الدكتور نسيم أبو خضير في كل مرة نتحدث فيها عن إصلاح التعليم ، يجب أن نطرح السؤال الأكثر أهمية : هل نريد نظامًا تعليميًا ينجح فيه الطالب في الإمتحان ، أم نظامًا تعليميًا ينجح فيه الطالب في الحياة ؟ إنَّ تطوير التعليم لا يعني بالضرورة أن نهدم كل ما سبق ونبدأ من الصفر ، فهناك أنظمة وتجارب تربوية أثبتت عبر السنوات قدرتها على بناء الطالب علميًا ومعرفيًا ومهنيًا ، وهناك قرارات تربوية قد تحتاج إلى مراجعة هادئة وشجاعة ، بعيدًا عن المجاملة أو الخوف من الإعتراف بأن بعض التغييرات لم تحقق الغاية المرجوة منها . ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في نظام العام الدراسي ، والعودة إلى نظام الفصلين في السنة الواحدة ، بما يتيح للطالب وقتًا كافيًا للتعلّم الحقيقي ، والفهم ، والمراجعة ، والتطبيق ، بدل أن يتحول العام الدراسي إلى سباق متواصل مع المناهج والإمتحانات . إن نظام الفصلين يمنح المدرسة والمعلم والطالب فرصة أفضل لبناء العملية التعليمية بصورة متدرجة ومتوازنة . فالطالب يحتاج إلى وقت حتى يفهم ، ويخطئ ، ويصحح خطأه ، ويعيد المحاولة ، ويكتسب المهارة . أما اختزال التعليم في فترات زمنية ضيقة ، أو تحويله إلى سلسلة من الإختبارات المتلاحقة ، فقد يدفع بعض الطلبة إلى التركيز على إجتياز الامتحان بدل امتلاك المعرفة . والتعليم الحقيقي لا يقاس بعدد الصفحات التي حفظها الطالب ، وإنما بما يستطيع أن يفهمه ، ويحلله ، ويطبقه ، ويستخدمه في حياته . المواد العلمية … لا يجوز أن تكون هامشًا في الفرع العلمي : ومن القضايا التي تستحق مراجعة جادة أيضًا إحتساب المواد العلمية لطلبة الفرع العلمي بالصورة التي كانت متبعة سابقًا ، بما يحفظ للفرع العلمي مكانته الأكاديمية ، ويمنح الطالب دافعًا حقيقيًا للجد والإجتهاد في المواد التي تشكل أساس مستقبله الجامعي والمهني . فالطالب الذي يختار المسار العلمي يجب أن يشعر منذ المدرسة أن الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء ليست مواد إضافية يمكن تجاوزها ، وإنما هي أعمدة أساسية في تكوينه العلمي . ولا يمكن أن نتحدث عن تخريج أطباء ومهندسين وصيادلة وعلماء ومختصين في التكنولوجيا والعلوم ، ثم لا نعطي العلوم الأساسية الوزن الحقيقي الذي تستحقه في مرحلة التعليم المدرسي . إذا أردنا جامعة قوية ، فعلينا أن نبني مدرسة قوية . وإذا أردنا تخصصات علمية متميزة ، فعلينا أن نؤسس لها منذ الصفوف المدرسية . ومن المقترحات التي تستحق الدراسة بجدية إعادة تصنيف الطلبة في الصف التاسع ، من خلال إمتحان وزاري وطني ، لا بهدف وضع الطالب في قالب جامد ، وإنما بهدف مساعدته على إكتشاف قدراته وميوله واستعداداته الحقيقية . ويكون التصنيف ، على سبيل المثال : علمي ، أدبي ، صناعي ، زراعي ، مهني ، تمريضي ، شرعي . إنَّ الفكرة الجوهرية هنا ليست في أسماء الفروع ، وإنما في إعادة بناء فلسفة التعليم على أساس إكتشاف قدرات الطالب وتوجيهها . فليس من العدل أن ننظر إلى جميع الطلبة وكأنهم نسخة واحدة . هناك طالب يتفوق في الرياضيات والعلوم ، وآخر يبدع في اللغة والأدب والتأريخ ، وثالث يمتلك عقلًا هندسيًا ويدويًا متميزًا ، ورابع لديه إستعداد مهني وتقني ، وخامس يجد نفسه في المجال الزراعي ، وآخر يمتلك ميولًا تمريضية أو صحية ، وهناك من يجد ذاته في العلوم الشرعية . لماذا نُصرُّ على أن يكون النجاح في التعليم محصورًا في طريق واحد ؟ إنَّ قوة الدولة الحديثة لا تقاس بعدد خريجي الجامعات فقط ، وإنما بتنوع الكفاءات التي تمتلكها . لقد آن الأوان لأن نغيّر النظرة الإجتماعية القديمة إلى التعليم المهني . فالدولة التي تحتاج إلى الطبيب تحتاج أيضًا إلى الفني ، والمبرمج ، والكهربائي ، والميكانيكي ، والمزارع المتخصص ، وفني التبريد والتكييف ، وفني الأجهزة الطبية ، والممرض ، والحرفي الماهر . بل إن كثيرًا من الإقتصادات المتقدمة قامت على التعليم والتدريب المهني والتقني ، وجعلت من المهارة والإتقان قيمة إجتماعية واقتصادية حقيقية . ولهذا فإن توجيه الطالب إلى التعليم المهني أو الصناعي أو الزراعي لا ينبغي أن يُفهم بإعتباره فشلًا في التعليم الأكاديمي ، بل قد يكون إكتشافًا لموهبة وقدرة لا ينبغي أن تُهدر . لكن الإمتحان الوزاري يجب ألا يكون حكمًا نهائيًا على مستقبل الطالب . وهنا يجب الإنتباه إلى نقطة تربوية بالغة الأهمية . إذا أردنا إمتحانًا وزاريًا في الصف التاسع ، فيجب ألا يتحول هذا الإمتحان إلى بوابة تُغلق أمام الطالب إلى الأبد . فالطفل في هذه المرحلة ما زال في طور اكتشاف ذاته ، وقد تتغير ميوله وقدراته مع مرور السنوات . لذلك يمكن أن يكون الإمتحان الوزاري أداة توجيه وتشخيص وقياس قدرات ، مع وجود مسارات إنتقالية وفرص لإعادة التوجيه ، حتى لا يتحول الإختيار المبكر إلى ظلم تربوي . فالهدف ليس أن نقول للطالب : أنت علمي إلى الأبد ، وأنت مهني إلى الأبد ، وإنما أن نقول له : نحن إكتشفنا قدراتك ، وسنساعدك على بناء المستقبل الذي يناسبها . نريد مدرسة تكتشف المواهب لا مدرسة تنتظر علامات الإمتحان التعليم ليس مصنعًا لإنتاج الشهادات . التعليم هو المؤسسة التي تكتشف عقل الطفل ، وتبني شخصيته ، وتهذب سلوكه ، وتنمي موهبته ، وتغرس فيه الإنتماء والمسؤولية والعمل والإبداع . ولهذا فإن أي إصلاح تربوي حقيقي يجب أن ينطلق من سؤال جوهري : ماذا نريد من الطالب بعد أن ينهي المدرسة ؟ هل نريده حافظًا لمعلومات سرعان ما ينساها ؟ أم نريده إنسانًا قادرًا على التفكير ، والحوار ، والعمل ، والإبداع ، وحل المشكلات ، وإحترام الآخر ، وتحمل المسؤولية ؟ إن العودة إلى نظام الفصلين ، وإعادة النظر في وزن المواد العلمية ، ودراسة تطبيق إمتحان وزاري في الصف التاسع لتوجيه الطلبة إلى المسارات العلمية والأدبية والمهنية والتقنية والزراعية والتمريضية والشرعية ، كلها أفكار تستحق حوارًا وطنيًا وتربويًا واسعًا تشارك فيه وزارة التربية ، والمعلمون ، وأساتذة الجامعات ، وأولياء الأمور ، والخبراء ، والطلبة أنفسهم. فالتعليم ليس شأنًا إداريًا عابرًا ، وليس ملفًا يخص وزارة واحدة فقط . التعليم هو الذي يصنع الطبيب ، والمهندس ، والقاضي ، والمعلم ، والجندي ، والمهني ، والمزارع ، والعالم ، والإداري ، والسياسي والمواطن الصالح . ومن هنا فإن إصلاحه ليس ترفًا ، وإنما إستثمار في مستقبل الأردن . ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن نضعها أمام صانع القرار التربوي هي : لا نريد نظامًا تعليميًا يبحث عن أسهل طريق لنجاح الطالب ، بل نريد نظامًا يكتشف قدراته ، ويصنع منه إنسانًا قادرًا على النجاح . إنَّ العودة إلى ما أثبت نجاحه لا تعني العودة إلى الماضي ، كما أن التطوير لا يعني التخلي عن كل ما هو قديم . الحكمة أن نأخذ من الماضي ما نجح ، ومن الحاضر ما أثبت جدواه ، ومن المستقبل ما يحتاجه أبناؤنا . فإذا أردنا أن نبني الأردن الذي نحلم به ، فعلينا أن نبدأ من المدرسة . فالمدرسة ليست المكان الذي يتعلم فيه أبناؤنا فقط … بل هي المكان الذي يبدأ فيه تشكيل مستقبل الوطن .
الدكتور نسيم أبو خضير في كل مرة نتحدث فيها عن إصلاح التعليم ، يجب أن نطرح السؤال الأكثر أهمية : هل نريد نظامًا تعليميًا ينجح فيه الطالب في الإمتحان ، أم نظامًا تعليميًا ينجح فيه الطالب في الحياة ؟ إنَّ تطوير التعليم لا يعني بالضرورة أن نهدم كل ما سبق ونبدأ من الصفر ، فهناك أنظمة وتجارب تربوية أثبتت عبر السنوات قدرتها على بناء الطالب علميًا ومعرفيًا ومهنيًا ، وهناك قرارات تربوية قد تحتاج إلى مراجعة هادئة وشجاعة ، بعيدًا عن المجاملة أو الخوف من الإعتراف بأن بعض التغييرات لم تحقق الغاية المرجوة منها . ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في نظام العام الدراسي ، والعودة إلى نظام الفصلين في السنة الواحدة ، بما يتيح للطالب وقتًا كافيًا للتعلّم الحقيقي ، والفهم ، والمراجعة ، والتطبيق ، بدل أن يتحول العام الدراسي إلى سباق متواصل مع المناهج والإمتحانات . إن نظام الفصلين يمنح المدرسة والمعلم والطالب فرصة أفضل لبناء العملية التعليمية بصورة متدرجة ومتوازنة . فالطالب يحتاج إلى وقت حتى يفهم ، ويخطئ ، ويصحح خطأه ، ويعيد المحاولة ، ويكتسب المهارة . أما اختزال التعليم في فترات زمنية ضيقة ، أو تحويله إلى سلسلة من الإختبارات المتلاحقة ، فقد يدفع بعض الطلبة إلى التركيز على إجتياز الامتحان بدل امتلاك المعرفة . والتعليم الحقيقي لا يقاس بعدد الصفحات التي حفظها الطالب ، وإنما بما يستطيع أن يفهمه ، ويحلله ، ويطبقه ، ويستخدمه في حياته . المواد العلمية … لا يجوز أن تكون هامشًا في الفرع العلمي : ومن القضايا التي تستحق مراجعة جادة أيضًا إحتساب المواد العلمية لطلبة الفرع العلمي بالصورة التي كانت متبعة سابقًا ، بما يحفظ للفرع العلمي مكانته الأكاديمية ، ويمنح الطالب دافعًا حقيقيًا للجد والإجتهاد في المواد التي تشكل أساس مستقبله الجامعي والمهني . فالطالب الذي يختار المسار العلمي يجب أن يشعر منذ المدرسة أن الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء