د. مهدي مبارك عبد الله
في الواقع لم يكن الحكم الذي أصدرته المحكمة الإدارية العليا بإبطال قرار إغلاق حديقة السوسنة السوداء مجرد نهاية لنزاع قانوني بين مستثمر وإدارة عامة بل مثل محطة هامة أعادت التأكيد على إحدى أهم ركائز الدولة الأردنية وهي أن سيادة القانون تبقى المرجعية العليا التي تخضع لها جميع السلطات وأن القضاء المستقل هو الضامن الوحيد للتوازن بين مقتضيات الإدارة وحقوق الأفراد وفي زمن تتزايد فيه التساؤلات حول البيئة الاستثمارية وجدوى الضمانات القانونية جاء هذا الحكم ليبعث برسالة واضحة مفادها أن العدالة قادرة على تصويب المسار متى ثبت أن القرار الإداري قد تجاوز حدوده أو افتقد سنده القانوني.
منذ لحظة صدور قرار الإغلاق تجاوزت القضية حدودها الإدارية الضيقة لتتحول إلى قضية رأي عام استقطبت اهتمام المواطنين ووسائل الإعلام والفعاليات الاقتصادية والنيابية لأنها مست سؤالًا بالغ الحساسية يتعلق بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين ممارسة سلطتها الرقابية وبين حماية الاستثمار الوطني فلم يعد النقاش يدور حول منشأة ترفيهية فحسب وإنما تحول الى الكيفية التي ينبغي أن تمارس بها الإدارة صلاحياتها في إطار القانون دون أن تتحول الإجراءات إلى عبء يهدد مستقبل المشاريع المنتجة أو يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين. تحتل حديقة السوسنة السوداء موقعًا مميزًا على طريق المطار وقد استطاعت خلال سنوات قليلة أن ترسخ حضورها باعتبارها مشروعًا يجمع بين الترفيه والتعليم والسياحة البيئية في نموذج فريد وغير مألوف على مستوى المملكة وهي لم تكن مجرد حديقة للحيوانات فقط وإنما بيئة تعليمية متكاملة أتاحت للأطفال والعائلات التعرف إلى عشرات الأنواع من الحيوانات والطيور والنباتات ضمن معايير تنظيمية وحضارية جعلتها مقصدًا لآلاف الزوار من مختلف المحافظات ويقول بعض الظرفاء ان صاحب الحديقة الدكتور إياد الخريشة الذي عرف بأمانته ونزاهته وتواضعه مع الزوار واحترامه الشديد للقانون والتعليمات قد ابدع في تنظيم اقسام للحيوانات والطيور الا انه غاب عن ذهنه تخصيص قسم خاص ( للحيتان والديناصورات ) المنشرة في بعض القطاعات العامة ولو فعل هذا لما اصابه أي شر او ضرر. مشروع السوسنة السوداء اكتسب أهمية إضافية في حجم الاستثمار الذي ضخه مالكه والذي تجاوز عشرة ملايين دينار في محاولة منه لنقل تجربة حديثة إلى الأردن بعد سنوات من العمل والخبرة في امريكا ولهذا نظر كثير من الأردنيين إلى المشروع بوصفه قصة نجاح وطنية تستحق التشجيع لما وفره من فرص عمل وما أضافه إلى القطاعين السياحي والتعليمي فضلًا عن مساهمته في تنويع المنتج الترفيهي الذي تحتاجه الأسرة الأردنية بشغف وقد تساءل العديد منهم باستغراب ماذا لو كان المشروع نادي ليلي او مجمع خمارات او مسابح للسيدات . لقد خسر المستثمر صاحب الحديقة سنوات من عمره وأموالا طائلة من ثروته وتحمل العاملون لديه وأسرهم تبعات الإغلاق كما حرم آلاف الأطفال والعائلات من متنفس حضاري وتعليمي وسياحي أصبح جزءا من ذاكرتهم الجميلة بينما بقي الجميع ينتظر كلمة القضاء التي جاءت لتعيد الأمور إلى نصابها وتؤكد أن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت وأن القانون يبقى أقوى من أي قرار يخالف أحكامه. ردود الفعل الشعبية المختلفة على اغلاق الحديقة حملت عدة دلالات لا يجوز تجاهلها لأنها لم تكن مجرد احاسيس تعاطف مع مكان جميل بل كانت شهادة مجتمعية واسعة بحق مشروع استطاع أن يصبح وجهة للعائلات والأطفال وطلبة المدارس وأن يقدم