لقد مرّت القصيدةُ العربيّة عبْرَ تاريخِها ومسارات الحداثة فيها بمراحلَ متعددةٍ شكلا ومضمونا، ولم تتوقف محاولاتُ التجريب فيها مُنذ العصر الجاهلي إلى يومنا هذا، وراحت تحلق بعيدا عن جذورها الأولى نحو فضاءات ممتدة وعلائق وأشكال جديدة يصعب معها أن نستقبلها بأدوات الماضي والتمركز حول ذات الشاعر المنشد ووسيلته الوحيدة آنذاك لإيصال النص إلى القارئ هو من خلال الأذن والإنشاد المباشر أمام الجمهور، والغريب أننا نمارس الدور ذاته والوسيلة ذاتها للتفاعل بين النص والقارئ، دون أن نلمس تغييرا إجرائيا بين قصيدة للنابغة الذبياني ألقيت في سوق عكاظ في الجاهلية، وقصيدة حداثية يتحلق حول شاعرها بضعة أشخاص في مهرجان جرش بناء على (ما يطلبه الجمهور)! بل، كيف لقصيدة اليوم أن تكون طوعَ بنان المُنشد، وهي أبعدُ ما تكون عن المنبريّة والخطابيةّ والتواصل السّمعيّ. حتما ستختلف طُرقُ استقبالها، وآليات التفاعل معها، نظرا لما طَرأ عليها من تحديث وتجديد، وتداخلت بين طياتها أجناسٌ أدبيّة وغير أدبيّة بفعل التقدّم العلميّ والتكنولوجي، وتقدم وسائل الطباعة والكتابة والنشر والتواصل الاجتماعي .
شتان بين قصيدة الأمس وشكلها الصارم القاطع ووزنها المنتظم وقصيدة الحداثة اليوم بإيقاعاتها الداخلية وتفعيلاتها غير المنضبطة وما تضمّه من تقنيات مُستمدّة من العلوم والفنون ما زادها غموضا دلاليا وتأويلات لا حدود لها وانزياحا دلاليا ورؤيويا يصعب معه الاعتماد على حاسة السمع في بضع دقائق من الإلقاء . هذا النوع يحتاج إلى القراءة الفاعلة والتفاعل المشترك بين النص والقارئ لإدراك تشكيلاته وفضاءاته البصرية وتقنياته الفنية .
إن اعتماد القصيدة الغنائية الكلاسيكية على الأذن والإنشاد المباشر أمام الجمهور بإيقاعاتها الخارجية ردحا من الزمن قد طوّع الأذن العربية فاستساغت بحورها الخليلية وبنيتها الخارجية وقافيتها الموحدة ووحداتها الزمنية المتساوية؛ لذا فلا غرابة أن تكون الشفاهية والإنشاد جزءا من بهجتها والاحتفاء بها إذا ما وجدت شاعرا منشدا يجيد فن الإلقاء ومستمعا كسولا متحفزا للتصفيق! الشعر أيها المثقفون، غير هذا ؛ الشعر فتحٌ جديد ورؤيا عميقة وغموضٌ شفيف وعوالمُ فلسفيّة وفيوضٌ تحفرُ في أعماق النفس البشريّة وأسئلة وجوديّة مُستفزّة، تستنطق أسرار الحياة والموت والحب والدهشة و(اللامتوقع واللامألوف)...
إنهّا تُشرع أبوابَ الأسئلة الشّائكة، وتفتحُ أبواب التأويل، ونوافذَ التّخييل نحو فضاءاتٍ لامتناهية، بلْ وتجعل القراءة الوحيدة مستحيلة لِتتَعدّدَ التأويلاتُ بتعدُّدِ القراءات للنّص الواحد. إنّ انتشار أدوات الكتابة والطباعة والتقنيات المستحدثة حاليا، قد أضاف لها بُعدا دلاليا وشكلياّ الأمر الذي انتقلت وتحولت ذائقة الجمهور إلى مركزية غير الأولى، مُوجِّهةً معها الحساسيّة الشعريةّ من الأذن إلى العين؛ ومن الاستماع إلى القراءة ...ولهذا فإنّ من أكبر مُعوِّقات الاتصال الفعّال بين الشاعر والجمهور الاكتفاء بالإلقاء كوسيلة وحيدة للتواصل إما في المهرجانات أو على شاشات التلفاز أو حسب (ما يطلبه الجمهور)، فإذا كان قد نجح فيها بعض الشعراء المُنشدين المُجيدين كمحمود درويش أو الجواهري أو نزار وغيرهم، فإنّ القصيدة الحداثية بشروطها السابقة، تستعصي على الأذن وتتعالى على الإنشاد، بما أحدثته من تقنيات أساسية في فضاءاتها؛ فتقاطعت فيها الأجناس الأدبية الأخرى كالرسم والخط والسينما وتقنياتها والمسرح ومؤثراته الصوتية والضوئية والإكسسوار والمونتاج والدبلجة وتعدد الأصوات ... والشكل الطباعي ولعبة البياض والسواد واستغلال اللون ومساحة الورقة والتشكيلات البصرية وخفوت صوت الشاعر ، وكلُّ هذا قد أسهم إسهاما مباشرا في إضاءة القصيدة من الداخل وساعد على فك شيفرات النص، ومغاليق دلالته ومنطوقه الغامض ورموزه وتعدّد مدلولاته وتأويلاته.وهذه أسبابٌ كافية لإحجام الكثير عنها، وعدم الرغبة فيها، أو الإقبال عليها، والعزوف عنها في المهرجانات واللقاءات ؛لأنهم في مواجهة قصيدة معقدة تعقيدا فنيا بأساطيرها وفضائها البصري ورموزها وصورها المركبة وتناصاتها وتقاطعاتها وشبكات العلاقات فيها.