ليست مواد إضافية يمكن تجاوزها ، وإنما هي أعمدة أساسية في تكوينه العلمي . ولا يمكن أن نتحدث عن تخريج أطباء ومهندسين وصيادلة وعلماء ومختصين في التكنولوجيا والعلوم ، ثم لا نعطي العلوم الأساسية الوزن الحقيقي الذي تستحقه في مرحلة التعليم المدرسي . إذا أردنا جامعة قوية ، فعلينا أن نبني مدرسة قوية . وإذا أردنا تخصصات علمية متميزة ، فعلينا أن نؤسس لها منذ الصفوف المدرسية . ومن المقترحات التي تستحق الدراسة بجدية إعادة تصنيف الطلبة في الصف التاسع ، من خلال إمتحان وزاري وطني ، لا بهدف وضع الطالب في قالب جامد ، وإنما بهدف مساعدته على إكتشاف قدراته وميوله واستعداداته الحقيقية . ويكون التصنيف ، على سبيل المثال : علمي ، أدبي ، صناعي ، زراعي ، مهني ، تمريضي ، شرعي . إنَّ الفكرة الجوهرية هنا ليست في أسماء الفروع ، وإنما في إعادة بناء فلسفة التعليم على أساس إكتشاف قدرات الطالب وتوجيهها . فليس من العدل أن ننظر إلى جميع الطلبة وكأنهم نسخة واحدة . هناك طالب يتفوق في الرياضيات والعلوم ، وآخر يبدع في اللغة والأدب والتأريخ ، وثالث يمتلك عقلًا هندسيًا ويدويًا متميزًا ، ورابع لديه إستعداد مهني وتقني ، وخامس يجد نفسه في المجال الزراعي ، وآخر يمتلك ميولًا تمريضية أو صحية ، وهناك من يجد ذاته في العلوم الشرعية . لماذا نُصرُّ على أن يكون النجاح في التعليم محصورًا في طريق واحد ؟ إنَّ قوة الدولة الحديثة لا تقاس بعدد خريجي الجامعات فقط ، وإنما بتنوع الكفاءات التي تمتلكها . لقد آن الأوان لأن نغيّر النظرة الإجتماعية القديمة إلى التعليم المهني . فالدولة التي تحتاج إلى الطبيب تحتاج أيضًا إلى الفني ، والمبرمج ، والكهربائي ، والميكانيكي ، والمزارع المتخصص ، وفني التبريد والتكييف ، وفني الأجهزة الطبية ، والممرض ، والحرفي الماهر . بل إن كثيرًا من الإقتصادات المتقدمة قامت على التعليم والتدريب المهني والتقني ، وجعلت من المهارة والإتقان قيمة إجتماعية واقتصادية حقيقية . ولهذا فإن توجيه الطالب إلى التعليم المهني أو الصناعي أو الزراعي لا ينبغي أن يُفهم بإعتباره فشلًا في التعليم الأكاديمي ، بل قد يكون إكتشافًا لموهبة وقدرة لا ينبغي أن تُهدر . لكن الإمتحان الوزاري يجب ألا يكون حكمًا نهائيًا على مستقبل الطالب . وهنا يجب الإنتباه إلى نقطة تربوية بالغة الأهمية . إذا أردنا إمتحانًا وزاريًا في الصف التاسع ، فيجب ألا يتحول هذا الإمتحان إلى بوابة تُغلق أمام الطالب إلى الأبد . فالطفل في هذه المرحلة ما زال في طور اكتشاف ذاته ، وقد تتغير ميوله وقدراته مع مرور السنوات . لذلك يمكن أن يكون الإمتحان الوزاري أداة توجيه وتشخيص وقياس قدرات ، مع وجود مسارات إنتقالية وفرص لإعادة التوجيه ، حتى لا يتحول الإختيار المبكر إلى ظلم تربوي . فالهدف ليس أن نقول للطالب : أنت علمي إلى الأبد ، وأنت مهني إلى الأبد ، وإنما أن نقول له : نحن إكتشفنا قدراتك ، وسنساعدك على بناء المستقبل الذي يناسبها . نريد مدرسة تكتشف المواهب لا مدرسة تنتظر علامات الإمتحان التعليم ليس مصنعًا لإنتاج الشهادات . التعليم هو المؤسسة التي تكتشف عقل الطفل ، وتبني شخصيته ، وتهذب سلوكه ، وتنمي موهبته ، وتغرس فيه الإنتماء والمسؤولية والعمل والإبداع . ولهذا فإن أي إصلاح تربوي حقيقي يجب أن ينطلق من سؤال جوهري : ماذا نريد من الطالب بعد أن ينهي المدرسة ؟ هل نريده حافظًا لمعلومات سرعان ما ينساها ؟ أم نريده إنسانًا قادرًا على التفكير ، والحوار ، والعمل ، والإبداع ، وحل المشكلات ، وإحترام الآخر ، وتحمل المسؤولية ؟ إن العودة إلى نظام الفصلين ، وإعادة النظر في وزن المواد العلمية ، ودراسة تطبيق إمتحان وزاري في الصف التاسع لتوجيه الطلبة إلى المسارات العلمية والأدبية والمهنية والتقنية والزراعية والتمريضية والشرعية ، كلها أفكار تستحق حوارًا وطنيًا وتربويًا واسعًا تشارك فيه وزارة التربية ، والمعلمون ، وأساتذة الجامعات ، وأولياء الأمور ، والخبراء ، والطلبة أنفسهم. فالتعليم ليس شأنًا إداريًا عابرًا ، وليس ملفًا يخص وزارة واحدة فقط . التعليم هو الذي يصنع الطبيب ، والمهندس ، والقاضي ، والمعلم ، والجندي ، والمهني ، والمزارع ، والعالم ، والإداري ، والسياسي والمواطن الصالح . ومن هنا فإن إصلاحه ليس ترفًا ، وإنما إستثمار في مستقبل الأردن . ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن نضعها أمام صانع القرار التربوي هي : لا نريد نظامًا تعليميًا يبحث عن أسهل طريق لنجاح الطالب ، بل نريد نظامًا يكتشف قدراته ، ويصنع منه إنسانًا قادرًا على النجاح . إنَّ العودة إلى ما أثبت نجاحه لا تعني العودة إلى الماضي ، كما أن التطوير لا يعني التخلي عن كل ما هو قديم . الحكمة أن نأخذ من الماضي ما نجح ، ومن الحاضر ما أثبت جدواه ، ومن المستقبل ما يحتاجه أبناؤنا . فإذا أردنا أن نبني الأردن الذي نحلم به ، فعلينا أن نبدأ من المدرسة . فالمدرسة ليست المكان الذي يتعلم فيه أبناؤنا فقط … بل هي المكان الذي يبدأ فيه تشكيل مستقبل الوطن .
الدكتور نسيم أبو خضير في كل مرة نتحدث فيها عن إصلاح التعليم ، يجب أن نطرح السؤال الأكثر أهمية : هل نريد نظامًا تعليميًا ينجح فيه الطالب في الإمتحان ، أم نظامًا تعليميًا ينجح فيه الطالب في الحياة ؟ إنَّ تطوير التعليم لا يعني بالضرورة أن نهدم كل ما سبق ونبدأ من الصفر ، فهناك أنظمة وتجارب تربوية أثبتت عبر السنوات قدرتها على بناء الطالب علميًا ومعرفيًا ومهنيًا ، وهناك قرارات تربوية قد تحتاج إلى مراجعة هادئة وشجاعة ، بعيدًا عن المجاملة أو الخوف من الإعتراف بأن بعض التغييرات لم تحقق الغاية المرجوة منها . ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في نظام العام الدراسي ، والعودة إلى نظام الفصلين في السنة الواحدة ، بما يتيح للطالب وقتًا كافيًا للتعلّم الحقيقي ، والفهم ، والمراجعة ، والتطبيق ، بدل أن يتحول العام الدراسي إلى سباق متواصل مع المناهج والإمتحانات . إن نظام الفصلين يمنح المدرسة والمعلم والطالب فرصة أفضل لبناء العملية التعليمية بصورة متدرجة ومتوازنة . فالطالب يحتاج إلى وقت حتى يفهم ، ويخطئ ، ويصحح خطأه ، ويعيد المحاولة ، ويكتسب المهارة . أما اختزال التعليم في فترات زمنية ضيقة ، أو تحويله إلى سلسلة من الإختبارات المتلاحقة ، فقد يدفع بعض الطلبة إلى التركيز على إجتياز الامتحان بدل امتلاك المعرفة . والتعليم الحقيقي لا يقاس بعدد الصفحات التي حفظها الطالب ، وإنما بما يستطيع أن يفهمه ، ويحلله ، ويطبقه ، ويستخدمه في حياته . المواد العلمية … لا يجوز أن تكون هامشًا في الفرع العلمي : ومن القضايا التي تستحق مراجعة جادة أيضًا إحتساب المواد العلمية لطلبة الفرع العلمي بالصورة التي كانت متبعة سابقًا ، بما يحفظ للفرع العلمي مكانته الأكاديمية ، ويمنح الطالب دافعًا حقيقيًا للجد والإجتهاد في المواد التي تشكل أساس مستقبله الجامعي والمهني . فالطالب الذي يختار المسار العلمي يجب أن يشعر منذ المدرسة أن الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء ليست مواد إضافية يمكن تجاوزها ، وإنما هي أعمدة أساسية في تكوينه العلمي . ولا يمكن أن نتحدث عن تخريج أطباء ومهندسين وصيادلة وعلماء ومختصين في التكنولوجيا والعلوم ، ثم لا نعطي العلوم الأساسية الوزن الحقيقي الذي تستحقه في مرحلة التعليم المدرسي . إذا أردنا جامعة قوية ، فعلينا أن نبني مدرسة قوية . وإذا أردنا تخصصات علمية متميزة ، فعلينا أن نؤسس لها منذ الصفوف المدرسية . ومن المقترحات التي تستحق الدراسة بجدية إعادة تصنيف الطلبة في الصف التاسع ، من خلال إمتحان وزاري وطني ، لا بهدف وضع الطالب في قالب جامد ، وإنما بهدف مساعدته على إكتشاف قدراته وميوله واستعداداته الحقيقية . ويكون التصنيف ، على سبيل المثال : علمي ، أدبي ، صناعي ، زراعي ، مهني ، تمريضي ، شرعي . إنَّ الفكرة الجوهرية هنا ليست في أسماء الفروع ، وإنما في إعادة بناء فلسفة التعليم على أساس إكتشاف قدرات الطالب وتوجيهها . فليس من العدل أن ننظر إلى جميع الطلبة وكأنهم نسخة واحدة . هناك طالب يتفوق في الرياضيات والعلوم ، وآخر يبدع في اللغة والأدب والتأريخ ، وثالث يمتلك عقلًا هندسيًا ويدويًا متميزًا ، ورابع لديه إستعداد مهني وتقني ، وخامس يجد نفسه في المجال الزراعي ، وآخر يمتلك ميولًا تمريضية أو صحية ، وهناك من يجد ذاته في العلوم الشرعية . لماذا نُصرُّ على أن يكون النجاح في التعليم محصورًا في طريق واحد ؟ إنَّ قوة الدولة الحديثة لا تقاس بعدد خريجي الجامعات فقط ، وإنما بتنوع الكفاءات التي تمتلكها . لقد آن الأوان لأن نغيّر النظرة الإجتماعية القديمة إلى التعليم المهني . فالدولة التي تحتاج إلى الطبيب تحتاج أيضًا إلى الفني ، والمبرمج ، والكهربائي ، والميكانيكي ، والمزارع المتخصص ، وفني التبريد والتكييف ، وفني الأجهزة الطبية ، والممرض ، والحرفي الماهر . بل إن كثيرًا من الإقتصادات المتقدمة قامت على التعليم والتدريب المهني والتقني ، وجعلت من المهارة والإتقان قيمة إجتماعية واقتصادية حقيقية . ولهذا فإن