الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
لم يعد التحدي في التعليم التقني والمهني والتطبيقي في الأردن مرتبطًا بعدد البرامج أو المؤسسات أو الخريجين، بقدر ارتباطه بسؤال أكثر صعوبة: هل نمتلك منظومة وطنية تستطيع تحويل احتياجات الاقتصاد إلى مؤهلات ومهارات وسلوكيات مهنية، ثم تحويل هذه المؤهلات إلى فرص عمل وإنتاج وقيمة اقتصادية؟ هذا السؤال يفترض أن يكون في صميم أعمال المؤتمر الوطني الأول للتعليم التقني والتطبيقي، الذي تعقده جامعة اليرموك تحت شعار «على خطى الحسين»؛ فالحاجة اليوم ليست إلى مؤتمر يضيف توصيات جديدة إلى ما سبقها، وإنما إلى مساحة وطنية تجمع من يخطط ومن يشرّع ومن يعلّم ويدرّب ومن يعتمد ويراقب الجودة، والأهم من ذلك من يشغّل الخريج، للوصول إلى منظومة متكاملة تبدأ من احتياجات الاقتصاد وتنتهي بقياس أثر الخريج فيه.
لدينا في الأردن جامعات وكليات تقنية ومدارس مهنية وتقنية ومؤسسات تدريب وهيئات اعتماد ووزارات وصناديق دعم ومؤسسات وطنية ودولية، ولدينا قطاع خاص يبحث في الوقت ذاته عن مهارات قد لا يجدها بالعدد أو المستوى المطلوبين. لذلك فإن القضية لم تعد في وجود المؤسسات، وإنما في قدرتها على العمل ضمن مسار وطني واحد، وفي مدى سرعة استجابتها للتحولات التي يشهدها سوق العمل. فالعالم الذي نصمم له برامجنا اليوم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
الذكاء الاصطناعي والأتمتة والتحول الرقمي والصناعات المتقدمة والطاقة النظيفة والتكنولوجيا المالية والأمن السيبراني تغير طبيعة الوظائف، وبعض المهن يعاد تشكيله بالكامل. ومن غير المنطقي أن يتغير سوق العمل بهذه السرعة بينما تحتاج عملية تطوير بعض البرامج والمناهج سنوات حتى تستجيب له. وهنا يجب أن تتغير نقطة البداية. بدل أن نصمم البرنامج أولًا، ثم نقبل الطالب، ثم ندرسه، وبعد تخرجه نسأل السوق إن كان يحتاج إليه، ينبغي أن تبدأ العملية من الاتجاه المعاكس: ماذا يحتاج الاقتصاد؟ ما القطاعات المتوقع نموها؟ ما المهن التي ستظهر أو تتغير؟ ما المهارات المطلوبة بعد ثلاث أو خمس سنوات؟ وكم نحتاج من خريج في كل مجال؟ عندها يصبح صاحب العمل شريكًا في صناعة الخريج، وليس مجرد جهة نرسل إليها الخريج بعد انتهاء دراسته بحثًا عن فرصة عمل. وهذا يقتضي وجود مرصد وطني ديناميكي للمهارات يقرأ بيانات التشغيل والبطالة والأجور والوظائف الشاغرة والاستثمارات الجديدة والتحولات التكنولوجية واحتياجات القطاعات، ويحولها بصورة دورية إلى قرارات تتعلق بالقبول والتخصصات والمناهج والطاقة الاستيعابية والتدريب. فلا يمكن بناء تعليم تقني حديث اعتمادًا على تقديرات عامة أو دراسات سوق متباعدة زمنيًا. كما أن علينا إعادة النظر في مفهوم الخريج نفسه. فالسوق لا يوظف شهادة معلقة على الجدار، وإنما يوظف إنسانًا قادرًا على الإنجاز.