إنّ التحدي القائم هو في مدى الاستعداد الثقافي والمعرفي للقارئ النموذجي الذي يُهيئ كلّ أسلحته الثقافية لاستقبال النص الجديد، عندها يتحوّل من مستمع محايد إلى قارئ مشارك للشاعر فيما يكتب، ومن مُستمع مذهول بقعقعة الوزن وصليل القافية إلى قارئ تنبجسُ في أعماقه مياه الشعر الدافئة.
لقد مرّت القصيدةُ العربيّة عبْرَ تاريخِها ومسارات الحداثة فيها بمراحلَ متعددةٍ شكلا ومضمونا، ولم تتوقف محاولاتُ التجريب فيها مُنذ العصر الجاهلي إلى يومنا هذا، وراحت تحلق بعيدا عن جذورها الأولى نحو فضاءات ممتدة وعلائق وأشكال جديدة يصعب معها أن نستقبلها بأدوات الماضي والتمركز حول ذات الشاعر المنشد ووسيلته الوحيدة آنذاك لإيصال النص إلى القارئ هو من خلال الأذن والإنشاد المباشر أمام الجمهور، والغريب أننا نمارس الدور ذاته والوسيلة ذاتها للتفاعل بين النص والقارئ، دون أن نلمس تغييرا إجرائيا بين قصيدة للنابغة الذبياني ألقيت في سوق عكاظ في الجاهلية، وقصيدة حداثية يتحلق حول شاعرها بضعة أشخاص في مهرجان جرش بناء على (ما يطلبه الجمهور)! بل، كيف لقصيدة اليوم أن تكون طوعَ بنان المُنشد، وهي أبعدُ ما تكون عن المنبريّة والخطابيةّ والتواصل السّمعيّ. حتما ستختلف طُرقُ استقبالها، وآليات التفاعل معها، نظرا لما طَرأ عليها من تحديث وتجديد، وتداخلت بين طياتها أجناسٌ أدبيّة وغير أدبيّة بفعل التقدّم العلميّ والتكنولوجي، وتقدم وسائل الطباعة والكتابة والنشر والتواصل الاجتماعي .
شتان بين قصيدة الأمس وشكلها الصارم القاطع ووزنها المنتظم وقصيدة الحداثة اليوم بإيقاعاتها الداخلية وتفعيلاتها غير المنضبطة وما تضمّه من تقنيات مُستمدّة من العلوم والفنون ما زادها غموضا دلاليا وتأويلات لا حدود لها وانزياحا دلاليا ورؤيويا يصعب معه الاعتماد على حاسة السمع في بضع دقائق من الإلقاء . هذا النوع يحتاج إلى القراءة الفاعلة والتفاعل المشترك بين النص والقارئ لإدراك تشكيلاته وفضاءاته البصرية وتقنياته الفنية .
إن اعتماد القصيدة الغنائية الكلاسيكية على الأذن والإنشاد المباشر أمام الجمهور بإيقاعاتها الخارجية ردحا من الزمن قد طوّع الأذن العربية فاستساغت بحورها الخليلية وبنيتها الخارجية وقافيتها الموحدة ووحداتها الزمنية المتساوية؛ لذا فلا غرابة أن تكون الشفاهية والإنشاد جزءا من بهجتها والاحتفاء بها إذا ما وجدت شاعرا منشدا يجيد فن الإلقاء ومستمعا كسولا متحفزا للتصفيق! الشعر أيها المثقفون، غير هذا ؛ الشعر فتحٌ جديد ورؤيا عميقة وغموضٌ شفيف وعوالمُ فلسفيّة وفيوضٌ تحفرُ في أعماق النفس البشريّة وأسئلة وجوديّة مُستفزّة، تستنطق أسرار الحياة والموت والحب والدهشة و(اللامتوقع واللامألوف)...
