تظهر إحدى أهم مشكلات التعليم وسوق العمل: الفجوة بين المؤهل والمهارة، وبين ما يتعلمه الطالب وما يستطيع أن ينجزه فعلياً بعد التخرج. وفي العالم من حولنا، يعاد تشكيل مفهوم الوظيفة بسرعة كبيرة. فالذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، وأشباه الموصلات، والأتمتة، والطاقة المتجددة، والتصنيع المتقدم، والتجارة الرقمية لم تعد عناوين مرتبطة بمستقبل بعيد، بل أصبحت جزءاً من اقتصاد اليوم.
ويشير تقرير «مستقبل الوظائف 2025» للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن نحو 39% من المهارات الأساسية للعاملين مرشحة للتغير أو التقادم بحلول عام 2030، كما يتوقع أن تسهم التحولات التكنولوجية والاقتصادية والديموغرافية في استحداث نحو 170 مليون وظيفة، مقابل إزاحة نحو 92 مليون وظيفة. وهذا يعني أن القضية ليست اختفاء العمل، بقدر ما هي تغير طبيعته وتغير المهارات المطلوبة للقيام به.
من هنا، لم تعد الشهادة وحدها ضمانة للوظيفة. صاحب العمل يريد أن يعرف ماذا يستطيع الخريج أن يفعل، وما الأدوات والتقنيات التي يتقنها، وهل يستطيع تشخيص مشكلة وحلها، والعمل ضمن فريق، والتواصل بفاعلية، والتعامل مع بيئة عمل حقيقية، والتكيف عندما تتغير التكنولوجيا. وهنا تحديداً تبرز فلسفة التعليم التقني والتطبيقي؛ فهو لا يستبدل المعرفة النظرية، بل يمنحها قيمة عملية، وينقل الطالب من معرفة المعلومة إلى القدرة على استخدامها، ومن دراسة المشكلة إلى التعامل معها، ومن القاعة الدراسية إلى المختبر والورشة والشركة والمصنع وموقع العمل.
ولعل من أهم ما نحتاج إلى تغييره تلك الصورة التي ربطت التعليم التقني زمناً طويلاً بمن لم يجد مكاناً في التعليم الأكاديمي. هذه النظرة لم تعد مقبولة في اقتصاد تقوده التكنولوجيا والمهارات. التعليم التقني الحديث ليس مساراً تعليمياً أدنى، بل خيار له فلسفته ومتطلباته وفرصه، وقد يكون في كثير من المجالات أكثر ارتباطاً بالعمل والإنتاج من بعض المسارات التقليدية. فقيمة التخصص لا يحددها اسمه أو صورته الاجتماعية، وإنما تحددها جودة المعرفة التي يقدمها، والمهارة التي يبنيها، والحاجة الاقتصادية إليه، وقدرة خريجه على المنافسة. كما أن مفهوم التعليم التقني نفسه أصبح أوسع بكثير من صورته التقليدية.
نحن نتحدث اليوم عن تخصصات مثل أشباه الموصلات، والهندسة الكهربائية والإلكترونية، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والطاقة المتجددة، وتقنيات البناء، والسياحة والضيافة، والرعاية الصحية، وغيرها من المجالات التي تجمع المعرفة بالتطبيق.
وإلى جانبها تتقدم مجالات واعدة مثل الرياضة والتدريب الرياضي، والريادة وإدارة المؤسسات الصغيرة، وتصميم المنتجات، وهي تخصصات تعكس اتساع الاقتصاد الحديث وتغير طبيعة الفرص المهنية. فالرياضة، على سبيل المثال، لم تعد نشاطاً بدنياً منفصلاً عن العلم والتكنولوجيا، بل أصبحت قطاعاً اقتصادياً ومهنياً تتداخل فيه علوم التدريب والأداء البدني، وتحليل البيانات، والتقنيات القابلة للارتداء، وإدارة المنشآت والفعاليات الرياضية، والتسويق والخدمات المرتبطة بالصحة واللياقة.
