بقلم: الدكتور جميل سالم الزيدانين السعودي
هناك لحظات في تاريخ الدول لا تكون فيها المشكلة في غياب الخيارات، بل في طريقة استخدام الخيارات المتاحة. وزيارة جلالة الملك عبدالله الثاني الى الصين جاءت في واحدة من هذه اللحظات. يقف الأردن اليوم أمام بيئة إقليمية ودولية مختلفة جذريا عما كانت عليه قبل سنوات. حيث تعيش المنطقة على وقع أزمات متلاحقة، والنظام الدولي يشهد انتقالا متسارعا نحو تعدد مراكز القوة، فيما تواجه المملكة تحديات اقتصادية لا يمكن تأجيلها: نمو اقتصادي متواضع، بطالة مرتفعة، دين عام كبير، عجز تجاري واسع، وحاجة مستمرة إلى الاستثمار وخلق فرص العمل.
لا ينبغي في هذه الظروف قراءة زيارة جلالة الملك الى الصين باعتبارها انتقالا من واشنطن الى بكين، ولا باعتبارها محاولة للابتعاد عن الولايات المتحدة. فالقراءة الاعمق هي أن الأردن بدأ يطرح، بصورة أكثر وضوحا، سؤالا استراتيجيا ضروريا وهو: كيف نحافظ على تحالفاتنا التاريخية، وفي الوقت نفسه نوسع خياراتنا السياسية والاقتصادية؟ وهذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل الأردن اليوم، فنحن لسنا أمام معادلة 'واشنطن أو بكين'. إن العلاقة الأردنية – الامريكية ليست علاقة عابرة أو ظرفية.
إنها شراكة استراتيجية تمتد لعقود، وتشمل الأمن والدفاع والاقتصاد والتجارة والمساعدات والتنمية، ومنها وبالعودة للوراء قليلا نجد أن الأردن والولايات المتحدة وقعتا في عام 2022 مذكرة تفاهم استراتيجية تتضمن دعما أمريكيا ثنائيا يبلغ نحو 1.45 مليار دولار سنويا للفترة 2023 – 2029، أي نحو 10.15 مليار دولار على مدى سبع سنوات. إن هذا الدعم مهم، ولا يمكن تجاهله أو التقليل من أثره في دعم استقرار الأردن وقدرته على مواجهة الازمات الإقليمية. لكن الاعتراف بأهمية العلاقة مع واشنطن لا يعني أن تكون العلاقة معها قائمة الى الأبد على المساعدات. وهنا يجب أن يكون النقاش أكثر جرأة، فالأردن لا يريد أن يخسر الولايات المتحدة، لكنه لا يريد أن تكون الولايات المتحدة خياره الوحيد – وهناك فرق كبير جدا بين التحالف والاعتماد، حيث إن التحالف يخدم المصالح المشتركة، أما الاعتماد المفرط فيمكن أن يحد من قدرة الدولة على المناورات الاقتصادية والسياسية.
تأكيدا على ما سبق فإن الأردن بحاجة إلى إعادة صياغة علاقته مع واشنطن، فإذا كانت الولايات المتحدة شريك الأردن الاستراتيجي الأول في المجال الأمني، فلماذا لا تصبح أيضا شريكا أكبر في المجال الاقتصادي والتكنولوجي؟ السؤال ليس كم ستقدم واشنطن للأردن من مساعدات في العام المقبل وما بعده، بل السؤال الأهم هو: كم ستستثمر الشركات الأمريكية في الأردن؟ فكم شركة أمريكية ستنشئ مصنعا في المملكة؟ وكم مركزا للبحث والتطوير يمكن أن تقيمه شركات التكنولوجيا الأمريكية؟ وكم شراكة يمكن أن تنشأ في الذكاء الاصطناعي والامن السيبراني، والمياه، والطاقة، والصحة؟ وكم شركة أردنية يمكن أن تدخل السوق الأمريكية؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون على طاولة الحوار الأردني في المرحلة المقبلة. فالولايات المتحدة لديها مصلحة في أردن قوي ومستقر وقادر اقتصاديا، لأن الأردن ليس مجرد متلق للمساعدات، بل شريك في أمن المنطقة واستقرارها.
ولهذا يجب أن تتحول العلاقة تدريجيا من نموذج: المساعدة من أجل الاستقرار الى نموذج الاستثمار من أجل النمو والاستقرار. وهذا ليس بديلا عن المساعدات في الظروف الحالية، وإنما تطويرا لطبيعة الشراكة على المدى الطويل. إن الاقتصاد الأردني لا يحتمل الانتظار، حيث إن المشكلة الاقتصادية ليست نظرية، وانما واقع محسوس ومقروء ويحتاج توجيه البوصلة صوب مقوماته ونمائه. فعلا سبيل المثال لا الحصر، صندوق النقد الدولي يتوقع نمو الاقتصاد الأردني بنحو 2.7% في عام 2026، مقابل 2.8% في عام 2025، مع استمرار تحديات الدين والعجز والحساب الجاري. كما يقدر الدين الحكومي والمضمون بنحو 108.7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 وفق تعريف الصندوق، بينما تبلغ البطالة بين الأردنيين نحو 21.3 وفق أحدث رقم سنوي وارد في بيانات صندوق النقد الدولي. أما على مستوى التجارة الخارجية، فقد ارتفعت الصادرات الوطنية الأردنية خلال عام 2025 بنسبة 9.9% الى نحو 9.624 مليار دينار، لكن المستوردات ارتفعت أيضا الى نحو 30.528 مليار دينار، ليصل عجز الميزان التجاري الى قرابة 9.945 مليار دينار وذلك حسب بيانات الصندوق المنشورة.
