في كل مرة أحاول أن أتواصل مع شخص عزيز، أسمع الجملة نفسها: “سامحني… كنت مشغول.”
في البداية كنت أصدقها، ثم بدأت ألاحظ أن الجميع مشغول. الأب مشغول، والأم مشغولة، والصديق مشغول، وحتى الطفل أصبح مشغولًا. وكأننا اتفقنا جميعًا على أن تكون كلمة “أنا مشغول” الجواب الجاهز لكل شيء.
لكنني بدأت أسأل نفسي سؤالًا بسيطًا: هل نحن حقًا مشغولون، أم أننا فقدنا القدرة على العيش؟
أحيانًا أشعر أننا لم نعد نعيش الحياة، بل نطاردها. نستيقظ على صوت المنبه، لا لأننا اكتفينا من النوم، بل لأن الوقت يطاردنا. نخرج مسرعين، نقضي يومنا بين العمل والالتزامات والهواتف والرسائل والاجتماعات، ثم نعود إلى بيوتنا متعبين، لنكتشف أن اليوم انتهى… دون أن نتذكر لحظة واحدة شعرنا فيها أننا كنا أحياء.
المؤلم أننا أصبحنا نؤجل كل شيء جميل.
سنزور أهلنا عندما نجد وقتًا.
سنجلس مع أصدقائنا عندما تهدأ الظروف.
سنمارس هواياتنا عندما تخف المسؤوليات.
سنرتاح عندما تنتهي الضغوط.
لكن الغريب أن الضغوط لا تنتهي، والوقت لا يتسع، والعمر يمضي بصمت.
لقد أصبحنا نملك أشياء أكثر من أي وقت مضى. هواتف أذكى، سيارات أفضل، بيوت أكبر، وخدمات لم يكن من قبلنا يحلم بها. ومع ذلك، أصبحنا أقل سعادة، وأكثر توترًا، وأسرع غضبًا، وأشد شعورًا بالوحدة.
ربما لأن السعادة لم تكن يومًا فيما نملك، بل فيما نعيشه.
ما قيمة منزل جميل إذا لم نجلس فيه مع من نحب؟ وما قيمة هاتف يستطيع أن يصل إلى آخر الدنيا، إذا كان عاجزًا عن جمع أفراد الأسرة على حديث واحد دون أن ينظر كل واحد إلى شاشته؟
أصبحت أؤمن أن أكثر ما سرقته الحياة الحديثة منا ليس الوقت… بل الانتباه.
نحن موجودون بأجسادنا، لكن عقولنا في مكان آخر. نجلس مع أهلنا ونفكر بالعمل، نذهب إلى العمل ونفكر بالفواتير، ننهي الفواتير فنبحث عن التزامات جديدة، وكأن الراحة أصبحت شعورًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.
والمفارقة أن كثيرًا منا يظن أن الانشغال دليل على النجاح. لذلك أصبح يتباهى بأنه لا يملك وقتًا. بينما الحقيقة أن النجاح الذي يجعلك تخسر صحتك، وأهلك، وأصدقاءك، وسلامك الداخلي… يحتاج إلى إعادة تعريف.
في النهاية، لن يتذكر الناس عدد الاجتماعات التي حضرتها، ولا عدد الرسائل التي أجبت عنها، ولا عدد الساعات التي قضيتها في العمل. سيتذكرون إن كنت حاضرًا معهم عندما احتاجوك، وإن كنت تمنحهم وقتًا يشعرهم بقيمتهم.
الحياة لا تُقاس بعدد الأيام التي عشناها، بل بعدد اللحظات التي شعرنا فيها أننا نعيش فعلًا.
لذلك، ربما حان الوقت أن نتوقف قليلًا، لا لأن أعمالنا انتهت، بل لأن أعمارنا لا تنتظر.
وربما علينا أن نستبدل سؤال: “كم أنجزت اليوم؟” بسؤال أكثر إنسانية:
“هل عشت اليوم كما كنت تتمنى أن تعيش؟”
فقد نكتشف متأخرين أن أكثر ما كنا مشغولين عنه… هو الحياة نفسها.
