د . مهدي مبارك عبد الله
يعود الجدل مجددا إلى قلب السياسة الدولية مع بروز ما يصفه مراقبون بصفقة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إيران والتي قامت على تصور بسيط ظاهريا لكنه شديد التعقيد في جوهره يتمثل في رفع مؤقت للعقوبات المفروضة على تصدير النفط الإيراني مقابل توجيه العوائد لشراء مواد غذائية وأدوية وسلع إنسانية من الولايات المتحدة نفسها حيث جاء هذا الترتيب حينها في سياق تفاوضات حساسة مع طهران وفي لحظة إقليمية ودولية متوترة ما جعل السؤال المطروح هل نحن أمام آلية إنسانية مبتكرة أم أمام إعادة إنتاج نموذج تاريخي مثقل بالفضائح على غرار برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق الذي فُرض على العراق في التسعينيات لإتاحة بيع النفط مقابل شراء مواد غذائية وإنسانية تحت رقابة دولية .
المخاوف تصاعدت من هذه الصيغة التي استندت إلى جملة من الاعتبارات الاستراتيجية في مقدمتها غياب الرقابة الدولية المستقلة التي كانت عنصرا محوريا في تجربة برنامج النفط مقابل الغذاء الذي أقرته الأمم المتحدة في تسعينيات القرن الماضي حيث تحولت الآلية حينها إلى شبكة معقدة من الفساد والابتزاز السياسي والمالي رغم أهدافها الإنسانية المعلنة واليوم يحذر خبراء من أن غياب إشراف أممي صارم على الترتيب الجديد قد يفتح الباب أمام إعادة إنتاج نفس المخالفات و الانحرافات خاصة في ظل عدم وجود طرف ثالث محايد يدير تدفق الأموال أو يراقب آليات الصرف والتوزيع .
كذلك تزداد حساسية المشهد بسبب طبيعة التصميم الاقتصادي للصفقة التي تربط بين الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة وبين توجيهها لشراء منتجات أميركية وهو ما يراه بعض المحللون بانه أقرب إلى هندسة اقتصادية مزدوجة الهدف فهي من جهة تقدم نفسها كمسار إنساني لتخفيف المعاناة عن الشعب الإيراني ومن جهة أخرى تخدم قطاع الزراعة والتصدير الأميركي ما يجعلها أقرب إلى صفقة مصالح متبادلة منها إلى برنامج إغاثة تقليدي .
في المقابل تبرز إشكالية الثقة بالنظام الإيراني نفسه في ظل اتهامات متكررة حول توظيف الموارد الاقتصادية في مسارات لا تخضع للرقابة الدولية وهو ما يثير مخاوف من احتمال إعادة توجيه جزء من العوائد أو السلع نحو قنوات غير إنسانية سواء لدعم قدرات عسكرية أو تعزيز نفوذ إقليمي عبر حلفاء في المنطقة وهو ما يعيد إلى الأذهان جوهر الإشكالية التي واجهت برنامج النفط مقابل الغذاء حين تحولت المساعدات إلى مصدر تمويل غير مباشر للنظام العراقي آنذاك بدل أن تكون أداة لتخفيف معاناة المدنيين .
البعد السياسي للصفقة لا يقل أهمية عن الاقتصادي إذ ينظر إليها في بعض الدوائر بوصفها محاولة أميركية لإعادة تشكيل أدوات العقوبات بطريقة أكثر مرونة تجمع بين الضغط الاقتصادي وتقديم حوافز مشروطة بما يحقق أهداف السياسة الخارجية الأميركية دون الدخول في مواجهة مباشرة ومع ذلك فإن هذا التوازن الهش قد يتحول إلى مصدر أزمة جديدة إذا فقدت الآلية مصداقيتها أو إذا استخدمت كأداة دعائية داخلية أو خارجية من أي طرف .