إن هذه الأرقام تقول شيئا واضحا وهو: الأردن لا يحتاج فقط الى تمويل العجز؛ بل يحتاج الى تغيير قدرة الاقتصاد على انتاج الدخل. ولا يمكن تحقيق ذلك بالاعتماد على المساعدات والمنح وحدها، بل يحتاج الى استثمار، وصناعة، وصادرات، وتكنولوجيا، وشركات عالمية تنتج في الأردن، لا أن تبيع للأردن فقط. هنا تأتي الصين، فزيارة الملك الى الصين تكتسب أهميتها الحقيقية من هذه الزاوية، فالصين اليوم ليست مجرد مصدر للسلع الرخيصة. إنها قوة صناعية وتكنولوجيا هائلة، ولديها خبرة واسعة في البنية التحتية والطاقة المتجددة والنقل، والتصنيع، وسلاسل الامداد، والتكنولوجيا. والأردن يحتاج الى هذه الخبرات. لكن الرسالة الأردنية الى بكين، يجب أن تكون واضحة على النحو التالي: نحن لا نريد الصين كسوق نستورد منه فقط؛ بل نريد الصين كشريك ينتج ويستثمر وينقل التكنولوجيا للأردن. فالأردن يستورد بالفعل كميات كبيرة من الصين.
ووفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة، بلغت قيمة وارداته من الصين نحو 3.757 مليار دينار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، بزيادة 15.5% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. هذه الأرقام تكشف حجم العلاقة التجارية، لكنها تكشف في الوقت نفسه المشكلة، فالعلاقة التجارية الكبيرة لا تعني بالضرورة شراكة اقتصادية متوازنة، ومن هنا فان المطلوب هو ان ننتقل بالقول من ان الصين تبيع والأردن تشتري الى الصين تستثمر والأردن ينتج ويصدر. وهذه ربما تكون أهم رسالة اقتصادية يمكن أن تحملها المرحلة الجديدة.
إذا أنشأت شركات صينية مصانعا في الأردن، ووظفت أردنيين، ودربتهم، ونقلت إليهم التكنولوجيا، واستخدمت جزءا من المدخلات المحلية، ثم صدرت من الأردن الى الأسواق العربية والأوروبية والأمريكية، فهنا يصبح الاستثمار الصيني رافعة للاقتصاد الأردني. أما إذا اقتصر الأمر على استيراد المنتجات الصينية، فإن الأردن سيظل مستهلكا في سلسلة القيمة العالمية. والفرق بين النموذجين هائل جدا، لذلك يجب أن يكون الهدف الأردني واضحا وهو: نريد مصانع صينية في الأردن، نريد مراكز تكنولوجيا صينية في الأردن، نريد شراكات صينية – اردنية في الطاقة والمياه والنقل، نريد تدريبا ونقل معرفة، ونريد شركات صينية تستخدم الأردن منصة للتصدير.
أما على مستوى الأردن، فإن لديه ما يقدمه للصين، حيث انه يملك أوراقا اقتصادية وعناصر أخرى بالرغم من صغر سوقه؛ فالموقع الجغرافي للأردن، والاستقرار، والموارد البشرية، والموانئ، والمناطق الصناعية والتنموية، وشبكة من الاتفاقيات التجارية، وعلاقات واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية. وهذه العناصر يمكن ان تجعل الأردن منصة انتاج وتصدير. فبدلا من أن نقول للمستثمر الصيني: لدينا سوق محلي، يجب أن نقول له: لدينا بوابة الى أسواق متعددة. وهذه لغة مختلفة تماما في جذب الاستثمار. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: لماذا لا يكون الأردن منصة مشتركة للشرق والغرب؟ هنا يمكن ان تتحول الجغرافيا السياسية للأردن من تحد الى فرصة. فالصين لديها التكنولوجيا والقدرة الصناعية.
اما الولايات المتحدة لديها التكنولوجيا المتقدمة والأسواق ورأس المال والخبرات، ودول الخليج تمتلك رأس المال والاستثمار، وأوروبا تمتلك التكنولوجيا والأسواق والمعايير الصناعية، والأردن يمتلك الموقع، والاستقرار، والموارد البشرية، وشبكة العلاقات. لماذا لا نجمع هذه العناصر، ولماذا لا يكون الأردن مكانا تتلاقى فيه الاستثمارات الخليجية والتكنولوجيا الصينية والأمريكية والخبرات الأردنية؟ هذا هو التفكير الذي يمكن أن يحول الأردن من اقتصاد صغير محدود الموارد الى منصة اقتصادية إقليمية.
اما بالنسبة للصين، هناك من قد ينظر الى الانفتاح الأردني على الصين باعتباره مصدر قلق لواشنطن، لكن السؤال الحقيقي هو: هل تريد الولايات المتحدة أردنا ضعيفا اقتصاديا لأنه يخشى تطوير علاقاته مع الصين، أم أردنا قويا اقتصاديا يستطيع ان يكون شريكا أكثر فاعلية للولايات المتحدة؟ فالعلاقة الأردنية - الامريكية لا ينبغي ان تكون علاقة تقوم على ان الأردن ممنوع من التعامل مع الاخرين، بل يجب ان تكون علاقة ناضجة تقوم على ان المصالح الأردنية الامريكية تتقاطع مع ملفات كثيرة، حتى مع اختلاف المصالح في ملفات أخرى. والولايات المتحدة نفسها تتعامل مع الصين اقتصاديا بدرجات مختلفة، كما تتعامل مع دول كثيرة تختلف معها سياسيا. فلماذا يطلب من الأردن ان يختار؟ لاحقا لما سبق، فان الأردن لا يغير تحالفاته ... بل يوسّع خياراته، فلا ينبغي للأردن أن يبالغ في الرهان على الصين، كما لا ينبغي أن ينظر الى الولايات المتحدة او دول الخليج باعتبارها مصدرا دائما للدعم. فكل دولة تتحرك وفق مصالحها، والأردن أيضا يجب ان يتحرك وفق مصلحته الوطنية.