رسالة أخيرة…
إذا وصلت إلى هنا، فأريد أن أطلب منك طلبًا بسيطًا.
لا تؤجل الأشخاص الذين تحبهم إلى أن “تفرغ”، لأننا في الحقيقة لا نفرغ أبدًا. امنح وقتًا لأهلك، وعائلتك، وأطفالك، وإن لم تكن متزوجًا، فلا تنسَ أصدقاءك، وأحباءك، وكل شخص عزيز على قلبك. واترك لنفسك أيضًا نصيبًا من الوقت، فالروح تحتاج إلى من يعتني بها كما يحتاج الجسد.
لا تجعل الحياة كلها قائمة مهام تركض خلفها، لأن أجمل ما فيها لا يُكتب في قائمة، بل يُعاش.
وتذكّر دائمًا… العمر واحد، والرب واحد، والحياة واحدة. فلا تؤجل الحب، ولا الكلمة الطيبة، ولا الزيارة، ولا الضحكة، ولا لحظة تجمعك بمن تحب. فالعمل يمكن أن يُعوَّض، والمال قد يعود، أما اللحظات التي تمضي، فلا تعود.
أتمنى من كل قلبي أن تجد وقتًا للحياة، قبل أن يأتي يوم تدرك فيه أن الحياة كانت تمضي من حولك… بينما كنت مشغولًا عنها.
الكاتب : الدكتور عدي تركي الفواعير
في كل مرة أحاول أن أتواصل مع شخص عزيز، أسمع الجملة نفسها: “سامحني… كنت مشغول.”
في البداية كنت أصدقها، ثم بدأت ألاحظ أن الجميع مشغول. الأب مشغول، والأم مشغولة، والصديق مشغول، وحتى الطفل أصبح مشغولًا. وكأننا اتفقنا جميعًا على أن تكون كلمة “أنا مشغول” الجواب الجاهز لكل شيء.
لكنني بدأت أسأل نفسي سؤالًا بسيطًا: هل نحن حقًا مشغولون، أم أننا فقدنا القدرة على العيش؟
أحيانًا أشعر أننا لم نعد نعيش الحياة، بل نطاردها. نستيقظ على صوت المنبه، لا لأننا اكتفينا من النوم، بل لأن الوقت يطاردنا. نخرج مسرعين، نقضي يومنا بين العمل والالتزامات والهواتف والرسائل والاجتماعات، ثم نعود إلى بيوتنا متعبين، لنكتشف أن اليوم انتهى… دون أن نتذكر لحظة واحدة شعرنا فيها أننا كنا أحياء.
المؤلم أننا أصبحنا نؤجل كل شيء جميل.
سنزور أهلنا عندما نجد وقتًا.
سنجلس مع أصدقائنا عندما تهدأ الظروف.
سنمارس هواياتنا عندما تخف المسؤوليات.
سنرتاح عندما تنتهي الضغوط.
لكن الغريب أن الضغوط لا تنتهي، والوقت لا يتسع، والعمر يمضي بصمت.
لقد أصبحنا نملك أشياء أكثر من أي وقت مضى. هواتف أذكى، سيارات أفضل، بيوت أكبر، وخدمات لم يكن من قبلنا يحلم بها. ومع ذلك، أصبحنا أقل سعادة، وأكثر توترًا، وأسرع غضبًا، وأشد شعورًا بالوحدة.
ربما لأن السعادة لم تكن يومًا فيما نملك، بل فيما نعيشه.
ما قيمة منزل جميل إذا لم نجلس فيه مع من نحب؟ وما قيمة هاتف يستطيع أن يصل إلى آخر الدنيا، إذا كان عاجزًا عن جمع أفراد الأسرة على حديث واحد دون أن ينظر كل واحد إلى شاشته؟
أصبحت أؤمن أن أكثر ما سرقته الحياة الحديثة منا ليس الوقت… بل الانتباه.
نحن موجودون بأجسادنا، لكن عقولنا في مكان آخر. نجلس مع أهلنا ونفكر بالعمل، نذهب إلى العمل ونفكر بالفواتير، ننهي الفواتير فنبحث عن التزامات جديدة، وكأن الراحة أصبحت شعورًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.
