بقلم/ الدكتور جميل سالم الزيدانين السعودي
تعد البطالة من أكبر التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الأردن، حيث تجاوز معدل البطالة خلال السنوات الأخيرة 20% من قوة العمل، مع ارتفاع ملحوظ بين الشباب وخريجي الجامعات. ولا تكمن المشكلة فقط في نفس الوظائف، بل في طبيعة الاقتصاد نفسه، أذ أن جزءا كبيرا من فرص العمل الجديدة يتركز في قطاعات منخفضة الإنتاجية، بينما يعاني القطاع الخاص من محدودية قدرته على التوسع والتوظيف.
لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن خفض البطالة لا يتحقق فقط من خلال الوظائف الحكومية أو برامج الدعم المؤقت، بل عبر إعادة بناء نموذج سوق العمل من خلال التعليم التطبيقي، دعم ريادة الاعمال، جذب الاستثمارات، وربط المهارات باحتياجات الاقتصاد الحديث. يمكن للأردن إعادة نموذج سوق عمل كتطور، يواجه تحديات التنمية، ويساهم في الحد من البطالة ومخرجاتها من تراجع تنمية القدرات البشرية، وضعف هيكلة سوق العمل، والتغير في اتجاهات الشباب من الفاعلية الى مقاومة أي تغيير إيجابي في سوق العمل، وفقد التقة بالاقتصاد، وبالتالي الخروج من ساحات التنمية الاجتماعية والاقتصادية الى ساحات الاعتصامات وركوب قطار الجريمة أحيانا، لذلك فإن العمل من قبل الجهات المعنية والمجتمع على حد سواء وبأسرع وقت ممكن لإيجاد بدائل معقولة و فرص عمل للحد من البطالة والحفاظ على سوق العمل ومنهجيته وبالتالي الحفاظ على قطاع الشباب من اية انحرافات اجتماعية قد تتسبب في ولادة أنواع واشكال من الجريمة لم يعهدها الوطن ولا المجتمع، وقد تتسبب أيضا في ظهور فود شد عكسية لا تريد للوطن ان ينمو ويزدهر.
من هنا فإنني اقترح على كل من يحب الوطن ولديه الإرادة والمعرفة والخبرة في تنمية قطاع الشباب والحد من البطالة, أن يأخذ على محمل الجد، الاليات والوسائل التالية التي نجحت باستخدامها كثير من الدول. أولا: التحول من التعليم التقليدي الى التعليم المهني والتقني – تجربة ألمانيا وسويسرا من أبرز التجارب العالمية الناجحة تجربة المانيا التي استطاعت المحافظة على معدلات بطالة منخفضة نسبيا بسبب نظام التدريب المهني المزدوج (Dual Vocational Training).
يعتمد هذا النظام على دمج الدراسة النظرية داخل المؤسسات التعليمية مع التدريب العملي داخل الشركات، بحيث يتخرج الطالب وهو يمتلك مهارة وخبرة عملية يحتاجها سوق العمل. علما بان هذا النهج موجود حاليا لدى الأردن، لكنه يحتاج الى تقويته بالاشتراك مع المؤسسات التعليمية وفرضه قانونيا على القطاع الخاص سواء لدى الشركات الأردنية او الأجنبية، ولنا في ذلك عبرة طيبة من دول الخليج وأخص بالذكر دولة الامارات العربية المتحدة التي فرضت على القطاع الخاص نسب توظيف للمواطنين في ظل سوق اغلبيته العظمى عمالة وافدة. لذلك يمكن للأردن تطبيق نموذج مشابه من خلال تحويل جزء أكبر من التعليم الجامعي نحو التعليم التطبيقي، إنشاء شراكات بين الجامعات وكليات المجتمع والشركات، تقديم حوافز للشركات التي تدرب وتشغل الشباب الأردني، والتركيز على مهارات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي والبرمجة والامن السيبراني.
إن معالجة فجوة المهارات قد تخفض البطالة بين الشباب بشكل كبير، لأن جزءا من المشكلة الحالية هو عدم التوافق بين تخصصات الخريجين واحتياجات السوق. ثانيا: عمل برامج تأهيل وتدريب وتقييم وترخيص لأصحاب المهن ليقوموا بأعمالهم بحرفية وبشكل قانوني - تجربة كندا وأمريكا.