توجيه الطالب إلى التعليم المهني أو الصناعي أو الزراعي لا ينبغي أن يُفهم بإعتباره فشلًا في التعليم الأكاديمي ، بل قد يكون إكتشافًا لموهبة وقدرة لا ينبغي أن تُهدر . لكن الإمتحان الوزاري يجب ألا يكون حكمًا نهائيًا على مستقبل الطالب . وهنا يجب الإنتباه إلى نقطة تربوية بالغة الأهمية . إذا أردنا إمتحانًا وزاريًا في الصف التاسع ، فيجب ألا يتحول هذا الإمتحان إلى بوابة تُغلق أمام الطالب إلى الأبد . فالطفل في هذه المرحلة ما زال في طور اكتشاف ذاته ، وقد تتغير ميوله وقدراته مع مرور السنوات . لذلك يمكن أن يكون الإمتحان الوزاري أداة توجيه وتشخيص وقياس قدرات ، مع وجود مسارات إنتقالية وفرص لإعادة التوجيه ، حتى لا يتحول الإختيار المبكر إلى ظلم تربوي . فالهدف ليس أن نقول للطالب : أنت علمي إلى الأبد ، وأنت مهني إلى الأبد ، وإنما أن نقول له : نحن إكتشفنا قدراتك ، وسنساعدك على بناء المستقبل الذي يناسبها . نريد مدرسة تكتشف المواهب لا مدرسة تنتظر علامات الإمتحان التعليم ليس مصنعًا لإنتاج الشهادات . التعليم هو المؤسسة التي تكتشف عقل الطفل ، وتبني شخصيته ، وتهذب سلوكه ، وتنمي موهبته ، وتغرس فيه الإنتماء والمسؤولية والعمل والإبداع . ولهذا فإن أي إصلاح تربوي حقيقي يجب أن ينطلق من سؤال جوهري : ماذا نريد من الطالب بعد أن ينهي المدرسة ؟ هل نريده حافظًا لمعلومات سرعان ما ينساها ؟ أم نريده إنسانًا قادرًا على التفكير ، والحوار ، والعمل ، والإبداع ، وحل المشكلات ، وإحترام الآخر ، وتحمل المسؤولية ؟ إن العودة إلى نظام الفصلين ، وإعادة النظر في وزن المواد العلمية ، ودراسة تطبيق إمتحان وزاري في الصف التاسع لتوجيه الطلبة إلى المسارات العلمية والأدبية والمهنية والتقنية والزراعية والتمريضية والشرعية ، كلها أفكار تستحق حوارًا وطنيًا وتربويًا واسعًا تشارك فيه وزارة التربية ، والمعلمون ، وأساتذة الجامعات ، وأولياء الأمور ، والخبراء ، والطلبة أنفسهم. فالتعليم ليس شأنًا إداريًا عابرًا ، وليس ملفًا يخص وزارة واحدة فقط . التعليم هو الذي يصنع الطبيب ، والمهندس ، والقاضي ، والمعلم ، والجندي ، والمهني ، والمزارع ، والعالم ، والإداري ، والسياسي والمواطن الصالح . ومن هنا فإن إصلاحه ليس ترفًا ، وإنما إستثمار في مستقبل الأردن . ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن نضعها أمام صانع القرار التربوي هي : لا نريد نظامًا تعليميًا يبحث عن أسهل طريق لنجاح الطالب ، بل نريد نظامًا يكتشف قدراته ، ويصنع منه إنسانًا قادرًا على النجاح . إنَّ العودة إلى ما أثبت نجاحه لا تعني العودة إلى الماضي ، كما أن التطوير لا يعني التخلي عن كل ما هو قديم . الحكمة أن نأخذ من الماضي ما نجح ، ومن الحاضر ما أثبت جدواه ، ومن المستقبل ما يحتاجه أبناؤنا . فإذا أردنا أن نبني الأردن الذي نحلم به ، فعلينا أن نبدأ من المدرسة . فالمدرسة ليست المكان الذي يتعلم فيه أبناؤنا فقط … بل هي المكان الذي يبدأ فيه تشكيل مستقبل الوطن .
التعليقات