ومن هنا يفتح التدريب الرياضي المؤسس على العلم والتطبيق مسارات مهنية تتجاوز المفهوم التقليدي للمدرب إلى صناعة متنامية تقوم على الأداء والقياس والتخصص. والريادة وإدارة المؤسسات الصغيرة تكتسبان أهمية خاصة في مجتمع لا يمكن أن تبقى فيه الوظيفة التقليدية هي المسار الوحيد أمام الشباب. فالمؤسسة الصغيرة والمتوسطة تمثل مساحة حقيقية للعمل والإنتاج وخلق الفرص، لكن النجاح فيها يحتاج إلى أكثر من فكرة جيدة؛ يحتاج إلى فهم السوق، وإدارة الموارد والتمويل، والتسويق الرقمي، وخدمة العملاء، وبناء نموذج عمل قابل للاستمرار والنمو.
ولذلك فإن تعليم الريادة يجب ألا يقوم على التنظير حول إنشاء المشروعات، بل على أن يمارس الطالب عملية بناء المشروع واختباره وتطويره والتعامل مع تحدياته الواقعية. أما تصميم المنتجات، فهو مثال واضح على التقاء الإبداع بالهندسة والتكنولوجيا والأعمال. فالمصمم الحديث لا يرسم شكلاً جميلاً فحسب، بل يدرس حاجة المستخدم، ويطور الفكرة، ويبني النموذج الأولي، ويختبر الوظيفة والمواد والكلفة، ويستفيد من التصميم الرقمي والطباعة ثلاثية الأبعاد والتصنيع الحديث، وصولاً إلى منتج يمكن إنتاجه وتسويقه.
وفي اقتصاد يسعى إلى زيادة القيمة المضافة، تصبح القدرة على الانتقال من الفكرة إلى المنتج مهارة اقتصادية وصناعية مهمة. والذكاء الاصطناعي لن يكون تخصصاً منفصلاً عن هذه المجالات بقدر ما سيصبح أداة حاضرة فيها جميعاً. سيستخدمه محلل البيانات ومتخصص الأمن السيبراني، كما سيستخدم المدرب الرياضي البيانات والأجهزة الذكية لتحليل الأداء، وسيستفيد رائد الأعمال منه في دراسة السوق وإدارة مشروعه وتسويقه، وسيستخدمه مصمم المنتجات في التصميم والنمذجة والمحاكاة وتطوير الحلول. لذلك فإن التحدي لم يعد في تعليم الطالب استخدام أداة بعينها، وإنما في بناء قدرته على التعلم المستمر وتوظيف التكنولوجيا بوعي داخل تخصصه. ويبدأ جزء أساسي من هذا التحول داخل الأسرة. فما زالت قرارات تعليمية كثيرة تتأثر باسم التخصص، أو بمكانته الاجتماعية، أو بتجارب أجيال سابقة، أكثر مما تتأثر بمستقبل المهنة.
ولا ينبغي أن يكون السؤال للابن أو الابنة: ما التخصص الذي يسمح لك معدلك بدخوله؟ بل: ما المجال الذي تمتلك الاستعداد للنجاح فيه؟ وما فرصه بعد سنوات؟ وما المهارات التي ستكتسبها؟ وكم ستتدرب فعلياً أثناء الدراسة؟ وهل يمنحك هذا المسار القدرة على العمل داخل الأردن وخارجه أو إنشاء مشروعك الخاص؟ فالتخصص الذي يشهد إقبالاً كبيراً اليوم قد يكون مشبعاً عند التخرج، بينما قد يفتح تخصص تقني حديث، أقل شهرة اجتماعياً، أبواباً مهنية أوسع. وقد بدأ الأردن خطوات مهمة في تطوير التعليم المهني والتقني، من خلال التوسع في البرامج المهنية والتطبيقية وبرامج BTEC، وربط التعليم والتدريب بأولويات رؤية التحديث الاقتصادي. وهذه خطوات مهمة، لكن نجاحها لا يقاس بعدد البرامج الجديدة أو أعداد الملتحقين بها فقط.
المطلوب بناء مسار متصل يبدأ بالتوجيه المهني المبكر، ويمر ببرنامج تعليمي يستند إلى حاجة فعلية في السوق، ويشمل تدريباً حقيقياً في بيئة العمل، وينتهي بالتشغيل أو العمل الحر أو تأسيس مشروع، مع إبقاء الطريق مفتوحاً أمام الطالب لمواصلة تعليمه وتطوير مؤهلاته. والجامعة معنية بهذا التحول بقدر المدرسة والقطاع الخاص.