مع ذات السياق الإيراني تظهر مؤشرات رفض أو تحفظ رسمي على بعض تفاصيل الترتيب خاصة ما يتعلق منها بربط الأموال المجمدة بشراء سلع أميركية فقط وهو ما اعتبرته طهران تقييدا غير مباشر لسيادتها الاقتصادية حيث يعكس هذا الموقف عمق التباين بين رؤية واشنطن التي تركز على ضبط الاستخدام ورؤية طهران التي ترى في ذلك مساسا بحقها في إدارة مواردها بحرية نسبية حتى في ظل العقوبات إن جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في تفاصيل الصفقة بل في بنية الثقة الدولية نفسها فكلما غابت آليات الرقابة متعددة الأطراف ازدادت احتمالات الانحراف وكلما تحولت المساعدات الإنسانية إلى أداة ضمن صراع النفوذ بين الدول الكبرى فقدت وظيفتها الأساسية كأداة إنقاذ للمدنيين وهنا يصبح السؤال المركزي هل يمكن بناء نموذج جديد يحقق التوازن بين الرقابة والسرعة والفاعلية أم أن التجربة ستنتهي إلى إعادة إنتاج أخطاء الماضي ولكن بأدوات أكثر تعقيدا ما يغيب عن كثير من التحليلات هو أن هذه الصيغة لا تُقرأ فقط في إطار العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران بل في سياق إعادة تشكيل أدوات النفوذ الأميركي في الإقليم خاصة بعد تراجع فاعلية العقوبات الشاملة كأداة ضغط مطلقة تتجه واشنطن إلى ما يمكن تسميته بالعقوبات المرنة المشروطة أي تحويل العقوبة من حالة منع إلى حالة توجيه للسلوك الاقتصادي ذاته في هذا السياق تصبح الصفقة ليست تنازلاً لإيران بل إعادة هندسة لاقتصادها تحت سقف رقابة غير مباشرة بما يضمن بقاء القرار الاقتصادي الإيراني محكوماً بسلسلة توريد وتمويل خارجية وهو ما يعيد تعريف مفهوم السيادة الاقتصادية في زمن العقوبات الذكية. قد يقول البعض ان القياس على تجربة العراق لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تشابهاً شكلياً فقط بل بوصفه تشابهاً في البنية المؤسسية للخلل وبرنامج النفط مقابل الغذاء لم يفشل لأنه كان إنسانياً في جوهره بل لأنه فُصل بين التمويل والرقابة التنفيذية وتحول إلى شبكة مصالح متعددة المستويات داخل الدولة الدولية نفسها والخطر في النموذج المطروح مع إيران لا يكمن في النوايا المعلنة بل في قابلية النظام الإداري المقترح لإعادة إنتاج نفس الانحراف البنيوي حين تغيب آليات التدقيق المستقلة وتتحول الرقابة إلى جزء من التفاوض السياسي لا إلى سلطة فوقه هنا يصبح الفساد ليس حادثاً عرضياً بل نتيجة تصميم مؤسسي قابل للتكرار.
عمليا قد لا تبدو الصفقة مجرد اختبار إداري لآلية جديدة في إدارة العقوبات بل تظهر لحظة مفصلية في إعادة تعريف العلاقة بين الإغاثة والهيمنة وبين المساعدات والضغط السياسي فكل تجربة تاريخية سابقة حين اختلط فيها الغذاء بالسياسة انتهت إلى نتائج عكسية أضعفت ثقة الشعوب بالنظام الدولي بدل أن تعززها وإذا كان برنامج النفط مقابل الغذاء قد تحول إلى مثال كلاسيكي على انحراف النوايا تحت ثقل المصالح فإن ما جري يعيد طرح السؤال ذاته ولكن في سياق أكثر تعقيدا وتشابكا هل نحن أمام تصحيح تاريخي في أدوات السياسة الدولية أم أمام نسخة أكثر أناقة من الخطأ ذاته ولكن بأدوات أكثر حداثة وخطاب أكثر إنسانية وربما في لحظة كهذه لا يبقى السؤال الحقيقي مرتبطا بنجاح الصفقة أو فشلها بل بمدى قدرة العالم على منع تحول الإغاثة إلى أداة صراع جديدة لأن التاريخ لا يعيد نفسه حرفيا لكنه غالبا يعيد منطقه وإن غيّر لغته .
