د . مهدي مبارك عبدالله
في لحظة تبدو فيها الساحة الفلسطينية أكثر حاجة إلى إعادة ترتيب أوراقها من أي وقت مضى تبرز الانتخابات التشريعية المقبلة باعتبارها اختبارا سياسيا يتجاوز بكثير مسألة الفوز بالمقاعد أو تشكيل مجلس تشريعي جديد والمفاجأة الحقيقية ليست في أن حماس قد قررت المشاركة أو أن الجهاد الإسلامي دخل على خط الانتخابات للمرة الأولى أو أن تيار محمد دحلان وجد نفسه في مساحة انتخابية واحدة مع خصوم الأمس وإنما في أن قوى وشخصيات فلسطينية متباعدة في التاريخ السياسي والخطاب والتنظيم بدأت تبحث عن صيغة مشتركة يمكن أن تنقلها من حالة التشتت إلى واقع التأثير الجماعي المنظم .
المعلومات المتداولة حاليا تشير إلى وجود توافقات متقدمة لتشكيل تحالف انتخابي واسع يضم حماس والجهاد الإسلامي والتيار الإصلاحي في فتح بقيادة محمد دحلان وألوية الناصر صلاح الدين وناصر القدوة مع انتظار موقف الجبهة الشعبية من الانضمام إلى هذا الإطار وهو ما يؤكد أن الحديث لم يعد عن قائمة ثنائية أو ثلاثية وإنما عن محاولة جادة لبناء مظلة انتخابية أوسع من حدود الفصائل التقليدية المعروفة .
أهمية هذا التطور تكمن بان الفلسطينيين لا يعيشون اليوم مجرد خلاف انتخابي عابر وإنما يغرقون في أزمة سياسية مزمنة تراكمت فيها عوامل الانقسام وغياب الانتخابات وتعطيل المؤسسات وتراجع الثقة بالقيادة السياسية الحالية مع تآكل قدرة النظام القائم على إنتاج شرعية جديدة ولذلك فإن دخول قوى المعارضة إلى الانتخابات بصورة جماعية يمكن أن يحول الصندوق الانتخابي من وسيلة لاختيار أعضاء مجلس تشريعي إلى أداة جديدة لإعادة توزيع القوة داخل النظام السياسي الفلسطيني بالكامل .
الأمر الأكثر إثارة أن هذه الصيغة تجمع أطرافا كان من الصعب تخيل اجتماعها على طاولة واحدة قبل سنوات قليلة فحماس ودحلان يحملان تاريخا ثقيلا من الصدام السياسي والأمني في غزة والجهاد الإسلامي ظل خارج الانتخابات التشريعية السابقة بينما يمثل ناصر القدوة تيارا سياسيا وشخصية وطنية ذات حضور مختلف عن البنية الفصائلية التقليدية والجبهة الشعبية إذا انضمت إلى التحالف ستضيف إليه ثقلا تاريخيا وسياسيا يسعى عادة إلى الحفاظ على استقلاليته عن أي استقطاب بين فتح وحماس .
الخطأ التقديري سيكون في التعامل مع هذا التجمع باعتباره تحالفا أيديولوجيا متجانسا وهو واقعيا ليس كذلك ولن يكون كذلك والفوارق بين مكوناته كبيرة في الموقف من المقاومة المسلحة وفي العلاقة مع منظمة التحرير وفي الرؤية الاقتصادية والاجتماعية وفي شكل النظام السياسي وفي مستقبل العلاقة مع إسرائيل وفي طبيعة التسوية السياسية ولذلك فإن القوة الحقيقية لهذا التحالف لا يمكن أن تقوم على محاولة إخفاء هذه الخلافات وإنما على الاتفاق على الحد الأدنى الوطني الذي يسمح لكل طرف بالاحتفاظ بهويته مع العمل داخل إطار سياسي مشترك .
هذه بالذات هي النقطة التي ستحدد مستقبل التجربة كلها والقائمة التي تجمع أسماء كبيرة فقط يمكن أن تحقق مفاجأة انتخابية لكنها لن تصنع تغييرا سياسيا حقيقيا أما القائمة التي تقدم برنامجا واضحا لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية وإنهاء التفرد بالقرار وإعادة الاعتبار للمجلس التشريعي وإصلاح منظمة التحرير وتجديد الشرعيات السياسية وفتح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات المستقلة فإنها تستطيع أن تتحول من قائمة انتخابية إلى مشروع سياسي جديد وهو التصور المأمول .
الملاحظ ان الحديث عن إعداد وثيقة سياسية ووضع مواقف ملزمة واختيار شخصيات وطنية تمثل أطيافا اجتماعية وسياسية مختلفة قد بدأ بالفعل وهو تطور مهم لأنه يعني أن القائمين على الفكرة يدركون أن مجرد توزيع المقاعد بين الفصائل لن يكون كافيا لإقناع الشارع الفلسطيني بدورهم وجديتهم . لعل السؤال الأهم في ظل هذه التطورات المتلاحقة هو لماذا يحصل كل ذلك الآن والجواب العملي لا يتعلق فقط بإجراء الانتخابات بعد غياب طويل وإنما يتصل بتراكم شعور فلسطيني واسع بأن النظام السياسي الحالي يحتاج فعلا إلى مراجعة سريعة و عميقة والانتخابات التشريعية المقررة في الثامن والعشرين من نوفمبر القادم ستكون الأولى منذ انتخابات عام 2006 إذا جرت في موعدها ولذلك فإنها تحمل بطبيعتها معنى استثنائيا يتجاوز الحسابات الانتخابية العادية .