لم يعد كافياً أن تقيس الجامعات نجاح برامجها بعدد الطلبة المقبولين أو الخريجين. المؤشرات الأكثر صدقاً هي: كم خريجاً وجد عملاً؟ وكم استغرق حص وله على أول فرصة؟ وكم منهم يعمل في مجال تخصصه؟ وما تقييم أصحاب العمل لمهاراته؟ وكم طالباً حصل على خبرة فعلية في مكان العمل قبل تخرجه؟ وكم خريجاً استطاع تأسيس مشروع أو خلق فرصة عمل؟ عندما تصبح هذه الأسئلة جزءاً أصيلاً من تقييم البرامج، ستتغير طريقة تصميم التعليم نفسه.
كما أن استحداث البرامج يجب ألا يبدأ بتوافر قاعة أو عضو هيئة تدريس، بل بحاجة اقتصادية واضحة. يجب أن يجلس الأكاديمي مع المصنع والشركة والمؤسسة المهنية وصاحب العمل قبل تصميم البرنامج، وأن تُحدد الوظائف والكفايات والتقنيات المطلوبة، ثم تُبنى الخطط والمساقات والتدريب وطرق التقييم وفقاً لذلك. ولا يعقل أن تتغير التكنولوجيا في أشهر بينما تحتاج الخطة الدراسية إلى سنوات كي تستجيب لها. المرونة والتحديث المستمر والشراكة مع قطاعات العمل أصبحت شروطاً أساسية لجودة التعليم التقني.
وهنا تبرز مسؤولية القطاع الخاص أيضاً. لا يمكن أن نطالبه بتوظيف الخريجين ثم نبقيه بعيداً عن عملية إعدادهم. يجب أن يكون شريكاً في تحديد المهارات، وتوفير التدريب، وتقييم الأداء، ونقل التكنولوجيا والخبرة إلى المؤسسات التعليمية. فالعلاقة بين التعليم وسوق العمل لا ينبغي أن تبدأ عند تسليم الخريج طلب التوظيف، بل منذ اللحظة التي يبدأ فيها تصميم البرنامج الذي سيدرسه.
والأردن يمتلك فرصة حقيقية في هذا المجال. فرأس المال البشري هو أحد أهم مواردنا، وموقع المملكة وعلاقاتها الاقتصادية وسمعة مؤسساتها التعليمية وقربها من أسواق إقليمية واسعة تمنحنا فرصة لإعداد كفاءات لا تعمل للسوق المحلي فقط. المهارة ذات الجودة والمعيار المعترف به تستطيع أن تعبر الحدود. ولهذا يجب أن تجتمع في الخريج الكفاءة التقنية، واللغة، والمهارات الرقمية، والخبرة العملية، والمهارات الشخصية والمهنية، والقدرة على المبادرة والتعلم المستمر.
القضية في جوهرها ليست إنشاء كليات تقنية أو إضافة تخصصات جديدة إلى أدلة القبول، بل إعادة تعريف الغاية من التعليم. فالطالب يستثمر سنوات مهمة من عمره، والأسرة تستثمر جزءاً كبيراً من مواردها، والدولة تستثمر في المدارس والجامعات والتدريب والبنية التحتية. ومن حق الجميع أن يكون العائد تعليماً يقود إلى قدرة حقيقية على العمل والإنتاج والمشاركة في الاقتصاد، لا مجرد شهادة تضاف إلى ملف الباحث عن وظيفة. لهذا نحتاج إلى التعليم التقني الآن. لأن البطالة لا تعالج بمزيد من الشهادات إذا لم تحمل معها مهارات مطلوبة، ولأن التكنولوجيا لن تنتظر أن ننتهي من تحديث خططنا، ولأن سوق العمل يتغير أمامنا بالفعل، ولأن الاقتصاد الذي نسعى إلى بنائه يحتاج إلى أشخاص يستطيعون أن يفكروا ويطبقوا ويصمموا وينتجوا ويديروا ويبتكروا ويتكيفوا.