ولذلك يجب أن تقوم فلسفة التعليم التقني والتطبيقي على معادلة واضحة تجمع المؤهل والمهارة والسلوك المهني. المؤهل يحدد ما يعرفه الخريج، والمهارة تثبت ما يستطيع تنفيذه، والسلوك المهني يحدد كيف يعمل: هل يلتزم؟ هل يتواصل؟ هل يحل المشكلة؟ هل يستطيع العمل ضمن فريق؟ هل يتكيف مع التكنولوجيا؟ وهل يمتلك القدرة على التعلم المستمر؟ ومن هنا يصبح التدريب في موقع العمل جزءًا أصيلًا من التعليم، وليس متطلبًا شكليًا ينجزه الطالب قبل التخرج. فالمصنع والمستشفى والفندق وشركة البرمجيات وموقع الإنشاء والمؤسسة السياحية يجب أن تصبح جميعها بيئات تعلم حقيقية إلى جانب الجامعة والكلية والمدرسة ومركز التدريب. الطالب يحتاج إلى أن يعمل على مشكلة حقيقية، ويتعامل مع معدات وأنظمة فعلية، ويلتزم بمعايير الجودة والسلامة والوقت، ويعمل ضمن فريق، ويخضع لتقييم مشترك من المؤسسة التعليمية وصاحب العمل. وعندها فقط نستطيع الحديث عن تعلم قائم على العمل يختصر المسافة بين الدراسة والتوظيف. لكن بناء هذه المنظومة يتطلب قبل كل شيء معالجة واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا: تداخل الأدوار وتشتتها.
من يستشرف احتياجات السوق؟ ومن يحولها إلى سياسات؟ ومن يضع المعايير المهنية؟ ومن يصمم المؤهلات؟ ومن يقدم التعليم والتدريب؟ ومن يعتمد البرامج؟ ومن يقيس جودة الخريجين؟ ومن يتابعهم بعد دخول سوق العمل؟ ليست المشكلة في وجود أكثر من جهة، فالتعليم التقني بطبيعته يحتاج إلى شركاء متعددين، وإنما في غياب دورة وطنية مترابطة تجعل مخرجات جهة مدخلات لجهة أخرى. فإذا اكتشف القطاع الصناعي مثلًا نقصًا في مهارة محددة، يجب أن تنتقل هذه الإشارة بسرعة إلى الجهات المسؤولة عن السياسات والمعايير والمناهج والتدريب والاعتماد، وأن نرى أثرها في البرنامج خلال فترة معقولة، لا بعد أن تتغير التكنولوجيا نفسها. ولهذا فإن أحد أهم المخرجات المنتظرة من المؤتمر يجب أن يكون إطارًا وطنيًا متكاملًا للتعليم والتدريب التقني والمهني والتطبيقي، وليس قائمة طويلة من التوصيات.
إطار يحدد المسؤوليات، وآليات التنسيق، والأولويات القطاعية، ومؤشرات الأداء، والجدول الزمني، والجهة المسؤولة عن متابعة التنفيذ . ويفترض أن يرتكز هذا الإطار على استشراف مستمر للمهارات، وربط المؤهلات بالمعايير المهنية، وإشراك أصحاب العمل في تصميم البرامج وتنفيذها وتقييمها، وتوسيع التعلم القائم على العمل، وبناء مسارات مرنة تسمح للطالب بالانتقال بين التعليم المهني والتقني والتطبيقي والأكاديمي دون طرق مسدودة، إضافة إلى نظام وطني لتتبع الخريجين وقياس أثر البرامج. والأهم أن تتغير مؤشرات النجاح نفسها.
ليس السؤال كم طالبًا قبلنا، وكم خريجًا خرجنا، وكم برنامجًا استحدثنا. الأسئلة الأكثر دقة هي: كم خريجًا حصل على عمل خلال ستة أشهر من تخرجه؟ كم منهم يعمل في تخصصه؟ كم استغرق صاحب العمل لتأهيله بعد التوظيف؟ ما مستوى رضا أصحاب العمل عن مهاراته؟ وكم خريجًا استطاع إنشاء مشروعه الخاص أو تطوير مساره المهني؟ عندما تصبح هذه المؤشرات جزءًا من تقييم البرامج وتمويلها واستمرارها، ستتغير طريقة تصميم التعليم نفسه.