كما أن القوى المعارضة في هذه المرة تبدو وكأنها أدركت عمليا أن استمرار المقاطعة لن ينتج تغييرا وأن ترك الساحة مفتوحة لقائمة فتح الرسمية وحدها قد يعني إعادة إنتاج موازين القوى نفسها ولذلك فإن المشاركة الجماعية قد تكون محاولة جريئة لنقل مسار الصراع السياسي من الشارع ومن البيانات والمواقف إلى صندوق الاقتراع الاقوى .
وفق هذه الرؤية يمكن فهم حالة التقارب المستجدة بين حماس والتيار الإصلاحي في فتح بصورة مختلفة عن التفسير التقليدي والمسألة ليست أن دحلان وحماس أصبحا متطابقين سياسيا ولا أن سنوات الصراع بينهما قد اختفت وإنما أن المصالح السياسية الجديدة خلقت نقطة التقاء تقوم على رفض استمرار حالة الاستفراد وعلى الحاجة إلى إعادة ترتيب النظام السياسي من داخله وقد لعبت سنوات طويلة من الاتصالات والتعاون في ملفات اجتماعية ووطنية دورا في فتح هذه المساحة التي كانت تبدو مستحيلة في السابق .
اما منظمة الجهاد الإسلامي فهي تمثل بدورها عاملا مهما في هذه المعادلة لأن مشاركته الانتخابية إذا ما اكتملت ستشكل تحولا تاريخيا في موقف الحركة من الانتخابات التشريعية وهو ما يعني أن المشاركة لا تعكس فقط رغبة في الحصول على مقاعد وإنما إدراكا منها بأن مرحلة جديدة قد تفرض على القوى الفلسطينية إعادة النظر في أدواتها السياسية وفي علاقتها بمؤسسات النظام الوطني .
هنالك عدة عقبات ضخمة تقف أمام هذا التحالف وقد تعيق طريقه أولها أن الاتفاق على مواجهة نهج السلطة أسهل بكثير من الاتفاق على البديل والرفض يمكن أن يوحد أطرافا مختلفة لفترة قصيرة لكن الحكم يحتاج إلى برنامج ومؤسسات وقرارات وتوازنات واضحة وهنا ستظهر الفوارق الحقيقية بين مكونات القائمة .
وثانيها أن نجاح القائمة انتخابيا لا يعني بالضرورة قدرتها على الحكم حتى لو تمكنت من تحقيق كتلة كبيرة فإنها ستدخل في مواجهة مع منظومة سياسية وإدارية وأمنية قوية وقائمة منذ سنوات طويلة وستواجه أسئلة مقيدة حول العلاقة مع الرئاسة ومع منظمة التحرير ومع المجتمع الدولي ومع إسرائيل وهي ملفات لا يمكن التعامل معها بالشعارات والتصريحات فقط .
وثالثها أن الانتخابات نفسها ليست مضمونة من حيث سهولة إجرائها خاصة وان هناك تعقيدات مزمنة تتعلق بغزة والقدس والضفة الغربية إضافة إلى الخلافات حول قانون الانتخابات وشروط الترشح والتمثيل وهي عوامل تجعل الطريق إلى الصناديق محفوفا بعوائق سياسية وميدانية وقانونية اصعب . بناء على كل ما سبق ذكره نرى ان المعركة الحقيقية قد تبدأ قبل يوم الاقتراع بكثير وكلما اقترب موعد الانتخابات ستتعرض القائمة المعارضة لضغوط من داخلها ومن خارجها وسيحاول كل طرف اختبار قدرة الآخرين على الالتزام بالاتفاق كما ستظهر لاحقا مشكلة توزيع المقاعد وترتيب المرشحين وهي من أكثر القضايا حساسية في أي تحالف انتخابي متعدد القوى والاطراف .
للحقيقة قد تكون مشاركة بعض الشخصيات المستقلة هي المفتاح الحقيقي لنجاح المشروع لأن تحويل القائمة من تجمع فصائل إلى قائمة وطنية سيمنحها فرصة أوسع للوصول إلى الناخب الذي لا يريد انتخاب الفصائل بصيغتها القديمة وإنما يريد وجوها جديدة وبرنامجا مختلفا وقد تحدث ناصر القدوة بالفعل عن صيغة لا تقوم على المشاركة الفصائلية المباشرة وتتيح مساحة للشباب والنساء ومختلف الأطياف الفلسطينية وهنا أيضا تكمن نقطة الضعف الكبرى لان الجمهور الفلسطيني قد يتقبل تحالفا بين خصوم الأمس إذا رأى فيه طريقا للخروج من الأزمة لكنه لن يتقبل بسهولة ايضا تحالفا هدفه الوحيد إسقاط قائمة فتح أو إضعاف السلطة من دون أن يقدم بديلا مقنعا ولذلك فإن الاختبار الحقيقي ليس في مقدار الغضب من السلطة وإنما بقدرة هذه القوى على تحويل الغضب إلى مشروع سياسي وطني جديد . على ارض الواقع قد تكون هذه هي الفرصة الأكبر أمام المعارضة الفلسطينية منذ سنوات طويلة لأن الانقسام الذي كان يستخدم لتبرير العجز يمكن أن يتحول هذه المرة إلى دافع لإعادة ترتيب المشهد وإذا نجحت حماس ودحلان والجهاد والجبهة الشعبية والقوى والشخصيات الأخرى في إنتاج مساحة مشتركة فإنها لن تكون قد صنعت قائمة انتخابية فحسب وإنما ستكون قد أثبتت أن الخلافات التاريخية يمكن تجاوزها عندما يصبح الهدف هو إعادة بناء النظام السياسي على أساس المشاركة والشراكة .