وربما حان الوقت لأن نغير السؤال الذي نطرحه على أبنائنا. بدلاً من أن نسأل: أي شهادة تريد؟ علينا أن نسأل: أي مستقبل تريد أن تبني؟ وما المعرفة والمهارة والخبرة التي ستوصلك إليه؟ عندها يصبح التعليم التقني خياراً واعياً لا بديلاً اضطرارياً، ويصبح نجاح التعليم مرتبطاً بما يستطيع الإنسان أن ينجزه بما تعلم، وبقدرته على بناء فرصة لنفسه وإضافة قيمة إلى مجتمعه واقتصاد وطنه. فالمستقبل لن يسأل أبناءنا عن أسماء الشهادات التي يحملونها بقدر ما سيسألهم عما يعرفون، وما يتقنون، وما يستطيعون أن يصنعوا ويطوروا ويضيفوا. ولهذا تحديداً، فإن وقت التعليم التقني هو الآن.
بقلم: الأستاذ الدكتور أمجدالفاهوم
في كل عام، ومع بدء القبول الجامعي، يتكرر السؤال ذاته في آلاف البيوت الأردنية: أي جامعة نختار؟ وأي تخصص يناسب المعدل؟ وما التخصص الأكثر قبولاً وحضوراً في المجتمع؟ غير أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق ذلك كله هو: ماذا سيتمكن أبناؤنا من أن يعملوا بعد التخرج؟ وما المعرفة والمهارات والخبرات التي يحتاجون إليها ليجدوا مكانهم في سوق عمل يتغير بوتيرة غير مسبوقة؟ هذا السؤال لم يعد رفاهاً فكرياً أو نقاشاً تربوياً مؤجلاً.
فالطالب الذي يبدأ دراسته اليوم سيواجه بعد عامين أو أربعة أعوام سوقاً مختلفاً عن السوق الذي نعرفه الآن. وظائف ستتغير، ومهن ستتراجع، وأخرى ستنشأ، ومهارات كانت كافية بالأمس قد لا تكون كافية غداً. لذلك أصبح لزاماً علينا أن نعيد النظر في العلاقة بين التعليم والعمل، وبين الشهادة والمهارة، وبين ما ندرّسه وما يحتاج إليه الاقتصاد فعلياً.
وتؤكد الأرقام حجم التحدي. فقد بلغ معدل البطالة بين الأردنيين في الربع الأول من عام 2026 نحو 21.1%، وارتفع بين الأردنيات إلى 32.7%، في الوقت الذي سجل فيه الاقتصاد الأردني نمواً حقيقياً بنسبة 2.9%. وهذه الأرقام تستحق قراءة تتجاوز ظاهرها؛ فوجود النمو الاقتصادي لا يعني تلقائياً أن كل باحث عن عمل يمتلك المهارات التي تحتاج إليها الوظائف التي يولدها هذا النمو، كما أن زيادة أعداد الخريجين لا تعني بالضرورة توافر الكفاءات التي يبحث عنها أصحاب العمل.
وبين هاتين الحقيقتين تظهر إحدى أهم مشكلات التعليم وسوق العمل: الفجوة بين المؤهل والمهارة، وبين ما يتعلمه الطالب وما يستطيع أن ينجزه فعلياً بعد التخرج. وفي العالم من حولنا، يعاد تشكيل مفهوم الوظيفة بسرعة كبيرة. فالذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، وأشباه الموصلات، والأتمتة، والطاقة المتجددة، والتصنيع المتقدم، والتجارة الرقمية لم تعد عناوين مرتبطة بمستقبل بعيد، بل أصبحت جزءاً من اقتصاد اليوم.
ويشير تقرير «مستقبل الوظائف 2025» للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن نحو 39% من المهارات الأساسية للعاملين مرشحة للتغير أو التقادم بحلول عام 2030، كما يتوقع أن تسهم التحولات التكنولوجية والاقتصادية والديموغرافية في استحداث نحو 170 مليون وظيفة، مقابل إزاحة نحو 92 مليون وظيفة. وهذا يعني أن القضية ليست اختفاء العمل، بقدر ما هي تغير طبيعته وتغير المهارات المطلوبة للقيام به.
