في مشهد دولي يشبه رقعة شطرنج تتحرك فوقها القوى الكبرى بحسابات دقيقة، لا تولد التحالفات من فراغ، بل من رحم الضغوط وفراغات القوة. فالدول لا تغيّر تحالفاتها إلا حين تتيقن أن موازين القوة القائمة لم تعد قادرة على حماية مصالحها أو توفير الأمان الاستراتيجي لها.
قبل أربعة أشهر، وتحديداً في 21 أبريل 2026، طرحت في مقال بعنوان 'نصف مليار مسلم بين مطرقة إسرائيل الكبرى وسندان أمريكا' تساؤلاً حول إمكانية ولادة ترتيبات إقليمية جديدة للردع. ثم جاء التاسع من أغسطس 2026 ليحمل تطوراً لافتاً مع الإعلان عن ملامح 'المحور السعودي–الباكستاني–التركي'، في خطوة عكست، من وجهة نظري، منطقاً استراتيجياً فرضته ضرورات إعادة التوازن في منطقة تعجّ بالصراعات.
واليوم، ومع تصاعد الحصار الاقتصادي الغربي على طهران، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً على طاولة التحليل الاستراتيجي: هل تتحول الشراكة الصينية-الإيرانية من تحالف ظرفي قائم على النفط إلى نواة لمحور شرقي جديد يعيد تشكيل قواعد النظام الدولي؟
من القصف إلى القيود: كيف حوّلت واشنطن أدواتها؟
انتقلت المواجهة الأميركية–الإيرانية خلال الأشهر الماضية من الميدان العسكري إلى ساحة الحرب الاقتصادية. فبعد حملة عسكرية أميركية ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية الإيرانية، بدا أن تفوق القوة الجوية وحدها لم يكن كافياً لفرض معادلة جديدة على طهران، خصوصاً في ظل امتلاكها أوراقاً استراتيجية مؤثرة؛ وفي مقدمتها القدرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى تأثيرها عبر وكلائها الإقليميين في اليمن ولبنان وسوريا والعراق.
وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبر المضيق لن ينعكس على إيران والولايات المتحدة وحدهما، بل سيمتد إلى أسعار النفط العالمية، ويعرّض سلاسل التوريد الآسيوية والأوروبية لصدمات حادة.
وفي ظل صعوبة الحسم العسكري، اتجهت واشنطن إلى توسيع شبكة العقوبات لتشمل النفط، والشحن البحري، والتكنولوجيا المتطورة، والتعاملات المالية المصرفية، بهدف عزل إيران اقتصادياً عن بقية العالم. لكن هذه الاستراتيجية تضع واشنطن أمام مفارقة استراتيجية محفوفة بالمخاطر: ماذا لو أدت العقوبات، بدلاً من عزل طهران، إلى دفعها بصورة أكبر نحو أحضان بكين؟
بكين: شريك استراتيجي لا مجرد سوق نفط
الصين هي الشريك التجاري الأهم لإيران، وتمثل السوق الرئيسية والمستمرة لصادراتها النفطية الخام. لذلك فإن نجاح العقوبات الأميركية في عزل طهران يتطلب، بدرجة كبيرة، قدرة واشنطن على إقناع بكين -أو إجبارها- على تقليص علاقاتها مع إيران، وهو سيناريو يبدو بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.
فالقضية بالنسبة للصين لا تتعلق بإيران وحدها، بل بمبدأ أوسع وأعمق: هل تقبل بكين بأن تحدد واشنطن طبيعة علاقاتها التجارية والاستراتيجية مع باقي دول العالم؟
الصين ليست مجرد مشترٍ للنفط، بل ترى في إيران بوابة برية وبحرية تربط مشروع 'الحزام والطريق' بالغرب الآسيوي وأوروبا، وممراً حيوياً لتجاوز هيمنة البحرية الأميركية على الخليج والمحيط الهندي. ومن هنا، قد يتحول التعاون الصيني–الإيراني من مجرد علاقة اقتصادية إلى ركيزة في صراع أوسع حول شكل النظام الدولي القادم.