في المقابل إذا دخلت هذه القوى الانتخابات بعقلية المحاصصة الفصائلية فإنها قد تحقق عددا من المقاعد لكنها ستخسر المعركة الأكبر لأن الشارع الفلسطيني لا يحتاج إلى تغيير أسماء داخل النظام بقدر حاجته إلى تغيير طريقة إدارة النظام نفسه ومن هنا يبقى السؤال الذي يجب أن يطارد هذه القوى ليس كم مقعدا تستطيع أن تفوز به وإنما ماذا ستفعل في اليوم التالي للفوز وهل تستطيع أن تتفق مسبقا على برنامج لإصلاح المؤسسات وعلى آلية لاتخاذ القرار وعلى رؤية لإعادة بناء منظمة التحرير وعلى قواعد واضحة للشراكة السياسية وعلى ضمان ألا يتحول انتصارها الانتخابي إلى جولة جديدة من الصراع الداخلي السابق .
بالعودة الى انتخابات عام 2006 لقد كانت لحظة فاصلة في التاريخ الفلسطيني لأنها أظهرت أن صناديق الاقتراع قادرة على قلب الموازين لكنها كشفت في الوقت نفسه أن الفوز الانتخابي وحده لا يكفي إذا لم توجد قواعد سياسية تقبل النتائج وتضمن انتقال السلطة بصورة سلمية واليوم تعود المسألة بعد عقدين تقريبا ولكن في ظروف أكثر تعقيدا وأشد حساسية ولذلك فإن التجربة الجديدة لن تحتمل تكرار أخطاء التجربة القديمة باي شكل .
المؤكد سياسيا ان هذه القائمة إذا نجحت في تجاوز خلافاتها قد تصبح أكبر من مجموع مكوناتها لأن اجتماع قوى متباينة في إطار وطني واحد يمكن أن يخلق مركز ثقل ثالث لا يقوم على الثنائية التقليدية بين فتح وحماس بل على فكرة أوسع عنوانها إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وإعادة توزيع الشرعية والقوة داخله وأما إذا فشلت قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع فإن ذلك سيكون انتصارا غير مباشر لمنطق الانقسام وسيؤكد للشارع أن القوى الفلسطينية تستطيع الاتفاق على رفض الواقع لكنها عاجزة عن الاتفاق على خلق البديل .
ختاما : إن انتخابات نوفمبر المقبلة إذا جرت لن تكون مجرد انتخابات تشريعية عادية ولن يكون البحث عمن يفوز ومن يخسر وإنما هل يستطيع الفلسطينيون استخدام الصندوق لإعادة بناء نظامهم السياسي أم سيستخدمون الصندوق مرة أخرى لإعادة إنتاج الانقسام نفسه وهذه اللحظة الفلسطينية الراهنة تضع هذه القوى أمام امتحان تاريخي لا يتكرر كثيرا فإما أن تدخل الانتخابات كفصائل تبحث عن مقاعد وإما أن تدخلها كقوى سياسية تريد إعادة بناء البيت الفلسطيني كله وعندها فقط يمكن القول إن صناديق الاقتراع قد لا تنتج مجلسا تشريعيا جديدا فحسب بل قد تنتج بداية جبهة وطنية جديدة قادرة على كسر احتكار الماضي وفتح الطريق أمام نظام سياسي فلسطيني أكثر تمثيلا وشراكة وقدرة على مواجهة المرحلة المقبلة . كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]
د . مهدي مبارك عبدالله
في لحظة تبدو فيها الساحة الفلسطينية أكثر حاجة إلى إعادة ترتيب أوراقها من أي وقت مضى تبرز الانتخابات التشريعية المقبلة باعتبارها اختبارا سياسيا يتجاوز بكثير مسألة الفوز بالمقاعد أو تشكيل مجلس تشريعي جديد والمفاجأة الحقيقية ليست في أن حماس قد قررت المشاركة أو أن الجهاد الإسلامي دخل على خط الانتخابات للمرة الأولى أو أن تيار محمد دحلان وجد نفسه في مساحة انتخابية واحدة مع خصوم الأمس وإنما في أن قوى وشخصيات فلسطينية متباعدة في التاريخ السياسي والخطاب والتنظيم بدأت تبحث عن صيغة مشتركة يمكن أن تنقلها من حالة التشتت إلى واقع التأثير الجماعي المنظم .
المعلومات المتداولة حاليا تشير إلى وجود توافقات متقدمة لتشكيل تحالف انتخابي واسع يضم حماس والجهاد الإسلامي والتيار الإصلاحي في فتح بقيادة محمد دحلان وألوية الناصر صلاح الدين وناصر القدوة مع انتظار موقف الجبهة الشعبية من الانضمام إلى هذا الإطار وهو ما يؤكد أن الحديث لم يعد عن قائمة ثنائية أو ثلاثية وإنما عن محاولة جادة لبناء مظلة انتخابية أوسع من حدود الفصائل التقليدية المعروفة .
