د . مهدي مبارك عبد الله
بعد نحو ستة أشهر من الحرب والمواجهة العسكرية والضغوط السياسية والاقتصادية المتواصلة تبدو إدارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب وكأنها تنتقل من مرحلة إلى أخرى بحثا عن النتيجة التي لم تستطع القوة العسكرية وحدها تحقيقها فبعد كل ما قيل عن قدرة الضربات الأمريكية والإسرائيلية على كسر إرادة إيران وتدمير قدراتها الاستراتيجية وإجبار قيادتها على تغيير مواقفها تبدو طهران حتى الآن بعيدة عن الصورة التي أرادت واشنطن وتل أبيب تقديمها للعالم عن إيران المهزومة والمستسلمة ولذلك جاء التصعيد الاقتصادي الجديد تحت عنوان بالغ الدلالة بفرض ( أشد العقوبات في التاريخ ) وشن حرب اقتصادية ساحقة وعزل إيران بصورة غير مسبوقة وتشديد الحصار على اقتصادها في محاولة تبدو في جوهرها وكأنها جولة أخيرة لترجمة التفوق العسكري الأمريكي إلى استسلام سياسي إيراني .
المفارقة الكبرى في هذه الحرب تكمن بان واشنطن لا تعلن اليوم عن عقوبات جديدة لأنها اكتشفت فجأة أن العقوبات سلاح فعال ضد إيران وإنما لأنها تريد في هذه المرة استخدام الاقتصاد لتحقيق ما لم تستطع تحقيقه بالقوة العسكرية وهي لا تريد فقط خفض صادرات النفط الإيرانية أو تجفيف موارد العملة الصعبة أو خنق المصارف الإيرانية وإنما تريد ايضا دفع إيران إلى قبول شروط سياسية واستراتيجية بالغة القسوة في مقدمتها فتح مضيق هرمز من دون شروط والتراجع عن أوراق القوة العسكرية والإقليمية وكسر هيبة الحرس الثوري وإجبار القيادة الإيرانية على تقديم تنازلات يمكن أن تظهر أمام الداخل الإيراني والعالم باعتبارها هزيمة واضحة ولذلك فإن المعركة الجديدة ليست معركة عقوبات اقتصادية بالمعنى التقليدي وإنما محاولة لإنتاج الاستسلام عبر تأثير الاقتصاد بعدما تعذر فرضه عبر الصواريخ والطائرات والقنابل .
المشكلة التي تواجهها واشنطن في هذه المسالة أن إيران ليست دولة تدخل عالم العقوبات للمرة الأولى وان اقتصادها لم يختبر الحصار وإنما هي دولة عاشت منذ الثورة عام 1979 تحت أشكال مختلفة من العقوبات والحصار وقد تعلمت خلال ما يقرب من خمسة عقود كيف تتعامل مع سياسات الخنق الاقتصادي وكيف تنشئ قنوات تجارية ومالية بديلة وكيف تستخدم الوسطاء والأسواق الرمادية وكيف تحول جزءا كبيرا من اقتصادها إلى اقتصاد مقاومة وكيف تستفيد من علاقاتها مع الصين وروسيا ودول أخرى لتخفيف آثار العقوبات ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه هل تستطيع العقوبات الامريكية الجديدة إيلام إيران الجواب نعم وبقوة ولكنها فعلا لن تستطيع فرض استسلام سياسي عليها وهذان أمران مختلفان تماما .
واقعيا العقوبات الجديدة ستكون بلا شك ثقيلة وستضغط على صادرات النفط وعلى النظام المصرفي وعلى حركة الأموال والاستثمارات وعلى العملة الإيرانية وسترفع كلفة الاستيراد وستزيد الضغوط التضخمية وستضع الشركات والمصارف والدول التي تتعامل مع إيران أمام خطر العقوبات الأمريكية الثانوية التي تهدد بمعاقبة كل من يوفر لطهران اي شريان حياة اقتصادي أو مالي أو تجاري وهذا النوع من العقوبات بالتحديد يمتلك قدرة هائلة على تخويف الشركات والمؤسسات التي لا تريد المخاطرة بخسارة التعامل مع النظام المالي الأمريكي لكن واشنطن تواجه في المقابل مشكلة أساسية تتمثل في أن تطبيق الحصار الكامل على إيران يحتاج إلى تعاون عالمي واسع وهو ما لا يبدو متاحا بسهولة خاصة في ظل رفض الصين للعقوبات الأمريكية الأحادية واستمرارها في شراء النفط الإيراني بالإضافة الى قدرة طهران على استخدام شبكات تجارية ومالية معقدة للالتفاف على القيود والعقوبات .
دخول الصين في قلب المعركة بصورة مؤثرة كان أكبر عمليا مما ظهر في الخطاب الأمريكي المعتاد لأن خنق الاقتصاد الإيراني بصورة كاملة يتطلب في النهاية السيطرة على شريان النفط الإيراني الذي يمثل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة وطالما بقيت الصين مستعدة لشراء كميات كبيرة من النفط الإيراني فإن الحديث عن حصار كامل سيظل أصعب من الإعلان عنه كما أن محاولة إجبار الصين على وقف مشترياتها الإيرانية يمكن أن تحول الحرب على إيران إلى مواجهة اقتصادية أمريكية صينية أوسع في مخاطرها ونتائجها وهو ما قد يفتح جبهة جديدة لا ترغب واشنطن في فتحها في الوقت الذي تخوض فيه أصلا صراعات اقتصادية واستراتيجية متعددة .