ختاما : الامر الأكثر أهمية أن هذه الصيغة إذا كُتب لها الاستمرار قد تمثل سابقة في إعادة تعريف نظام العقوبات الدولي ذاته وبدلاً من العقوبات التي تهدف إلى العزل الاقتصادي قد نشهد انتقالاً إلى نمط جديد يقوم على إدارة الانكشاف الاقتصادي للدول المستهدفة بحيث تصبح العقوبات أداة لتوجيه الأسواق لا لتجميدها وهذا التحول إن لم يُضبط بمعايير دولية صارمة قد يفتح الباب أمام تسييس أكبر للمساعدات الإنسانية كما ان الحياد التاريخي للمنظمات الأممية يضعف ويحوّل الإغاثة من وظيفة إنسانية إلى جزء من أدوات إدارة الصراع بين القوى الكبرى . كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
د . مهدي مبارك عبد الله
يعود الجدل مجددا إلى قلب السياسة الدولية مع بروز ما يصفه مراقبون بصفقة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إيران والتي قامت على تصور بسيط ظاهريا لكنه شديد التعقيد في جوهره يتمثل في رفع مؤقت للعقوبات المفروضة على تصدير النفط الإيراني مقابل توجيه العوائد لشراء مواد غذائية وأدوية وسلع إنسانية من الولايات المتحدة نفسها حيث جاء هذا الترتيب حينها في سياق تفاوضات حساسة مع طهران وفي لحظة إقليمية ودولية متوترة ما جعل السؤال المطروح هل نحن أمام آلية إنسانية مبتكرة أم أمام إعادة إنتاج نموذج تاريخي مثقل بالفضائح على غرار برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق الذي فُرض على العراق في التسعينيات لإتاحة بيع النفط مقابل شراء مواد غذائية وإنسانية تحت رقابة دولية .
المخاوف تصاعدت من هذه الصيغة التي استندت إلى جملة من الاعتبارات الاستراتيجية في مقدمتها غياب الرقابة الدولية المستقلة التي كانت عنصرا محوريا في تجربة برنامج النفط مقابل الغذاء الذي أقرته الأمم المتحدة في تسعينيات القرن الماضي حيث تحولت الآلية حينها إلى شبكة معقدة من الفساد والابتزاز السياسي والمالي رغم أهدافها الإنسانية المعلنة واليوم يحذر خبراء من أن غياب إشراف أممي صارم على الترتيب الجديد قد يفتح الباب أمام إعادة إنتاج نفس المخالفات و الانحرافات خاصة في ظل عدم وجود طرف ثالث محايد يدير تدفق الأموال أو يراقب آليات الصرف والتوزيع .
كذلك تزداد حساسية المشهد بسبب طبيعة التصميم الاقتصادي للصفقة التي تربط بين الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة وبين توجيهها لشراء منتجات أميركية وهو ما يراه بعض المحللون بانه أقرب إلى هندسة اقتصادية مزدوجة الهدف فهي من جهة تقدم نفسها كمسار إنساني لتخفيف المعاناة عن الشعب الإيراني ومن جهة أخرى تخدم قطاع الزراعة والتصدير الأميركي ما يجعلها أقرب إلى صفقة مصالح متبادلة منها إلى برنامج إغاثة تقليدي .
في المقابل تبرز إشكالية الثقة بالنظام الإيراني نفسه في ظل اتهامات متكررة حول توظيف الموارد الاقتصادية في مسارات لا تخضع للرقابة الدولية وهو ما يثير مخاوف من احتمال إعادة توجيه جزء من العوائد أو السلع نحو قنوات غير إنسانية سواء لدعم قدرات عسكرية أو تعزيز نفوذ إقليمي عبر حلفاء في المنطقة وهو ما يعيد إلى الأذهان جوهر الإشكالية التي واجهت برنامج النفط مقابل الغذاء حين تحولت المساعدات إلى مصدر تمويل غير مباشر للنظام العراقي آنذاك بدل أن تكون أداة لتخفيف معاناة المدنيين .
البعد السياسي للصفقة لا يقل أهمية عن الاقتصادي إذ ينظر إليها في بعض الدوائر بوصفها محاولة أميركية لإعادة تشكيل أدوات العقوبات بطريقة أكثر مرونة تجمع بين الضغط الاقتصادي وتقديم حوافز مشروطة بما يحقق أهداف السياسة الخارجية الأميركية دون الدخول في مواجهة مباشرة ومع ذلك فإن هذا التوازن الهش قد يتحول إلى مصدر أزمة جديدة إذا فقدت الآلية مصداقيتها أو إذا استخدمت كأداة دعائية داخلية أو خارجية من أي طرف .