استطاعت برامج التأهيل والتدريب والتقييم ومن ثم الترخيص لأصحاب المهن في كل من كندا والولايات المتحدة لعب دور هام جدا في الحد من البطالة واقتصار الوظائف المهنية فقط على المواطنين والمقيمين قانونيا، ضمن شروط وقوانين خاصة. كما أن طالبي الخدمات يقتصرون الحصول على الخدمات في معظم الأحيان من مهنيين مرخصين، وبخلاف ذلك فإن شركات التأمين لا تغطي الاضرار الناتجة عن حوادث او اخطار سببها الحصول علة خدمات من جهات غير مرخصة، لذلك فإننا في الأردن بحاجة ماسة الى مثل هذا النهج للحد من العمالة العشوائية وخاصة الوافدة والاعتماد فقط على الايدي العاملة الأردنية، والبدء بالحد من الاستثناءات في هذا المجال حتى تصل نسبتها الى الصفر.
ثالثا: إنشاء مناطق اقتصادية متخصصة – تجربة كوريا الجنوبية وسنغافورة اعتمدت دول كوريا الجنوبية وسنغافورة على إنشاء مناطق اقتصادية وصناعية متخصصة، ساهمت في جذب الاستثمارات وخلق ملايين الوظائف. يمكن للأردن تطوير نماذج مشابهة عبر انشاء مناطق صناعية للتكنولوجيا والتصنيع المتقدم، ومراكز إقليمية للخدمات الرقمية، ومناطق للطاقة المتجددة، ومجمعات للصناعات الدوائية والغذائية. الميزة الأساسية لهذه المناطق أنها لا تخلق وظيفة واحدة فقط، بل تبني سلاسل انتاج كاملة تشمل الموردين، الخدمات اللوجستية، التسويق، والصيانة.
رابعا: دعم الشركات الناشئة والاقتصاد الرقمي – تجربة إستونيا والهند أثبت الاقتصاد الرقمي قدرنه على خلق وظائف جديدة بتكليف أقل من القطاعات التقليدية. فقد نجحت دول مثل استونيا في بناء اقتصاد رقمي متقدم، بينما أصبحت الهند مركزا عالميا لخدمات التكنولوجيا وتصدير البرمجيات. يمكن للأردن الاستفادة من ذلك من خلال إنشاء صندوق وطني لتمويل الشركات الناشئة، وتقديم حوافز ضريبية للشركات التقنية، وتدريب الشباب على العمل عن بعد، ودعم تصدير الخدمات الرقمية للأسواق العالمية. ميزة هذا القطاع أنه لا يعتمد على حجم السوق المحلي، مما يجعله مناسبا لدولة مثل الأردن.
خامسا: تحويل القطاع العام من مشغل الى داعم للنمو – تجربة الصين وماليزيا وتركيا أحد أسباب استمرار البطالة فب الأردن هو الاعتماد التاريخي على الوظائف الحكومية باعتبارها مصدرا رئيسيا للأمان الوظيفي، الا أن قدرة الحكومة على التوظيف أصبحت محدودة بسبب ارتفاع النفقات العامة. إن التجارب العالمية في هذا المجال مثل تجربة ماليزيا وتركيا، أظهرت أن دور الحكومة الأكثر فاعلية يتمثل في تحسبن بيئة الاعمال، وتسهيل تأسيس الشركات، وتقليل الإجراءات البيروقراطية، وتمويل برامج التدريب والتشغيل. فالقطاع الخاص القوي هو القادر على خلق فرص عمل مستدامة.
سادسا: برنامج وطني لضمان أول وظيفة للشباب – تجارب الدول الاسكندنافية ودول الاتحاد الاوروبي طبقت عدة دول برامج ناجحة لمساعدة الشباب على دخول سوق العمل مثل برامج التدريب المدفوع والحوافز للشركات التي توظف حديثي التخرج، ومن هذه الدول السويد، فنلندا، الدنمارك، والنرويج، بالإضافة الى دول الاتحاد الأوروبي.