لذلك، فإن معيار أي شراكة او استثمار يجب ان يكون واضحا: ماذا سيضيف للاقتصاد الأردني؟ من حيث الاستثمار الحقيقي، وفرص العمل، والصادرات، ونقل التكنولوجيا، والتدريب، والقيمة المضافة المحلية. ومن هنا يجب ان تتحول السياسة الخارجية الأردنية الى دبلوماسية اقتصادية فاعلة، وهذا ما هو جلي في تحركات وزيارات جلالة الملك الخارجية ولقاءته المستمرة مع الفعاليات السياسية والاقتصادية والشركات الرائدة عالميا سواء في الولايات المتحدة او أوروبا او الصين وبقية دول اسيا. ففي الزيارة الأردنية للصين تم البحث عن الاستثمارات والمصانع والأسواق والطاقة ونقل التكنولوجيا، وعندما يتعامل الأردن مع الولايات المتحدة فانه يسعى باستمرار الى الشراكات التكنولوجية والتجارية والاستثمارات، وعندما يتحدث مع دول الخليج، فان الاستثمار المنتج لا يغيب عن الطاولة، ومع الأوروبيين فان الحديث أيضا يتم عن زيادة الصادرات والوصول الى الأسواق. الأردن الآمن والمستقر يجب ان يتحول الى الأردن المنتج والمصدر؛ دولة تستقطب الصناعات الدوائية والغذائية والهندسية، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات والبحث والتطوير، ومشاريع الطاقة والمياه، والشركات العالمية التي تتخذ من المملكة قاعدة إقليمية. وفي هذا السياق، يجي ان تصبح فرص العمل للأردنيين معيارا أساسيا لتقييم الاستثمارات الأجنبية، بحيث لا نقيس المشروع بحجم راس المال فقط، بل أيضا بعدد الأردنيين الذين يوظفهم ويدربهم، وبمساهمته في بناء الشركات المحلية وسلاسل التوريد.
اما العلاقة مع الولايات المتحدة، فلا تحتاج الى فك التحالف، وانما الى إعادة تعريفه؛ من علاقة تركز بدرجة كبيرة على الامن والمساعدات الى شراكة أوسع تشمل الاستثمار والتكنولوجيا والتجارة والطاقة والمياه والبحث العلمي. وبالمثل، فان المطلوب من الصين ليس المزيد من الواردات، وانما المزيد من الاستثمار والإنتاج ونقل التكنولوجيا، بحيث تصبح الصين شريكا في انتاج الثروة داخل الأردن، لا مجرد مصدر للسلع. كما ينبغي ان يكون راس المال الخليجي جزءا أساسيا من هذه المعادلة، من خلال مشاريع إنتاجية بالشراكة مع شركات صينية وامريكية وأوروبية، بما يجمع راس المال الخليجي، والتكنولوجيا العالمية، والكفاءات الأردنية، والموقع الجغرافي للمملكة، والأسواق الخارجية. لذلك لا يحتاج الأردن الى إعادة تحالفاته، بل الى إعادة تعريفها على أساس المصلحة المتبادلة.
وفي النهاية، فان أمريكا شريك استراتيجي، والصين شريك اقتصادي وتكنولوجي، والخليج شريك استثماري، وأوروبا شريك تجاري وتكنولوجي، والمصلحة الأردنية هي البوصلة. فالخطر الحقيقي ليس في واشنطن ولا بكين، وانما في استمرار النموذج الاقتصادي القائم على النمو المحدود، والدين المرتفع والبطالة، والعجز التجاري، والاعتماد المستمر على التمويل الخارجي. فالمطلوب هو الانتقال من المساعدات الى الاستثمار، ومن الاستيراد الى الإنتاج، ومن السوق الى المنصة، ومن انتظار الفرص الى صناعتها. وفي عالم متعدد الأقطاب، لا تكمن قوة الأردن في اختيار واشنطن او بكين، وانما في امتلاك خيارات متعددة.
الأردن لا يبحث عن حليف جديد، الأردن يبحث عن خيارات جديدة. ولا يريد التخلي عن واشنطن، بل يريد علاقة أكثر توازنا معها، ولا يريد من الصين ان تبيع له أكثر، بل أن تستثمر معه أكثر. فالاستقلال الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين لا يعني ان يستغني الأردن عن العالم، بل ان يمتلك من الشراكات والخيارات ما يجعله قادرا على التفاوض من موقع قوة، لا من موقع الحاجة.
بقلم: الدكتور جميل سالم الزيدانين السعودي
هناك لحظات في تاريخ الدول لا تكون فيها المشكلة في غياب الخيارات، بل في طريقة استخدام الخيارات المتاحة. وزيارة جلالة الملك عبدالله الثاني الى الصين جاءت في واحدة من هذه اللحظات. يقف الأردن اليوم أمام بيئة إقليمية ودولية مختلفة جذريا عما كانت عليه قبل سنوات. حيث تعيش المنطقة على وقع أزمات متلاحقة، والنظام الدولي يشهد انتقالا متسارعا نحو تعدد مراكز القوة، فيما تواجه المملكة تحديات اقتصادية لا يمكن تأجيلها: نمو اقتصادي متواضع، بطالة مرتفعة، دين عام كبير، عجز تجاري واسع، وحاجة مستمرة إلى الاستثمار وخلق فرص العمل.
لا ينبغي في هذه الظروف قراءة زيارة جلالة الملك الى الصين باعتبارها انتقالا من واشنطن الى بكين، ولا باعتبارها محاولة للابتعاد عن الولايات المتحدة. فالقراءة الاعمق هي أن الأردن بدأ يطرح، بصورة أكثر وضوحا، سؤالا استراتيجيا ضروريا وهو: كيف نحافظ على تحالفاتنا التاريخية، وفي الوقت نفسه نوسع خياراتنا السياسية والاقتصادية؟ وهذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل الأردن اليوم، فنحن لسنا أمام معادلة 'واشنطن أو بكين'. إن العلاقة الأردنية – الامريكية ليست علاقة عابرة أو ظرفية.