مع ذات السياق الإيراني تظهر مؤشرات رفض أو تحفظ رسمي على بعض تفاصيل الترتيب خاصة ما يتعلق منها بربط الأموال المجمدة بشراء سلع أميركية فقط وهو ما اعتبرته طهران تقييدا غير مباشر لسيادتها الاقتصادية حيث يعكس هذا الموقف عمق التباين بين رؤية واشنطن التي تركز على ضبط الاستخدام ورؤية طهران التي ترى في ذلك مساسا بحقها في إدارة مواردها بحرية نسبية حتى في ظل العقوبات إن جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في تفاصيل الصفقة بل في بنية الثقة الدولية نفسها فكلما غابت آليات الرقابة متعددة الأطراف ازدادت احتمالات الانحراف وكلما تحولت المساعدات الإنسانية إلى أداة ضمن صراع النفوذ بين الدول الكبرى فقدت وظيفتها الأساسية كأداة إنقاذ للمدنيين وهنا يصبح السؤال المركزي هل يمكن بناء نموذج جديد يحقق التوازن بين الرقابة والسرعة والفاعلية أم أن التجربة ستنتهي إلى إعادة إنتاج أخطاء الماضي ولكن بأدوات أكثر تعقيدا ما يغيب عن كثير من التحليلات هو أن هذه الصيغة لا تُقرأ فقط في إطار العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران بل في سياق إعادة تشكيل أدوات النفوذ الأميركي في الإقليم خاصة بعد تراجع فاعلية العقوبات الشاملة كأداة ضغط مطلقة تتجه واشنطن إلى ما يمكن تسميته بالعقوبات المرنة المشروطة أي تحويل العقوبة من حالة منع إلى حالة توجيه للسلوك الاقتصادي ذاته في هذا السياق تصبح الصفقة ليست تنازلاً لإيران بل إعادة هندسة لاقتصادها تحت سقف رقابة غير مباشرة بما يضمن بقاء القرار الاقتصادي الإيراني محكوماً بسلسلة توريد وتمويل خارجية وهو ما يعيد تعريف مفهوم السيادة الاقتصادية في زمن العقوبات الذكية. قد يقول البعض ان القياس على تجربة العراق لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تشابهاً شكلياً فقط بل بوصفه تشابهاً في البنية المؤسسية للخلل وبرنامج النفط مقابل الغذاء لم يفشل لأنه كان إنسانياً في جوهره بل لأنه فُصل بين التمويل والرقابة التنفيذية وتحول إلى شبكة مصالح متعددة المستويات داخل الدولة الدولية نفسها والخطر في النموذج المطروح مع إيران لا يكمن في النوايا المعلنة بل في قابلية النظام الإداري المقترح لإعادة إنتاج نفس الانحراف البنيوي حين تغيب آليات التدقيق المستقلة وتتحول الرقابة إلى جزء من التفاوض السياسي لا إلى سلطة فوقه هنا يصبح الفساد ليس حادثاً عرضياً بل نتيجة تصميم مؤسسي قابل للتكرار.
عمليا قد لا تبدو الصفقة مجرد اختبار إداري لآلية جديدة في إدارة العقوبات بل تظهر لحظة مفصلية في إعادة تعريف العلاقة بين الإغاثة والهيمنة وبين المساعدات والضغط السياسي فكل تجربة تاريخية سابقة حين اختلط فيها الغذاء بالسياسة انتهت إلى نتائج عكسية أضعفت ثقة الشعوب بالنظام الدولي بدل أن تعززها وإذا كان برنامج النفط مقابل الغذاء قد تحول إلى مثال كلاسيكي على انحراف النوايا تحت ثقل المصالح فإن ما جري يعيد طرح السؤال ذاته ولكن في سياق أكثر تعقيدا وتشابكا هل نحن أمام تصحيح تاريخي في أدوات السياسة الدولية أم أمام نسخة أكثر أناقة من الخطأ ذاته ولكن بأدوات أكثر حداثة وخطاب أكثر إنسانية وربما في لحظة كهذه لا يبقى السؤال الحقيقي مرتبطا بنجاح الصفقة أو فشلها بل بمدى قدرة العالم على منع تحول الإغاثة إلى أداة صراع جديدة لأن التاريخ لا يعيد نفسه حرفيا لكنه غالبا يعيد منطقه وإن غيّر لغته .