لهذا يحمل المؤتمر الوطني الأول للتعليم التقني والتطبيقي فرصة تتجاوز انعقاد مؤتمر آخر حول التعليم. الفرصة الحقيقية هي أن يشكل نقطة التقاء وطنية لإعادة ترتيب العلاقة بين التعليم والتدريب والاعتماد والتشغيل والاقتصاد. فالهدف ليس أن ننتج خريجين أكثر، وإنما أن ننتج خريجين يحتاجهم الاقتصاد فعلًا؛ يمتلكون المعرفة التي تؤهلهم، والمهارة التي تشغلهم، والسلوك الذي يحافظ على تنافسيتهم، والقدرة على التعلم التي تسمح لهم بمواكبة وظائف لم تتشكل بعد.
وعندها فقط نستطيع الانتقال من معالجة البطالة بعد التخرج إلى تصميم قابلية التشغيل قبل الالتحاق بالتخصص، ومن مؤسسات تعمل كل منها ضمن حدود اختصاصها إلى منظومة وطنية للمهارات تتشارك المسؤولية عن النتيجة. فالمعيار الحقيقي لنجاح التعليم التقني والتطبيقي ليس الشهادة التي يحملها الخريج يوم التخرج، بل المكان الذي يصل إليه بعدها، وما يستطيع أن ينجزه عندما يصل.
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
لم يعد التحدي في التعليم التقني والمهني والتطبيقي في الأردن مرتبطًا بعدد البرامج أو المؤسسات أو الخريجين، بقدر ارتباطه بسؤال أكثر صعوبة: هل نمتلك منظومة وطنية تستطيع تحويل احتياجات الاقتصاد إلى مؤهلات ومهارات وسلوكيات مهنية، ثم تحويل هذه المؤهلات إلى فرص عمل وإنتاج وقيمة اقتصادية؟ هذا السؤال يفترض أن يكون في صميم أعمال المؤتمر الوطني الأول للتعليم التقني والتطبيقي، الذي تعقده جامعة اليرموك تحت شعار «على خطى الحسين»؛ فالحاجة اليوم ليست إلى مؤتمر يضيف توصيات جديدة إلى ما سبقها، وإنما إلى مساحة وطنية تجمع من يخطط ومن يشرّع ومن يعلّم ويدرّب ومن يعتمد ويراقب الجودة، والأهم من ذلك من يشغّل الخريج، للوصول إلى منظومة متكاملة تبدأ من احتياجات الاقتصاد وتنتهي بقياس أثر الخريج فيه.
لدينا في الأردن جامعات وكليات تقنية ومدارس مهنية وتقنية ومؤسسات تدريب وهيئات اعتماد ووزارات وصناديق دعم ومؤسسات وطنية ودولية، ولدينا قطاع خاص يبحث في الوقت ذاته عن مهارات قد لا يجدها بالعدد أو المستوى المطلوبين. لذلك فإن القضية لم تعد في وجود المؤسسات، وإنما في قدرتها على العمل ضمن مسار وطني واحد، وفي مدى سرعة استجابتها للتحولات التي يشهدها سوق العمل. فالعالم الذي نصمم له برامجنا اليوم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
الذكاء الاصطناعي والأتمتة والتحول الرقمي والصناعات المتقدمة والطاقة النظيفة والتكنولوجيا المالية والأمن السيبراني تغير طبيعة الوظائف، وبعض المهن يعاد تشكيله بالكامل. ومن غير المنطقي أن يتغير سوق العمل بهذه السرعة بينما تحتاج عملية تطوير بعض البرامج والمناهج سنوات حتى تستجيب له. وهنا يجب أن تتغير نقطة البداية. بدل أن نصمم البرنامج أولًا، ثم نقبل الطالب، ثم ندرسه، وبعد تخرجه نسأل السوق إن كان يحتاج إليه، ينبغي أن تبدأ العملية من الاتجاه المعاكس: ماذا يحتاج الاقتصاد؟ ما القطاعات المتوقع نموها؟ ما المهن التي ستظهر أو تتغير؟ ما المهارات المطلوبة بعد ثلاث أو خمس سنوات؟ وكم نحتاج من خريج في كل مجال؟ عندها يصبح صاحب العمل شريكًا في صناعة الخريج، وليس مجرد جهة نرسل إليها الخريج بعد انتهاء دراسته بحثًا عن فرصة عمل. وهذا يقتضي وجود مرصد وطني ديناميكي للمهارات يقرأ بيانات التشغيل والبطالة والأجور والوظائف الشاغرة والاستثمارات الجديدة والتحولات التكنولوجية واحتياجات القطاعات، ويحولها بصورة دورية إلى قرارات تتعلق بالقبول والتخصصات والمناهج والطاقة الاستيعابية والتدريب. فلا يمكن بناء تعليم تقني حديث اعتمادًا على تقديرات عامة أو دراسات سوق متباعدة زمنيًا. كما أن علينا إعادة النظر في مفهوم الخريج نفسه. فالسوق لا يوظف شهادة معلقة على الجدار، وإنما يوظف إنسانًا قادرًا على الإنجاز.