إنها شراكة استراتيجية تمتد لعقود، وتشمل الأمن والدفاع والاقتصاد والتجارة والمساعدات والتنمية، ومنها وبالعودة للوراء قليلا نجد أن الأردن والولايات المتحدة وقعتا في عام 2022 مذكرة تفاهم استراتيجية تتضمن دعما أمريكيا ثنائيا يبلغ نحو 1.45 مليار دولار سنويا للفترة 2023 – 2029، أي نحو 10.15 مليار دولار على مدى سبع سنوات. إن هذا الدعم مهم، ولا يمكن تجاهله أو التقليل من أثره في دعم استقرار الأردن وقدرته على مواجهة الازمات الإقليمية. لكن الاعتراف بأهمية العلاقة مع واشنطن لا يعني أن تكون العلاقة معها قائمة الى الأبد على المساعدات. وهنا يجب أن يكون النقاش أكثر جرأة، فالأردن لا يريد أن يخسر الولايات المتحدة، لكنه لا يريد أن تكون الولايات المتحدة خياره الوحيد – وهناك فرق كبير جدا بين التحالف والاعتماد، حيث إن التحالف يخدم المصالح المشتركة، أما الاعتماد المفرط فيمكن أن يحد من قدرة الدولة على المناورات الاقتصادية والسياسية.
تأكيدا على ما سبق فإن الأردن بحاجة إلى إعادة صياغة علاقته مع واشنطن، فإذا كانت الولايات المتحدة شريك الأردن الاستراتيجي الأول في المجال الأمني، فلماذا لا تصبح أيضا شريكا أكبر في المجال الاقتصادي والتكنولوجي؟ السؤال ليس كم ستقدم واشنطن للأردن من مساعدات في العام المقبل وما بعده، بل السؤال الأهم هو: كم ستستثمر الشركات الأمريكية في الأردن؟ فكم شركة أمريكية ستنشئ مصنعا في المملكة؟ وكم مركزا للبحث والتطوير يمكن أن تقيمه شركات التكنولوجيا الأمريكية؟ وكم شراكة يمكن أن تنشأ في الذكاء الاصطناعي والامن السيبراني، والمياه، والطاقة، والصحة؟ وكم شركة أردنية يمكن أن تدخل السوق الأمريكية؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون على طاولة الحوار الأردني في المرحلة المقبلة. فالولايات المتحدة لديها مصلحة في أردن قوي ومستقر وقادر اقتصاديا، لأن الأردن ليس مجرد متلق للمساعدات، بل شريك في أمن المنطقة واستقرارها.
ولهذا يجب أن تتحول العلاقة تدريجيا من نموذج: المساعدة من أجل الاستقرار الى نموذج الاستثمار من أجل النمو والاستقرار. وهذا ليس بديلا عن المساعدات في الظروف الحالية، وإنما تطويرا لطبيعة الشراكة على المدى الطويل. إن الاقتصاد الأردني لا يحتمل الانتظار، حيث إن المشكلة الاقتصادية ليست نظرية، وانما واقع محسوس ومقروء ويحتاج توجيه البوصلة صوب مقوماته ونمائه. فعلا سبيل المثال لا الحصر، صندوق النقد الدولي يتوقع نمو الاقتصاد الأردني بنحو 2.7% في عام 2026، مقابل 2.8% في عام 2025، مع استمرار تحديات الدين والعجز والحساب الجاري. كما يقدر الدين الحكومي والمضمون بنحو 108.7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 وفق تعريف الصندوق، بينما تبلغ البطالة بين الأردنيين نحو 21.3 وفق أحدث رقم سنوي وارد في بيانات صندوق النقد الدولي. أما على مستوى التجارة الخارجية، فقد ارتفعت الصادرات الوطنية الأردنية خلال عام 2025 بنسبة 9.9% الى نحو 9.624 مليار دينار، لكن المستوردات ارتفعت أيضا الى نحو 30.528 مليار دينار، ليصل عجز الميزان التجاري الى قرابة 9.945 مليار دينار وذلك حسب بيانات الصندوق المنشورة.
إن هذه الأرقام تقول شيئا واضحا وهو: الأردن لا يحتاج فقط الى تمويل العجز؛ بل يحتاج الى تغيير قدرة الاقتصاد على انتاج الدخل. ولا يمكن تحقيق ذلك بالاعتماد على المساعدات والمنح وحدها، بل يحتاج الى استثمار، وصناعة، وصادرات، وتكنولوجيا، وشركات عالمية تنتج في الأردن، لا أن تبيع للأردن فقط. هنا تأتي الصين، فزيارة الملك الى الصين تكتسب أهميتها الحقيقية من هذه الزاوية، فالصين اليوم ليست مجرد مصدر للسلع الرخيصة. إنها قوة صناعية وتكنولوجيا هائلة، ولديها خبرة واسعة في البنية التحتية والطاقة المتجددة والنقل، والتصنيع، وسلاسل الامداد، والتكنولوجيا. والأردن يحتاج الى هذه الخبرات. لكن الرسالة الأردنية الى بكين، يجب أن تكون واضحة على النحو التالي: نحن لا نريد الصين كسوق نستورد منه فقط؛ بل نريد الصين كشريك ينتج ويستثمر وينقل التكنولوجيا للأردن. فالأردن يستورد بالفعل كميات كبيرة من الصين.
ووفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة، بلغت قيمة وارداته من الصين نحو 3.757 مليار دينار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، بزيادة 15.5% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. هذه الأرقام تكشف حجم العلاقة التجارية، لكنها تكشف في الوقت نفسه المشكلة، فالعلاقة التجارية الكبيرة لا تعني بالضرورة شراكة اقتصادية متوازنة، ومن هنا فان المطلوب هو ان ننتقل بالقول من ان الصين تبيع والأردن تشتري الى الصين تستثمر والأردن ينتج ويصدر. وهذه ربما تكون أهم رسالة اقتصادية يمكن أن تحملها المرحلة الجديدة.
إذا أنشأت شركات صينية مصانعا في الأردن، ووظفت أردنيين، ودربتهم، ونقلت إليهم التكنولوجيا، واستخدمت جزءا من المدخلات المحلية، ثم صدرت من الأردن الى الأسواق العربية والأوروبية والأمريكية، فهنا يصبح الاستثمار الصيني رافعة للاقتصاد الأردني. أما إذا اقتصر الأمر على استيراد المنتجات الصينية، فإن الأردن سيظل مستهلكا في سلسلة القيمة العالمية. والفرق بين النموذجين هائل جدا، لذلك يجب أن يكون الهدف الأردني واضحا وهو: نريد مصانع صينية في الأردن، نريد مراكز تكنولوجيا صينية في الأردن، نريد شراكات صينية – اردنية في الطاقة والمياه والنقل، نريد تدريبا ونقل معرفة، ونريد شركات صينية تستخدم الأردن منصة للتصدير.