ختاما : الامر الأكثر أهمية أن هذه الصيغة إذا كُتب لها الاستمرار قد تمثل سابقة في إعادة تعريف نظام العقوبات الدولي ذاته وبدلاً من العقوبات التي تهدف إلى العزل الاقتصادي قد نشهد انتقالاً إلى نمط جديد يقوم على إدارة الانكشاف الاقتصادي للدول المستهدفة بحيث تصبح العقوبات أداة لتوجيه الأسواق لا لتجميدها وهذا التحول إن لم يُضبط بمعايير دولية صارمة قد يفتح الباب أمام تسييس أكبر للمساعدات الإنسانية كما ان الحياد التاريخي للمنظمات الأممية يضعف ويحوّل الإغاثة من وظيفة إنسانية إلى جزء من أدوات إدارة الصراع بين القوى الكبرى . كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
د . مهدي مبارك عبد الله
يعود الجدل مجددا إلى قلب السياسة الدولية مع بروز ما يصفه مراقبون بصفقة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إيران والتي قامت على تصور بسيط ظاهريا لكنه شديد التعقيد في جوهره يتمثل في رفع مؤقت للعقوبات المفروضة على تصدير النفط الإيراني مقابل توجيه العوائد لشراء مواد غذائية وأدوية وسلع إنسانية من الولايات المتحدة نفسها حيث جاء هذا الترتيب حينها في سياق تفاوضات حساسة مع طهران وفي لحظة إقليمية ودولية متوترة ما جعل السؤال المطروح هل نحن أمام آلية إنسانية مبتكرة أم أمام إعادة إنتاج نموذج تاريخي مثقل بالفضائح على غرار برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق الذي فُرض على العراق في التسعينيات لإتاحة بيع النفط مقابل شراء مواد غذائية وإنسانية تحت رقابة دولية .
المخاوف تصاعدت من هذه الصيغة التي استندت إلى جملة من الاعتبارات الاستراتيجية في مقدمتها غياب الرقابة الدولية المستقلة التي كانت عنصرا محوريا في تجربة برنامج النفط مقابل الغذاء الذي أقرته الأمم المتحدة في تسعينيات القرن الماضي حيث تحولت الآلية حينها إلى شبكة معقدة من الفساد والابتزاز السياسي والمالي رغم أهدافها الإنسانية المعلنة واليوم يحذر خبراء من أن غياب إشراف أممي صارم على الترتيب الجديد قد يفتح الباب أمام إعادة إنتاج نفس المخالفات و الانحرافات خاصة في ظل عدم وجود طرف ثالث محايد يدير تدفق الأموال أو يراقب آليات الصرف والتوزيع .
كذلك تزداد حساسية المشهد بسبب طبيعة التصميم الاقتصادي للصفقة التي تربط بين الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة وبين توجيهها لشراء منتجات أميركية وهو ما يراه بعض المحللون بانه أقرب إلى هندسة اقتصادية مزدوجة الهدف فهي من جهة تقدم نفسها كمسار إنساني لتخفيف المعاناة عن الشعب الإيراني ومن جهة أخرى تخدم قطاع الزراعة والتصدير الأميركي ما يجعلها أقرب إلى صفقة مصالح متبادلة منها إلى برنامج إغاثة تقليدي .
في المقابل تبرز إشكالية الثقة بالنظام الإيراني نفسه في ظل اتهامات متكررة حول توظيف الموارد الاقتصادية في مسارات لا تخضع للرقابة الدولية وهو ما يثير مخاوف من احتمال إعادة توجيه جزء من العوائد أو السلع نحو قنوات غير إنسانية سواء لدعم قدرات عسكرية أو تعزيز نفوذ إقليمي عبر حلفاء في المنطقة وهو ما يعيد إلى الأذهان جوهر الإشكالية التي واجهت برنامج النفط مقابل الغذاء حين تحولت المساعدات إلى مصدر تمويل غير مباشر للنظام العراقي آنذاك بدل أن تكون أداة لتخفيف معاناة المدنيين .
البعد السياسي للصفقة لا يقل أهمية عن الاقتصادي إذ ينظر إليها في بعض الدوائر بوصفها محاولة أميركية لإعادة تشكيل أدوات العقوبات بطريقة أكثر مرونة تجمع بين الضغط الاقتصادي وتقديم حوافز مشروطة بما يحقق أهداف السياسة الخارجية الأميركية دون الدخول في مواجهة مباشرة ومع ذلك فإن هذا التوازن الهش قد يتحول إلى مصدر أزمة جديدة إذا فقدت الآلية مصداقيتها أو إذا استخدمت كأداة دعائية داخلية أو خارجية من أي طرف .
