د . مهدي مبارك عبد الله
هذا المقال قراءة في سيكولوجية نتنياهو السياسية وعلاقته بترامب ووظيفة الحرب في السياسة الإسرائيلية . مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة يعود قطاع غزة مجدداً إلى قلب الحسابات السياسية في تل أبيب ليس باعتباره ملفاً أمنياً فقط بل كورقة انتخابية قد يستخدمها بنيامين نتنياهو في معركة مصيرية تهدد مستقبله السياسي وربما حريته الشخصية.
بعد أكثر من ثلاثة عقود في صدارة المشهد الإسرائيلي يدرك نتنياهو أن انتهاء الحرب من دون إعلان انتصار واضح قد يعني فتح الباب أمام لجان التحقيق وتحميله المسؤولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر فضلاً عن فقدان الغطاء السياسي الذي توفره له حالة الطوارئ المستمرة ولهذا يرى مراقبون إسرائيليون أن استمرار التوتر أو العودة إلى التصعيد في غزة قد يكون بالنسبة له وسيلة لإعادة مناسبة لترتيب المشهد الداخلي وفرض الأمن كعنوان وحيد للانتخابات.
بمتابعة التسلسل الزمني لحقبة نتنياهو يبدو لنا انه قام بتوظيف الملفات الأمنية في جميع معاركه الانتخابية حيث أثبت طوال سنوات حكمه أنه الأكثر قدرة داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية على تحويل المخاوف الأمنية إلى رصيد انتخابي مستفيداً من صورة رجل الأمن الذي لا غنى عنه في مواجهة التهديدات الخارجية اللافت انه خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب حصل نتنياهو على دعم سياسي غير مسبوق من البيت الأبيض مكّنه من تحقيق خطوات استراتيجية اعتبرها اليمين الإسرائيلي انتصارات تاريخية من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل إلى نقل السفارة الأميركية إليها وصولاً إلى دعم سياسات الاستيطان والتعامل مع قضايا الصراع الفلسطيني بمنظور متشدد أقرب إلى رؤية اليمين الإسرائيلي إضافة إلى دفع اتفاقيات التطبيع العربية مع إسرائيل التي اعتبرها إنجازاً دبلوماسياً كبيراً.
لكن المعادلة اليوم تبدو أكثر تعقيداً وترامب الذي كان في السابق شريكاً استراتيجياً لنتنياهو بات ينظر إلى الحروب الإقليمية من زاوية مختلفة ويسعى إلى تقديم نفسه باعتباره رجل الصفقات وإنهاء النزاعات وهو ما قد يصطدم مع رغبة نتنياهو في إبقاء حالة الحرب مفتوحة باعتبارها مظلة سياسية تحميه من الملاحقة القانونية داخلياً .
السؤال المركزي الذي يطرح نفسه في هذا السياق هل سيغامر نتنياهو بإعادة إشعال غزة رغم الضغوط الأميركية والدولية أم سيكتفي بإدارة صراع محدود يبقيه في صورة القائد الأمني العظيم القادر على حماية إسرائيل حتى موعد الانتخابات . خلال اعادة دراسة التجربة السياسية لنتنياهو نلحظ إنه لطالما راهن على الأزمات للبقاء في المنصب لكن المعضلة هذه المرة أن الحرب التي كانت مصدر قوته الانتخابية قد تتحول إلى العبء الأكبر الذي يهدد مستقبله خصوصا بعدما أصبحت غزة ليست مجرد جبهة عسكرية يسيطر عليها متى شاء بل لكونها ابتت ملفاً دولياً وأخلاقياً وقانونياً يلاحق إسرائيل وقيادتها عبر المحاكم الدولية , في العمق لعل أهم ما يكشفه السلوك السياسي لنتنياهو خلال سنوات حكمه أن الحرب لم تكن بالنسبة له مجرد خيار عسكري بل كانت في كثير من الأحيان أداة لإعادة تشكيل البيئة السياسية الداخلية ومنذ وصوله إلى رئاسة الحكومة بنى جزءاً كبيراً من شرعيته على تقديم نفسه باعتباره حارس أمن إسرائيل القادر على مواجهة كافة المخاطر الخارجية ولذلك فإن أي تهدئة طويلة في غزة قد تحرمه من أهم عناصر خطابه السياسي خاصة وان الحرب بالنسبة له لا تعني فقط مواجهة مع خصوم إسرائيل بل ايضا بيئة وفرصة توفر له مظلة داخلية تؤجل الحسابات المتعلقة بالفشل الأمني والملفات القضائية والانقسامات داخل معسكر اليمين ولهذا فإن إنهاء الحرب في غزة من دون اعلان صورة نصر واضحة حتى لو متخيلة قد يمثل بالنسبة له خطراً سياسياً أكبر من استمرارها.