يمكن للأردن انشاء برنامج 'الوظيفة الأولى لكل شاب' بحيث تقوم الحكومة بدعم جزء من راتب الخريج لمدة 6-12 شهرا. وإلزام الشركات المشاركة بتوفير تدريب حقيقي، وتحويل نسبة المتدربين الى موظفين دائمين. هذا النوع من البرامج يقلل مخاطر توظيف الشباب الذين لا يمتلكون خبرة عملية. سابعا: تطوير قطاع السياحة والزراعة الحديثة والطاقة الشمسية – التجربة الأوروبية لا ينبغي ان تتركز جهود التشغيل فقط في التكنولوجيا، فالأردن يمتلك فرصا في قطاعات فادرة على خلق وظائف واسعة مثل قطاع السياحة (العلاجية، الدينية، البيئية، الخدمات الفندقية)، قطاع الزراعة (الزراعة الذكية، والتصنيع الغذائي، والتصدير الزراعي)، وقطاع الطاقة (مشاريع الطاقة الشمسية، ونصنيع وصيانة معدات الطاقة المتجددة). هذه القطاعات يمكن أن توفر فرصا للشباب خارج المدن الكبرى.
اليكم خطوط عريضة لخطة عملية يمكن ان تخفض البطالة في الأردن خلال الخمس سنوات القادمة كما يلي:
وقد أثبتت التجارب الدولية ان الدول التي نجحت في خفض البطالة لم تعتمد على الحلول التقليدية، بل قامت بإعادة تصميم اقتصادها حول المهارات، التكنولوجيا، الاستثمار، والقطاع الخاص. إن الحل الحقيقي للأردن لا يكمن في زيادة التوظيف الحكومي، بل في بناء اقتصاد قادر على انتاج وظائف ذات قيمة عالية ومستدامة، وتحويل الشباب من باحثين عن فرص عمل الى منتجين ومبدعين قادرين على المنافسة إقليميا وعالميا.
بقلم/ الدكتور جميل سالم الزيدانين السعودي
تعد البطالة من أكبر التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الأردن، حيث تجاوز معدل البطالة خلال السنوات الأخيرة 20% من قوة العمل، مع ارتفاع ملحوظ بين الشباب وخريجي الجامعات. ولا تكمن المشكلة فقط في نفس الوظائف، بل في طبيعة الاقتصاد نفسه، أذ أن جزءا كبيرا من فرص العمل الجديدة يتركز في قطاعات منخفضة الإنتاجية، بينما يعاني القطاع الخاص من محدودية قدرته على التوسع والتوظيف.
لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن خفض البطالة لا يتحقق فقط من خلال الوظائف الحكومية أو برامج الدعم المؤقت، بل عبر إعادة بناء نموذج سوق العمل من خلال التعليم التطبيقي، دعم ريادة الاعمال، جذب الاستثمارات، وربط المهارات باحتياجات الاقتصاد الحديث. يمكن للأردن إعادة نموذج سوق عمل كتطور، يواجه تحديات التنمية، ويساهم في الحد من البطالة ومخرجاتها من تراجع تنمية القدرات البشرية، وضعف هيكلة سوق العمل، والتغير في اتجاهات الشباب من الفاعلية الى مقاومة أي تغيير إيجابي في سوق العمل، وفقد التقة بالاقتصاد، وبالتالي الخروج من ساحات التنمية الاجتماعية والاقتصادية الى ساحات الاعتصامات وركوب قطار الجريمة أحيانا، لذلك فإن العمل من قبل الجهات المعنية والمجتمع على حد سواء وبأسرع وقت ممكن لإيجاد بدائل معقولة و فرص عمل للحد من البطالة والحفاظ على سوق العمل ومنهجيته وبالتالي الحفاظ على قطاع الشباب من اية انحرافات اجتماعية قد تتسبب في ولادة أنواع واشكال من الجريمة لم يعهدها الوطن ولا المجتمع، وقد تتسبب أيضا في ظهور فود شد عكسية لا تريد للوطن ان ينمو ويزدهر.
من هنا فإنني اقترح على كل من يحب الوطن ولديه الإرادة والمعرفة والخبرة في تنمية قطاع الشباب والحد من البطالة, أن يأخذ على محمل الجد، الاليات والوسائل التالية التي نجحت باستخدامها كثير من الدول. أولا: التحول من التعليم التقليدي الى التعليم المهني والتقني – تجربة ألمانيا وسويسرا من أبرز التجارب العالمية الناجحة تجربة المانيا التي استطاعت المحافظة على معدلات بطالة منخفضة نسبيا بسبب نظام التدريب المهني المزدوج (Dual Vocational Training).