من هنا، لم تعد الشهادة وحدها ضمانة للوظيفة. صاحب العمل يريد أن يعرف ماذا يستطيع الخريج أن يفعل، وما الأدوات والتقنيات التي يتقنها، وهل يستطيع تشخيص مشكلة وحلها، والعمل ضمن فريق، والتواصل بفاعلية، والتعامل مع بيئة عمل حقيقية، والتكيف عندما تتغير التكنولوجيا. وهنا تحديداً تبرز فلسفة التعليم التقني والتطبيقي؛ فهو لا يستبدل المعرفة النظرية، بل يمنحها قيمة عملية، وينقل الطالب من معرفة المعلومة إلى القدرة على استخدامها، ومن دراسة المشكلة إلى التعامل معها، ومن القاعة الدراسية إلى المختبر والورشة والشركة والمصنع وموقع العمل.
ولعل من أهم ما نحتاج إلى تغييره تلك الصورة التي ربطت التعليم التقني زمناً طويلاً بمن لم يجد مكاناً في التعليم الأكاديمي. هذه النظرة لم تعد مقبولة في اقتصاد تقوده التكنولوجيا والمهارات. التعليم التقني الحديث ليس مساراً تعليمياً أدنى، بل خيار له فلسفته ومتطلباته وفرصه، وقد يكون في كثير من المجالات أكثر ارتباطاً بالعمل والإنتاج من بعض المسارات التقليدية. فقيمة التخصص لا يحددها اسمه أو صورته الاجتماعية، وإنما تحددها جودة المعرفة التي يقدمها، والمهارة التي يبنيها، والحاجة الاقتصادية إليه، وقدرة خريجه على المنافسة. كما أن مفهوم التعليم التقني نفسه أصبح أوسع بكثير من صورته التقليدية.
نحن نتحدث اليوم عن تخصصات مثل أشباه الموصلات، والهندسة الكهربائية والإلكترونية، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والطاقة المتجددة، وتقنيات البناء، والسياحة والضيافة، والرعاية الصحية، وغيرها من المجالات التي تجمع المعرفة بالتطبيق.
وإلى جانبها تتقدم مجالات واعدة مثل الرياضة والتدريب الرياضي، والريادة وإدارة المؤسسات الصغيرة، وتصميم المنتجات، وهي تخصصات تعكس اتساع الاقتصاد الحديث وتغير طبيعة الفرص المهنية. فالرياضة، على سبيل المثال، لم تعد نشاطاً بدنياً منفصلاً عن العلم والتكنولوجيا، بل أصبحت قطاعاً اقتصادياً ومهنياً تتداخل فيه علوم التدريب والأداء البدني، وتحليل البيانات، والتقنيات القابلة للارتداء، وإدارة المنشآت والفعاليات الرياضية، والتسويق والخدمات المرتبطة بالصحة واللياقة.
ومن هنا يفتح التدريب الرياضي المؤسس على العلم والتطبيق مسارات مهنية تتجاوز المفهوم التقليدي للمدرب إلى صناعة متنامية تقوم على الأداء والقياس والتخصص. والريادة وإدارة المؤسسات الصغيرة تكتسبان أهمية خاصة في مجتمع لا يمكن أن تبقى فيه الوظيفة التقليدية هي المسار الوحيد أمام الشباب. فالمؤسسة الصغيرة والمتوسطة تمثل مساحة حقيقية للعمل والإنتاج وخلق الفرص، لكن النجاح فيها يحتاج إلى أكثر من فكرة جيدة؛ يحتاج إلى فهم السوق، وإدارة الموارد والتمويل، والتسويق الرقمي، وخدمة العملاء، وبناء نموذج عمل قابل للاستمرار والنمو.