أما على مستوى الأردن، فإن لديه ما يقدمه للصين، حيث انه يملك أوراقا اقتصادية وعناصر أخرى بالرغم من صغر سوقه؛ فالموقع الجغرافي للأردن، والاستقرار، والموارد البشرية، والموانئ، والمناطق الصناعية والتنموية، وشبكة من الاتفاقيات التجارية، وعلاقات واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية. وهذه العناصر يمكن ان تجعل الأردن منصة انتاج وتصدير. فبدلا من أن نقول للمستثمر الصيني: لدينا سوق محلي، يجب أن نقول له: لدينا بوابة الى أسواق متعددة. وهذه لغة مختلفة تماما في جذب الاستثمار. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: لماذا لا يكون الأردن منصة مشتركة للشرق والغرب؟ هنا يمكن ان تتحول الجغرافيا السياسية للأردن من تحد الى فرصة. فالصين لديها التكنولوجيا والقدرة الصناعية.
اما الولايات المتحدة لديها التكنولوجيا المتقدمة والأسواق ورأس المال والخبرات، ودول الخليج تمتلك رأس المال والاستثمار، وأوروبا تمتلك التكنولوجيا والأسواق والمعايير الصناعية، والأردن يمتلك الموقع، والاستقرار، والموارد البشرية، وشبكة العلاقات. لماذا لا نجمع هذه العناصر، ولماذا لا يكون الأردن مكانا تتلاقى فيه الاستثمارات الخليجية والتكنولوجيا الصينية والأمريكية والخبرات الأردنية؟ هذا هو التفكير الذي يمكن أن يحول الأردن من اقتصاد صغير محدود الموارد الى منصة اقتصادية إقليمية.
اما بالنسبة للصين، هناك من قد ينظر الى الانفتاح الأردني على الصين باعتباره مصدر قلق لواشنطن، لكن السؤال الحقيقي هو: هل تريد الولايات المتحدة أردنا ضعيفا اقتصاديا لأنه يخشى تطوير علاقاته مع الصين، أم أردنا قويا اقتصاديا يستطيع ان يكون شريكا أكثر فاعلية للولايات المتحدة؟ فالعلاقة الأردنية - الامريكية لا ينبغي ان تكون علاقة تقوم على ان الأردن ممنوع من التعامل مع الاخرين، بل يجب ان تكون علاقة ناضجة تقوم على ان المصالح الأردنية الامريكية تتقاطع مع ملفات كثيرة، حتى مع اختلاف المصالح في ملفات أخرى. والولايات المتحدة نفسها تتعامل مع الصين اقتصاديا بدرجات مختلفة، كما تتعامل مع دول كثيرة تختلف معها سياسيا. فلماذا يطلب من الأردن ان يختار؟ لاحقا لما سبق، فان الأردن لا يغير تحالفاته ... بل يوسّع خياراته، فلا ينبغي للأردن أن يبالغ في الرهان على الصين، كما لا ينبغي أن ينظر الى الولايات المتحدة او دول الخليج باعتبارها مصدرا دائما للدعم. فكل دولة تتحرك وفق مصالحها، والأردن أيضا يجب ان يتحرك وفق مصلحته الوطنية.
لذلك، فإن معيار أي شراكة او استثمار يجب ان يكون واضحا: ماذا سيضيف للاقتصاد الأردني؟ من حيث الاستثمار الحقيقي، وفرص العمل، والصادرات، ونقل التكنولوجيا، والتدريب، والقيمة المضافة المحلية. ومن هنا يجب ان تتحول السياسة الخارجية الأردنية الى دبلوماسية اقتصادية فاعلة، وهذا ما هو جلي في تحركات وزيارات جلالة الملك الخارجية ولقاءته المستمرة مع الفعاليات السياسية والاقتصادية والشركات الرائدة عالميا سواء في الولايات المتحدة او أوروبا او الصين وبقية دول اسيا. ففي الزيارة الأردنية للصين تم البحث عن الاستثمارات والمصانع والأسواق والطاقة ونقل التكنولوجيا، وعندما يتعامل الأردن مع الولايات المتحدة فانه يسعى باستمرار الى الشراكات التكنولوجية والتجارية والاستثمارات، وعندما يتحدث مع دول الخليج، فان الاستثمار المنتج لا يغيب عن الطاولة، ومع الأوروبيين فان الحديث أيضا يتم عن زيادة الصادرات والوصول الى الأسواق. الأردن الآمن والمستقر يجب ان يتحول الى الأردن المنتج والمصدر؛ دولة تستقطب الصناعات الدوائية والغذائية والهندسية، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات والبحث والتطوير، ومشاريع الطاقة والمياه، والشركات العالمية التي تتخذ من المملكة قاعدة إقليمية. وفي هذا السياق، يجي ان تصبح فرص العمل للأردنيين معيارا أساسيا لتقييم الاستثمارات الأجنبية، بحيث لا نقيس المشروع بحجم راس المال فقط، بل أيضا بعدد الأردنيين الذين يوظفهم ويدربهم، وبمساهمته في بناء الشركات المحلية وسلاسل التوريد.