الخطر الأبرز يبقى في عقدة مضيق هرمز لأن واشنطن تريد من العقوبات الجديدة أن تجعل إيران تفتح المضيق من دون شروط وهي تتعامل مع هذه المسألة وكأنها نتيجة طبيعية للضغط الأمريكي لكن طهران تنظر إليها بطريقة مختلفة تماما خاصة وان مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي بالنسبة إلى إيران وإنما ورقة استراتيجية تستطيع من خلالها التأثير في سوق الطاقة العالمية ورفع تكلفة الحرب على خصومها ولذلك فإن إجبار إيران على فتحه بالقوة الاقتصادية وحدها قد يكون أكثر تعقيدا من خفض صادراتها النفطية لأن قبول طهران بهذا الشرط تحت الضغط قد يعني بالنسبة إليها التخلي عن واحدة من أهم أوراق الرد التي تملكها في مواجهة واشنطن.
التداعيات السلبية للتصعيد المتواصل بين الطرفين بدأت تظهر بالفعل في أسواق النفط والطاقة مع ارتفاع المخاوف من اضطراب الإمدادات وحركة الملاحة وهو ما يكشف أن العقوبات ليست سلاحا موجها إلى ضد إيران وحدها سيما وان الاقتصاد العالمي مرتبط بصورة مباشرة بأمن الخليج ومضيق هرمز وأي اضطراب طويل في حركة النفط والناقلات سيؤدي حتما إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين والنقل ثم انتقال هذه الزيادة إلى التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا ولذلك فإن الحرب الاقتصادية قد تتحول تدريجيا إلى حرب دولية ذات تكلفة مشتركة بدلا من أن تبقى حربا ذات تكلفة إيرانية فقط .
مع استمرار تفاقم هذه الازمة يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لما قد يجري أولها أن تؤدي العقوبات إلى إنهاك اقتصادي إيراني كبير يدفع القيادة في النهاية إلى العودة إلى التفاوض وتقديم تنازلات جزئية في بعض الملفات وهذا السيناريو ممكن لأن استمرار العقوبات لفترة طويلة سيخلق ضغوطا حقيقية على الاقتصاد والمجتمع الإيراني وقد يدفع طهران إلى البحث عن تسوية تحفظ لها الحد الأدنى من مصالحها وتخفف عنها الحصار لكن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة استسلام إيران وإنما يعني انتقالها من المواجهة المفتوحة إلى المساومة السياسية .
السيناريو الثاني أن تتمكن إيران من امتصاص الضربة الجديدة كما فعلت في العقوبات السابقة وأن تستخدم علاقاتها مع الصين وروسيا وشبكاتها التجارية والمالية لتجاوز الجزء الأكبر من الحصار وفي هذه الحالة ستتحول العقوبات إلى حرب استنزاف طويلة تضر بالاقتصاد الإيراني لكنها لن تعطي النتيجة السياسية التي تريدها واشنطن وهذا السيناريو هو الأكثر خطورة على الإدارة الأمريكية لأن الإعلان عن ( أشد العقوبات في التاريخ ) سيجعل فشلها في هذه المرة أكثر إحراجا إذا بقيت إيران صامدة ولم تفتح مضيق هرمز ولم تتراجع عن أوراق قوتها .
أما السيناريو الثالث هو الأكثر خطورة يتمثل في انتقال الضغط الاقتصادي إلى تصعيد عسكري جديد خاصة إذا لم تستسلم إيران للعقوبات حيث تجد واشنطن نفسها أمام ضرورة استخدام القوة مرة أخرى لإجبارها على تنفيذ الشروط الأمريكية وهنا يمكن أن تدخل المنطقة بأكملها في مرحلة أكثر خطورة لأن إيران التي تتحمل العقوبات تستطيع في المقابل الرد عبر العديد من الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية التي ستجعل كلفة التصعيد مرتفعة على الولايات المتحدة وحلفائها وقد يصبح مضيق هرمز مركز المواجهة الرئيسية بدلا من أن يكون مجرد أحد ملفاتها .
ما يتوجب تقديره امريكيا أن العقوبات الامريكية الجديدة قد تنتهي بنتائج عكسية إذا ما دفعت الإيرانيين إلى مزيد من الالتفاف حول القيادة والحرس الثوري فكلما شعرت إيران بأن الهدف الأمريكي لم يعد تغيير سلوك محدد وإنما إخضاع الدولة وتفكيك منظومة القوة فيها فإن دوافع المقاومة قد تصبح أقوى وقد يتحول الحرس الثوري من مؤسسة عسكرية مستهدفة إلى رمز سياسي مقدس للسيادة الوطنية في نظر قطاعات كثيرة من المجتمع الإيراني وهذا بالضبط ما يجعل الرهان الأمريكي على كسر هيبة الحرس الثوري أكثر صعوبة من الرهان على إضعاف موارده الاقتصادية .
الكثير من الخبراء والمحللين يرون ان العجز الكلي في استراتيجية ترامب ليس في أن العقوبات ضعيفة وإنما في أن الهدف المطلوب منها أكبر بكثير من قدرتها الطبيعية خاصة وان العقوبات تستطيع أن تخنق وتضغط وتؤلم وتستنزف لكنها لا تستطيع وحدها أن تفرض على دولة بحجم وقوة إيران أن تتخلى عن كل أوراقها الاستراتيجية ما لم يترافق الضغط الاقتصادي مع انهيار سياسي داخلي واسع أو هزيمة عسكرية حاسمة أو تسوية كبرى تمنح القيادة الإيرانية مخرجا يحفظ لها ماء الوجه .