ولذلك يجب أن تقوم فلسفة التعليم التقني والتطبيقي على معادلة واضحة تجمع المؤهل والمهارة والسلوك المهني. المؤهل يحدد ما يعرفه الخريج، والمهارة تثبت ما يستطيع تنفيذه، والسلوك المهني يحدد كيف يعمل: هل يلتزم؟ هل يتواصل؟ هل يحل المشكلة؟ هل يستطيع العمل ضمن فريق؟ هل يتكيف مع التكنولوجيا؟ وهل يمتلك القدرة على التعلم المستمر؟ ومن هنا يصبح التدريب في موقع العمل جزءًا أصيلًا من التعليم، وليس متطلبًا شكليًا ينجزه الطالب قبل التخرج. فالمصنع والمستشفى والفندق وشركة البرمجيات وموقع الإنشاء والمؤسسة السياحية يجب أن تصبح جميعها بيئات تعلم حقيقية إلى جانب الجامعة والكلية والمدرسة ومركز التدريب. الطالب يحتاج إلى أن يعمل على مشكلة حقيقية، ويتعامل مع معدات وأنظمة فعلية، ويلتزم بمعايير الجودة والسلامة والوقت، ويعمل ضمن فريق، ويخضع لتقييم مشترك من المؤسسة التعليمية وصاحب العمل. وعندها فقط نستطيع الحديث عن تعلم قائم على العمل يختصر المسافة بين الدراسة والتوظيف. لكن بناء هذه المنظومة يتطلب قبل كل شيء معالجة واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا: تداخل الأدوار وتشتتها.
من يستشرف احتياجات السوق؟ ومن يحولها إلى سياسات؟ ومن يضع المعايير المهنية؟ ومن يصمم المؤهلات؟ ومن يقدم التعليم والتدريب؟ ومن يعتمد البرامج؟ ومن يقيس جودة الخريجين؟ ومن يتابعهم بعد دخول سوق العمل؟ ليست المشكلة في وجود أكثر من جهة، فالتعليم التقني بطبيعته يحتاج إلى شركاء متعددين، وإنما في غياب دورة وطنية مترابطة تجعل مخرجات جهة مدخلات لجهة أخرى. فإذا اكتشف القطاع الصناعي مثلًا نقصًا في مهارة محددة، يجب أن تنتقل هذه الإشارة بسرعة إلى الجهات المسؤولة عن السياسات والمعايير والمناهج والتدريب والاعتماد، وأن نرى أثرها في البرنامج خلال فترة معقولة، لا بعد أن تتغير التكنولوجيا نفسها. ولهذا فإن أحد أهم المخرجات المنتظرة من المؤتمر يجب أن يكون إطارًا وطنيًا متكاملًا للتعليم والتدريب التقني والمهني والتطبيقي، وليس قائمة طويلة من التوصيات.