واقعيا وعمليا لم يكن الدعم الامريكي في تلك المرحلة لنتنياهو مجرد إنجازات خارجية بل تحول إلى مادة انتخابية عززت صورة نتنياهو باعتباره رجل الدولة القادر على جلب الدعم الأميركي لإسرائيل لكن المفارقة أن نتنياهو الذي استفاد سابقاً من ترامب قد يكتشف أن الرئيس ترامب يريد توظيف العلاقة بطريقة مختلفة وهو يرغب في تسجيل إنجازات دبلوماسية باسمه وليس الدخول في حروب مفتوحة تخدم أجندة سياسية إسرائيلية داخلية .
في المقابل إن العودة إلى اشعال حرب واسعة في غزة ليست قراراً سهلاً حتى بالنسبة لنتنياهو نفسه سيما وان الجيش الإسرائيلي قد خرج من حرب طويلة ومكلفة أمام تحديات بشرية واقتصادية وسياسية كما أن صورة إسرائيل الدولية تعرضت لضربة غير مسبوقة بسبب حجم الدمار والانتقادات الحقوقية العالمية لذلك قد يكون الخيار الأكثر ملاءمة لحسابات نتنياهو هو إبقاء غزة في حالة توتر دائم عبر عمليات عسكرية محدودة وضغوط أمنية مستمرة بدلاً من الذهاب إلى حرب شاملة قد تنتج نتائج عكسية وتفتح الباب أمام ضغوط أميركية ودولية أكبر في مرحلة لا زال يحتاج فيها هو يحتاج إلى صورة القائد الذي يخوض معارك مستمرة لكنه لا يريد بالضرورة حرباً لا يستطيع التحكم بمسارها أو نهايتها.
ختاما : ربما تكون إن معركة نتنياهو المقبلة ليست فقط مع خصومه في الانتخابات بل مع إرث حرب غزة نفسها لان الرجل الذي اعتاد تحويل الأزمات إلى فرص سياسية بات في هذه المرة يواجه أزمة قد تكون أكبر من قدرته على التحكم بها واذا منحه ترامب في ولايته الأولى مساحة تاريخية للتحرك وساعده ذلك على تثبيت موقعه السياسي الا ان التحولات الحالية تجعل العلاقة بينهما أقل ضماناً مما كانت عليه سابقاً وبين حاجته إلى الحرب كأوكسجين لبقائه السياسي وخشيته من كلفة الدخول حرب جديدة سيحاول نتنياهو السير على الحافة بإبقاء الصراع مشتعلاً بما يكفي لخدمة صورته الانتخابية من دون الانزلاق إلى مواجهة قد تطيح به كليا وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الرجل الذي بنى مسيرته السياسية على شعار الأمن قد يجد نفسه في النهاية أمام السؤال الأصعب هل كانت الحروب التي استخدمها لإنقاذ مستقبله السياسي هي نفسها التي ستكتب نهايته ؟ كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
د . مهدي مبارك عبد الله
هذا المقال قراءة في سيكولوجية نتنياهو السياسية وعلاقته بترامب ووظيفة الحرب في السياسة الإسرائيلية . مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة يعود قطاع غزة مجدداً إلى قلب الحسابات السياسية في تل أبيب ليس باعتباره ملفاً أمنياً فقط بل كورقة انتخابية قد يستخدمها بنيامين نتنياهو في معركة مصيرية تهدد مستقبله السياسي وربما حريته الشخصية.
بعد أكثر من ثلاثة عقود في صدارة المشهد الإسرائيلي يدرك نتنياهو أن انتهاء الحرب من دون إعلان انتصار واضح قد يعني فتح الباب أمام لجان التحقيق وتحميله المسؤولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر فضلاً عن فقدان الغطاء السياسي الذي توفره له حالة الطوارئ المستمرة ولهذا يرى مراقبون إسرائيليون أن استمرار التوتر أو العودة إلى التصعيد في غزة قد يكون بالنسبة له وسيلة لإعادة مناسبة لترتيب المشهد الداخلي وفرض الأمن كعنوان وحيد للانتخابات.