اللافت إن وصف العقوبات في هذه المرة بأنها ( الأشد في التاريخ ) قد يكون صحيحا من حيث حجم الأدوات المستخدمة في تطبيقها لكن هذا لا يعني أنها ستكون فعلا الأكثر نجاحا في التاريخ لأن قوة العقوبة تقاس في النهاية بالنتائج التي تحققها وليس بحجم الضجيج السياسي الذي يرافق الإعلان عنها وإذا كانت النتيجة منها مجرد انخفاض صادرات النفط وارتفاع الأسعار وتراجع العملة وازدياد معاناة الإيرانيين من دون تغيير موقف القيادة الإيرانية فإن واشنطن ستكون قد حققت ضغطا اقتصاديا كبيرا لكنها لم تحقق هدفها السياسي المعلن .
الرئيس ترامب بغطرسته وغروره وضع نفسه من جديد أمام اختبار صعب عندما رفع سقف التوقعات إلى مستوى الاستسلام الإيراني لأن الفشل في تحقيق الهدف بعد إعلان العقوبات باعتبارها( الأشد في التاريخ ) سيطرح السؤال الذي يصعب على واشنطن الإجابة عنه ماذا بعد فإذا لم تنجح الحرب وإذا لم ينجح الحصار وإذا لم تنجح العقوبات القصوى فما الورقة التالية وهل تستطيع الولايات المتحدة الذهاب إلى حرب أكبر وأكثر تكلفة من دون ضمان النتيجة أم أنها ستضطر في النهاية إلى العودة إلى طاولة التفاوض التي حاولت طوال هذه الفترة إضعافها .
ربما يكون هذا هو الفخ الخطير في استراتيجية الضغط الأقصى لأن إيران لا تحتاج بالضرورة إلى الانتصار الكامل حتى تعتبر نفسها ناجحة في هذه المواجهة بل يكفيها ألا تستسلم وأن تمنع واشنطن من فرض شروطها وأن تبقي مضيق هرمز ورقة تفاوضية وأن تحافظ على جزء من صادراتها النفطية وأن تستمر في بناء قنوات اقتصادية مفتوحة مع الصين وروسيا وأن تمنع كسر الحرس الثوري أو تفكيك منظومة الردع لديها وإذا تحقق ذلك فإن الحرب ستنتقل امريكيا من محاولة إسقاط إيران إلى محاولة البحث عن مخرج مقبول منها .
السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس هل تستطيع أمريكا فرض ( أشد العقوبات في التاريخ ) على إيران لأنها تستطيع ذلك بالفعل وإنما هل تستطيع بهذه العقوبات أن تجعل إيران تخضع وتستسلم والراجح أن الطريق بين العقوبات والاستسلام أطول بكثير مما تتصوره واشنطن لأن إيران تستطيع أن تدفع ثمنا اقتصاديا هائلا من أجل الحفاظ على قرارها السياسي بينما ستجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة في المقابل إلى حساب تكلفة كل يوم إضافي من الحرب على النفط والأسواق والملاحة والاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأمريكي نفسه .
ختاما : قد تكون العقوبات الجديدة في النهاية أشد العقوبات التي فرضتها واشنطن على إيران لكنها ليست بالضرورة أقوى سلاح يمكن أن تستخدمه ضد إرادة دولة اعتادت العقوبات وتعلمت كيف تعيش معها وإذا تحولت هذه العقوبات إلى مجرد مرحلة جديدة من الاستنزاف فإنها لن تكون الضربة القاضية التي وعد بها ترامب وإنما قد تتحول إلى فقاعات سياسية جديدة في سماء المنطقة سرعان ما تتبدد أمام حقيقة أكثر صلابة وهي أن القوة تستطيع أن تفرض الحرب والحصار لكنها لا تستطيع دائما أن تفرض الهزيمة والاستسلام وأن إيران قد تقبل التفاوض تحت الضغط لكنها لن تفتح مضيق هرمز وتكسر هيبة حرسها الثوري وترفع الراية البيضاء لمجرد أن واشنطن أعلنت أن عقوباتها الجديدة في هذه المرحلة ستكون الأشد في التاريخ . كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]
د . مهدي مبارك عبد الله
بعد نحو ستة أشهر من الحرب والمواجهة العسكرية والضغوط السياسية والاقتصادية المتواصلة تبدو إدارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب وكأنها تنتقل من مرحلة إلى أخرى بحثا عن النتيجة التي لم تستطع القوة العسكرية وحدها تحقيقها فبعد كل ما قيل عن قدرة الضربات الأمريكية والإسرائيلية على كسر إرادة إيران وتدمير قدراتها الاستراتيجية وإجبار قيادتها على تغيير مواقفها تبدو طهران حتى الآن بعيدة عن الصورة التي أرادت واشنطن وتل أبيب تقديمها للعالم عن إيران المهزومة والمستسلمة ولذلك جاء التصعيد الاقتصادي الجديد تحت عنوان بالغ الدلالة بفرض ( أشد العقوبات في التاريخ ) وشن حرب اقتصادية ساحقة وعزل إيران بصورة غير مسبوقة وتشديد الحصار على اقتصادها في محاولة تبدو في جوهرها وكأنها جولة أخيرة لترجمة التفوق العسكري الأمريكي إلى استسلام سياسي إيراني .
المفارقة الكبرى في هذه الحرب تكمن بان واشنطن لا تعلن اليوم عن عقوبات جديدة لأنها اكتشفت فجأة أن العقوبات سلاح فعال ضد إيران وإنما لأنها تريد في هذه المرة استخدام الاقتصاد لتحقيق ما لم تستطع تحقيقه بالقوة العسكرية وهي لا تريد فقط خفض صادرات النفط الإيرانية أو تجفيف موارد العملة الصعبة أو خنق المصارف الإيرانية وإنما تريد ايضا دفع إيران إلى قبول شروط سياسية واستراتيجية بالغة القسوة في مقدمتها فتح مضيق هرمز من دون شروط والتراجع عن أوراق القوة العسكرية والإقليمية وكسر هيبة الحرس الثوري وإجبار القيادة الإيرانية على تقديم تنازلات يمكن أن تظهر أمام الداخل الإيراني والعالم باعتبارها هزيمة واضحة ولذلك فإن المعركة الجديدة ليست معركة عقوبات اقتصادية بالمعنى التقليدي وإنما محاولة لإنتاج الاستسلام عبر تأثير الاقتصاد بعدما تعذر فرضه عبر الصواريخ والطائرات والقنابل .