يعتمد هذا النظام على دمج الدراسة النظرية داخل المؤسسات التعليمية مع التدريب العملي داخل الشركات، بحيث يتخرج الطالب وهو يمتلك مهارة وخبرة عملية يحتاجها سوق العمل. علما بان هذا النهج موجود حاليا لدى الأردن، لكنه يحتاج الى تقويته بالاشتراك مع المؤسسات التعليمية وفرضه قانونيا على القطاع الخاص سواء لدى الشركات الأردنية او الأجنبية، ولنا في ذلك عبرة طيبة من دول الخليج وأخص بالذكر دولة الامارات العربية المتحدة التي فرضت على القطاع الخاص نسب توظيف للمواطنين في ظل سوق اغلبيته العظمى عمالة وافدة. لذلك يمكن للأردن تطبيق نموذج مشابه من خلال تحويل جزء أكبر من التعليم الجامعي نحو التعليم التطبيقي، إنشاء شراكات بين الجامعات وكليات المجتمع والشركات، تقديم حوافز للشركات التي تدرب وتشغل الشباب الأردني، والتركيز على مهارات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي والبرمجة والامن السيبراني.
إن معالجة فجوة المهارات قد تخفض البطالة بين الشباب بشكل كبير، لأن جزءا من المشكلة الحالية هو عدم التوافق بين تخصصات الخريجين واحتياجات السوق. ثانيا: عمل برامج تأهيل وتدريب وتقييم وترخيص لأصحاب المهن ليقوموا بأعمالهم بحرفية وبشكل قانوني - تجربة كندا وأمريكا.
استطاعت برامج التأهيل والتدريب والتقييم ومن ثم الترخيص لأصحاب المهن في كل من كندا والولايات المتحدة لعب دور هام جدا في الحد من البطالة واقتصار الوظائف المهنية فقط على المواطنين والمقيمين قانونيا، ضمن شروط وقوانين خاصة. كما أن طالبي الخدمات يقتصرون الحصول على الخدمات في معظم الأحيان من مهنيين مرخصين، وبخلاف ذلك فإن شركات التأمين لا تغطي الاضرار الناتجة عن حوادث او اخطار سببها الحصول علة خدمات من جهات غير مرخصة، لذلك فإننا في الأردن بحاجة ماسة الى مثل هذا النهج للحد من العمالة العشوائية وخاصة الوافدة والاعتماد فقط على الايدي العاملة الأردنية، والبدء بالحد من الاستثناءات في هذا المجال حتى تصل نسبتها الى الصفر.
ثالثا: إنشاء مناطق اقتصادية متخصصة – تجربة كوريا الجنوبية وسنغافورة اعتمدت دول كوريا الجنوبية وسنغافورة على إنشاء مناطق اقتصادية وصناعية متخصصة، ساهمت في جذب الاستثمارات وخلق ملايين الوظائف. يمكن للأردن تطوير نماذج مشابهة عبر انشاء مناطق صناعية للتكنولوجيا والتصنيع المتقدم، ومراكز إقليمية للخدمات الرقمية، ومناطق للطاقة المتجددة، ومجمعات للصناعات الدوائية والغذائية. الميزة الأساسية لهذه المناطق أنها لا تخلق وظيفة واحدة فقط، بل تبني سلاسل انتاج كاملة تشمل الموردين، الخدمات اللوجستية، التسويق، والصيانة.
رابعا: دعم الشركات الناشئة والاقتصاد الرقمي – تجربة إستونيا والهند أثبت الاقتصاد الرقمي قدرنه على خلق وظائف جديدة بتكليف أقل من القطاعات التقليدية. فقد نجحت دول مثل استونيا في بناء اقتصاد رقمي متقدم، بينما أصبحت الهند مركزا عالميا لخدمات التكنولوجيا وتصدير البرمجيات. يمكن للأردن الاستفادة من ذلك من خلال إنشاء صندوق وطني لتمويل الشركات الناشئة، وتقديم حوافز ضريبية للشركات التقنية، وتدريب الشباب على العمل عن بعد، ودعم تصدير الخدمات الرقمية للأسواق العالمية. ميزة هذا القطاع أنه لا يعتمد على حجم السوق المحلي، مما يجعله مناسبا لدولة مثل الأردن.