بمتابعة التسلسل الزمني لحقبة نتنياهو يبدو لنا انه قام بتوظيف الملفات الأمنية في جميع معاركه الانتخابية حيث أثبت طوال سنوات حكمه أنه الأكثر قدرة داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية على تحويل المخاوف الأمنية إلى رصيد انتخابي مستفيداً من صورة رجل الأمن الذي لا غنى عنه في مواجهة التهديدات الخارجية اللافت انه خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب حصل نتنياهو على دعم سياسي غير مسبوق من البيت الأبيض مكّنه من تحقيق خطوات استراتيجية اعتبرها اليمين الإسرائيلي انتصارات تاريخية من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل إلى نقل السفارة الأميركية إليها وصولاً إلى دعم سياسات الاستيطان والتعامل مع قضايا الصراع الفلسطيني بمنظور متشدد أقرب إلى رؤية اليمين الإسرائيلي إضافة إلى دفع اتفاقيات التطبيع العربية مع إسرائيل التي اعتبرها إنجازاً دبلوماسياً كبيراً.
لكن المعادلة اليوم تبدو أكثر تعقيداً وترامب الذي كان في السابق شريكاً استراتيجياً لنتنياهو بات ينظر إلى الحروب الإقليمية من زاوية مختلفة ويسعى إلى تقديم نفسه باعتباره رجل الصفقات وإنهاء النزاعات وهو ما قد يصطدم مع رغبة نتنياهو في إبقاء حالة الحرب مفتوحة باعتبارها مظلة سياسية تحميه من الملاحقة القانونية داخلياً .
السؤال المركزي الذي يطرح نفسه في هذا السياق هل سيغامر نتنياهو بإعادة إشعال غزة رغم الضغوط الأميركية والدولية أم سيكتفي بإدارة صراع محدود يبقيه في صورة القائد الأمني العظيم القادر على حماية إسرائيل حتى موعد الانتخابات . خلال اعادة دراسة التجربة السياسية لنتنياهو نلحظ إنه لطالما راهن على الأزمات للبقاء في المنصب لكن المعضلة هذه المرة أن الحرب التي كانت مصدر قوته الانتخابية قد تتحول إلى العبء الأكبر الذي يهدد مستقبله خصوصا بعدما أصبحت غزة ليست مجرد جبهة عسكرية يسيطر عليها متى شاء بل لكونها ابتت ملفاً دولياً وأخلاقياً وقانونياً يلاحق إسرائيل وقيادتها عبر المحاكم الدولية , في العمق لعل أهم ما يكشفه السلوك السياسي لنتنياهو خلال سنوات حكمه أن الحرب لم تكن بالنسبة له مجرد خيار عسكري بل كانت في كثير من الأحيان أداة لإعادة تشكيل البيئة السياسية الداخلية ومنذ وصوله إلى رئاسة الحكومة بنى جزءاً كبيراً من شرعيته على تقديم نفسه باعتباره حارس أمن إسرائيل القادر على مواجهة كافة المخاطر الخارجية ولذلك فإن أي تهدئة طويلة في غزة قد تحرمه من أهم عناصر خطابه السياسي خاصة وان الحرب بالنسبة له لا تعني فقط مواجهة مع خصوم إسرائيل بل ايضا بيئة وفرصة توفر له مظلة داخلية تؤجل الحسابات المتعلقة بالفشل الأمني والملفات القضائية والانقسامات داخل معسكر اليمين ولهذا فإن إنهاء الحرب في غزة من دون اعلان صورة نصر واضحة حتى لو متخيلة قد يمثل بالنسبة له خطراً سياسياً أكبر من استمرارها.
واقعيا وعمليا لم يكن الدعم الامريكي في تلك المرحلة لنتنياهو مجرد إنجازات خارجية بل تحول إلى مادة انتخابية عززت صورة نتنياهو باعتباره رجل الدولة القادر على جلب الدعم الأميركي لإسرائيل لكن المفارقة أن نتنياهو الذي استفاد سابقاً من ترامب قد يكتشف أن الرئيس ترامب يريد توظيف العلاقة بطريقة مختلفة وهو يرغب في تسجيل إنجازات دبلوماسية باسمه وليس الدخول في حروب مفتوحة تخدم أجندة سياسية إسرائيلية داخلية .
في المقابل إن العودة إلى اشعال حرب واسعة في غزة ليست قراراً سهلاً حتى بالنسبة لنتنياهو نفسه سيما وان الجيش الإسرائيلي قد خرج من حرب طويلة ومكلفة أمام تحديات بشرية واقتصادية وسياسية كما أن صورة إسرائيل الدولية تعرضت لضربة غير مسبوقة بسبب حجم الدمار والانتقادات الحقوقية العالمية لذلك قد يكون الخيار الأكثر ملاءمة لحسابات نتنياهو هو إبقاء غزة في حالة توتر دائم عبر عمليات عسكرية محدودة وضغوط أمنية مستمرة بدلاً من الذهاب إلى حرب شاملة قد تنتج نتائج عكسية وتفتح الباب أمام ضغوط أميركية ودولية أكبر في مرحلة لا زال يحتاج فيها هو يحتاج إلى صورة القائد الذي يخوض معارك مستمرة لكنه لا يريد بالضرورة حرباً لا يستطيع التحكم بمسارها أو نهايتها.