إيران تحتاج إلى الصين لتخفيف آثار العزلة وضخ العملة الصعبة، والصين تحتاج إلى إيران باعتبارها دولة محورية في أمن الطاقة، والموقع الجغرافي، والتجارة الإقليمية. وهنا تتقاطع المصالح بشكل عضوي يصعب فصله.
تحالف عسكري أم شبكة مصالح ذكية؟
لا يعني ذلك أن الصين تستعد لتوقيع معاهدة دفاع مشترك معلنة ضد الولايات المتحدة. فبكين أكثر حذراً وإدراكاً من الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع واشنطن في الشرق الأوسط، فهي تفضل إدارة الصراعات عبر الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية البطيئة بدلاً من المواجهة الساخنة.
لكن مفهوم 'المحور' في عالم اليوم لم يعد محصوراً في المعاهدات العسكرية التقليدية. فالمحور الجديد قد ينبثق من تشابك المصالح في خمسة مسارات رئيسية:
3. اليوان الرقمي وأنظمة الدفع البديلة (لتجاوز نظام سويفت).
4. نقل التكنولوجيا (خصوصاً في مجالات الطيران والدفاع الإلكتروني).
5. التنسيق الدبلوماسي في المحافل الدولية (بكين وطهران وموسكو).
وفي حال تعمقت هذه الشراكة، فقد تتحول العقوبات ذاتها إلى حافز لبناء قنوات بديلة تقلل من فعالية الضغط الأميركي، وتخلق نظاماً اقتصادياً موازياً.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر: كلما اتسعت العقوبات الأميركية، ازدادت حوافز الدول المتضررة (إيران، روسيا، الصين، وحتى بعض حلفاء واشنطن في آسيا) على بناء نظام مالي وتجاري أقل اعتماداً على الأدوات التي تسيطر عليها واشنطن.
رؤية أخيرة: متى يولد 'محور الشرق'؟
لا أعتقد أن 'محور الشرق' قد ولد رسمياً بهويته الواضحة بعد، لكن بوادره وعلامات ولادته أصبحت أكثر وضوحاً مما يتصوره المراقب الغربي.
فإيران تبحث عن عمق استراتيجي يحميها من العزلة، والصين ترفض أن تصبح العقوبات الأميركية أداة لتحديد علاقاتها الخارجية، بينما تسعى روسيا وقوى آسيوية أخرى (كالهند واليابان بشكل غير مباشر) إلى نظام دولي أكثر تعددية يحدّ من الانفرادية الأميركية.
إذا كان 'المحور السعودي–الباكستاني–التركي' قد عكس اتجاهاً نحو بناء معادلة ردع إقليمي جديدة في غرب آسيا، فإن المرحلة المقبلة قد تكون شاهدة على انتقال ذات الفكرة من المستوى الإقليمي العسكري إلى المستوى العابر للقارات في المجال الاقتصادي والمالي، أي ولادة 'نظام ردع اقتصادي متعدد الأطراف' لا يقل خطورة وتأثيراً عن الردع النووي أو العسكري.
لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن تطرحه مراكز القرار في واشنطن وعواصم الغرب ليس فقط: 'هل سننجح في عزل إيران اقتصادياً؟'، بل السؤال الأكثر إزعاجاً لهم: 'هل ستؤدي محاولتنا لعزل طهران إلى تسريع ولادة منظومة شرقية جديدة تنافس نظامنا المالي وتفكك هيمنتنا الأحادية؟'
لقد أثبتت تحولات آب/ أغسطس 2026 أن التحالفات الكبرى لا تولد من فراغ، وإنما من تراكم الضغوط، وتغير حسابات الأمن، وإعادة تعريف المصالح. زمن الأحادية يتراجع بوضوح، وبذور عالم متعدد الأقطاب بدأت تنبت في الشرق.
أما 'محور الشرق'، فالسؤال الأهم الذي ستحسمه السنوات القادمة هو: هل ستتحول هذه البذور إلى حلف استراتيجي مكتمل الأركان؟ أم ستظل مجرد شبكة مصالح متقاطعة تنهار بأول صدمة؟
الأيام القادمة -والله أعلم- خير برهان.