إطار يحدد المسؤوليات، وآليات التنسيق، والأولويات القطاعية، ومؤشرات الأداء، والجدول الزمني، والجهة المسؤولة عن متابعة التنفيذ . ويفترض أن يرتكز هذا الإطار على استشراف مستمر للمهارات، وربط المؤهلات بالمعايير المهنية، وإشراك أصحاب العمل في تصميم البرامج وتنفيذها وتقييمها، وتوسيع التعلم القائم على العمل، وبناء مسارات مرنة تسمح للطالب بالانتقال بين التعليم المهني والتقني والتطبيقي والأكاديمي دون طرق مسدودة، إضافة إلى نظام وطني لتتبع الخريجين وقياس أثر البرامج. والأهم أن تتغير مؤشرات النجاح نفسها.
ليس السؤال كم طالبًا قبلنا، وكم خريجًا خرجنا، وكم برنامجًا استحدثنا. الأسئلة الأكثر دقة هي: كم خريجًا حصل على عمل خلال ستة أشهر من تخرجه؟ كم منهم يعمل في تخصصه؟ كم استغرق صاحب العمل لتأهيله بعد التوظيف؟ ما مستوى رضا أصحاب العمل عن مهاراته؟ وكم خريجًا استطاع إنشاء مشروعه الخاص أو تطوير مساره المهني؟ عندما تصبح هذه المؤشرات جزءًا من تقييم البرامج وتمويلها واستمرارها، ستتغير طريقة تصميم التعليم نفسه.
لهذا يحمل المؤتمر الوطني الأول للتعليم التقني والتطبيقي فرصة تتجاوز انعقاد مؤتمر آخر حول التعليم. الفرصة الحقيقية هي أن يشكل نقطة التقاء وطنية لإعادة ترتيب العلاقة بين التعليم والتدريب والاعتماد والتشغيل والاقتصاد. فالهدف ليس أن ننتج خريجين أكثر، وإنما أن ننتج خريجين يحتاجهم الاقتصاد فعلًا؛ يمتلكون المعرفة التي تؤهلهم، والمهارة التي تشغلهم، والسلوك الذي يحافظ على تنافسيتهم، والقدرة على التعلم التي تسمح لهم بمواكبة وظائف لم تتشكل بعد.
وعندها فقط نستطيع الانتقال من معالجة البطالة بعد التخرج إلى تصميم قابلية التشغيل قبل الالتحاق بالتخصص، ومن مؤسسات تعمل كل منها ضمن حدود اختصاصها إلى منظومة وطنية للمهارات تتشارك المسؤولية عن النتيجة. فالمعيار الحقيقي لنجاح التعليم التقني والتطبيقي ليس الشهادة التي يحملها الخريج يوم التخرج، بل المكان الذي يصل إليه بعدها، وما يستطيع أن ينجزه عندما يصل.
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
لم يعد التحدي في التعليم التقني والمهني والتطبيقي في الأردن مرتبطًا بعدد البرامج أو المؤسسات أو الخريجين، بقدر ارتباطه بسؤال أكثر صعوبة: هل نمتلك منظومة وطنية تستطيع تحويل احتياجات الاقتصاد إلى مؤهلات ومهارات وسلوكيات مهنية، ثم تحويل هذه المؤهلات إلى فرص عمل وإنتاج وقيمة اقتصادية؟ هذا السؤال يفترض أن يكون في صميم أعمال المؤتمر الوطني الأول للتعليم التقني والتطبيقي، الذي تعقده جامعة اليرموك تحت شعار «على خطى الحسين»؛ فالحاجة اليوم ليست إلى مؤتمر يضيف توصيات جديدة إلى ما سبقها، وإنما إلى مساحة وطنية تجمع من يخطط ومن يشرّع ومن يعلّم ويدرّب ومن يعتمد ويراقب الجودة، والأهم من ذلك من يشغّل الخريج، للوصول إلى منظومة متكاملة تبدأ من احتياجات الاقتصاد وتنتهي بقياس أثر الخريج فيه.