ختاما : ربما تكون إن معركة نتنياهو المقبلة ليست فقط مع خصومه في الانتخابات بل مع إرث حرب غزة نفسها لان الرجل الذي اعتاد تحويل الأزمات إلى فرص سياسية بات في هذه المرة يواجه أزمة قد تكون أكبر من قدرته على التحكم بها واذا منحه ترامب في ولايته الأولى مساحة تاريخية للتحرك وساعده ذلك على تثبيت موقعه السياسي الا ان التحولات الحالية تجعل العلاقة بينهما أقل ضماناً مما كانت عليه سابقاً وبين حاجته إلى الحرب كأوكسجين لبقائه السياسي وخشيته من كلفة الدخول حرب جديدة سيحاول نتنياهو السير على الحافة بإبقاء الصراع مشتعلاً بما يكفي لخدمة صورته الانتخابية من دون الانزلاق إلى مواجهة قد تطيح به كليا وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الرجل الذي بنى مسيرته السياسية على شعار الأمن قد يجد نفسه في النهاية أمام السؤال الأصعب هل كانت الحروب التي استخدمها لإنقاذ مستقبله السياسي هي نفسها التي ستكتب نهايته ؟ كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
د . مهدي مبارك عبد الله
هذا المقال قراءة في سيكولوجية نتنياهو السياسية وعلاقته بترامب ووظيفة الحرب في السياسة الإسرائيلية . مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة يعود قطاع غزة مجدداً إلى قلب الحسابات السياسية في تل أبيب ليس باعتباره ملفاً أمنياً فقط بل كورقة انتخابية قد يستخدمها بنيامين نتنياهو في معركة مصيرية تهدد مستقبله السياسي وربما حريته الشخصية.
بعد أكثر من ثلاثة عقود في صدارة المشهد الإسرائيلي يدرك نتنياهو أن انتهاء الحرب من دون إعلان انتصار واضح قد يعني فتح الباب أمام لجان التحقيق وتحميله المسؤولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر فضلاً عن فقدان الغطاء السياسي الذي توفره له حالة الطوارئ المستمرة ولهذا يرى مراقبون إسرائيليون أن استمرار التوتر أو العودة إلى التصعيد في غزة قد يكون بالنسبة له وسيلة لإعادة مناسبة لترتيب المشهد الداخلي وفرض الأمن كعنوان وحيد للانتخابات.
بمتابعة التسلسل الزمني لحقبة نتنياهو يبدو لنا انه قام بتوظيف الملفات الأمنية في جميع معاركه الانتخابية حيث أثبت طوال سنوات حكمه أنه الأكثر قدرة داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية على تحويل المخاوف الأمنية إلى رصيد انتخابي مستفيداً من صورة رجل الأمن الذي لا غنى عنه في مواجهة التهديدات الخارجية اللافت انه خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب حصل نتنياهو على دعم سياسي غير مسبوق من البيت الأبيض مكّنه من تحقيق خطوات استراتيجية اعتبرها اليمين الإسرائيلي انتصارات تاريخية من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل إلى نقل السفارة الأميركية إليها وصولاً إلى دعم سياسات الاستيطان والتعامل مع قضايا الصراع الفلسطيني بمنظور متشدد أقرب إلى رؤية اليمين الإسرائيلي إضافة إلى دفع اتفاقيات التطبيع العربية مع إسرائيل التي اعتبرها إنجازاً دبلوماسياً كبيراً.
لكن المعادلة اليوم تبدو أكثر تعقيداً وترامب الذي كان في السابق شريكاً استراتيجياً لنتنياهو بات ينظر إلى الحروب الإقليمية من زاوية مختلفة ويسعى إلى تقديم نفسه باعتباره رجل الصفقات وإنهاء النزاعات وهو ما قد يصطدم مع رغبة نتنياهو في إبقاء حالة الحرب مفتوحة باعتبارها مظلة سياسية تحميه من الملاحقة القانونية داخلياً .