المشكلة التي تواجهها واشنطن في هذه المسالة أن إيران ليست دولة تدخل عالم العقوبات للمرة الأولى وان اقتصادها لم يختبر الحصار وإنما هي دولة عاشت منذ الثورة عام 1979 تحت أشكال مختلفة من العقوبات والحصار وقد تعلمت خلال ما يقرب من خمسة عقود كيف تتعامل مع سياسات الخنق الاقتصادي وكيف تنشئ قنوات تجارية ومالية بديلة وكيف تستخدم الوسطاء والأسواق الرمادية وكيف تحول جزءا كبيرا من اقتصادها إلى اقتصاد مقاومة وكيف تستفيد من علاقاتها مع الصين وروسيا ودول أخرى لتخفيف آثار العقوبات ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه هل تستطيع العقوبات الامريكية الجديدة إيلام إيران الجواب نعم وبقوة ولكنها فعلا لن تستطيع فرض استسلام سياسي عليها وهذان أمران مختلفان تماما .
واقعيا العقوبات الجديدة ستكون بلا شك ثقيلة وستضغط على صادرات النفط وعلى النظام المصرفي وعلى حركة الأموال والاستثمارات وعلى العملة الإيرانية وسترفع كلفة الاستيراد وستزيد الضغوط التضخمية وستضع الشركات والمصارف والدول التي تتعامل مع إيران أمام خطر العقوبات الأمريكية الثانوية التي تهدد بمعاقبة كل من يوفر لطهران اي شريان حياة اقتصادي أو مالي أو تجاري وهذا النوع من العقوبات بالتحديد يمتلك قدرة هائلة على تخويف الشركات والمؤسسات التي لا تريد المخاطرة بخسارة التعامل مع النظام المالي الأمريكي لكن واشنطن تواجه في المقابل مشكلة أساسية تتمثل في أن تطبيق الحصار الكامل على إيران يحتاج إلى تعاون عالمي واسع وهو ما لا يبدو متاحا بسهولة خاصة في ظل رفض الصين للعقوبات الأمريكية الأحادية واستمرارها في شراء النفط الإيراني بالإضافة الى قدرة طهران على استخدام شبكات تجارية ومالية معقدة للالتفاف على القيود والعقوبات .
دخول الصين في قلب المعركة بصورة مؤثرة كان أكبر عمليا مما ظهر في الخطاب الأمريكي المعتاد لأن خنق الاقتصاد الإيراني بصورة كاملة يتطلب في النهاية السيطرة على شريان النفط الإيراني الذي يمثل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة وطالما بقيت الصين مستعدة لشراء كميات كبيرة من النفط الإيراني فإن الحديث عن حصار كامل سيظل أصعب من الإعلان عنه كما أن محاولة إجبار الصين على وقف مشترياتها الإيرانية يمكن أن تحول الحرب على إيران إلى مواجهة اقتصادية أمريكية صينية أوسع في مخاطرها ونتائجها وهو ما قد يفتح جبهة جديدة لا ترغب واشنطن في فتحها في الوقت الذي تخوض فيه أصلا صراعات اقتصادية واستراتيجية متعددة .
الخطر الأبرز يبقى في عقدة مضيق هرمز لأن واشنطن تريد من العقوبات الجديدة أن تجعل إيران تفتح المضيق من دون شروط وهي تتعامل مع هذه المسألة وكأنها نتيجة طبيعية للضغط الأمريكي لكن طهران تنظر إليها بطريقة مختلفة تماما خاصة وان مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي بالنسبة إلى إيران وإنما ورقة استراتيجية تستطيع من خلالها التأثير في سوق الطاقة العالمية ورفع تكلفة الحرب على خصومها ولذلك فإن إجبار إيران على فتحه بالقوة الاقتصادية وحدها قد يكون أكثر تعقيدا من خفض صادراتها النفطية لأن قبول طهران بهذا الشرط تحت الضغط قد يعني بالنسبة إليها التخلي عن واحدة من أهم أوراق الرد التي تملكها في مواجهة واشنطن.
التداعيات السلبية للتصعيد المتواصل بين الطرفين بدأت تظهر بالفعل في أسواق النفط والطاقة مع ارتفاع المخاوف من اضطراب الإمدادات وحركة الملاحة وهو ما يكشف أن العقوبات ليست سلاحا موجها إلى ضد إيران وحدها سيما وان الاقتصاد العالمي مرتبط بصورة مباشرة بأمن الخليج ومضيق هرمز وأي اضطراب طويل في حركة النفط والناقلات سيؤدي حتما إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين والنقل ثم انتقال هذه الزيادة إلى التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا ولذلك فإن الحرب الاقتصادية قد تتحول تدريجيا إلى حرب دولية ذات تكلفة مشتركة بدلا من أن تبقى حربا ذات تكلفة إيرانية فقط .
مع استمرار تفاقم هذه الازمة يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لما قد يجري أولها أن تؤدي العقوبات إلى إنهاك اقتصادي إيراني كبير يدفع القيادة في النهاية إلى العودة إلى التفاوض وتقديم تنازلات جزئية في بعض الملفات وهذا السيناريو ممكن لأن استمرار العقوبات لفترة طويلة سيخلق ضغوطا حقيقية على الاقتصاد والمجتمع الإيراني وقد يدفع طهران إلى البحث عن تسوية تحفظ لها الحد الأدنى من مصالحها وتخفف عنها الحصار لكن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة استسلام إيران وإنما يعني انتقالها من المواجهة المفتوحة إلى المساومة السياسية .