خامسا: تحويل القطاع العام من مشغل الى داعم للنمو – تجربة الصين وماليزيا وتركيا أحد أسباب استمرار البطالة فب الأردن هو الاعتماد التاريخي على الوظائف الحكومية باعتبارها مصدرا رئيسيا للأمان الوظيفي، الا أن قدرة الحكومة على التوظيف أصبحت محدودة بسبب ارتفاع النفقات العامة. إن التجارب العالمية في هذا المجال مثل تجربة ماليزيا وتركيا، أظهرت أن دور الحكومة الأكثر فاعلية يتمثل في تحسبن بيئة الاعمال، وتسهيل تأسيس الشركات، وتقليل الإجراءات البيروقراطية، وتمويل برامج التدريب والتشغيل. فالقطاع الخاص القوي هو القادر على خلق فرص عمل مستدامة.
سادسا: برنامج وطني لضمان أول وظيفة للشباب – تجارب الدول الاسكندنافية ودول الاتحاد الاوروبي طبقت عدة دول برامج ناجحة لمساعدة الشباب على دخول سوق العمل مثل برامج التدريب المدفوع والحوافز للشركات التي توظف حديثي التخرج، ومن هذه الدول السويد، فنلندا، الدنمارك، والنرويج، بالإضافة الى دول الاتحاد الأوروبي.
يمكن للأردن انشاء برنامج 'الوظيفة الأولى لكل شاب' بحيث تقوم الحكومة بدعم جزء من راتب الخريج لمدة 6-12 شهرا. وإلزام الشركات المشاركة بتوفير تدريب حقيقي، وتحويل نسبة المتدربين الى موظفين دائمين. هذا النوع من البرامج يقلل مخاطر توظيف الشباب الذين لا يمتلكون خبرة عملية. سابعا: تطوير قطاع السياحة والزراعة الحديثة والطاقة الشمسية – التجربة الأوروبية لا ينبغي ان تتركز جهود التشغيل فقط في التكنولوجيا، فالأردن يمتلك فرصا في قطاعات فادرة على خلق وظائف واسعة مثل قطاع السياحة (العلاجية، الدينية، البيئية، الخدمات الفندقية)، قطاع الزراعة (الزراعة الذكية، والتصنيع الغذائي، والتصدير الزراعي)، وقطاع الطاقة (مشاريع الطاقة الشمسية، ونصنيع وصيانة معدات الطاقة المتجددة). هذه القطاعات يمكن أن توفر فرصا للشباب خارج المدن الكبرى.
اليكم خطوط عريضة لخطة عملية يمكن ان تخفض البطالة في الأردن خلال الخمس سنوات القادمة كما يلي:
وقد أثبتت التجارب الدولية ان الدول التي نجحت في خفض البطالة لم تعتمد على الحلول التقليدية، بل قامت بإعادة تصميم اقتصادها حول المهارات، التكنولوجيا، الاستثمار، والقطاع الخاص. إن الحل الحقيقي للأردن لا يكمن في زيادة التوظيف الحكومي، بل في بناء اقتصاد قادر على انتاج وظائف ذات قيمة عالية ومستدامة، وتحويل الشباب من باحثين عن فرص عمل الى منتجين ومبدعين قادرين على المنافسة إقليميا وعالميا.
بقلم/ الدكتور جميل سالم الزيدانين السعودي
تعد البطالة من أكبر التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الأردن، حيث تجاوز معدل البطالة خلال السنوات الأخيرة 20% من قوة العمل، مع ارتفاع ملحوظ بين الشباب وخريجي الجامعات. ولا تكمن المشكلة فقط في نفس الوظائف، بل في طبيعة الاقتصاد نفسه، أذ أن جزءا كبيرا من فرص العمل الجديدة يتركز في قطاعات منخفضة الإنتاجية، بينما يعاني القطاع الخاص من محدودية قدرته على التوسع والتوظيف.
لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن خفض البطالة لا يتحقق فقط من خلال الوظائف الحكومية أو برامج الدعم المؤقت، بل عبر إعادة بناء نموذج سوق العمل من خلال التعليم التطبيقي، دعم ريادة الاعمال، جذب الاستثمارات، وربط المهارات باحتياجات الاقتصاد الحديث. يمكن للأردن إعادة نموذج سوق عمل كتطور، يواجه تحديات التنمية، ويساهم في الحد من البطالة ومخرجاتها من تراجع تنمية القدرات البشرية، وضعف هيكلة سوق العمل، والتغير في اتجاهات الشباب من الفاعلية الى مقاومة أي تغيير إيجابي في سوق العمل، وفقد التقة بالاقتصاد، وبالتالي الخروج من ساحات التنمية الاجتماعية والاقتصادية الى ساحات الاعتصامات وركوب قطار الجريمة أحيانا، لذلك فإن العمل من قبل الجهات المعنية والمجتمع على حد سواء وبأسرع وقت ممكن لإيجاد بدائل معقولة و فرص عمل للحد من البطالة والحفاظ على سوق العمل ومنهجيته وبالتالي الحفاظ على قطاع الشباب من اية انحرافات اجتماعية قد تتسبب في ولادة أنواع واشكال من الجريمة لم يعهدها الوطن ولا المجتمع، وقد تتسبب أيضا في ظهور فود شد عكسية لا تريد للوطن ان ينمو ويزدهر.