اما العلاقة مع الولايات المتحدة، فلا تحتاج الى فك التحالف، وانما الى إعادة تعريفه؛ من علاقة تركز بدرجة كبيرة على الامن والمساعدات الى شراكة أوسع تشمل الاستثمار والتكنولوجيا والتجارة والطاقة والمياه والبحث العلمي. وبالمثل، فان المطلوب من الصين ليس المزيد من الواردات، وانما المزيد من الاستثمار والإنتاج ونقل التكنولوجيا، بحيث تصبح الصين شريكا في انتاج الثروة داخل الأردن، لا مجرد مصدر للسلع. كما ينبغي ان يكون راس المال الخليجي جزءا أساسيا من هذه المعادلة، من خلال مشاريع إنتاجية بالشراكة مع شركات صينية وامريكية وأوروبية، بما يجمع راس المال الخليجي، والتكنولوجيا العالمية، والكفاءات الأردنية، والموقع الجغرافي للمملكة، والأسواق الخارجية. لذلك لا يحتاج الأردن الى إعادة تحالفاته، بل الى إعادة تعريفها على أساس المصلحة المتبادلة.
وفي النهاية، فان أمريكا شريك استراتيجي، والصين شريك اقتصادي وتكنولوجي، والخليج شريك استثماري، وأوروبا شريك تجاري وتكنولوجي، والمصلحة الأردنية هي البوصلة. فالخطر الحقيقي ليس في واشنطن ولا بكين، وانما في استمرار النموذج الاقتصادي القائم على النمو المحدود، والدين المرتفع والبطالة، والعجز التجاري، والاعتماد المستمر على التمويل الخارجي. فالمطلوب هو الانتقال من المساعدات الى الاستثمار، ومن الاستيراد الى الإنتاج، ومن السوق الى المنصة، ومن انتظار الفرص الى صناعتها. وفي عالم متعدد الأقطاب، لا تكمن قوة الأردن في اختيار واشنطن او بكين، وانما في امتلاك خيارات متعددة.
الأردن لا يبحث عن حليف جديد، الأردن يبحث عن خيارات جديدة. ولا يريد التخلي عن واشنطن، بل يريد علاقة أكثر توازنا معها، ولا يريد من الصين ان تبيع له أكثر، بل أن تستثمر معه أكثر. فالاستقلال الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين لا يعني ان يستغني الأردن عن العالم، بل ان يمتلك من الشراكات والخيارات ما يجعله قادرا على التفاوض من موقع قوة، لا من موقع الحاجة.
بقلم: الدكتور جميل سالم الزيدانين السعودي
هناك لحظات في تاريخ الدول لا تكون فيها المشكلة في غياب الخيارات، بل في طريقة استخدام الخيارات المتاحة. وزيارة جلالة الملك عبدالله الثاني الى الصين جاءت في واحدة من هذه اللحظات. يقف الأردن اليوم أمام بيئة إقليمية ودولية مختلفة جذريا عما كانت عليه قبل سنوات. حيث تعيش المنطقة على وقع أزمات متلاحقة، والنظام الدولي يشهد انتقالا متسارعا نحو تعدد مراكز القوة، فيما تواجه المملكة تحديات اقتصادية لا يمكن تأجيلها: نمو اقتصادي متواضع، بطالة مرتفعة، دين عام كبير، عجز تجاري واسع، وحاجة مستمرة إلى الاستثمار وخلق فرص العمل.
لا ينبغي في هذه الظروف قراءة زيارة جلالة الملك الى الصين باعتبارها انتقالا من واشنطن الى بكين، ولا باعتبارها محاولة للابتعاد عن الولايات المتحدة. فالقراءة الاعمق هي أن الأردن بدأ يطرح، بصورة أكثر وضوحا، سؤالا استراتيجيا ضروريا وهو: كيف نحافظ على تحالفاتنا التاريخية، وفي الوقت نفسه نوسع خياراتنا السياسية والاقتصادية؟ وهذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل الأردن اليوم، فنحن لسنا أمام معادلة 'واشنطن أو بكين'. إن العلاقة الأردنية – الامريكية ليست علاقة عابرة أو ظرفية.
إنها شراكة استراتيجية تمتد لعقود، وتشمل الأمن والدفاع والاقتصاد والتجارة والمساعدات والتنمية، ومنها وبالعودة للوراء قليلا نجد أن الأردن والولايات المتحدة وقعتا في عام 2022 مذكرة تفاهم استراتيجية تتضمن دعما أمريكيا ثنائيا يبلغ نحو 1.45 مليار دولار سنويا للفترة 2023 – 2029، أي نحو 10.15 مليار دولار على مدى سبع سنوات. إن هذا الدعم مهم، ولا يمكن تجاهله أو التقليل من أثره في دعم استقرار الأردن وقدرته على مواجهة الازمات الإقليمية. لكن الاعتراف بأهمية العلاقة مع واشنطن لا يعني أن تكون العلاقة معها قائمة الى الأبد على المساعدات. وهنا يجب أن يكون النقاش أكثر جرأة، فالأردن لا يريد أن يخسر الولايات المتحدة، لكنه لا يريد أن تكون الولايات المتحدة خياره الوحيد – وهناك فرق كبير جدا بين التحالف والاعتماد، حيث إن التحالف يخدم المصالح المشتركة، أما الاعتماد المفرط فيمكن أن يحد من قدرة الدولة على المناورات الاقتصادية والسياسية.
تأكيدا على ما سبق فإن الأردن بحاجة إلى إعادة صياغة علاقته مع واشنطن، فإذا كانت الولايات المتحدة شريك الأردن الاستراتيجي الأول في المجال الأمني، فلماذا لا تصبح أيضا شريكا أكبر في المجال الاقتصادي والتكنولوجي؟ السؤال ليس كم ستقدم واشنطن للأردن من مساعدات في العام المقبل وما بعده، بل السؤال الأهم هو: كم ستستثمر الشركات الأمريكية في الأردن؟ فكم شركة أمريكية ستنشئ مصنعا في المملكة؟ وكم مركزا للبحث والتطوير يمكن أن تقيمه شركات التكنولوجيا الأمريكية؟ وكم شراكة يمكن أن تنشأ في الذكاء الاصطناعي والامن السيبراني، والمياه، والطاقة، والصحة؟ وكم شركة أردنية يمكن أن تدخل السوق الأمريكية؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون على طاولة الحوار الأردني في المرحلة المقبلة. فالولايات المتحدة لديها مصلحة في أردن قوي ومستقر وقادر اقتصاديا، لأن الأردن ليس مجرد متلق للمساعدات، بل شريك في أمن المنطقة واستقرارها.