إنهّا تُشرع أبوابَ الأسئلة الشّائكة، وتفتحُ أبواب التأويل، ونوافذَ التّخييل نحو فضاءاتٍ لامتناهية، بلْ وتجعل القراءة الوحيدة مستحيلة لِتتَعدّدَ التأويلاتُ بتعدُّدِ القراءات للنّص الواحد. إنّ انتشار أدوات الكتابة والطباعة والتقنيات المستحدثة حاليا، قد أضاف لها بُعدا دلاليا وشكلياّ الأمر الذي انتقلت وتحولت ذائقة الجمهور إلى مركزية غير الأولى، مُوجِّهةً معها الحساسيّة الشعريةّ من الأذن إلى العين؛ ومن الاستماع إلى القراءة ...ولهذا فإنّ من أكبر مُعوِّقات الاتصال الفعّال بين الشاعر والجمهور الاكتفاء بالإلقاء كوسيلة وحيدة للتواصل إما في المهرجانات أو على شاشات التلفاز أو حسب (ما يطلبه الجمهور)، فإذا كان قد نجح فيها بعض الشعراء المُنشدين المُجيدين كمحمود درويش أو الجواهري أو نزار وغيرهم، فإنّ القصيدة الحداثية بشروطها السابقة، تستعصي على الأذن وتتعالى على الإنشاد، بما أحدثته من تقنيات أساسية في فضاءاتها؛ فتقاطعت فيها الأجناس الأدبية الأخرى كالرسم والخط والسينما وتقنياتها والمسرح ومؤثراته الصوتية والضوئية والإكسسوار والمونتاج والدبلجة وتعدد الأصوات ... والشكل الطباعي ولعبة البياض والسواد واستغلال اللون ومساحة الورقة والتشكيلات البصرية وخفوت صوت الشاعر ، وكلُّ هذا قد أسهم إسهاما مباشرا في إضاءة القصيدة من الداخل وساعد على فك شيفرات النص، ومغاليق دلالته ومنطوقه الغامض ورموزه وتعدّد مدلولاته وتأويلاته.وهذه أسبابٌ كافية لإحجام الكثير عنها، وعدم الرغبة فيها، أو الإقبال عليها، والعزوف عنها في المهرجانات واللقاءات ؛لأنهم في مواجهة قصيدة معقدة تعقيدا فنيا بأساطيرها وفضائها البصري ورموزها وصورها المركبة وتناصاتها وتقاطعاتها وشبكات العلاقات فيها.
إنّ التحدي القائم هو في مدى الاستعداد الثقافي والمعرفي للقارئ النموذجي الذي يُهيئ كلّ أسلحته الثقافية لاستقبال النص الجديد، عندها يتحوّل من مستمع محايد إلى قارئ مشارك للشاعر فيما يكتب، ومن مُستمع مذهول بقعقعة الوزن وصليل القافية إلى قارئ تنبجسُ في أعماقه مياه الشعر الدافئة.
لقد مرّت القصيدةُ العربيّة عبْرَ تاريخِها ومسارات الحداثة فيها بمراحلَ متعددةٍ شكلا ومضمونا، ولم تتوقف محاولاتُ التجريب فيها مُنذ العصر الجاهلي إلى يومنا هذا، وراحت تحلق بعيدا عن جذورها الأولى نحو فضاءات ممتدة وعلائق وأشكال جديدة يصعب معها أن نستقبلها بأدوات الماضي والتمركز حول ذات الشاعر المنشد ووسيلته الوحيدة آنذاك لإيصال النص إلى القارئ هو من خلال الأذن والإنشاد المباشر أمام الجمهور، والغريب أننا نمارس الدور ذاته والوسيلة ذاتها للتفاعل بين النص والقارئ، دون أن نلمس تغييرا إجرائيا بين قصيدة للنابغة الذبياني ألقيت في سوق عكاظ في الجاهلية، وقصيدة حداثية يتحلق حول شاعرها بضعة أشخاص في مهرجان جرش بناء على (ما يطلبه الجمهور)! بل، كيف لقصيدة اليوم أن تكون طوعَ بنان المُنشد، وهي أبعدُ ما تكون عن المنبريّة والخطابيةّ والتواصل السّمعيّ. حتما ستختلف طُرقُ استقبالها، وآليات التفاعل معها، نظرا لما طَرأ عليها من تحديث وتجديد، وتداخلت بين طياتها أجناسٌ أدبيّة وغير أدبيّة بفعل التقدّم العلميّ والتكنولوجي، وتقدم وسائل الطباعة والكتابة والنشر والتواصل الاجتماعي .