ولذلك فإن تعليم الريادة يجب ألا يقوم على التنظير حول إنشاء المشروعات، بل على أن يمارس الطالب عملية بناء المشروع واختباره وتطويره والتعامل مع تحدياته الواقعية. أما تصميم المنتجات، فهو مثال واضح على التقاء الإبداع بالهندسة والتكنولوجيا والأعمال. فالمصمم الحديث لا يرسم شكلاً جميلاً فحسب، بل يدرس حاجة المستخدم، ويطور الفكرة، ويبني النموذج الأولي، ويختبر الوظيفة والمواد والكلفة، ويستفيد من التصميم الرقمي والطباعة ثلاثية الأبعاد والتصنيع الحديث، وصولاً إلى منتج يمكن إنتاجه وتسويقه.
وفي اقتصاد يسعى إلى زيادة القيمة المضافة، تصبح القدرة على الانتقال من الفكرة إلى المنتج مهارة اقتصادية وصناعية مهمة. والذكاء الاصطناعي لن يكون تخصصاً منفصلاً عن هذه المجالات بقدر ما سيصبح أداة حاضرة فيها جميعاً. سيستخدمه محلل البيانات ومتخصص الأمن السيبراني، كما سيستخدم المدرب الرياضي البيانات والأجهزة الذكية لتحليل الأداء، وسيستفيد رائد الأعمال منه في دراسة السوق وإدارة مشروعه وتسويقه، وسيستخدمه مصمم المنتجات في التصميم والنمذجة والمحاكاة وتطوير الحلول. لذلك فإن التحدي لم يعد في تعليم الطالب استخدام أداة بعينها، وإنما في بناء قدرته على التعلم المستمر وتوظيف التكنولوجيا بوعي داخل تخصصه. ويبدأ جزء أساسي من هذا التحول داخل الأسرة. فما زالت قرارات تعليمية كثيرة تتأثر باسم التخصص، أو بمكانته الاجتماعية، أو بتجارب أجيال سابقة، أكثر مما تتأثر بمستقبل المهنة.
ولا ينبغي أن يكون السؤال للابن أو الابنة: ما التخصص الذي يسمح لك معدلك بدخوله؟ بل: ما المجال الذي تمتلك الاستعداد للنجاح فيه؟ وما فرصه بعد سنوات؟ وما المهارات التي ستكتسبها؟ وكم ستتدرب فعلياً أثناء الدراسة؟ وهل يمنحك هذا المسار القدرة على العمل داخل الأردن وخارجه أو إنشاء مشروعك الخاص؟ فالتخصص الذي يشهد إقبالاً كبيراً اليوم قد يكون مشبعاً عند التخرج، بينما قد يفتح تخصص تقني حديث، أقل شهرة اجتماعياً، أبواباً مهنية أوسع. وقد بدأ الأردن خطوات مهمة في تطوير التعليم المهني والتقني، من خلال التوسع في البرامج المهنية والتطبيقية وبرامج BTEC، وربط التعليم والتدريب بأولويات رؤية التحديث الاقتصادي. وهذه خطوات مهمة، لكن نجاحها لا يقاس بعدد البرامج الجديدة أو أعداد الملتحقين بها فقط.
المطلوب بناء مسار متصل يبدأ بالتوجيه المهني المبكر، ويمر ببرنامج تعليمي يستند إلى حاجة فعلية في السوق، ويشمل تدريباً حقيقياً في بيئة العمل، وينتهي بالتشغيل أو العمل الحر أو تأسيس مشروع، مع إبقاء الطريق مفتوحاً أمام الطالب لمواصلة تعليمه وتطوير مؤهلاته. والجامعة معنية بهذا التحول بقدر المدرسة والقطاع الخاص.
لم يعد كافياً أن تقيس الجامعات نجاح برامجها بعدد الطلبة المقبولين أو الخريجين. المؤشرات الأكثر صدقاً هي: كم خريجاً وجد عملاً؟ وكم استغرق حص وله على أول فرصة؟ وكم منهم يعمل في مجال تخصصه؟ وما تقييم أصحاب العمل لمهاراته؟ وكم طالباً حصل على خبرة فعلية في مكان العمل قبل تخرجه؟ وكم خريجاً استطاع تأسيس مشروع أو خلق فرصة عمل؟ عندما تصبح هذه الأسئلة جزءاً أصيلاً من تقييم البرامج، ستتغير طريقة تصميم التعليم نفسه.