مع ذات السياق الإيراني تظهر مؤشرات رفض أو تحفظ رسمي على بعض تفاصيل الترتيب خاصة ما يتعلق منها بربط الأموال المجمدة بشراء سلع أميركية فقط وهو ما اعتبرته طهران تقييدا غير مباشر لسيادتها الاقتصادية حيث يعكس هذا الموقف عمق التباين بين رؤية واشنطن التي تركز على ضبط الاستخدام ورؤية طهران التي ترى في ذلك مساسا بحقها في إدارة مواردها بحرية نسبية حتى في ظل العقوبات إن جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في تفاصيل الصفقة بل في بنية الثقة الدولية نفسها فكلما غابت آليات الرقابة متعددة الأطراف ازدادت احتمالات الانحراف وكلما تحولت المساعدات الإنسانية إلى أداة ضمن صراع النفوذ بين الدول الكبرى فقدت وظيفتها الأساسية كأداة إنقاذ للمدنيين وهنا يصبح السؤال المركزي هل يمكن بناء نموذج جديد يحقق التوازن بين الرقابة والسرعة والفاعلية أم أن التجربة ستنتهي إلى إعادة إنتاج أخطاء الماضي ولكن بأدوات أكثر تعقيدا ما يغيب عن كثير من التحليلات هو أن هذه الصيغة لا تُقرأ فقط في إطار العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران بل في سياق إعادة تشكيل أدوات النفوذ الأميركي في الإقليم خاصة بعد تراجع فاعلية العقوبات الشاملة كأداة ضغط مطلقة تتجه واشنطن إلى ما يمكن تسميته بالعقوبات المرنة المشروطة أي تحويل العقوبة من حالة منع إلى حالة توجيه للسلوك الاقتصادي ذاته في هذا السياق تصبح الصفقة ليست تنازلاً لإيران بل إعادة هندسة لاقتصادها تحت سقف رقابة غير مباشرة بما يضمن بقاء القرار الاقتصادي الإيراني محكوماً بسلسلة توريد وتمويل خارجية وهو ما يعيد تعريف مفهوم السيادة الاقتصادية في زمن العقوبات الذكية. قد يقول البعض ان القياس على تجربة العراق لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تشابهاً شكلياً فقط بل بوصفه تشابهاً في البنية المؤسسية للخلل وبرنامج النفط مقابل الغذاء لم يفشل لأنه كان إنسانياً في جوهره بل لأنه فُصل بين التمويل والرقابة التنفيذية وتحول إلى شبكة مصالح متعددة المستويات داخل الدولة الدولية نفسها والخطر في النموذج المطروح مع إيران لا يكمن في النوايا المعلنة بل في قابلية النظام الإداري المقترح لإعادة إنتاج نفس الانحراف البنيوي حين تغيب آليات التدقيق المستقلة وتتحول الرقابة إلى جزء من التفاوض السياسي لا إلى سلطة فوقه هنا يصبح الفساد ليس حادثاً عرضياً بل نتيجة تصميم مؤسسي قابل للتكرار.
عمليا قد لا تبدو الصفقة مجرد اختبار إداري لآلية جديدة في إدارة العقوبات بل تظهر لحظة مفصلية في إعادة تعريف العلاقة بين الإغاثة والهيمنة وبين المساعدات والضغط السياسي فكل تجربة تاريخية سابقة حين اختلط فيها الغذاء بالسياسة انتهت إلى نتائج عكسية أضعفت ثقة الشعوب بالنظام الدولي بدل أن تعززها وإذا كان برنامج النفط مقابل الغذاء قد تحول إلى مثال كلاسيكي على انحراف النوايا تحت ثقل المصالح فإن ما جري يعيد طرح السؤال ذاته ولكن في سياق أكثر تعقيدا وتشابكا هل نحن أمام تصحيح تاريخي في أدوات السياسة الدولية أم أمام نسخة أكثر أناقة من الخطأ ذاته ولكن بأدوات أكثر حداثة وخطاب أكثر إنسانية وربما في لحظة كهذه لا يبقى السؤال الحقيقي مرتبطا بنجاح الصفقة أو فشلها بل بمدى قدرة العالم على منع تحول الإغاثة إلى أداة صراع جديدة لأن التاريخ لا يعيد نفسه حرفيا لكنه غالبا يعيد منطقه وإن غيّر لغته .
ختاما : الامر الأكثر أهمية أن هذه الصيغة إذا كُتب لها الاستمرار قد تمثل سابقة في إعادة تعريف نظام العقوبات الدولي ذاته وبدلاً من العقوبات التي تهدف إلى العزل الاقتصادي قد نشهد انتقالاً إلى نمط جديد يقوم على إدارة الانكشاف الاقتصادي للدول المستهدفة بحيث تصبح العقوبات أداة لتوجيه الأسواق لا لتجميدها وهذا التحول إن لم يُضبط بمعايير دولية صارمة قد يفتح الباب أمام تسييس أكبر للمساعدات الإنسانية كما ان الحياد التاريخي للمنظمات الأممية يضعف ويحوّل الإغاثة من وظيفة إنسانية إلى جزء من أدوات إدارة الصراع بين القوى الكبرى . كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
التعليقات