السيناريو الثاني أن تتمكن إيران من امتصاص الضربة الجديدة كما فعلت في العقوبات السابقة وأن تستخدم علاقاتها مع الصين وروسيا وشبكاتها التجارية والمالية لتجاوز الجزء الأكبر من الحصار وفي هذه الحالة ستتحول العقوبات إلى حرب استنزاف طويلة تضر بالاقتصاد الإيراني لكنها لن تعطي النتيجة السياسية التي تريدها واشنطن وهذا السيناريو هو الأكثر خطورة على الإدارة الأمريكية لأن الإعلان عن ( أشد العقوبات في التاريخ ) سيجعل فشلها في هذه المرة أكثر إحراجا إذا بقيت إيران صامدة ولم تفتح مضيق هرمز ولم تتراجع عن أوراق قوتها .
أما السيناريو الثالث هو الأكثر خطورة يتمثل في انتقال الضغط الاقتصادي إلى تصعيد عسكري جديد خاصة إذا لم تستسلم إيران للعقوبات حيث تجد واشنطن نفسها أمام ضرورة استخدام القوة مرة أخرى لإجبارها على تنفيذ الشروط الأمريكية وهنا يمكن أن تدخل المنطقة بأكملها في مرحلة أكثر خطورة لأن إيران التي تتحمل العقوبات تستطيع في المقابل الرد عبر العديد من الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية التي ستجعل كلفة التصعيد مرتفعة على الولايات المتحدة وحلفائها وقد يصبح مضيق هرمز مركز المواجهة الرئيسية بدلا من أن يكون مجرد أحد ملفاتها .
ما يتوجب تقديره امريكيا أن العقوبات الامريكية الجديدة قد تنتهي بنتائج عكسية إذا ما دفعت الإيرانيين إلى مزيد من الالتفاف حول القيادة والحرس الثوري فكلما شعرت إيران بأن الهدف الأمريكي لم يعد تغيير سلوك محدد وإنما إخضاع الدولة وتفكيك منظومة القوة فيها فإن دوافع المقاومة قد تصبح أقوى وقد يتحول الحرس الثوري من مؤسسة عسكرية مستهدفة إلى رمز سياسي مقدس للسيادة الوطنية في نظر قطاعات كثيرة من المجتمع الإيراني وهذا بالضبط ما يجعل الرهان الأمريكي على كسر هيبة الحرس الثوري أكثر صعوبة من الرهان على إضعاف موارده الاقتصادية .
الكثير من الخبراء والمحللين يرون ان العجز الكلي في استراتيجية ترامب ليس في أن العقوبات ضعيفة وإنما في أن الهدف المطلوب منها أكبر بكثير من قدرتها الطبيعية خاصة وان العقوبات تستطيع أن تخنق وتضغط وتؤلم وتستنزف لكنها لا تستطيع وحدها أن تفرض على دولة بحجم وقوة إيران أن تتخلى عن كل أوراقها الاستراتيجية ما لم يترافق الضغط الاقتصادي مع انهيار سياسي داخلي واسع أو هزيمة عسكرية حاسمة أو تسوية كبرى تمنح القيادة الإيرانية مخرجا يحفظ لها ماء الوجه .
اللافت إن وصف العقوبات في هذه المرة بأنها ( الأشد في التاريخ ) قد يكون صحيحا من حيث حجم الأدوات المستخدمة في تطبيقها لكن هذا لا يعني أنها ستكون فعلا الأكثر نجاحا في التاريخ لأن قوة العقوبة تقاس في النهاية بالنتائج التي تحققها وليس بحجم الضجيج السياسي الذي يرافق الإعلان عنها وإذا كانت النتيجة منها مجرد انخفاض صادرات النفط وارتفاع الأسعار وتراجع العملة وازدياد معاناة الإيرانيين من دون تغيير موقف القيادة الإيرانية فإن واشنطن ستكون قد حققت ضغطا اقتصاديا كبيرا لكنها لم تحقق هدفها السياسي المعلن .
الرئيس ترامب بغطرسته وغروره وضع نفسه من جديد أمام اختبار صعب عندما رفع سقف التوقعات إلى مستوى الاستسلام الإيراني لأن الفشل في تحقيق الهدف بعد إعلان العقوبات باعتبارها( الأشد في التاريخ ) سيطرح السؤال الذي يصعب على واشنطن الإجابة عنه ماذا بعد فإذا لم تنجح الحرب وإذا لم ينجح الحصار وإذا لم تنجح العقوبات القصوى فما الورقة التالية وهل تستطيع الولايات المتحدة الذهاب إلى حرب أكبر وأكثر تكلفة من دون ضمان النتيجة أم أنها ستضطر في النهاية إلى العودة إلى طاولة التفاوض التي حاولت طوال هذه الفترة إضعافها .
ربما يكون هذا هو الفخ الخطير في استراتيجية الضغط الأقصى لأن إيران لا تحتاج بالضرورة إلى الانتصار الكامل حتى تعتبر نفسها ناجحة في هذه المواجهة بل يكفيها ألا تستسلم وأن تمنع واشنطن من فرض شروطها وأن تبقي مضيق هرمز ورقة تفاوضية وأن تحافظ على جزء من صادراتها النفطية وأن تستمر في بناء قنوات اقتصادية مفتوحة مع الصين وروسيا وأن تمنع كسر الحرس الثوري أو تفكيك منظومة الردع لديها وإذا تحقق ذلك فإن الحرب ستنتقل امريكيا من محاولة إسقاط إيران إلى محاولة البحث عن مخرج مقبول منها .
السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس هل تستطيع أمريكا فرض ( أشد العقوبات في التاريخ ) على إيران لأنها تستطيع ذلك بالفعل وإنما هل تستطيع بهذه العقوبات أن تجعل إيران تخضع وتستسلم والراجح أن الطريق بين العقوبات والاستسلام أطول بكثير مما تتصوره واشنطن لأن إيران تستطيع أن تدفع ثمنا اقتصاديا هائلا من أجل الحفاظ على قرارها السياسي بينما ستجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة في المقابل إلى حساب تكلفة كل يوم إضافي من الحرب على النفط والأسواق والملاحة والاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأمريكي نفسه .
ختاما : قد تكون العقوبات الجديدة في النهاية أشد العقوبات التي فرضتها واشنطن على إيران لكنها ليست بالضرورة أقوى سلاح يمكن أن تستخدمه ضد إرادة دولة اعتادت العقوبات وتعلمت كيف تعيش معها وإذا تحولت هذه العقوبات إلى مجرد مرحلة جديدة من الاستنزاف فإنها لن تكون الضربة القاضية التي وعد بها ترامب وإنما قد تتحول إلى فقاعات سياسية جديدة في سماء المنطقة سرعان ما تتبدد أمام حقيقة أكثر صلابة وهي أن القوة تستطيع أن تفرض الحرب والحصار لكنها لا تستطيع دائما أن تفرض الهزيمة والاستسلام وأن إيران قد تقبل التفاوض تحت الضغط لكنها لن تفتح مضيق هرمز وتكسر هيبة حرسها الثوري وترفع الراية البيضاء لمجرد أن واشنطن أعلنت أن عقوباتها الجديدة في هذه المرحلة ستكون الأشد في التاريخ . كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]
د . مهدي مبارك عبد الله
بعد نحو ستة أشهر من الحرب والمواجهة العسكرية والضغوط السياسية والاقتصادية المتواصلة تبدو إدارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب وكأنها تنتقل من مرحلة إلى أخرى بحثا عن النتيجة التي لم تستطع القوة العسكرية وحدها تحقيقها فبعد كل ما قيل عن قدرة الضربات الأمريكية والإسرائيلية على كسر إرادة إيران وتدمير قدراتها الاستراتيجية وإجبار قيادتها على تغيير مواقفها تبدو طهران حتى الآن بعيدة عن الصورة التي أرادت واشنطن وتل أبيب تقديمها للعالم عن إيران المهزومة والمستسلمة ولذلك جاء التصعيد الاقتصادي الجديد تحت عنوان بالغ الدلالة بفرض ( أشد العقوبات في التاريخ ) وشن حرب اقتصادية ساحقة وعزل إيران بصورة غير مسبوقة وتشديد الحصار على اقتصادها في محاولة تبدو في جوهرها وكأنها جولة أخيرة لترجمة التفوق العسكري الأمريكي إلى استسلام سياسي إيراني .
المفارقة الكبرى في هذه الحرب تكمن بان واشنطن لا تعلن اليوم عن عقوبات جديدة لأنها اكتشفت فجأة أن العقوبات سلاح فعال ضد إيران وإنما لأنها تريد في هذه المرة استخدام الاقتصاد لتحقيق ما لم تستطع تحقيقه بالقوة العسكرية وهي لا تريد فقط خفض صادرات النفط الإيرانية أو تجفيف موارد العملة الصعبة أو خنق المصارف الإيرانية وإنما تريد ايضا دفع إيران إلى قبول شروط سياسية واستراتيجية بالغة القسوة في مقدمتها فتح مضيق هرمز من دون شروط والتراجع عن أوراق القوة العسكرية والإقليمية وكسر هيبة الحرس الثوري وإجبار القيادة الإيرانية على تقديم تنازلات يمكن أن تظهر أمام الداخل الإيراني والعالم باعتبارها هزيمة واضحة ولذلك فإن المعركة الجديدة ليست معركة عقوبات اقتصادية بالمعنى التقليدي وإنما محاولة لإنتاج الاستسلام عبر تأثير الاقتصاد بعدما تعذر فرضه عبر الصواريخ والطائرات والقنابل .
المشكلة التي تواجهها واشنطن في هذه المسالة أن إيران ليست دولة تدخل عالم العقوبات للمرة الأولى وان اقتصادها لم يختبر الحصار وإنما هي دولة عاشت منذ الثورة عام 1979 تحت أشكال مختلفة من العقوبات والحصار وقد تعلمت خلال ما يقرب من خمسة عقود كيف تتعامل مع سياسات الخنق الاقتصادي وكيف تنشئ قنوات تجارية ومالية بديلة وكيف تستخدم الوسطاء والأسواق الرمادية وكيف تحول جزءا كبيرا من اقتصادها إلى اقتصاد مقاومة وكيف تستفيد من علاقاتها مع الصين وروسيا ودول أخرى لتخفيف آثار العقوبات ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه هل تستطيع العقوبات الامريكية الجديدة إيلام إيران الجواب نعم وبقوة ولكنها فعلا لن تستطيع فرض استسلام سياسي عليها وهذان أمران مختلفان تماما .
