في الدول التي تحترم مؤسساتها ، تُدار شؤون الدولة بمنطق المسؤولية ، وتُصان القرارات السيادية من العبث ، ولا تتحول القضايا الوطنية الكبرى إلى مادة للتخمين والتسريبات و«الترند» على منصات التواصل الإجتماعي . ومن المؤسف أن نرى بين حين وآخر منشورات تتحدث بثقة غريبة عن التشكيل الوزاري أو التعديل الوزاري ، فتقرأ عناوين من قبيل ، «الوزير فلان خارج الحكومة» ، و«الشخصية فلان ستدخل الفريق الوزاري» ، و«مصادر تؤكد مغادرة عدد من الوزراء» ، وكأن أصحاب هذه المنشورات يجلسون داخل غرف صناعة القرار ، ويملكون المعلومات قبل صدور القرار الرسمي . وهنا السؤال الوطني الذي يجب أن يُطرح بوضوح ، من أين تأتي هذه المعلومات؟ ومن أعطى الحق لأحد بأن يجعل من التشكيل الوزاري مادةً للتداول الشعبي قبل أن يصدر القرار الرسمي ؟ إن اختيار الوزراء ، وإجراء التعديل الوزاري ، وتحديد من يدخل الفريق الوزاري ومن يغادره ، ليس مسابقةً للتوقعات ، ولا مجالاً مفتوحاً للتكهنات الإعلامية ، بل هو شأن من شؤون إدارة الدولة ، وتترتب عليه اعتبارات سياسية ودستورية ومؤسسية دقيقة. ولا يعني ذلك ، بأي حال من الأحوال ، التضييق على حرية الرأي أو مصادرة حق الإعلام في التحليل والنقد ، فالإعلام الوطني المسؤول شريك أساسي في حماية الدولة وتنوير الرأي العام ، ولكن هناك فارق كبير بين التحليل السياسي وبين نشر معلومات غير رسمية على أنها حقائق مؤكدة ، وبين النقد المشروع وبين صناعة «تسريبات» تُربك المشهد العام وتسيء إلى الأشخاص والمؤسسات. والأخطر من ذلك أن بعض هذه المنشورات لا تكتفي بالقول إن هناك تعديلاً وزارياً مرتقباً ، بل تبدأ بتسمية الأشخاص ، فتضع هذا الوزير خارج الحكومة ، وتضع ذاك الشخص داخلها ، ثم تنتشر المعلومة خلال دقائق بين آلاف الحسابات ، لتتحول الإشاعة إلى ما يشبه الحقيقة في أذهان الناس. وهنا نحتاج إلى وقفة جادة ومراجعة وطنية وتشريعية . أرى أن من الضروري دراسة وضع إطار قانوني واضح يمنع نشر أو تداول المعلومات غير الرسمية المتعلقة بالقرارات السيادية والتشكيلات الوزارية قبل صدورها من الجهة المختصة ، متى كان النشر يتضمن ادعاءات كاذبة أو تسريبات غير مشروعة أو يترتب عليه الإضرار بالأمن الوطني أو بالمصلحة العامة أو بسمعة الأشخاص والمؤسسات ، وأن تُحدد المسؤولية القانونية عن ذلك بصورة دقيقة ، بما ينسجم مع الدستور والقوانين النافذة . فالهدف ليس إسكات الناس ، ولا تحويل المجتمع إلى متلقٍ صامت ، وإنما حماية هيبة الدولة من فوضى «المصادر الخاصة» و«المعلومات الحصرية» التي لا يعرف أحد مصدرها ، ثم يتبين بعد ساعات أو أيام أنها مجرد إجتهاد أو إشاعة أو قراءة شخصية . إن الدولة لا تُدار بمنشورات. فيسبوك ، ولا برسائل مجموعات الواتساب ، ولا بتغريدة مجهولة المصدر . الدولة تُدار بالمؤسسات ، والقرارات تُعلن عبر قنواتها الرسمية . وإذا كان هناك تعديل وزاري ، فليصدر التعديل ، وإذا صدر القرار ، فليكن النقاش بعد ذلك مفتوحاً للجميع ، نقداً وتحليلاً وتقييماً ، أما أن تسبق وسائل التواصل الاجتماعي القرار الرسمي ، وتبدأ بتسمية الخارجين والداخلين ، فهذا أمر يستحق المراجعة الجادة . والسؤال الأهم هنا ، هل أصبحنا الدولة الوحيدة التي تتحول فيها التشكيلات الوزارية إلى سوق مفتوح للتسريبات والتوقعات والأسماء ؟ إنني أعتقد أن الوقت قد حان لإعادة النظر في هذه الظاهرة ، ووضع حد واضح لها ، ليس دفاعاً عن وزير بعينه ، ولا عن حكومة بعينها ، وإنما دفاعاً عن هيبة القرار الرسمي ، وإحترام مؤسسات الدولة ، وكرامة الأشخاص الذين تُتداول أسماؤهم دون علمهم ، وحق المواطن في الحصول على المعلومة الصحيحة من مصدرها الصحيح. فليكن شعارنا واضحاً ، نريد إعلاماً يسأل ، لا إعلاماً يتنبأ. نريد إعلاماً يحلل ، لا إعلاماً يسرّب. نريد إعلاماً ينتقد القرار بعد صدوره ، لا إعلاماً يصنع القرار قبل صدوره . وفي الدولة التي نحترم مؤسساتها ، لا ينبغي أن يكون السؤال ، «من سيخرج ومن سيدخل؟» ، وإنما ينبغي أن يكون السؤال ، «كيف نريد أن يكون أداء حكومتنا ، وكيف نخدم وطننا ونحافظ على مؤسساته؟» فالمنصب الوزاري تكليف ، وليس غنيمة ، والقرار الرسمي ليس خبراً للتسابق على نشره ، وهيبة الدولة ليست مادةً للترند . وطننا أكبر من منشور ، وأهم من سبق صحفي ، وأعمق من تسريب مجهول المصدر .
الدكتور نسيم أبو خضير
في الدول التي تحترم مؤسساتها ، تُدار شؤون الدولة بمنطق المسؤولية ، وتُصان القرارات السيادية من العبث ، ولا تتحول القضايا الوطنية الكبرى إلى مادة للتخمين والتسريبات و«الترند» على منصات التواصل الإجتماعي . ومن المؤسف أن نرى بين حين وآخر منشورات تتحدث بثقة غريبة عن التشكيل الوزاري أو التعديل الوزاري ، فتقرأ عناوين من قبيل ، «الوزير فلان خارج الحكومة» ، و«الشخصية فلان ستدخل الفريق الوزاري» ، و«مصادر تؤكد مغادرة عدد من الوزراء» ، وكأن أصحاب هذه المنشورات يجلسون داخل غرف صناعة القرار ، ويملكون المعلومات قبل صدور القرار الرسمي . وهنا السؤال الوطني الذي يجب أن يُطرح بوضوح ، من أين تأتي هذه المعلومات؟ ومن أعطى الحق لأحد بأن يجعل من التشكيل الوزاري مادةً للتداول الشعبي قبل أن يصدر القرار الرسمي ؟ إن اختيار الوزراء ، وإجراء التعديل الوزاري ، وتحديد من يدخل الفريق الوزاري ومن يغادره ، ليس مسابقةً للتوقعات ، ولا مجالاً مفتوحاً للتكهنات الإعلامية ، بل هو شأن من شؤون إدارة الدولة ، وتترتب عليه اعتبارات سياسية ودستورية ومؤسسية دقيقة. ولا يعني ذلك ، بأي حال من الأحوال ، التضييق على حرية الرأي أو مصادرة حق الإعلام في التحليل والنقد ، فالإعلام الوطني المسؤول شريك أساسي في حماية الدولة وتنوير الرأي العام ، ولكن هناك فارق كبير بين التحليل السياسي وبين نشر معلومات غير رسمية على أنها حقائق مؤكدة ، وبين النقد المشروع وبين صناعة «تسريبات» تُربك المشهد العام وتسيء إلى الأشخاص والمؤسسات. والأخطر من ذلك أن بعض هذه المنشورات لا تكتفي بالقول إن هناك تعديلاً وزارياً مرتقباً ، بل تبدأ بتسمية الأشخاص ، فتضع هذا الوزير خارج الحكومة ، وتضع ذاك الشخص داخلها ، ثم تنتشر المعلومة خلال دقائق بين آلاف الحسابات ، لتتحول الإشاعة إلى ما يشبه الحقيقة في أذهان الناس. وهنا نحتاج إلى وقفة جادة ومراجعة وطنية وتشريعية . أرى أن من الضروري دراسة وضع إطار قانوني واضح يمنع نشر أو تداول المعلومات غير الرسمية المتعلقة بالقرارات السيادية والتشكيلات الوزارية قبل صدورها من الجهة المختصة ، متى كان النشر يتضمن ادعاءات كاذبة أو تسريبات غير مشروعة أو يترتب عليه