ولهذا يجب أن تتحول العلاقة تدريجيا من نموذج: المساعدة من أجل الاستقرار الى نموذج الاستثمار من أجل النمو والاستقرار. وهذا ليس بديلا عن المساعدات في الظروف الحالية، وإنما تطويرا لطبيعة الشراكة على المدى الطويل. إن الاقتصاد الأردني لا يحتمل الانتظار، حيث إن المشكلة الاقتصادية ليست نظرية، وانما واقع محسوس ومقروء ويحتاج توجيه البوصلة صوب مقوماته ونمائه. فعلا سبيل المثال لا الحصر، صندوق النقد الدولي يتوقع نمو الاقتصاد الأردني بنحو 2.7% في عام 2026، مقابل 2.8% في عام 2025، مع استمرار تحديات الدين والعجز والحساب الجاري. كما يقدر الدين الحكومي والمضمون بنحو 108.7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 وفق تعريف الصندوق، بينما تبلغ البطالة بين الأردنيين نحو 21.3 وفق أحدث رقم سنوي وارد في بيانات صندوق النقد الدولي. أما على مستوى التجارة الخارجية، فقد ارتفعت الصادرات الوطنية الأردنية خلال عام 2025 بنسبة 9.9% الى نحو 9.624 مليار دينار، لكن المستوردات ارتفعت أيضا الى نحو 30.528 مليار دينار، ليصل عجز الميزان التجاري الى قرابة 9.945 مليار دينار وذلك حسب بيانات الصندوق المنشورة.
إن هذه الأرقام تقول شيئا واضحا وهو: الأردن لا يحتاج فقط الى تمويل العجز؛ بل يحتاج الى تغيير قدرة الاقتصاد على انتاج الدخل. ولا يمكن تحقيق ذلك بالاعتماد على المساعدات والمنح وحدها، بل يحتاج الى استثمار، وصناعة، وصادرات، وتكنولوجيا، وشركات عالمية تنتج في الأردن، لا أن تبيع للأردن فقط. هنا تأتي الصين، فزيارة الملك الى الصين تكتسب أهميتها الحقيقية من هذه الزاوية، فالصين اليوم ليست مجرد مصدر للسلع الرخيصة. إنها قوة صناعية وتكنولوجيا هائلة، ولديها خبرة واسعة في البنية التحتية والطاقة المتجددة والنقل، والتصنيع، وسلاسل الامداد، والتكنولوجيا. والأردن يحتاج الى هذه الخبرات. لكن الرسالة الأردنية الى بكين، يجب أن تكون واضحة على النحو التالي: نحن لا نريد الصين كسوق نستورد منه فقط؛ بل نريد الصين كشريك ينتج ويستثمر وينقل التكنولوجيا للأردن. فالأردن يستورد بالفعل كميات كبيرة من الصين.
ووفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة، بلغت قيمة وارداته من الصين نحو 3.757 مليار دينار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، بزيادة 15.5% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. هذه الأرقام تكشف حجم العلاقة التجارية، لكنها تكشف في الوقت نفسه المشكلة، فالعلاقة التجارية الكبيرة لا تعني بالضرورة شراكة اقتصادية متوازنة، ومن هنا فان المطلوب هو ان ننتقل بالقول من ان الصين تبيع والأردن تشتري الى الصين تستثمر والأردن ينتج ويصدر. وهذه ربما تكون أهم رسالة اقتصادية يمكن أن تحملها المرحلة الجديدة.
إذا أنشأت شركات صينية مصانعا في الأردن، ووظفت أردنيين، ودربتهم، ونقلت إليهم التكنولوجيا، واستخدمت جزءا من المدخلات المحلية، ثم صدرت من الأردن الى الأسواق العربية والأوروبية والأمريكية، فهنا يصبح الاستثمار الصيني رافعة للاقتصاد الأردني. أما إذا اقتصر الأمر على استيراد المنتجات الصينية، فإن الأردن سيظل مستهلكا في سلسلة القيمة العالمية. والفرق بين النموذجين هائل جدا، لذلك يجب أن يكون الهدف الأردني واضحا وهو: نريد مصانع صينية في الأردن، نريد مراكز تكنولوجيا صينية في الأردن، نريد شراكات صينية – اردنية في الطاقة والمياه والنقل، نريد تدريبا ونقل معرفة، ونريد شركات صينية تستخدم الأردن منصة للتصدير.
أما على مستوى الأردن، فإن لديه ما يقدمه للصين، حيث انه يملك أوراقا اقتصادية وعناصر أخرى بالرغم من صغر سوقه؛ فالموقع الجغرافي للأردن، والاستقرار، والموارد البشرية، والموانئ، والمناطق الصناعية والتنموية، وشبكة من الاتفاقيات التجارية، وعلاقات واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية. وهذه العناصر يمكن ان تجعل الأردن منصة انتاج وتصدير. فبدلا من أن نقول للمستثمر الصيني: لدينا سوق محلي، يجب أن نقول له: لدينا بوابة الى أسواق متعددة. وهذه لغة مختلفة تماما في جذب الاستثمار. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: لماذا لا يكون الأردن منصة مشتركة للشرق والغرب؟ هنا يمكن ان تتحول الجغرافيا السياسية للأردن من تحد الى فرصة. فالصين لديها التكنولوجيا والقدرة الصناعية.
اما الولايات المتحدة لديها التكنولوجيا المتقدمة والأسواق ورأس المال والخبرات، ودول الخليج تمتلك رأس المال والاستثمار، وأوروبا تمتلك التكنولوجيا والأسواق والمعايير الصناعية، والأردن يمتلك الموقع، والاستقرار، والموارد البشرية، وشبكة العلاقات. لماذا لا نجمع هذه العناصر، ولماذا لا يكون الأردن مكانا تتلاقى فيه الاستثمارات الخليجية والتكنولوجيا الصينية والأمريكية والخبرات الأردنية؟ هذا هو التفكير الذي يمكن أن يحول الأردن من اقتصاد صغير محدود الموارد الى منصة اقتصادية إقليمية.