واقعيا العقوبات الجديدة ستكون بلا شك ثقيلة وستضغط على صادرات النفط وعلى النظام المصرفي وعلى حركة الأموال والاستثمارات وعلى العملة الإيرانية وسترفع كلفة الاستيراد وستزيد الضغوط التضخمية وستضع الشركات والمصارف والدول التي تتعامل مع إيران أمام خطر العقوبات الأمريكية الثانوية التي تهدد بمعاقبة كل من يوفر لطهران اي شريان حياة اقتصادي أو مالي أو تجاري وهذا النوع من العقوبات بالتحديد يمتلك قدرة هائلة على تخويف الشركات والمؤسسات التي لا تريد المخاطرة بخسارة التعامل مع النظام المالي الأمريكي لكن واشنطن تواجه في المقابل مشكلة أساسية تتمثل في أن تطبيق الحصار الكامل على إيران يحتاج إلى تعاون عالمي واسع وهو ما لا يبدو متاحا بسهولة خاصة في ظل رفض الصين للعقوبات الأمريكية الأحادية واستمرارها في شراء النفط الإيراني بالإضافة الى قدرة طهران على استخدام شبكات تجارية ومالية معقدة للالتفاف على القيود والعقوبات .
دخول الصين في قلب المعركة بصورة مؤثرة كان أكبر عمليا مما ظهر في الخطاب الأمريكي المعتاد لأن خنق الاقتصاد الإيراني بصورة كاملة يتطلب في النهاية السيطرة على شريان النفط الإيراني الذي يمثل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة وطالما بقيت الصين مستعدة لشراء كميات كبيرة من النفط الإيراني فإن الحديث عن حصار كامل سيظل أصعب من الإعلان عنه كما أن محاولة إجبار الصين على وقف مشترياتها الإيرانية يمكن أن تحول الحرب على إيران إلى مواجهة اقتصادية أمريكية صينية أوسع في مخاطرها ونتائجها وهو ما قد يفتح جبهة جديدة لا ترغب واشنطن في فتحها في الوقت الذي تخوض فيه أصلا صراعات اقتصادية واستراتيجية متعددة .
الخطر الأبرز يبقى في عقدة مضيق هرمز لأن واشنطن تريد من العقوبات الجديدة أن تجعل إيران تفتح المضيق من دون شروط وهي تتعامل مع هذه المسألة وكأنها نتيجة طبيعية للضغط الأمريكي لكن طهران تنظر إليها بطريقة مختلفة تماما خاصة وان مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي بالنسبة إلى إيران وإنما ورقة استراتيجية تستطيع من خلالها التأثير في سوق الطاقة العالمية ورفع تكلفة الحرب على خصومها ولذلك فإن إجبار إيران على فتحه بالقوة الاقتصادية وحدها قد يكون أكثر تعقيدا من خفض صادراتها النفطية لأن قبول طهران بهذا الشرط تحت الضغط قد يعني بالنسبة إليها التخلي عن واحدة من أهم أوراق الرد التي تملكها في مواجهة واشنطن.
التداعيات السلبية للتصعيد المتواصل بين الطرفين بدأت تظهر بالفعل في أسواق النفط والطاقة مع ارتفاع المخاوف من اضطراب الإمدادات وحركة الملاحة وهو ما يكشف أن العقوبات ليست سلاحا موجها إلى ضد إيران وحدها سيما وان الاقتصاد العالمي مرتبط بصورة مباشرة بأمن الخليج ومضيق هرمز وأي اضطراب طويل في حركة النفط والناقلات سيؤدي حتما إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين والنقل ثم انتقال هذه الزيادة إلى التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا ولذلك فإن الحرب الاقتصادية قد تتحول تدريجيا إلى حرب دولية ذات تكلفة مشتركة بدلا من أن تبقى حربا ذات تكلفة إيرانية فقط .
مع استمرار تفاقم هذه الازمة يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لما قد يجري أولها أن تؤدي العقوبات إلى إنهاك اقتصادي إيراني كبير يدفع القيادة في النهاية إلى العودة إلى التفاوض وتقديم تنازلات جزئية في بعض الملفات وهذا السيناريو ممكن لأن استمرار العقوبات لفترة طويلة سيخلق ضغوطا حقيقية على الاقتصاد والمجتمع الإيراني وقد يدفع طهران إلى البحث عن تسوية تحفظ لها الحد الأدنى من مصالحها وتخفف عنها الحصار لكن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة استسلام إيران وإنما يعني انتقالها من المواجهة المفتوحة إلى المساومة السياسية .
السيناريو الثاني أن تتمكن إيران من امتصاص الضربة الجديدة كما فعلت في العقوبات السابقة وأن تستخدم علاقاتها مع الصين وروسيا وشبكاتها التجارية والمالية لتجاوز الجزء الأكبر من الحصار وفي هذه الحالة ستتحول العقوبات إلى حرب استنزاف طويلة تضر بالاقتصاد الإيراني لكنها لن تعطي النتيجة السياسية التي تريدها واشنطن وهذا السيناريو هو الأكثر خطورة على الإدارة الأمريكية لأن الإعلان عن ( أشد العقوبات في التاريخ ) سيجعل فشلها في هذه المرة أكثر إحراجا إذا بقيت إيران صامدة ولم تفتح مضيق هرمز ولم تتراجع عن أوراق قوتها .
أما السيناريو الثالث هو الأكثر خطورة يتمثل في انتقال الضغط الاقتصادي إلى تصعيد عسكري جديد خاصة إذا لم تستسلم إيران للعقوبات حيث تجد واشنطن نفسها أمام ضرورة استخدام القوة مرة أخرى لإجبارها على تنفيذ الشروط الأمريكية وهنا يمكن أن تدخل المنطقة بأكملها في مرحلة أكثر خطورة لأن إيران التي تتحمل العقوبات تستطيع في المقابل الرد عبر العديد من الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية التي ستجعل كلفة التصعيد مرتفعة على الولايات المتحدة وحلفائها وقد يصبح مضيق هرمز مركز المواجهة الرئيسية بدلا من أن يكون مجرد أحد ملفاتها .