كما أن استحداث البرامج يجب ألا يبدأ بتوافر قاعة أو عضو هيئة تدريس، بل بحاجة اقتصادية واضحة. يجب أن يجلس الأكاديمي مع المصنع والشركة والمؤسسة المهنية وصاحب العمل قبل تصميم البرنامج، وأن تُحدد الوظائف والكفايات والتقنيات المطلوبة، ثم تُبنى الخطط والمساقات والتدريب وطرق التقييم وفقاً لذلك. ولا يعقل أن تتغير التكنولوجيا في أشهر بينما تحتاج الخطة الدراسية إلى سنوات كي تستجيب لها. المرونة والتحديث المستمر والشراكة مع قطاعات العمل أصبحت شروطاً أساسية لجودة التعليم التقني.
وهنا تبرز مسؤولية القطاع الخاص أيضاً. لا يمكن أن نطالبه بتوظيف الخريجين ثم نبقيه بعيداً عن عملية إعدادهم. يجب أن يكون شريكاً في تحديد المهارات، وتوفير التدريب، وتقييم الأداء، ونقل التكنولوجيا والخبرة إلى المؤسسات التعليمية. فالعلاقة بين التعليم وسوق العمل لا ينبغي أن تبدأ عند تسليم الخريج طلب التوظيف، بل منذ اللحظة التي يبدأ فيها تصميم البرنامج الذي سيدرسه.
والأردن يمتلك فرصة حقيقية في هذا المجال. فرأس المال البشري هو أحد أهم مواردنا، وموقع المملكة وعلاقاتها الاقتصادية وسمعة مؤسساتها التعليمية وقربها من أسواق إقليمية واسعة تمنحنا فرصة لإعداد كفاءات لا تعمل للسوق المحلي فقط. المهارة ذات الجودة والمعيار المعترف به تستطيع أن تعبر الحدود. ولهذا يجب أن تجتمع في الخريج الكفاءة التقنية، واللغة، والمهارات الرقمية، والخبرة العملية، والمهارات الشخصية والمهنية، والقدرة على المبادرة والتعلم المستمر.
القضية في جوهرها ليست إنشاء كليات تقنية أو إضافة تخصصات جديدة إلى أدلة القبول، بل إعادة تعريف الغاية من التعليم. فالطالب يستثمر سنوات مهمة من عمره، والأسرة تستثمر جزءاً كبيراً من مواردها، والدولة تستثمر في المدارس والجامعات والتدريب والبنية التحتية. ومن حق الجميع أن يكون العائد تعليماً يقود إلى قدرة حقيقية على العمل والإنتاج والمشاركة في الاقتصاد، لا مجرد شهادة تضاف إلى ملف الباحث عن وظيفة. لهذا نحتاج إلى التعليم التقني الآن. لأن البطالة لا تعالج بمزيد من الشهادات إذا لم تحمل معها مهارات مطلوبة، ولأن التكنولوجيا لن تنتظر أن ننتهي من تحديث خططنا، ولأن سوق العمل يتغير أمامنا بالفعل، ولأن الاقتصاد الذي نسعى إلى بنائه يحتاج إلى أشخاص يستطيعون أن يفكروا ويطبقوا ويصمموا وينتجوا ويديروا ويبتكروا ويتكيفوا.
وربما حان الوقت لأن نغير السؤال الذي نطرحه على أبنائنا. بدلاً من أن نسأل: أي شهادة تريد؟ علينا أن نسأل: أي مستقبل تريد أن تبني؟ وما المعرفة والمهارة والخبرة التي ستوصلك إليه؟ عندها يصبح التعليم التقني خياراً واعياً لا بديلاً اضطرارياً، ويصبح نجاح التعليم مرتبطاً بما يستطيع الإنسان أن ينجزه بما تعلم، وبقدرته على بناء فرصة لنفسه وإضافة قيمة إلى مجتمعه واقتصاد وطنه. فالمستقبل لن يسأل أبناءنا عن أسماء الشهادات التي يحملونها بقدر ما سيسألهم عما يعرفون، وما يتقنون، وما يستطيعون أن يصنعوا ويطوروا ويضيفوا. ولهذا تحديداً، فإن وقت التعليم التقني هو الآن.
التعليقات