لدينا في الأردن جامعات وكليات تقنية ومدارس مهنية وتقنية ومؤسسات تدريب وهيئات اعتماد ووزارات وصناديق دعم ومؤسسات وطنية ودولية، ولدينا قطاع خاص يبحث في الوقت ذاته عن مهارات قد لا يجدها بالعدد أو المستوى المطلوبين. لذلك فإن القضية لم تعد في وجود المؤسسات، وإنما في قدرتها على العمل ضمن مسار وطني واحد، وفي مدى سرعة استجابتها للتحولات التي يشهدها سوق العمل. فالعالم الذي نصمم له برامجنا اليوم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
الذكاء الاصطناعي والأتمتة والتحول الرقمي والصناعات المتقدمة والطاقة النظيفة والتكنولوجيا المالية والأمن السيبراني تغير طبيعة الوظائف، وبعض المهن يعاد تشكيله بالكامل. ومن غير المنطقي أن يتغير سوق العمل بهذه السرعة بينما تحتاج عملية تطوير بعض البرامج والمناهج سنوات حتى تستجيب له. وهنا يجب أن تتغير نقطة البداية. بدل أن نصمم البرنامج أولًا، ثم نقبل الطالب، ثم ندرسه، وبعد تخرجه نسأل السوق إن كان يحتاج إليه، ينبغي أن تبدأ العملية من الاتجاه المعاكس: ماذا يحتاج الاقتصاد؟ ما القطاعات المتوقع نموها؟ ما المهن التي ستظهر أو تتغير؟ ما المهارات المطلوبة بعد ثلاث أو خمس سنوات؟ وكم نحتاج من خريج في كل مجال؟ عندها يصبح صاحب العمل شريكًا في صناعة الخريج، وليس مجرد جهة نرسل إليها الخريج بعد انتهاء دراسته بحثًا عن فرصة عمل. وهذا يقتضي وجود مرصد وطني ديناميكي للمهارات يقرأ بيانات التشغيل والبطالة والأجور والوظائف الشاغرة والاستثمارات الجديدة والتحولات التكنولوجية واحتياجات القطاعات، ويحولها بصورة دورية إلى قرارات تتعلق بالقبول والتخصصات والمناهج والطاقة الاستيعابية والتدريب. فلا يمكن بناء تعليم تقني حديث اعتمادًا على تقديرات عامة أو دراسات سوق متباعدة زمنيًا. كما أن علينا إعادة النظر في مفهوم الخريج نفسه. فالسوق لا يوظف شهادة معلقة على الجدار، وإنما يوظف إنسانًا قادرًا على الإنجاز.
ولذلك يجب أن تقوم فلسفة التعليم التقني والتطبيقي على معادلة واضحة تجمع المؤهل والمهارة والسلوك المهني. المؤهل يحدد ما يعرفه الخريج، والمهارة تثبت ما يستطيع تنفيذه، والسلوك المهني يحدد كيف يعمل: هل يلتزم؟ هل يتواصل؟ هل يحل المشكلة؟ هل يستطيع العمل ضمن فريق؟ هل يتكيف مع التكنولوجيا؟ وهل يمتلك القدرة على التعلم المستمر؟ ومن هنا يصبح التدريب في موقع العمل جزءًا أصيلًا من التعليم، وليس متطلبًا شكليًا ينجزه الطالب قبل التخرج. فالمصنع والمستشفى والفندق وشركة البرمجيات وموقع الإنشاء والمؤسسة السياحية يجب أن تصبح جميعها بيئات تعلم حقيقية إلى جانب الجامعة والكلية والمدرسة ومركز التدريب. الطالب يحتاج إلى أن يعمل على مشكلة حقيقية، ويتعامل مع معدات وأنظمة فعلية، ويلتزم بمعايير الجودة والسلامة والوقت، ويعمل ضمن فريق، ويخضع لتقييم مشترك من المؤسسة التعليمية وصاحب العمل. وعندها فقط نستطيع الحديث عن تعلم قائم على العمل يختصر المسافة بين الدراسة والتوظيف. لكن بناء هذه المنظومة يتطلب قبل كل شيء معالجة واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا: تداخل الأدوار وتشتتها.