والمفارقة أن كثيرًا منا يظن أن الانشغال دليل على النجاح. لذلك أصبح يتباهى بأنه لا يملك وقتًا. بينما الحقيقة أن النجاح الذي يجعلك تخسر صحتك، وأهلك، وأصدقاءك، وسلامك الداخلي… يحتاج إلى إعادة تعريف.
في النهاية، لن يتذكر الناس عدد الاجتماعات التي حضرتها، ولا عدد الرسائل التي أجبت عنها، ولا عدد الساعات التي قضيتها في العمل. سيتذكرون إن كنت حاضرًا معهم عندما احتاجوك، وإن كنت تمنحهم وقتًا يشعرهم بقيمتهم.
الحياة لا تُقاس بعدد الأيام التي عشناها، بل بعدد اللحظات التي شعرنا فيها أننا نعيش فعلًا.
لذلك، ربما حان الوقت أن نتوقف قليلًا، لا لأن أعمالنا انتهت، بل لأن أعمارنا لا تنتظر.
وربما علينا أن نستبدل سؤال: “كم أنجزت اليوم؟” بسؤال أكثر إنسانية:
“هل عشت اليوم كما كنت تتمنى أن تعيش؟”
فقد نكتشف متأخرين أن أكثر ما كنا مشغولين عنه… هو الحياة نفسها.
رسالة أخيرة…
إذا وصلت إلى هنا، فأريد أن أطلب منك طلبًا بسيطًا.
لا تؤجل الأشخاص الذين تحبهم إلى أن “تفرغ”، لأننا في الحقيقة لا نفرغ أبدًا. امنح وقتًا لأهلك، وعائلتك، وأطفالك، وإن لم تكن متزوجًا، فلا تنسَ أصدقاءك، وأحباءك، وكل شخص عزيز على قلبك. واترك لنفسك أيضًا نصيبًا من الوقت، فالروح تحتاج إلى من يعتني بها كما يحتاج الجسد.
لا تجعل الحياة كلها قائمة مهام تركض خلفها، لأن أجمل ما فيها لا يُكتب في قائمة، بل يُعاش.
وتذكّر دائمًا… العمر واحد، والرب واحد، والحياة واحدة. فلا تؤجل الحب، ولا الكلمة الطيبة، ولا الزيارة، ولا الضحكة، ولا لحظة تجمعك بمن تحب. فالعمل يمكن أن يُعوَّض، والمال قد يعود، أما اللحظات التي تمضي، فلا تعود.
أتمنى من كل قلبي أن تجد وقتًا للحياة، قبل أن يأتي يوم تدرك فيه أن الحياة كانت تمضي من حولك… بينما كنت مشغولًا عنها.
الكاتب : الدكتور عدي تركي الفواعير
في كل مرة أحاول أن أتواصل مع شخص عزيز، أسمع الجملة نفسها: “سامحني… كنت مشغول.”
في البداية كنت أصدقها، ثم بدأت ألاحظ أن الجميع مشغول. الأب مشغول، والأم مشغولة، والصديق مشغول، وحتى الطفل أصبح مشغولًا. وكأننا اتفقنا جميعًا على أن تكون كلمة “أنا مشغول” الجواب الجاهز لكل شيء.
لكنني بدأت أسأل نفسي سؤالًا بسيطًا: هل نحن حقًا مشغولون، أم أننا فقدنا القدرة على العيش؟
أحيانًا أشعر أننا لم نعد نعيش الحياة، بل نطاردها. نستيقظ على صوت المنبه، لا لأننا اكتفينا من النوم، بل لأن الوقت يطاردنا. نخرج مسرعين، نقضي يومنا بين العمل والالتزامات والهواتف والرسائل والاجتماعات، ثم نعود إلى بيوتنا متعبين، لنكتشف أن اليوم انتهى… دون أن نتذكر لحظة واحدة شعرنا فيها أننا كنا أحياء.
المؤلم أننا أصبحنا نؤجل كل شيء جميل.
سنزور أهلنا عندما نجد وقتًا.
سنجلس مع أصدقائنا عندما تهدأ الظروف.