شتان بين قصيدة الأمس وشكلها الصارم القاطع ووزنها المنتظم وقصيدة الحداثة اليوم بإيقاعاتها الداخلية وتفعيلاتها غير المنضبطة وما تضمّه من تقنيات مُستمدّة من العلوم والفنون ما زادها غموضا دلاليا وتأويلات لا حدود لها وانزياحا دلاليا ورؤيويا يصعب معه الاعتماد على حاسة السمع في بضع دقائق من الإلقاء . هذا النوع يحتاج إلى القراءة الفاعلة والتفاعل المشترك بين النص والقارئ لإدراك تشكيلاته وفضاءاته البصرية وتقنياته الفنية .
إن اعتماد القصيدة الغنائية الكلاسيكية على الأذن والإنشاد المباشر أمام الجمهور بإيقاعاتها الخارجية ردحا من الزمن قد طوّع الأذن العربية فاستساغت بحورها الخليلية وبنيتها الخارجية وقافيتها الموحدة ووحداتها الزمنية المتساوية؛ لذا فلا غرابة أن تكون الشفاهية والإنشاد جزءا من بهجتها والاحتفاء بها إذا ما وجدت شاعرا منشدا يجيد فن الإلقاء ومستمعا كسولا متحفزا للتصفيق! الشعر أيها المثقفون، غير هذا ؛ الشعر فتحٌ جديد ورؤيا عميقة وغموضٌ شفيف وعوالمُ فلسفيّة وفيوضٌ تحفرُ في أعماق النفس البشريّة وأسئلة وجوديّة مُستفزّة، تستنطق أسرار الحياة والموت والحب والدهشة و(اللامتوقع واللامألوف)...
إنهّا تُشرع أبوابَ الأسئلة الشّائكة، وتفتحُ أبواب التأويل، ونوافذَ التّخييل نحو فضاءاتٍ لامتناهية، بلْ وتجعل القراءة الوحيدة مستحيلة لِتتَعدّدَ التأويلاتُ بتعدُّدِ القراءات للنّص الواحد. إنّ انتشار أدوات الكتابة والطباعة والتقنيات المستحدثة حاليا، قد أضاف لها بُعدا دلاليا وشكلياّ الأمر الذي انتقلت وتحولت ذائقة الجمهور إلى مركزية غير الأولى، مُوجِّهةً معها الحساسيّة الشعريةّ من الأذن إلى العين؛ ومن الاستماع إلى القراءة ...ولهذا فإنّ من أكبر مُعوِّقات الاتصال الفعّال بين الشاعر والجمهور الاكتفاء بالإلقاء كوسيلة وحيدة للتواصل إما في المهرجانات أو على شاشات التلفاز أو حسب (ما يطلبه الجمهور)، فإذا كان قد نجح فيها بعض الشعراء المُنشدين المُجيدين كمحمود درويش أو الجواهري أو نزار وغيرهم، فإنّ القصيدة الحداثية بشروطها السابقة، تستعصي على الأذن وتتعالى على الإنشاد، بما أحدثته من تقنيات أساسية في فضاءاتها؛ فتقاطعت فيها الأجناس الأدبية الأخرى كالرسم والخط والسينما وتقنياتها والمسرح ومؤثراته الصوتية والضوئية والإكسسوار والمونتاج والدبلجة وتعدد الأصوات ... والشكل الطباعي ولعبة البياض والسواد واستغلال اللون ومساحة الورقة والتشكيلات البصرية وخفوت صوت الشاعر ، وكلُّ هذا قد أسهم إسهاما مباشرا في إضاءة القصيدة من الداخل وساعد على فك شيفرات النص، ومغاليق دلالته ومنطوقه الغامض ورموزه وتعدّد مدلولاته وتأويلاته.وهذه أسبابٌ كافية لإحجام الكثير عنها، وعدم الرغبة فيها، أو الإقبال عليها، والعزوف عنها في المهرجانات واللقاءات ؛لأنهم في مواجهة قصيدة معقدة تعقيدا فنيا بأساطيرها وفضائها البصري ورموزها وصورها المركبة وتناصاتها وتقاطعاتها وشبكات العلاقات فيها.
إنّ التحدي القائم هو في مدى الاستعداد الثقافي والمعرفي للقارئ النموذجي الذي يُهيئ كلّ أسلحته الثقافية لاستقبال النص الجديد، عندها يتحوّل من مستمع محايد إلى قارئ مشارك للشاعر فيما يكتب، ومن مُستمع مذهول بقعقعة الوزن وصليل القافية إلى قارئ تنبجسُ في أعماقه مياه الشعر الدافئة.
التعليقات