أهمية هذا التطور تكمن بان الفلسطينيين لا يعيشون اليوم مجرد خلاف انتخابي عابر وإنما يغرقون في أزمة سياسية مزمنة تراكمت فيها عوامل الانقسام وغياب الانتخابات وتعطيل المؤسسات وتراجع الثقة بالقيادة السياسية الحالية مع تآكل قدرة النظام القائم على إنتاج شرعية جديدة ولذلك فإن دخول قوى المعارضة إلى الانتخابات بصورة جماعية يمكن أن يحول الصندوق الانتخابي من وسيلة لاختيار أعضاء مجلس تشريعي إلى أداة جديدة لإعادة توزيع القوة داخل النظام السياسي الفلسطيني بالكامل .
الأمر الأكثر إثارة أن هذه الصيغة تجمع أطرافا كان من الصعب تخيل اجتماعها على طاولة واحدة قبل سنوات قليلة فحماس ودحلان يحملان تاريخا ثقيلا من الصدام السياسي والأمني في غزة والجهاد الإسلامي ظل خارج الانتخابات التشريعية السابقة بينما يمثل ناصر القدوة تيارا سياسيا وشخصية وطنية ذات حضور مختلف عن البنية الفصائلية التقليدية والجبهة الشعبية إذا انضمت إلى التحالف ستضيف إليه ثقلا تاريخيا وسياسيا يسعى عادة إلى الحفاظ على استقلاليته عن أي استقطاب بين فتح وحماس .
الخطأ التقديري سيكون في التعامل مع هذا التجمع باعتباره تحالفا أيديولوجيا متجانسا وهو واقعيا ليس كذلك ولن يكون كذلك والفوارق بين مكوناته كبيرة في الموقف من المقاومة المسلحة وفي العلاقة مع منظمة التحرير وفي الرؤية الاقتصادية والاجتماعية وفي شكل النظام السياسي وفي مستقبل العلاقة مع إسرائيل وفي طبيعة التسوية السياسية ولذلك فإن القوة الحقيقية لهذا التحالف لا يمكن أن تقوم على محاولة إخفاء هذه الخلافات وإنما على الاتفاق على الحد الأدنى الوطني الذي يسمح لكل طرف بالاحتفاظ بهويته مع العمل داخل إطار سياسي مشترك .
هذه بالذات هي النقطة التي ستحدد مستقبل التجربة كلها والقائمة التي تجمع أسماء كبيرة فقط يمكن أن تحقق مفاجأة انتخابية لكنها لن تصنع تغييرا سياسيا حقيقيا أما القائمة التي تقدم برنامجا واضحا لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية وإنهاء التفرد بالقرار وإعادة الاعتبار للمجلس التشريعي وإصلاح منظمة التحرير وتجديد الشرعيات السياسية وفتح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات المستقلة فإنها تستطيع أن تتحول من قائمة انتخابية إلى مشروع سياسي جديد وهو التصور المأمول .
الملاحظ ان الحديث عن إعداد وثيقة سياسية ووضع مواقف ملزمة واختيار شخصيات وطنية تمثل أطيافا اجتماعية وسياسية مختلفة قد بدأ بالفعل وهو تطور مهم لأنه يعني أن القائمين على الفكرة يدركون أن مجرد توزيع المقاعد بين الفصائل لن يكون كافيا لإقناع الشارع الفلسطيني بدورهم وجديتهم . لعل السؤال الأهم في ظل هذه التطورات المتلاحقة هو لماذا يحصل كل ذلك الآن والجواب العملي لا يتعلق فقط بإجراء الانتخابات بعد غياب طويل وإنما يتصل بتراكم شعور فلسطيني واسع بأن النظام السياسي الحالي يحتاج فعلا إلى مراجعة سريعة و عميقة والانتخابات التشريعية المقررة في الثامن والعشرين من نوفمبر القادم ستكون الأولى منذ انتخابات عام 2006 إذا جرت في موعدها ولذلك فإنها تحمل بطبيعتها معنى استثنائيا يتجاوز الحسابات الانتخابية العادية .
كما أن القوى المعارضة في هذه المرة تبدو وكأنها أدركت عمليا أن استمرار المقاطعة لن ينتج تغييرا وأن ترك الساحة مفتوحة لقائمة فتح الرسمية وحدها قد يعني إعادة إنتاج موازين القوى نفسها ولذلك فإن المشاركة الجماعية قد تكون محاولة جريئة لنقل مسار الصراع السياسي من الشارع ومن البيانات والمواقف إلى صندوق الاقتراع الاقوى .
وفق هذه الرؤية يمكن فهم حالة التقارب المستجدة بين حماس والتيار الإصلاحي في فتح بصورة مختلفة عن التفسير التقليدي والمسألة ليست أن دحلان وحماس أصبحا متطابقين سياسيا ولا أن سنوات الصراع بينهما قد اختفت وإنما أن المصالح السياسية الجديدة خلقت نقطة التقاء تقوم على رفض استمرار حالة الاستفراد وعلى الحاجة إلى إعادة ترتيب النظام السياسي من داخله وقد لعبت سنوات طويلة من الاتصالات والتعاون في ملفات اجتماعية ووطنية دورا في فتح هذه المساحة التي كانت تبدو مستحيلة في السابق .
اما منظمة الجهاد الإسلامي فهي تمثل بدورها عاملا مهما في هذه المعادلة لأن مشاركته الانتخابية إذا ما اكتملت ستشكل تحولا تاريخيا في موقف الحركة من الانتخابات التشريعية وهو ما يعني أن المشاركة لا تعكس فقط رغبة في الحصول على مقاعد وإنما إدراكا منها بأن مرحلة جديدة قد تفرض على القوى الفلسطينية إعادة النظر في أدواتها السياسية وفي علاقتها بمؤسسات النظام الوطني .