* باحث ومخطط استراتيجي
أحمد عبد الباسط الرجوب
في مشهد دولي يشبه رقعة شطرنج تتحرك فوقها القوى الكبرى بحسابات دقيقة، لا تولد التحالفات من فراغ، بل من رحم الضغوط وفراغات القوة. فالدول لا تغيّر تحالفاتها إلا حين تتيقن أن موازين القوة القائمة لم تعد قادرة على حماية مصالحها أو توفير الأمان الاستراتيجي لها.
قبل أربعة أشهر، وتحديداً في 21 أبريل 2026، طرحت في مقال بعنوان 'نصف مليار مسلم بين مطرقة إسرائيل الكبرى وسندان أمريكا' تساؤلاً حول إمكانية ولادة ترتيبات إقليمية جديدة للردع. ثم جاء التاسع من أغسطس 2026 ليحمل تطوراً لافتاً مع الإعلان عن ملامح 'المحور السعودي–الباكستاني–التركي'، في خطوة عكست، من وجهة نظري، منطقاً استراتيجياً فرضته ضرورات إعادة التوازن في منطقة تعجّ بالصراعات.
واليوم، ومع تصاعد الحصار الاقتصادي الغربي على طهران، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً على طاولة التحليل الاستراتيجي: هل تتحول الشراكة الصينية-الإيرانية من تحالف ظرفي قائم على النفط إلى نواة لمحور شرقي جديد يعيد تشكيل قواعد النظام الدولي؟
من القصف إلى القيود: كيف حوّلت واشنطن أدواتها؟
انتقلت المواجهة الأميركية–الإيرانية خلال الأشهر الماضية من الميدان العسكري إلى ساحة الحرب الاقتصادية. فبعد حملة عسكرية أميركية ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية الإيرانية، بدا أن تفوق القوة الجوية وحدها لم يكن كافياً لفرض معادلة جديدة على طهران، خصوصاً في ظل امتلاكها أوراقاً استراتيجية مؤثرة؛ وفي مقدمتها القدرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى تأثيرها عبر وكلائها الإقليميين في اليمن ولبنان وسوريا والعراق.
وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبر المضيق لن ينعكس على إيران والولايات المتحدة وحدهما، بل سيمتد إلى أسعار النفط العالمية، ويعرّض سلاسل التوريد الآسيوية والأوروبية لصدمات حادة.
وفي ظل صعوبة الحسم العسكري، اتجهت واشنطن إلى توسيع شبكة العقوبات لتشمل النفط، والشحن البحري، والتكنولوجيا المتطورة، والتعاملات المالية المصرفية، بهدف عزل إيران اقتصادياً عن بقية العالم. لكن هذه الاستراتيجية تضع واشنطن أمام مفارقة استراتيجية محفوفة بالمخاطر: ماذا لو أدت العقوبات، بدلاً من عزل طهران، إلى دفعها بصورة أكبر نحو أحضان بكين؟
بكين: شريك استراتيجي لا مجرد سوق نفط
الصين هي الشريك التجاري الأهم لإيران، وتمثل السوق الرئيسية والمستمرة لصادراتها النفطية الخام. لذلك فإن نجاح العقوبات الأميركية في عزل طهران يتطلب، بدرجة كبيرة، قدرة واشنطن على إقناع بكين -أو إجبارها- على تقليص علاقاتها مع إيران، وهو سيناريو يبدو بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.
فالقضية بالنسبة للصين لا تتعلق بإيران وحدها، بل بمبدأ أوسع وأعمق: هل تقبل بكين بأن تحدد واشنطن طبيعة علاقاتها التجارية والاستراتيجية مع باقي دول العالم؟
الصين ليست مجرد مشترٍ للنفط، بل ترى في إيران بوابة برية وبحرية تربط مشروع 'الحزام والطريق' بالغرب الآسيوي وأوروبا، وممراً حيوياً لتجاوز هيمنة البحرية الأميركية على الخليج والمحيط الهندي. ومن هنا، قد يتحول التعاون الصيني–الإيراني من مجرد علاقة اقتصادية إلى ركيزة في صراع أوسع حول شكل النظام الدولي القادم.