السؤال المركزي الذي يطرح نفسه في هذا السياق هل سيغامر نتنياهو بإعادة إشعال غزة رغم الضغوط الأميركية والدولية أم سيكتفي بإدارة صراع محدود يبقيه في صورة القائد الأمني العظيم القادر على حماية إسرائيل حتى موعد الانتخابات . خلال اعادة دراسة التجربة السياسية لنتنياهو نلحظ إنه لطالما راهن على الأزمات للبقاء في المنصب لكن المعضلة هذه المرة أن الحرب التي كانت مصدر قوته الانتخابية قد تتحول إلى العبء الأكبر الذي يهدد مستقبله خصوصا بعدما أصبحت غزة ليست مجرد جبهة عسكرية يسيطر عليها متى شاء بل لكونها ابتت ملفاً دولياً وأخلاقياً وقانونياً يلاحق إسرائيل وقيادتها عبر المحاكم الدولية , في العمق لعل أهم ما يكشفه السلوك السياسي لنتنياهو خلال سنوات حكمه أن الحرب لم تكن بالنسبة له مجرد خيار عسكري بل كانت في كثير من الأحيان أداة لإعادة تشكيل البيئة السياسية الداخلية ومنذ وصوله إلى رئاسة الحكومة بنى جزءاً كبيراً من شرعيته على تقديم نفسه باعتباره حارس أمن إسرائيل القادر على مواجهة كافة المخاطر الخارجية ولذلك فإن أي تهدئة طويلة في غزة قد تحرمه من أهم عناصر خطابه السياسي خاصة وان الحرب بالنسبة له لا تعني فقط مواجهة مع خصوم إسرائيل بل ايضا بيئة وفرصة توفر له مظلة داخلية تؤجل الحسابات المتعلقة بالفشل الأمني والملفات القضائية والانقسامات داخل معسكر اليمين ولهذا فإن إنهاء الحرب في غزة من دون اعلان صورة نصر واضحة حتى لو متخيلة قد يمثل بالنسبة له خطراً سياسياً أكبر من استمرارها.
واقعيا وعمليا لم يكن الدعم الامريكي في تلك المرحلة لنتنياهو مجرد إنجازات خارجية بل تحول إلى مادة انتخابية عززت صورة نتنياهو باعتباره رجل الدولة القادر على جلب الدعم الأميركي لإسرائيل لكن المفارقة أن نتنياهو الذي استفاد سابقاً من ترامب قد يكتشف أن الرئيس ترامب يريد توظيف العلاقة بطريقة مختلفة وهو يرغب في تسجيل إنجازات دبلوماسية باسمه وليس الدخول في حروب مفتوحة تخدم أجندة سياسية إسرائيلية داخلية .
في المقابل إن العودة إلى اشعال حرب واسعة في غزة ليست قراراً سهلاً حتى بالنسبة لنتنياهو نفسه سيما وان الجيش الإسرائيلي قد خرج من حرب طويلة ومكلفة أمام تحديات بشرية واقتصادية وسياسية كما أن صورة إسرائيل الدولية تعرضت لضربة غير مسبوقة بسبب حجم الدمار والانتقادات الحقوقية العالمية لذلك قد يكون الخيار الأكثر ملاءمة لحسابات نتنياهو هو إبقاء غزة في حالة توتر دائم عبر عمليات عسكرية محدودة وضغوط أمنية مستمرة بدلاً من الذهاب إلى حرب شاملة قد تنتج نتائج عكسية وتفتح الباب أمام ضغوط أميركية ودولية أكبر في مرحلة لا زال يحتاج فيها هو يحتاج إلى صورة القائد الذي يخوض معارك مستمرة لكنه لا يريد بالضرورة حرباً لا يستطيع التحكم بمسارها أو نهايتها.
ختاما : ربما تكون إن معركة نتنياهو المقبلة ليست فقط مع خصومه في الانتخابات بل مع إرث حرب غزة نفسها لان الرجل الذي اعتاد تحويل الأزمات إلى فرص سياسية بات في هذه المرة يواجه أزمة قد تكون أكبر من قدرته على التحكم بها واذا منحه ترامب في ولايته الأولى مساحة تاريخية للتحرك وساعده ذلك على تثبيت موقعه السياسي الا ان التحولات الحالية تجعل العلاقة بينهما أقل ضماناً مما كانت عليه سابقاً وبين حاجته إلى الحرب كأوكسجين لبقائه السياسي وخشيته من كلفة الدخول حرب جديدة سيحاول نتنياهو السير على الحافة بإبقاء الصراع مشتعلاً بما يكفي لخدمة صورته الانتخابية من دون الانزلاق إلى مواجهة قد تطيح به كليا وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الرجل الذي بنى مسيرته السياسية على شعار الأمن قد يجد نفسه في النهاية أمام السؤال الأصعب هل كانت الحروب التي استخدمها لإنقاذ مستقبله السياسي هي نفسها التي ستكتب نهايته ؟ كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
التعليقات