هنالك عدة عقبات ضخمة تقف أمام هذا التحالف وقد تعيق طريقه أولها أن الاتفاق على مواجهة نهج السلطة أسهل بكثير من الاتفاق على البديل والرفض يمكن أن يوحد أطرافا مختلفة لفترة قصيرة لكن الحكم يحتاج إلى برنامج ومؤسسات وقرارات وتوازنات واضحة وهنا ستظهر الفوارق الحقيقية بين مكونات القائمة .
وثانيها أن نجاح القائمة انتخابيا لا يعني بالضرورة قدرتها على الحكم حتى لو تمكنت من تحقيق كتلة كبيرة فإنها ستدخل في مواجهة مع منظومة سياسية وإدارية وأمنية قوية وقائمة منذ سنوات طويلة وستواجه أسئلة مقيدة حول العلاقة مع الرئاسة ومع منظمة التحرير ومع المجتمع الدولي ومع إسرائيل وهي ملفات لا يمكن التعامل معها بالشعارات والتصريحات فقط .
وثالثها أن الانتخابات نفسها ليست مضمونة من حيث سهولة إجرائها خاصة وان هناك تعقيدات مزمنة تتعلق بغزة والقدس والضفة الغربية إضافة إلى الخلافات حول قانون الانتخابات وشروط الترشح والتمثيل وهي عوامل تجعل الطريق إلى الصناديق محفوفا بعوائق سياسية وميدانية وقانونية اصعب . بناء على كل ما سبق ذكره نرى ان المعركة الحقيقية قد تبدأ قبل يوم الاقتراع بكثير وكلما اقترب موعد الانتخابات ستتعرض القائمة المعارضة لضغوط من داخلها ومن خارجها وسيحاول كل طرف اختبار قدرة الآخرين على الالتزام بالاتفاق كما ستظهر لاحقا مشكلة توزيع المقاعد وترتيب المرشحين وهي من أكثر القضايا حساسية في أي تحالف انتخابي متعدد القوى والاطراف .
للحقيقة قد تكون مشاركة بعض الشخصيات المستقلة هي المفتاح الحقيقي لنجاح المشروع لأن تحويل القائمة من تجمع فصائل إلى قائمة وطنية سيمنحها فرصة أوسع للوصول إلى الناخب الذي لا يريد انتخاب الفصائل بصيغتها القديمة وإنما يريد وجوها جديدة وبرنامجا مختلفا وقد تحدث ناصر القدوة بالفعل عن صيغة لا تقوم على المشاركة الفصائلية المباشرة وتتيح مساحة للشباب والنساء ومختلف الأطياف الفلسطينية وهنا أيضا تكمن نقطة الضعف الكبرى لان الجمهور الفلسطيني قد يتقبل تحالفا بين خصوم الأمس إذا رأى فيه طريقا للخروج من الأزمة لكنه لن يتقبل بسهولة ايضا تحالفا هدفه الوحيد إسقاط قائمة فتح أو إضعاف السلطة من دون أن يقدم بديلا مقنعا ولذلك فإن الاختبار الحقيقي ليس في مقدار الغضب من السلطة وإنما بقدرة هذه القوى على تحويل الغضب إلى مشروع سياسي وطني جديد . على ارض الواقع قد تكون هذه هي الفرصة الأكبر أمام المعارضة الفلسطينية منذ سنوات طويلة لأن الانقسام الذي كان يستخدم لتبرير العجز يمكن أن يتحول هذه المرة إلى دافع لإعادة ترتيب المشهد وإذا نجحت حماس ودحلان والجهاد والجبهة الشعبية والقوى والشخصيات الأخرى في إنتاج مساحة مشتركة فإنها لن تكون قد صنعت قائمة انتخابية فحسب وإنما ستكون قد أثبتت أن الخلافات التاريخية يمكن تجاوزها عندما يصبح الهدف هو إعادة بناء النظام السياسي على أساس المشاركة والشراكة .
في المقابل إذا دخلت هذه القوى الانتخابات بعقلية المحاصصة الفصائلية فإنها قد تحقق عددا من المقاعد لكنها ستخسر المعركة الأكبر لأن الشارع الفلسطيني لا يحتاج إلى تغيير أسماء داخل النظام بقدر حاجته إلى تغيير طريقة إدارة النظام نفسه ومن هنا يبقى السؤال الذي يجب أن يطارد هذه القوى ليس كم مقعدا تستطيع أن تفوز به وإنما ماذا ستفعل في اليوم التالي للفوز وهل تستطيع أن تتفق مسبقا على برنامج لإصلاح المؤسسات وعلى آلية لاتخاذ القرار وعلى رؤية لإعادة بناء منظمة التحرير وعلى قواعد واضحة للشراكة السياسية وعلى ضمان ألا يتحول انتصارها الانتخابي إلى جولة جديدة من الصراع الداخلي السابق .
بالعودة الى انتخابات عام 2006 لقد كانت لحظة فاصلة في التاريخ الفلسطيني لأنها أظهرت أن صناديق الاقتراع قادرة على قلب الموازين لكنها كشفت في الوقت نفسه أن الفوز الانتخابي وحده لا يكفي إذا لم توجد قواعد سياسية تقبل النتائج وتضمن انتقال السلطة بصورة سلمية واليوم تعود المسألة بعد عقدين تقريبا ولكن في ظروف أكثر تعقيدا وأشد حساسية ولذلك فإن التجربة الجديدة لن تحتمل تكرار أخطاء التجربة القديمة باي شكل .