اما بالنسبة للصين، هناك من قد ينظر الى الانفتاح الأردني على الصين باعتباره مصدر قلق لواشنطن، لكن السؤال الحقيقي هو: هل تريد الولايات المتحدة أردنا ضعيفا اقتصاديا لأنه يخشى تطوير علاقاته مع الصين، أم أردنا قويا اقتصاديا يستطيع ان يكون شريكا أكثر فاعلية للولايات المتحدة؟ فالعلاقة الأردنية - الامريكية لا ينبغي ان تكون علاقة تقوم على ان الأردن ممنوع من التعامل مع الاخرين، بل يجب ان تكون علاقة ناضجة تقوم على ان المصالح الأردنية الامريكية تتقاطع مع ملفات كثيرة، حتى مع اختلاف المصالح في ملفات أخرى. والولايات المتحدة نفسها تتعامل مع الصين اقتصاديا بدرجات مختلفة، كما تتعامل مع دول كثيرة تختلف معها سياسيا. فلماذا يطلب من الأردن ان يختار؟ لاحقا لما سبق، فان الأردن لا يغير تحالفاته ... بل يوسّع خياراته، فلا ينبغي للأردن أن يبالغ في الرهان على الصين، كما لا ينبغي أن ينظر الى الولايات المتحدة او دول الخليج باعتبارها مصدرا دائما للدعم. فكل دولة تتحرك وفق مصالحها، والأردن أيضا يجب ان يتحرك وفق مصلحته الوطنية.
لذلك، فإن معيار أي شراكة او استثمار يجب ان يكون واضحا: ماذا سيضيف للاقتصاد الأردني؟ من حيث الاستثمار الحقيقي، وفرص العمل، والصادرات، ونقل التكنولوجيا، والتدريب، والقيمة المضافة المحلية. ومن هنا يجب ان تتحول السياسة الخارجية الأردنية الى دبلوماسية اقتصادية فاعلة، وهذا ما هو جلي في تحركات وزيارات جلالة الملك الخارجية ولقاءته المستمرة مع الفعاليات السياسية والاقتصادية والشركات الرائدة عالميا سواء في الولايات المتحدة او أوروبا او الصين وبقية دول اسيا. ففي الزيارة الأردنية للصين تم البحث عن الاستثمارات والمصانع والأسواق والطاقة ونقل التكنولوجيا، وعندما يتعامل الأردن مع الولايات المتحدة فانه يسعى باستمرار الى الشراكات التكنولوجية والتجارية والاستثمارات، وعندما يتحدث مع دول الخليج، فان الاستثمار المنتج لا يغيب عن الطاولة، ومع الأوروبيين فان الحديث أيضا يتم عن زيادة الصادرات والوصول الى الأسواق. الأردن الآمن والمستقر يجب ان يتحول الى الأردن المنتج والمصدر؛ دولة تستقطب الصناعات الدوائية والغذائية والهندسية، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات والبحث والتطوير، ومشاريع الطاقة والمياه، والشركات العالمية التي تتخذ من المملكة قاعدة إقليمية. وفي هذا السياق، يجي ان تصبح فرص العمل للأردنيين معيارا أساسيا لتقييم الاستثمارات الأجنبية، بحيث لا نقيس المشروع بحجم راس المال فقط، بل أيضا بعدد الأردنيين الذين يوظفهم ويدربهم، وبمساهمته في بناء الشركات المحلية وسلاسل التوريد.
اما العلاقة مع الولايات المتحدة، فلا تحتاج الى فك التحالف، وانما الى إعادة تعريفه؛ من علاقة تركز بدرجة كبيرة على الامن والمساعدات الى شراكة أوسع تشمل الاستثمار والتكنولوجيا والتجارة والطاقة والمياه والبحث العلمي. وبالمثل، فان المطلوب من الصين ليس المزيد من الواردات، وانما المزيد من الاستثمار والإنتاج ونقل التكنولوجيا، بحيث تصبح الصين شريكا في انتاج الثروة داخل الأردن، لا مجرد مصدر للسلع. كما ينبغي ان يكون راس المال الخليجي جزءا أساسيا من هذه المعادلة، من خلال مشاريع إنتاجية بالشراكة مع شركات صينية وامريكية وأوروبية، بما يجمع راس المال الخليجي، والتكنولوجيا العالمية، والكفاءات الأردنية، والموقع الجغرافي للمملكة، والأسواق الخارجية. لذلك لا يحتاج الأردن الى إعادة تحالفاته، بل الى إعادة تعريفها على أساس المصلحة المتبادلة.
وفي النهاية، فان أمريكا شريك استراتيجي، والصين شريك اقتصادي وتكنولوجي، والخليج شريك استثماري، وأوروبا شريك تجاري وتكنولوجي، والمصلحة الأردنية هي البوصلة. فالخطر الحقيقي ليس في واشنطن ولا بكين، وانما في استمرار النموذج الاقتصادي القائم على النمو المحدود، والدين المرتفع والبطالة، والعجز التجاري، والاعتماد المستمر على التمويل الخارجي. فالمطلوب هو الانتقال من المساعدات الى الاستثمار، ومن الاستيراد الى الإنتاج، ومن السوق الى المنصة، ومن انتظار الفرص الى صناعتها. وفي عالم متعدد الأقطاب، لا تكمن قوة الأردن في اختيار واشنطن او بكين، وانما في امتلاك خيارات متعددة.
الأردن لا يبحث عن حليف جديد، الأردن يبحث عن خيارات جديدة. ولا يريد التخلي عن واشنطن، بل يريد علاقة أكثر توازنا معها، ولا يريد من الصين ان تبيع له أكثر، بل أن تستثمر معه أكثر. فالاستقلال الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين لا يعني ان يستغني الأردن عن العالم، بل ان يمتلك من الشراكات والخيارات ما يجعله قادرا على التفاوض من موقع قوة، لا من موقع الحاجة.
التعليقات