إيران تحتاج إلى الصين لتخفيف آثار العزلة وضخ العملة الصعبة، والصين تحتاج إلى إيران باعتبارها دولة محورية في أمن الطاقة، والموقع الجغرافي، والتجارة الإقليمية. وهنا تتقاطع المصالح بشكل عضوي يصعب فصله.
تحالف عسكري أم شبكة مصالح ذكية؟
لا يعني ذلك أن الصين تستعد لتوقيع معاهدة دفاع مشترك معلنة ضد الولايات المتحدة. فبكين أكثر حذراً وإدراكاً من الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع واشنطن في الشرق الأوسط، فهي تفضل إدارة الصراعات عبر الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية البطيئة بدلاً من المواجهة الساخنة.
لكن مفهوم 'المحور' في عالم اليوم لم يعد محصوراً في المعاهدات العسكرية التقليدية. فالمحور الجديد قد ينبثق من تشابك المصالح في خمسة مسارات رئيسية:
3. اليوان الرقمي وأنظمة الدفع البديلة (لتجاوز نظام سويفت).
4. نقل التكنولوجيا (خصوصاً في مجالات الطيران والدفاع الإلكتروني).
5. التنسيق الدبلوماسي في المحافل الدولية (بكين وطهران وموسكو).
وفي حال تعمقت هذه الشراكة، فقد تتحول العقوبات ذاتها إلى حافز لبناء قنوات بديلة تقلل من فعالية الضغط الأميركي، وتخلق نظاماً اقتصادياً موازياً.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر: كلما اتسعت العقوبات الأميركية، ازدادت حوافز الدول المتضررة (إيران، روسيا، الصين، وحتى بعض حلفاء واشنطن في آسيا) على بناء نظام مالي وتجاري أقل اعتماداً على الأدوات التي تسيطر عليها واشنطن.
رؤية أخيرة: متى يولد 'محور الشرق'؟
لا أعتقد أن 'محور الشرق' قد ولد رسمياً بهويته الواضحة بعد، لكن بوادره وعلامات ولادته أصبحت أكثر وضوحاً مما يتصوره المراقب الغربي.
فإيران تبحث عن عمق استراتيجي يحميها من العزلة، والصين ترفض أن تصبح العقوبات الأميركية أداة لتحديد علاقاتها الخارجية، بينما تسعى روسيا وقوى آسيوية أخرى (كالهند واليابان بشكل غير مباشر) إلى نظام دولي أكثر تعددية يحدّ من الانفرادية الأميركية.
إذا كان 'المحور السعودي–الباكستاني–التركي' قد عكس اتجاهاً نحو بناء معادلة ردع إقليمي جديدة في غرب آسيا، فإن المرحلة المقبلة قد تكون شاهدة على انتقال ذات الفكرة من المستوى الإقليمي العسكري إلى المستوى العابر للقارات في المجال الاقتصادي والمالي، أي ولادة 'نظام ردع اقتصادي متعدد الأطراف' لا يقل خطورة وتأثيراً عن الردع النووي أو العسكري.
لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن تطرحه مراكز القرار في واشنطن وعواصم الغرب ليس فقط: 'هل سننجح في عزل إيران اقتصادياً؟'، بل السؤال الأكثر إزعاجاً لهم: 'هل ستؤدي محاولتنا لعزل طهران إلى تسريع ولادة منظومة شرقية جديدة تنافس نظامنا المالي وتفكك هيمنتنا الأحادية؟'
لقد أثبتت تحولات آب/ أغسطس 2026 أن التحالفات الكبرى لا تولد من فراغ، وإنما من تراكم الضغوط، وتغير حسابات الأمن، وإعادة تعريف المصالح. زمن الأحادية يتراجع بوضوح، وبذور عالم متعدد الأقطاب بدأت تنبت في الشرق.
أما 'محور الشرق'، فالسؤال الأهم الذي ستحسمه السنوات القادمة هو: هل ستتحول هذه البذور إلى حلف استراتيجي مكتمل الأركان؟ أم ستظل مجرد شبكة مصالح متقاطعة تنهار بأول صدمة؟
الأيام القادمة -والله أعلم- خير برهان.