ما يتوجب تقديره امريكيا أن العقوبات الامريكية الجديدة قد تنتهي بنتائج عكسية إذا ما دفعت الإيرانيين إلى مزيد من الالتفاف حول القيادة والحرس الثوري فكلما شعرت إيران بأن الهدف الأمريكي لم يعد تغيير سلوك محدد وإنما إخضاع الدولة وتفكيك منظومة القوة فيها فإن دوافع المقاومة قد تصبح أقوى وقد يتحول الحرس الثوري من مؤسسة عسكرية مستهدفة إلى رمز سياسي مقدس للسيادة الوطنية في نظر قطاعات كثيرة من المجتمع الإيراني وهذا بالضبط ما يجعل الرهان الأمريكي على كسر هيبة الحرس الثوري أكثر صعوبة من الرهان على إضعاف موارده الاقتصادية .
الكثير من الخبراء والمحللين يرون ان العجز الكلي في استراتيجية ترامب ليس في أن العقوبات ضعيفة وإنما في أن الهدف المطلوب منها أكبر بكثير من قدرتها الطبيعية خاصة وان العقوبات تستطيع أن تخنق وتضغط وتؤلم وتستنزف لكنها لا تستطيع وحدها أن تفرض على دولة بحجم وقوة إيران أن تتخلى عن كل أوراقها الاستراتيجية ما لم يترافق الضغط الاقتصادي مع انهيار سياسي داخلي واسع أو هزيمة عسكرية حاسمة أو تسوية كبرى تمنح القيادة الإيرانية مخرجا يحفظ لها ماء الوجه .
اللافت إن وصف العقوبات في هذه المرة بأنها ( الأشد في التاريخ ) قد يكون صحيحا من حيث حجم الأدوات المستخدمة في تطبيقها لكن هذا لا يعني أنها ستكون فعلا الأكثر نجاحا في التاريخ لأن قوة العقوبة تقاس في النهاية بالنتائج التي تحققها وليس بحجم الضجيج السياسي الذي يرافق الإعلان عنها وإذا كانت النتيجة منها مجرد انخفاض صادرات النفط وارتفاع الأسعار وتراجع العملة وازدياد معاناة الإيرانيين من دون تغيير موقف القيادة الإيرانية فإن واشنطن ستكون قد حققت ضغطا اقتصاديا كبيرا لكنها لم تحقق هدفها السياسي المعلن .
الرئيس ترامب بغطرسته وغروره وضع نفسه من جديد أمام اختبار صعب عندما رفع سقف التوقعات إلى مستوى الاستسلام الإيراني لأن الفشل في تحقيق الهدف بعد إعلان العقوبات باعتبارها( الأشد في التاريخ ) سيطرح السؤال الذي يصعب على واشنطن الإجابة عنه ماذا بعد فإذا لم تنجح الحرب وإذا لم ينجح الحصار وإذا لم تنجح العقوبات القصوى فما الورقة التالية وهل تستطيع الولايات المتحدة الذهاب إلى حرب أكبر وأكثر تكلفة من دون ضمان النتيجة أم أنها ستضطر في النهاية إلى العودة إلى طاولة التفاوض التي حاولت طوال هذه الفترة إضعافها .
ربما يكون هذا هو الفخ الخطير في استراتيجية الضغط الأقصى لأن إيران لا تحتاج بالضرورة إلى الانتصار الكامل حتى تعتبر نفسها ناجحة في هذه المواجهة بل يكفيها ألا تستسلم وأن تمنع واشنطن من فرض شروطها وأن تبقي مضيق هرمز ورقة تفاوضية وأن تحافظ على جزء من صادراتها النفطية وأن تستمر في بناء قنوات اقتصادية مفتوحة مع الصين وروسيا وأن تمنع كسر الحرس الثوري أو تفكيك منظومة الردع لديها وإذا تحقق ذلك فإن الحرب ستنتقل امريكيا من محاولة إسقاط إيران إلى محاولة البحث عن مخرج مقبول منها .
السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس هل تستطيع أمريكا فرض ( أشد العقوبات في التاريخ ) على إيران لأنها تستطيع ذلك بالفعل وإنما هل تستطيع بهذه العقوبات أن تجعل إيران تخضع وتستسلم والراجح أن الطريق بين العقوبات والاستسلام أطول بكثير مما تتصوره واشنطن لأن إيران تستطيع أن تدفع ثمنا اقتصاديا هائلا من أجل الحفاظ على قرارها السياسي بينما ستجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة في المقابل إلى حساب تكلفة كل يوم إضافي من الحرب على النفط والأسواق والملاحة والاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأمريكي نفسه .
ختاما : قد تكون العقوبات الجديدة في النهاية أشد العقوبات التي فرضتها واشنطن على إيران لكنها ليست بالضرورة أقوى سلاح يمكن أن تستخدمه ضد إرادة دولة اعتادت العقوبات وتعلمت كيف تعيش معها وإذا تحولت هذه العقوبات إلى مجرد مرحلة جديدة من الاستنزاف فإنها لن تكون الضربة القاضية التي وعد بها ترامب وإنما قد تتحول إلى فقاعات سياسية جديدة في سماء المنطقة سرعان ما تتبدد أمام حقيقة أكثر صلابة وهي أن القوة تستطيع أن تفرض الحرب والحصار لكنها لا تستطيع دائما أن تفرض الهزيمة والاستسلام وأن إيران قد تقبل التفاوض تحت الضغط لكنها لن تفتح مضيق هرمز وتكسر هيبة حرسها الثوري وترفع الراية البيضاء لمجرد أن واشنطن أعلنت أن عقوباتها الجديدة في هذه المرحلة ستكون الأشد في التاريخ . كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]
التعليقات