المؤكد سياسيا ان هذه القائمة إذا نجحت في تجاوز خلافاتها قد تصبح أكبر من مجموع مكوناتها لأن اجتماع قوى متباينة في إطار وطني واحد يمكن أن يخلق مركز ثقل ثالث لا يقوم على الثنائية التقليدية بين فتح وحماس بل على فكرة أوسع عنوانها إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وإعادة توزيع الشرعية والقوة داخله وأما إذا فشلت قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع فإن ذلك سيكون انتصارا غير مباشر لمنطق الانقسام وسيؤكد للشارع أن القوى الفلسطينية تستطيع الاتفاق على رفض الواقع لكنها عاجزة عن الاتفاق على خلق البديل .
ختاما : إن انتخابات نوفمبر المقبلة إذا جرت لن تكون مجرد انتخابات تشريعية عادية ولن يكون البحث عمن يفوز ومن يخسر وإنما هل يستطيع الفلسطينيون استخدام الصندوق لإعادة بناء نظامهم السياسي أم سيستخدمون الصندوق مرة أخرى لإعادة إنتاج الانقسام نفسه وهذه اللحظة الفلسطينية الراهنة تضع هذه القوى أمام امتحان تاريخي لا يتكرر كثيرا فإما أن تدخل الانتخابات كفصائل تبحث عن مقاعد وإما أن تدخلها كقوى سياسية تريد إعادة بناء البيت الفلسطيني كله وعندها فقط يمكن القول إن صناديق الاقتراع قد لا تنتج مجلسا تشريعيا جديدا فحسب بل قد تنتج بداية جبهة وطنية جديدة قادرة على كسر احتكار الماضي وفتح الطريق أمام نظام سياسي فلسطيني أكثر تمثيلا وشراكة وقدرة على مواجهة المرحلة المقبلة . كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]
د . مهدي مبارك عبدالله
في لحظة تبدو فيها الساحة الفلسطينية أكثر حاجة إلى إعادة ترتيب أوراقها من أي وقت مضى تبرز الانتخابات التشريعية المقبلة باعتبارها اختبارا سياسيا يتجاوز بكثير مسألة الفوز بالمقاعد أو تشكيل مجلس تشريعي جديد والمفاجأة الحقيقية ليست في أن حماس قد قررت المشاركة أو أن الجهاد الإسلامي دخل على خط الانتخابات للمرة الأولى أو أن تيار محمد دحلان وجد نفسه في مساحة انتخابية واحدة مع خصوم الأمس وإنما في أن قوى وشخصيات فلسطينية متباعدة في التاريخ السياسي والخطاب والتنظيم بدأت تبحث عن صيغة مشتركة يمكن أن تنقلها من حالة التشتت إلى واقع التأثير الجماعي المنظم .
المعلومات المتداولة حاليا تشير إلى وجود توافقات متقدمة لتشكيل تحالف انتخابي واسع يضم حماس والجهاد الإسلامي والتيار الإصلاحي في فتح بقيادة محمد دحلان وألوية الناصر صلاح الدين وناصر القدوة مع انتظار موقف الجبهة الشعبية من الانضمام إلى هذا الإطار وهو ما يؤكد أن الحديث لم يعد عن قائمة ثنائية أو ثلاثية وإنما عن محاولة جادة لبناء مظلة انتخابية أوسع من حدود الفصائل التقليدية المعروفة .
أهمية هذا التطور تكمن بان الفلسطينيين لا يعيشون اليوم مجرد خلاف انتخابي عابر وإنما يغرقون في أزمة سياسية مزمنة تراكمت فيها عوامل الانقسام وغياب الانتخابات وتعطيل المؤسسات وتراجع الثقة بالقيادة السياسية الحالية مع تآكل قدرة النظام القائم على إنتاج شرعية جديدة ولذلك فإن دخول قوى المعارضة إلى الانتخابات بصورة جماعية يمكن أن يحول الصندوق الانتخابي من وسيلة لاختيار أعضاء مجلس تشريعي إلى أداة جديدة لإعادة توزيع القوة داخل النظام السياسي الفلسطيني بالكامل .
الأمر الأكثر إثارة أن هذه الصيغة تجمع أطرافا كان من الصعب تخيل اجتماعها على طاولة واحدة قبل سنوات قليلة فحماس ودحلان يحملان تاريخا ثقيلا من الصدام السياسي والأمني في غزة والجهاد الإسلامي ظل خارج الانتخابات التشريعية السابقة بينما يمثل ناصر القدوة تيارا سياسيا وشخصية وطنية ذات حضور مختلف عن البنية الفصائلية التقليدية والجبهة الشعبية إذا انضمت إلى التحالف ستضيف إليه ثقلا تاريخيا وسياسيا يسعى عادة إلى الحفاظ على استقلاليته عن أي استقطاب بين فتح وحماس .
الخطأ التقديري سيكون في التعامل مع هذا التجمع باعتباره تحالفا أيديولوجيا متجانسا وهو واقعيا ليس كذلك ولن يكون كذلك والفوارق بين مكوناته كبيرة في الموقف من المقاومة المسلحة وفي العلاقة مع منظمة التحرير وفي الرؤية الاقتصادية والاجتماعية وفي شكل النظام السياسي وفي مستقبل العلاقة مع إسرائيل وفي طبيعة التسوية السياسية ولذلك فإن القوة الحقيقية لهذا التحالف لا يمكن أن تقوم على محاولة إخفاء هذه الخلافات وإنما على الاتفاق على الحد الأدنى الوطني الذي يسمح لكل طرف بالاحتفاظ بهويته مع العمل داخل إطار سياسي مشترك .