سنمارس هواياتنا عندما تخف المسؤوليات.
سنرتاح عندما تنتهي الضغوط.
لكن الغريب أن الضغوط لا تنتهي، والوقت لا يتسع، والعمر يمضي بصمت.
لقد أصبحنا نملك أشياء أكثر من أي وقت مضى. هواتف أذكى، سيارات أفضل، بيوت أكبر، وخدمات لم يكن من قبلنا يحلم بها. ومع ذلك، أصبحنا أقل سعادة، وأكثر توترًا، وأسرع غضبًا، وأشد شعورًا بالوحدة.
ربما لأن السعادة لم تكن يومًا فيما نملك، بل فيما نعيشه.
ما قيمة منزل جميل إذا لم نجلس فيه مع من نحب؟ وما قيمة هاتف يستطيع أن يصل إلى آخر الدنيا، إذا كان عاجزًا عن جمع أفراد الأسرة على حديث واحد دون أن ينظر كل واحد إلى شاشته؟
أصبحت أؤمن أن أكثر ما سرقته الحياة الحديثة منا ليس الوقت… بل الانتباه.
نحن موجودون بأجسادنا، لكن عقولنا في مكان آخر. نجلس مع أهلنا ونفكر بالعمل، نذهب إلى العمل ونفكر بالفواتير، ننهي الفواتير فنبحث عن التزامات جديدة، وكأن الراحة أصبحت شعورًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.
والمفارقة أن كثيرًا منا يظن أن الانشغال دليل على النجاح. لذلك أصبح يتباهى بأنه لا يملك وقتًا. بينما الحقيقة أن النجاح الذي يجعلك تخسر صحتك، وأهلك، وأصدقاءك، وسلامك الداخلي… يحتاج إلى إعادة تعريف.
في النهاية، لن يتذكر الناس عدد الاجتماعات التي حضرتها، ولا عدد الرسائل التي أجبت عنها، ولا عدد الساعات التي قضيتها في العمل. سيتذكرون إن كنت حاضرًا معهم عندما احتاجوك، وإن كنت تمنحهم وقتًا يشعرهم بقيمتهم.
الحياة لا تُقاس بعدد الأيام التي عشناها، بل بعدد اللحظات التي شعرنا فيها أننا نعيش فعلًا.
لذلك، ربما حان الوقت أن نتوقف قليلًا، لا لأن أعمالنا انتهت، بل لأن أعمارنا لا تنتظر.
وربما علينا أن نستبدل سؤال: “كم أنجزت اليوم؟” بسؤال أكثر إنسانية:
“هل عشت اليوم كما كنت تتمنى أن تعيش؟”
فقد نكتشف متأخرين أن أكثر ما كنا مشغولين عنه… هو الحياة نفسها.
رسالة أخيرة…
إذا وصلت إلى هنا، فأريد أن أطلب منك طلبًا بسيطًا.
لا تؤجل الأشخاص الذين تحبهم إلى أن “تفرغ”، لأننا في الحقيقة لا نفرغ أبدًا. امنح وقتًا لأهلك، وعائلتك، وأطفالك، وإن لم تكن متزوجًا، فلا تنسَ أصدقاءك، وأحباءك، وكل شخص عزيز على قلبك. واترك لنفسك أيضًا نصيبًا من الوقت، فالروح تحتاج إلى من يعتني بها كما يحتاج الجسد.
لا تجعل الحياة كلها قائمة مهام تركض خلفها، لأن أجمل ما فيها لا يُكتب في قائمة، بل يُعاش.
وتذكّر دائمًا… العمر واحد، والرب واحد، والحياة واحدة. فلا تؤجل الحب، ولا الكلمة الطيبة، ولا الزيارة، ولا الضحكة، ولا لحظة تجمعك بمن تحب. فالعمل يمكن أن يُعوَّض، والمال قد يعود، أما اللحظات التي تمضي، فلا تعود.
أتمنى من كل قلبي أن تجد وقتًا للحياة، قبل أن يأتي يوم تدرك فيه أن الحياة كانت تمضي من حولك… بينما كنت مشغولًا عنها.
التعليقات