من هنا فإنني اقترح على كل من يحب الوطن ولديه الإرادة والمعرفة والخبرة في تنمية قطاع الشباب والحد من البطالة, أن يأخذ على محمل الجد، الاليات والوسائل التالية التي نجحت باستخدامها كثير من الدول. أولا: التحول من التعليم التقليدي الى التعليم المهني والتقني – تجربة ألمانيا وسويسرا من أبرز التجارب العالمية الناجحة تجربة المانيا التي استطاعت المحافظة على معدلات بطالة منخفضة نسبيا بسبب نظام التدريب المهني المزدوج (Dual Vocational Training).
يعتمد هذا النظام على دمج الدراسة النظرية داخل المؤسسات التعليمية مع التدريب العملي داخل الشركات، بحيث يتخرج الطالب وهو يمتلك مهارة وخبرة عملية يحتاجها سوق العمل. علما بان هذا النهج موجود حاليا لدى الأردن، لكنه يحتاج الى تقويته بالاشتراك مع المؤسسات التعليمية وفرضه قانونيا على القطاع الخاص سواء لدى الشركات الأردنية او الأجنبية، ولنا في ذلك عبرة طيبة من دول الخليج وأخص بالذكر دولة الامارات العربية المتحدة التي فرضت على القطاع الخاص نسب توظيف للمواطنين في ظل سوق اغلبيته العظمى عمالة وافدة. لذلك يمكن للأردن تطبيق نموذج مشابه من خلال تحويل جزء أكبر من التعليم الجامعي نحو التعليم التطبيقي، إنشاء شراكات بين الجامعات وكليات المجتمع والشركات، تقديم حوافز للشركات التي تدرب وتشغل الشباب الأردني، والتركيز على مهارات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي والبرمجة والامن السيبراني.
إن معالجة فجوة المهارات قد تخفض البطالة بين الشباب بشكل كبير، لأن جزءا من المشكلة الحالية هو عدم التوافق بين تخصصات الخريجين واحتياجات السوق. ثانيا: عمل برامج تأهيل وتدريب وتقييم وترخيص لأصحاب المهن ليقوموا بأعمالهم بحرفية وبشكل قانوني - تجربة كندا وأمريكا.
استطاعت برامج التأهيل والتدريب والتقييم ومن ثم الترخيص لأصحاب المهن في كل من كندا والولايات المتحدة لعب دور هام جدا في الحد من البطالة واقتصار الوظائف المهنية فقط على المواطنين والمقيمين قانونيا، ضمن شروط وقوانين خاصة. كما أن طالبي الخدمات يقتصرون الحصول على الخدمات في معظم الأحيان من مهنيين مرخصين، وبخلاف ذلك فإن شركات التأمين لا تغطي الاضرار الناتجة عن حوادث او اخطار سببها الحصول علة خدمات من جهات غير مرخصة، لذلك فإننا في الأردن بحاجة ماسة الى مثل هذا النهج للحد من العمالة العشوائية وخاصة الوافدة والاعتماد فقط على الايدي العاملة الأردنية، والبدء بالحد من الاستثناءات في هذا المجال حتى تصل نسبتها الى الصفر.
ثالثا: إنشاء مناطق اقتصادية متخصصة – تجربة كوريا الجنوبية وسنغافورة اعتمدت دول كوريا الجنوبية وسنغافورة على إنشاء مناطق اقتصادية وصناعية متخصصة، ساهمت في جذب الاستثمارات وخلق ملايين الوظائف. يمكن للأردن تطوير نماذج مشابهة عبر انشاء مناطق صناعية للتكنولوجيا والتصنيع المتقدم، ومراكز إقليمية للخدمات الرقمية، ومناطق للطاقة المتجددة، ومجمعات للصناعات الدوائية والغذائية. الميزة الأساسية لهذه المناطق أنها لا تخلق وظيفة واحدة فقط، بل تبني سلاسل انتاج كاملة تشمل الموردين، الخدمات اللوجستية، التسويق، والصيانة.