هذه بالذات هي النقطة التي ستحدد مستقبل التجربة كلها والقائمة التي تجمع أسماء كبيرة فقط يمكن أن تحقق مفاجأة انتخابية لكنها لن تصنع تغييرا سياسيا حقيقيا أما القائمة التي تقدم برنامجا واضحا لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية وإنهاء التفرد بالقرار وإعادة الاعتبار للمجلس التشريعي وإصلاح منظمة التحرير وتجديد الشرعيات السياسية وفتح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات المستقلة فإنها تستطيع أن تتحول من قائمة انتخابية إلى مشروع سياسي جديد وهو التصور المأمول .
الملاحظ ان الحديث عن إعداد وثيقة سياسية ووضع مواقف ملزمة واختيار شخصيات وطنية تمثل أطيافا اجتماعية وسياسية مختلفة قد بدأ بالفعل وهو تطور مهم لأنه يعني أن القائمين على الفكرة يدركون أن مجرد توزيع المقاعد بين الفصائل لن يكون كافيا لإقناع الشارع الفلسطيني بدورهم وجديتهم . لعل السؤال الأهم في ظل هذه التطورات المتلاحقة هو لماذا يحصل كل ذلك الآن والجواب العملي لا يتعلق فقط بإجراء الانتخابات بعد غياب طويل وإنما يتصل بتراكم شعور فلسطيني واسع بأن النظام السياسي الحالي يحتاج فعلا إلى مراجعة سريعة و عميقة والانتخابات التشريعية المقررة في الثامن والعشرين من نوفمبر القادم ستكون الأولى منذ انتخابات عام 2006 إذا جرت في موعدها ولذلك فإنها تحمل بطبيعتها معنى استثنائيا يتجاوز الحسابات الانتخابية العادية .
كما أن القوى المعارضة في هذه المرة تبدو وكأنها أدركت عمليا أن استمرار المقاطعة لن ينتج تغييرا وأن ترك الساحة مفتوحة لقائمة فتح الرسمية وحدها قد يعني إعادة إنتاج موازين القوى نفسها ولذلك فإن المشاركة الجماعية قد تكون محاولة جريئة لنقل مسار الصراع السياسي من الشارع ومن البيانات والمواقف إلى صندوق الاقتراع الاقوى .
وفق هذه الرؤية يمكن فهم حالة التقارب المستجدة بين حماس والتيار الإصلاحي في فتح بصورة مختلفة عن التفسير التقليدي والمسألة ليست أن دحلان وحماس أصبحا متطابقين سياسيا ولا أن سنوات الصراع بينهما قد اختفت وإنما أن المصالح السياسية الجديدة خلقت نقطة التقاء تقوم على رفض استمرار حالة الاستفراد وعلى الحاجة إلى إعادة ترتيب النظام السياسي من داخله وقد لعبت سنوات طويلة من الاتصالات والتعاون في ملفات اجتماعية ووطنية دورا في فتح هذه المساحة التي كانت تبدو مستحيلة في السابق .
اما منظمة الجهاد الإسلامي فهي تمثل بدورها عاملا مهما في هذه المعادلة لأن مشاركته الانتخابية إذا ما اكتملت ستشكل تحولا تاريخيا في موقف الحركة من الانتخابات التشريعية وهو ما يعني أن المشاركة لا تعكس فقط رغبة في الحصول على مقاعد وإنما إدراكا منها بأن مرحلة جديدة قد تفرض على القوى الفلسطينية إعادة النظر في أدواتها السياسية وفي علاقتها بمؤسسات النظام الوطني .
هنالك عدة عقبات ضخمة تقف أمام هذا التحالف وقد تعيق طريقه أولها أن الاتفاق على مواجهة نهج السلطة أسهل بكثير من الاتفاق على البديل والرفض يمكن أن يوحد أطرافا مختلفة لفترة قصيرة لكن الحكم يحتاج إلى برنامج ومؤسسات وقرارات وتوازنات واضحة وهنا ستظهر الفوارق الحقيقية بين مكونات القائمة .
وثانيها أن نجاح القائمة انتخابيا لا يعني بالضرورة قدرتها على الحكم حتى لو تمكنت من تحقيق كتلة كبيرة فإنها ستدخل في مواجهة مع منظومة سياسية وإدارية وأمنية قوية وقائمة منذ سنوات طويلة وستواجه أسئلة مقيدة حول العلاقة مع الرئاسة ومع منظمة التحرير ومع المجتمع الدولي ومع إسرائيل وهي ملفات لا يمكن التعامل معها بالشعارات والتصريحات فقط .
وثالثها أن الانتخابات نفسها ليست مضمونة من حيث سهولة إجرائها خاصة وان هناك تعقيدات مزمنة تتعلق بغزة والقدس والضفة الغربية إضافة إلى الخلافات حول قانون الانتخابات وشروط الترشح والتمثيل وهي عوامل تجعل الطريق إلى الصناديق محفوفا بعوائق سياسية وميدانية وقانونية اصعب . بناء على كل ما سبق ذكره نرى ان المعركة الحقيقية قد تبدأ قبل يوم الاقتراع بكثير وكلما اقترب موعد الانتخابات ستتعرض القائمة المعارضة لضغوط من داخلها ومن خارجها وسيحاول كل طرف اختبار قدرة الآخرين على الالتزام بالاتفاق كما ستظهر لاحقا مشكلة توزيع المقاعد وترتيب المرشحين وهي من أكثر القضايا حساسية في أي تحالف انتخابي متعدد القوى والاطراف .