الإضرار بالأمن الوطني أو بالمصلحة العامة أو بسمعة الأشخاص والمؤسسات ، وأن تُحدد المسؤولية القانونية عن ذلك بصورة دقيقة ، بما ينسجم مع الدستور والقوانين النافذة . فالهدف ليس إسكات الناس ، ولا تحويل المجتمع إلى متلقٍ صامت ، وإنما حماية هيبة الدولة من فوضى «المصادر الخاصة» و«المعلومات الحصرية» التي لا يعرف أحد مصدرها ، ثم يتبين بعد ساعات أو أيام أنها مجرد إجتهاد أو إشاعة أو قراءة شخصية . إن الدولة لا تُدار بمنشورات. فيسبوك ، ولا برسائل مجموعات الواتساب ، ولا بتغريدة مجهولة المصدر . الدولة تُدار بالمؤسسات ، والقرارات تُعلن عبر قنواتها الرسمية . وإذا كان هناك تعديل وزاري ، فليصدر التعديل ، وإذا صدر القرار ، فليكن النقاش بعد ذلك مفتوحاً للجميع ، نقداً وتحليلاً وتقييماً ، أما أن تسبق وسائل التواصل الاجتماعي القرار الرسمي ، وتبدأ بتسمية الخارجين والداخلين ، فهذا أمر يستحق المراجعة الجادة . والسؤال الأهم هنا ، هل أصبحنا الدولة الوحيدة التي تتحول فيها التشكيلات الوزارية إلى سوق مفتوح للتسريبات والتوقعات والأسماء ؟ إنني أعتقد أن الوقت قد حان لإعادة النظر في هذه الظاهرة ، ووضع حد واضح لها ، ليس دفاعاً عن وزير بعينه ، ولا عن حكومة بعينها ، وإنما دفاعاً عن هيبة القرار الرسمي ، وإحترام مؤسسات الدولة ، وكرامة الأشخاص الذين تُتداول أسماؤهم دون علمهم ، وحق المواطن في الحصول على المعلومة الصحيحة من مصدرها الصحيح. فليكن شعارنا واضحاً ، نريد إعلاماً يسأل ، لا إعلاماً يتنبأ. نريد إعلاماً يحلل ، لا إعلاماً يسرّب. نريد إعلاماً ينتقد القرار بعد صدوره ، لا إعلاماً يصنع القرار قبل صدوره . وفي الدولة التي نحترم مؤسساتها ، لا ينبغي أن يكون السؤال ، «من سيخرج ومن سيدخل؟» ، وإنما ينبغي أن يكون السؤال ، «كيف نريد أن يكون أداء حكومتنا ، وكيف نخدم وطننا ونحافظ على مؤسساته؟» فالمنصب الوزاري تكليف ، وليس غنيمة ، والقرار الرسمي ليس خبراً للتسابق على نشره ، وهيبة الدولة ليست مادةً للترند . وطننا أكبر من منشور ، وأهم من سبق صحفي ، وأعمق من تسريب مجهول المصدر .
الدكتور نسيم أبو خضير
في الدول التي تحترم مؤسساتها ، تُدار شؤون الدولة بمنطق المسؤولية ، وتُصان القرارات السيادية من العبث ، ولا تتحول القضايا الوطنية الكبرى إلى مادة للتخمين والتسريبات و«الترند» على منصات التواصل الإجتماعي . ومن المؤسف أن نرى بين حين وآخر منشورات تتحدث بثقة غريبة عن التشكيل الوزاري أو التعديل الوزاري ، فتقرأ عناوين من قبيل ، «الوزير فلان خارج الحكومة» ، و«الشخصية فلان ستدخل الفريق الوزاري» ، و«مصادر تؤكد مغادرة عدد من الوزراء» ، وكأن أصحاب هذه المنشورات يجلسون داخل غرف صناعة القرار ، ويملكون المعلومات قبل صدور القرار الرسمي . وهنا السؤال الوطني الذي يجب أن يُطرح بوضوح ، من أين تأتي هذه المعلومات؟ ومن أعطى الحق لأحد بأن يجعل من التشكيل الوزاري مادةً للتداول الشعبي قبل أن يصدر القرار الرسمي ؟ إن اختيار الوزراء ، وإجراء التعديل الوزاري ، وتحديد من يدخل الفريق الوزاري ومن يغادره ، ليس مسابقةً للتوقعات ، ولا مجالاً مفتوحاً للتكهنات الإعلامية ، بل هو شأن من شؤون إدارة الدولة ، وتترتب عليه اعتبارات سياسية ودستورية ومؤسسية دقيقة. ولا يعني ذلك ، بأي حال من الأحوال ، التضييق على حرية الرأي أو مصادرة حق الإعلام في التحليل والنقد ، فالإعلام الوطني المسؤول شريك أساسي في حماية الدولة وتنوير الرأي العام ، ولكن هناك فارق كبير بين التحليل السياسي وبين نشر معلومات غير رسمية على أنها حقائق مؤكدة ، وبين النقد المشروع وبين صناعة «تسريبات» تُربك المشهد العام وتسيء إلى الأشخاص والمؤسسات. والأخطر من ذلك أن بعض هذه المنشورات لا تكتفي بالقول إن هناك تعديلاً وزارياً مرتقباً ، بل تبدأ بتسمية الأشخاص ، فتضع هذا الوزير خارج الحكومة ، وتضع ذاك الشخص داخلها ، ثم تنتشر المعلومة خلال دقائق بين آلاف الحسابات ، لتتحول الإشاعة إلى ما يشبه الحقيقة في أذهان الناس. وهنا نحتاج إلى وقفة جادة ومراجعة وطنية وتشريعية . أرى أن من الضروري دراسة وضع إطار قانوني واضح يمنع نشر أو تداول المعلومات غير الرسمية المتعلقة بالقرارات السيادية والتشكيلات الوزارية قبل صدورها من الجهة المختصة ، متى كان النشر يتضمن ادعاءات كاذبة أو تسريبات غير مشروعة أو يترتب عليه الإضرار بالأمن الوطني أو بالمصلحة العامة أو بسمعة الأشخاص والمؤسسات ، وأن تُحدد المسؤولية القانونية عن ذلك بصورة دقيقة ، بما ينسجم مع الدستور والقوانين النافذة . فالهدف ليس إسكات الناس ، ولا تحويل المجتمع إلى متلقٍ صامت ، وإنما حماية هيبة الدولة من فوضى «المصادر الخاصة» و«المعلومات الحصرية» التي لا يعرف أحد مصدرها ، ثم يتبين بعد ساعات أو أيام أنها مجرد إجتهاد أو إشاعة أو قراءة شخصية . إن الدولة لا تُدار بمنشورات. فيسبوك ، ولا برسائل مجموعات الواتساب ، ولا بتغريدة مجهولة المصدر . الدولة تُدار بالمؤسسات ، والقرارات تُعلن عبر قنواتها الرسمية . وإذا كان هناك تعديل وزاري ، فليصدر التعديل ، وإذا صدر القرار ، فليكن النقاش بعد ذلك مفتوحاً للجميع ، نقداً وتحليلاً وتقييماً ، أما أن تسبق وسائل التواصل الاجتماعي القرار الرسمي ، وتبدأ بتسمية الخارجين والداخلين ، فهذا أمر يستحق المراجعة الجادة . والسؤال الأهم هنا ، هل أصبحنا الدولة الوحيدة التي تتحول فيها التشكيلات الوزارية إلى سوق مفتوح للتسريبات والتوقعات والأسماء ؟ إنني أعتقد أن الوقت قد حان لإعادة النظر في هذه الظاهرة ، ووضع حد واضح لها ، ليس دفاعاً عن وزير بعينه ، ولا عن حكومة بعينها ، وإنما دفاعاً عن هيبة القرار الرسمي ، وإحترام مؤسسات الدولة ، وكرامة الأشخاص الذين تُتداول أسماؤهم دون علمهم ، وحق المواطن في الحصول على المعلومة الصحيحة من مصدرها الصحيح. فليكن شعارنا واضحاً ، نريد إعلاماً يسأل ، لا إعلاماً يتنبأ. نريد إعلاماً يحلل ، لا إعلاماً يسرّب. نريد إعلاماً ينتقد القرار بعد صدوره ، لا إعلاماً يصنع القرار قبل صدوره . وفي الدولة التي نحترم مؤسساتها ، لا ينبغي أن يكون السؤال ، «من سيخرج ومن سيدخل؟» ، وإنما ينبغي أن يكون السؤال ، «كيف نريد أن يكون أداء حكومتنا ، وكيف نخدم وطننا ونحافظ على مؤسساته؟» فالمنصب الوزاري تكليف ، وليس غنيمة ، والقرار الرسمي ليس خبراً للتسابق على نشره ، وهيبة الدولة ليست مادةً للترند . وطننا أكبر من منشور ، وأهم من سبق صحفي ، وأعمق من تسريب مجهول المصدر .
التعليقات
حين تصبح التشكيلات الوزارية مادةً للتخمين ، فهنا يجب أن نتوقف
التعليقات