من يستشرف احتياجات السوق؟ ومن يحولها إلى سياسات؟ ومن يضع المعايير المهنية؟ ومن يصمم المؤهلات؟ ومن يقدم التعليم والتدريب؟ ومن يعتمد البرامج؟ ومن يقيس جودة الخريجين؟ ومن يتابعهم بعد دخول سوق العمل؟ ليست المشكلة في وجود أكثر من جهة، فالتعليم التقني بطبيعته يحتاج إلى شركاء متعددين، وإنما في غياب دورة وطنية مترابطة تجعل مخرجات جهة مدخلات لجهة أخرى. فإذا اكتشف القطاع الصناعي مثلًا نقصًا في مهارة محددة، يجب أن تنتقل هذه الإشارة بسرعة إلى الجهات المسؤولة عن السياسات والمعايير والمناهج والتدريب والاعتماد، وأن نرى أثرها في البرنامج خلال فترة معقولة، لا بعد أن تتغير التكنولوجيا نفسها. ولهذا فإن أحد أهم المخرجات المنتظرة من المؤتمر يجب أن يكون إطارًا وطنيًا متكاملًا للتعليم والتدريب التقني والمهني والتطبيقي، وليس قائمة طويلة من التوصيات.
إطار يحدد المسؤوليات، وآليات التنسيق، والأولويات القطاعية، ومؤشرات الأداء، والجدول الزمني، والجهة المسؤولة عن متابعة التنفيذ . ويفترض أن يرتكز هذا الإطار على استشراف مستمر للمهارات، وربط المؤهلات بالمعايير المهنية، وإشراك أصحاب العمل في تصميم البرامج وتنفيذها وتقييمها، وتوسيع التعلم القائم على العمل، وبناء مسارات مرنة تسمح للطالب بالانتقال بين التعليم المهني والتقني والتطبيقي والأكاديمي دون طرق مسدودة، إضافة إلى نظام وطني لتتبع الخريجين وقياس أثر البرامج. والأهم أن تتغير مؤشرات النجاح نفسها.
ليس السؤال كم طالبًا قبلنا، وكم خريجًا خرجنا، وكم برنامجًا استحدثنا. الأسئلة الأكثر دقة هي: كم خريجًا حصل على عمل خلال ستة أشهر من تخرجه؟ كم منهم يعمل في تخصصه؟ كم استغرق صاحب العمل لتأهيله بعد التوظيف؟ ما مستوى رضا أصحاب العمل عن مهاراته؟ وكم خريجًا استطاع إنشاء مشروعه الخاص أو تطوير مساره المهني؟ عندما تصبح هذه المؤشرات جزءًا من تقييم البرامج وتمويلها واستمرارها، ستتغير طريقة تصميم التعليم نفسه.
لهذا يحمل المؤتمر الوطني الأول للتعليم التقني والتطبيقي فرصة تتجاوز انعقاد مؤتمر آخر حول التعليم. الفرصة الحقيقية هي أن يشكل نقطة التقاء وطنية لإعادة ترتيب العلاقة بين التعليم والتدريب والاعتماد والتشغيل والاقتصاد. فالهدف ليس أن ننتج خريجين أكثر، وإنما أن ننتج خريجين يحتاجهم الاقتصاد فعلًا؛ يمتلكون المعرفة التي تؤهلهم، والمهارة التي تشغلهم، والسلوك الذي يحافظ على تنافسيتهم، والقدرة على التعلم التي تسمح لهم بمواكبة وظائف لم تتشكل بعد.
وعندها فقط نستطيع الانتقال من معالجة البطالة بعد التخرج إلى تصميم قابلية التشغيل قبل الالتحاق بالتخصص، ومن مؤسسات تعمل كل منها ضمن حدود اختصاصها إلى منظومة وطنية للمهارات تتشارك المسؤولية عن النتيجة. فالمعيار الحقيقي لنجاح التعليم التقني والتطبيقي ليس الشهادة التي يحملها الخريج يوم التخرج، بل المكان الذي يصل إليه بعدها، وما يستطيع أن ينجزه عندما يصل.
التعليقات