للحقيقة قد تكون مشاركة بعض الشخصيات المستقلة هي المفتاح الحقيقي لنجاح المشروع لأن تحويل القائمة من تجمع فصائل إلى قائمة وطنية سيمنحها فرصة أوسع للوصول إلى الناخب الذي لا يريد انتخاب الفصائل بصيغتها القديمة وإنما يريد وجوها جديدة وبرنامجا مختلفا وقد تحدث ناصر القدوة بالفعل عن صيغة لا تقوم على المشاركة الفصائلية المباشرة وتتيح مساحة للشباب والنساء ومختلف الأطياف الفلسطينية وهنا أيضا تكمن نقطة الضعف الكبرى لان الجمهور الفلسطيني قد يتقبل تحالفا بين خصوم الأمس إذا رأى فيه طريقا للخروج من الأزمة لكنه لن يتقبل بسهولة ايضا تحالفا هدفه الوحيد إسقاط قائمة فتح أو إضعاف السلطة من دون أن يقدم بديلا مقنعا ولذلك فإن الاختبار الحقيقي ليس في مقدار الغضب من السلطة وإنما بقدرة هذه القوى على تحويل الغضب إلى مشروع سياسي وطني جديد . على ارض الواقع قد تكون هذه هي الفرصة الأكبر أمام المعارضة الفلسطينية منذ سنوات طويلة لأن الانقسام الذي كان يستخدم لتبرير العجز يمكن أن يتحول هذه المرة إلى دافع لإعادة ترتيب المشهد وإذا نجحت حماس ودحلان والجهاد والجبهة الشعبية والقوى والشخصيات الأخرى في إنتاج مساحة مشتركة فإنها لن تكون قد صنعت قائمة انتخابية فحسب وإنما ستكون قد أثبتت أن الخلافات التاريخية يمكن تجاوزها عندما يصبح الهدف هو إعادة بناء النظام السياسي على أساس المشاركة والشراكة .
في المقابل إذا دخلت هذه القوى الانتخابات بعقلية المحاصصة الفصائلية فإنها قد تحقق عددا من المقاعد لكنها ستخسر المعركة الأكبر لأن الشارع الفلسطيني لا يحتاج إلى تغيير أسماء داخل النظام بقدر حاجته إلى تغيير طريقة إدارة النظام نفسه ومن هنا يبقى السؤال الذي يجب أن يطارد هذه القوى ليس كم مقعدا تستطيع أن تفوز به وإنما ماذا ستفعل في اليوم التالي للفوز وهل تستطيع أن تتفق مسبقا على برنامج لإصلاح المؤسسات وعلى آلية لاتخاذ القرار وعلى رؤية لإعادة بناء منظمة التحرير وعلى قواعد واضحة للشراكة السياسية وعلى ضمان ألا يتحول انتصارها الانتخابي إلى جولة جديدة من الصراع الداخلي السابق .
بالعودة الى انتخابات عام 2006 لقد كانت لحظة فاصلة في التاريخ الفلسطيني لأنها أظهرت أن صناديق الاقتراع قادرة على قلب الموازين لكنها كشفت في الوقت نفسه أن الفوز الانتخابي وحده لا يكفي إذا لم توجد قواعد سياسية تقبل النتائج وتضمن انتقال السلطة بصورة سلمية واليوم تعود المسألة بعد عقدين تقريبا ولكن في ظروف أكثر تعقيدا وأشد حساسية ولذلك فإن التجربة الجديدة لن تحتمل تكرار أخطاء التجربة القديمة باي شكل .
المؤكد سياسيا ان هذه القائمة إذا نجحت في تجاوز خلافاتها قد تصبح أكبر من مجموع مكوناتها لأن اجتماع قوى متباينة في إطار وطني واحد يمكن أن يخلق مركز ثقل ثالث لا يقوم على الثنائية التقليدية بين فتح وحماس بل على فكرة أوسع عنوانها إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وإعادة توزيع الشرعية والقوة داخله وأما إذا فشلت قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع فإن ذلك سيكون انتصارا غير مباشر لمنطق الانقسام وسيؤكد للشارع أن القوى الفلسطينية تستطيع الاتفاق على رفض الواقع لكنها عاجزة عن الاتفاق على خلق البديل .
ختاما : إن انتخابات نوفمبر المقبلة إذا جرت لن تكون مجرد انتخابات تشريعية عادية ولن يكون البحث عمن يفوز ومن يخسر وإنما هل يستطيع الفلسطينيون استخدام الصندوق لإعادة بناء نظامهم السياسي أم سيستخدمون الصندوق مرة أخرى لإعادة إنتاج الانقسام نفسه وهذه اللحظة الفلسطينية الراهنة تضع هذه القوى أمام امتحان تاريخي لا يتكرر كثيرا فإما أن تدخل الانتخابات كفصائل تبحث عن مقاعد وإما أن تدخلها كقوى سياسية تريد إعادة بناء البيت الفلسطيني كله وعندها فقط يمكن القول إن صناديق الاقتراع قد لا تنتج مجلسا تشريعيا جديدا فحسب بل قد تنتج بداية جبهة وطنية جديدة قادرة على كسر احتكار الماضي وفتح الطريق أمام نظام سياسي فلسطيني أكثر تمثيلا وشراكة وقدرة على مواجهة المرحلة المقبلة . كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]
التعليقات