رابعا: دعم الشركات الناشئة والاقتصاد الرقمي – تجربة إستونيا والهند أثبت الاقتصاد الرقمي قدرنه على خلق وظائف جديدة بتكليف أقل من القطاعات التقليدية. فقد نجحت دول مثل استونيا في بناء اقتصاد رقمي متقدم، بينما أصبحت الهند مركزا عالميا لخدمات التكنولوجيا وتصدير البرمجيات. يمكن للأردن الاستفادة من ذلك من خلال إنشاء صندوق وطني لتمويل الشركات الناشئة، وتقديم حوافز ضريبية للشركات التقنية، وتدريب الشباب على العمل عن بعد، ودعم تصدير الخدمات الرقمية للأسواق العالمية. ميزة هذا القطاع أنه لا يعتمد على حجم السوق المحلي، مما يجعله مناسبا لدولة مثل الأردن.
خامسا: تحويل القطاع العام من مشغل الى داعم للنمو – تجربة الصين وماليزيا وتركيا أحد أسباب استمرار البطالة فب الأردن هو الاعتماد التاريخي على الوظائف الحكومية باعتبارها مصدرا رئيسيا للأمان الوظيفي، الا أن قدرة الحكومة على التوظيف أصبحت محدودة بسبب ارتفاع النفقات العامة. إن التجارب العالمية في هذا المجال مثل تجربة ماليزيا وتركيا، أظهرت أن دور الحكومة الأكثر فاعلية يتمثل في تحسبن بيئة الاعمال، وتسهيل تأسيس الشركات، وتقليل الإجراءات البيروقراطية، وتمويل برامج التدريب والتشغيل. فالقطاع الخاص القوي هو القادر على خلق فرص عمل مستدامة.
سادسا: برنامج وطني لضمان أول وظيفة للشباب – تجارب الدول الاسكندنافية ودول الاتحاد الاوروبي طبقت عدة دول برامج ناجحة لمساعدة الشباب على دخول سوق العمل مثل برامج التدريب المدفوع والحوافز للشركات التي توظف حديثي التخرج، ومن هذه الدول السويد، فنلندا، الدنمارك، والنرويج، بالإضافة الى دول الاتحاد الأوروبي.
يمكن للأردن انشاء برنامج 'الوظيفة الأولى لكل شاب' بحيث تقوم الحكومة بدعم جزء من راتب الخريج لمدة 6-12 شهرا. وإلزام الشركات المشاركة بتوفير تدريب حقيقي، وتحويل نسبة المتدربين الى موظفين دائمين. هذا النوع من البرامج يقلل مخاطر توظيف الشباب الذين لا يمتلكون خبرة عملية. سابعا: تطوير قطاع السياحة والزراعة الحديثة والطاقة الشمسية – التجربة الأوروبية لا ينبغي ان تتركز جهود التشغيل فقط في التكنولوجيا، فالأردن يمتلك فرصا في قطاعات فادرة على خلق وظائف واسعة مثل قطاع السياحة (العلاجية، الدينية، البيئية، الخدمات الفندقية)، قطاع الزراعة (الزراعة الذكية، والتصنيع الغذائي، والتصدير الزراعي)، وقطاع الطاقة (مشاريع الطاقة الشمسية، ونصنيع وصيانة معدات الطاقة المتجددة). هذه القطاعات يمكن أن توفر فرصا للشباب خارج المدن الكبرى.
اليكم خطوط عريضة لخطة عملية يمكن ان تخفض البطالة في الأردن خلال الخمس سنوات القادمة كما يلي:
وقد أثبتت التجارب الدولية ان الدول التي نجحت في خفض البطالة لم تعتمد على الحلول التقليدية، بل قامت بإعادة تصميم اقتصادها حول المهارات، التكنولوجيا، الاستثمار، والقطاع الخاص. إن الحل الحقيقي للأردن لا يكمن في زيادة التوظيف الحكومي، بل في بناء اقتصاد قادر على انتاج وظائف ذات قيمة عالية ومستدامة، وتحويل الشباب من باحثين عن فرص عمل الى منتجين ومبدعين قادرين على المنافسة إقليميا وعالميا.
التعليقات