* باحث ومخطط استراتيجي
أحمد عبد الباسط الرجوب
في مشهد دولي يشبه رقعة شطرنج تتحرك فوقها القوى الكبرى بحسابات دقيقة، لا تولد التحالفات من فراغ، بل من رحم الضغوط وفراغات القوة. فالدول لا تغيّر تحالفاتها إلا حين تتيقن أن موازين القوة القائمة لم تعد قادرة على حماية مصالحها أو توفير الأمان الاستراتيجي لها.
قبل أربعة أشهر، وتحديداً في 21 أبريل 2026، طرحت في مقال بعنوان 'نصف مليار مسلم بين مطرقة إسرائيل الكبرى وسندان أمريكا' تساؤلاً حول إمكانية ولادة ترتيبات إقليمية جديدة للردع. ثم جاء التاسع من أغسطس 2026 ليحمل تطوراً لافتاً مع الإعلان عن ملامح 'المحور السعودي–الباكستاني–التركي'، في خطوة عكست، من وجهة نظري، منطقاً استراتيجياً فرضته ضرورات إعادة التوازن في منطقة تعجّ بالصراعات.
واليوم، ومع تصاعد الحصار الاقتصادي الغربي على طهران، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً على طاولة التحليل الاستراتيجي: هل تتحول الشراكة الصينية-الإيرانية من تحالف ظرفي قائم على النفط إلى نواة لمحور شرقي جديد يعيد تشكيل قواعد النظام الدولي؟
من القصف إلى القيود: كيف حوّلت واشنطن أدواتها؟
انتقلت المواجهة الأميركية–الإيرانية خلال الأشهر الماضية من الميدان العسكري إلى ساحة الحرب الاقتصادية. فبعد حملة عسكرية أميركية ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية الإيرانية، بدا أن تفوق القوة الجوية وحدها لم يكن كافياً لفرض معادلة جديدة على طهران، خصوصاً في ظل امتلاكها أوراقاً استراتيجية مؤثرة؛ وفي مقدمتها القدرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى تأثيرها عبر وكلائها الإقليميين في اليمن ولبنان وسوريا والعراق.
وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبر المضيق لن ينعكس على إيران والولايات المتحدة وحدهما، بل سيمتد إلى أسعار النفط العالمية، ويعرّض سلاسل التوريد الآسيوية والأوروبية لصدمات حادة.
وفي ظل صعوبة الحسم العسكري، اتجهت واشنطن إلى توسيع شبكة العقوبات لتشمل النفط، والشحن البحري، والتكنولوجيا المتطورة، والتعاملات المالية المصرفية، بهدف عزل إيران اقتصادياً عن بقية العالم. لكن هذه الاستراتيجية تضع واشنطن أمام مفارقة استراتيجية محفوفة بالمخاطر: ماذا لو أدت العقوبات، بدلاً من عزل طهران، إلى دفعها بصورة أكبر نحو أحضان بكين؟
بكين: شريك استراتيجي لا مجرد سوق نفط
الصين هي الشريك التجاري الأهم لإيران، وتمثل السوق الرئيسية والمستمرة لصادراتها النفطية الخام. لذلك فإن نجاح العقوبات الأميركية في عزل طهران يتطلب، بدرجة كبيرة، قدرة واشنطن على إقناع بكين -أو إجبارها- على تقليص علاقاتها مع إيران، وهو سيناريو يبدو بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.
فالقضية بالنسبة للصين لا تتعلق بإيران وحدها، بل بمبدأ أوسع وأعمق: هل تقبل بكين بأن تحدد واشنطن طبيعة علاقاتها التجارية والاستراتيجية مع باقي دول العالم؟
الصين ليست مجرد مشترٍ للنفط، بل ترى في إيران بوابة برية وبحرية تربط مشروع 'الحزام والطريق' بالغرب الآسيوي وأوروبا، وممراً حيوياً لتجاوز هيمنة البحرية الأميركية على الخليج والمحيط الهندي. ومن هنا، قد يتحول التعاون الصيني–الإيراني من مجرد علاقة اقتصادية إلى ركيزة في صراع أوسع حول شكل النظام الدولي القادم.
إيران تحتاج إلى الصين لتخفيف آثار العزلة وضخ العملة الصعبة، والصين تحتاج إلى إيران باعتبارها دولة محورية في أمن الطاقة، والموقع الجغرافي، والتجارة الإقليمية. وهنا تتقاطع المصالح بشكل عضوي يصعب فصله.
تحالف عسكري أم شبكة مصالح ذكية؟
لا يعني ذلك أن الصين تستعد لتوقيع معاهدة دفاع مشترك معلنة ضد الولايات المتحدة. فبكين أكثر حذراً وإدراكاً من الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع واشنطن في الشرق الأوسط، فهي تفضل إدارة الصراعات عبر الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية البطيئة بدلاً من المواجهة الساخنة.
لكن مفهوم 'المحور' في عالم اليوم لم يعد محصوراً في المعاهدات العسكرية التقليدية. فالمحور الجديد قد ينبثق من تشابك المصالح في خمسة مسارات رئيسية:
3. اليوان الرقمي وأنظمة الدفع البديلة (لتجاوز نظام سويفت).
4. نقل التكنولوجيا (خصوصاً في مجالات الطيران والدفاع الإلكتروني).
5. التنسيق الدبلوماسي في المحافل الدولية (بكين وطهران وموسكو).
وفي حال تعمقت هذه الشراكة، فقد تتحول العقوبات ذاتها إلى حافز لبناء قنوات بديلة تقلل من فعالية الضغط الأميركي، وتخلق نظاماً اقتصادياً موازياً.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر: كلما اتسعت العقوبات الأميركية، ازدادت حوافز الدول المتضررة (إيران، روسيا، الصين، وحتى بعض حلفاء واشنطن في آسيا) على بناء نظام مالي وتجاري أقل اعتماداً على الأدوات التي تسيطر عليها واشنطن.
رؤية أخيرة: متى يولد 'محور الشرق'؟
لا أعتقد أن 'محور الشرق' قد ولد رسمياً بهويته الواضحة بعد، لكن بوادره وعلامات ولادته أصبحت أكثر وضوحاً مما يتصوره المراقب الغربي.
فإيران تبحث عن عمق استراتيجي يحميها من العزلة، والصين ترفض أن تصبح العقوبات الأميركية أداة لتحديد علاقاتها الخارجية، بينما تسعى روسيا وقوى آسيوية أخرى (كالهند واليابان بشكل غير مباشر) إلى نظام دولي أكثر تعددية يحدّ من الانفرادية الأميركية.
إذا كان 'المحور السعودي–الباكستاني–التركي' قد عكس اتجاهاً نحو بناء معادلة ردع إقليمي جديدة في غرب آسيا، فإن المرحلة المقبلة قد تكون شاهدة على انتقال ذات الفكرة من المستوى الإقليمي العسكري إلى المستوى العابر للقارات في المجال الاقتصادي والمالي، أي ولادة 'نظام ردع اقتصادي متعدد الأطراف' لا يقل خطورة وتأثيراً عن الردع النووي أو العسكري.
لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن تطرحه مراكز القرار في واشنطن وعواصم الغرب ليس فقط: 'هل سننجح في عزل إيران اقتصادياً؟'، بل السؤال الأكثر إزعاجاً لهم: 'هل ستؤدي محاولتنا لعزل طهران إلى تسريع ولادة منظومة شرقية جديدة تنافس نظامنا المالي وتفكك هيمنتنا الأحادية؟'
لقد أثبتت تحولات آب/ أغسطس 2026 أن التحالفات الكبرى لا تولد من فراغ، وإنما من تراكم الضغوط، وتغير حسابات الأمن، وإعادة تعريف المصالح. زمن الأحادية يتراجع بوضوح، وبذور عالم متعدد الأقطاب بدأت تنبت في الشرق.
أما 'محور الشرق'، فالسؤال الأهم الذي ستحسمه السنوات القادمة هو: هل ستتحول هذه البذور إلى حلف استراتيجي مكتمل الأركان؟ أم ستظل مجرد شبكة مصالح متقاطعة تنهار بأول صدمة؟
التعليقات