تجربة تعليمية وترفيهية تركت أثرا في ذاكرة آلاف الزوار وعندما يتحدث الناس عن النظافة والتنظيم والعناية بالحيوانات وحضور صاحب المشروع بنفسه بين الزوار فإنهم لا يدافعون عن عقار ومبنى وإنما يدافعون عن قيمة العمل الجاد والإخلاص في الإنجاز. كثير من الأردنيين تابعوا هذه القضية لحظة بلحظة لأنهم لم يروا فيها مجرد نزاع بين وزارة ومستثمر بل وجدوا فيها صورة أوسع لعلاقة الدولة بالمبادرات الفردية وبالاستثمارات الوطنية التي يغامر أصحابها بأموالهم وأعمارهم من أجل إنشاء مشاريع تضيف للاقتصاد والسياحة قيمة حقيقية وعندما يشعر المستثمر بأن سنوات طويلة من العمل يمكن أن تتوقف بقرار إداري فإن الرسالة التي تصل إلى كل من يفكر بالاستثمار تصبح رسالة مقلقة مهما كانت النوايا حسنة خاصة في وقت لا يمكن لأي دولة تسعى إلى جذب الاستثمارات المحلية والدولية أن تكتفي بالشعارات والمؤتمرات والوعود بينما الواقع على الارض صعب ومعقد وطارد . في المقابل أكدت وزارة الزراعة أن قرارها استند إلى مقتضيات قانونية وتعليمات ناظمة لعمل حدائق الحيوانات كما اشارت إلى وجود عدد من الملاحظات المتعلقة بالسلامة العامة والصحة الحيوانية والاشتراطات التنظيمية وأنها منحت إدارة المشروع أكثر من فرصة لتصويب أوضاعه قبل اتخاذ قرار الإغلاق وهي رواية تستحق الاحترام بوصفها تعكس مسؤولية الجهات الرقابية في حماية المصلحة العامة لأن الأصل أن تمارس مؤسسات الدولة اختصاصاتها وفق أحكام القانون والنظام. غير أن جوهر القضية لم يكن في اختلاف الروايتين وإنما في انتقال النزاع إلى ساحته الطبيعية وهي القضاء الإداري باعتباره الجهة المختصة بالفصل في مشروعية القرارات الإدارية وهنا انتقل النقاش من دائرة الانطباعات والجدل الإعلامي إلى ميزان القانون حيث أصبحت المحكمة صاحبة الولاية في تقدير مدى سلامة القرار الإداري ومدى توافقه مع المبادئ القانونية التي تحكم علاقة الإدارة بالأفراد. لهذا عندما أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمها القطعي بإلغاء قرار الإغلاق فإنها لم تحسم خلافًا بين طرفين فحسب بل أكدت مبدأ دستوريًا بالغ الأهمية وهو أن الإدارة العامة مهما اتسعت صلاحياتها تبقى خاضعة لرقابة القضاء وأن مشروعية القرار الإداري تقاس بمدى اتفاقه مع القانون لا بحسن النية أو سلامة المقصد كما أعاد الحكم التذكير بأن الأحكام القضائية في المملكة تصدر وتنفذ باسم جلالة الملك، وهو ما يعكس المكانة الدستورية للقضاء بوصفه إحدى السلطات التي تستمد مشروعيتها من الدستور وسيادة القانون. قانونيا لقد بعث هذا الحكم في طياته رسائل تتجاوز حدود هذه القضية لتصل إلى كل مؤسسة عامة وإلى كل مستثمر وإلى كل مواطن بان الرقابة الإدارية تبقى ضرورة لا غنى عنها لحماية الصحة العامة والسلامة والبيئة ولكنها في الوقت ذاته يجب أن تمارس في إطار دقيق من العدالة والتناسب واحترام الضمانات القانونية بحيث يكون الهدف تصويب المخالفة ومعالجة الخلل لا إهدار استثمار وطني يمكن الحفاظ عليه ضمن أحكام القانون. لعل الأهم في هذا المسار أن المستثمر الحقيقي لا يبحث عن امتيازات استثنائية ولا يطلب إعفاء من تطبيق الأنظمة وإنما يتطلع الى بيئة قانونية مستقرة وإدارة تتسم بالوضوح والحياد والتعامل بإجراءات يمكن التنبؤ بها وحين يشعر المستثمر أن حقوقه مصونة وأن القضاء يشكل المرجع النهائي للفصل في أي نزاع فإن ثقته بالدولة تزداد وتصبح بيئة الاستثمار أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال الوطنية والعربية والأجنبية.
ربما يكون من المهم هنا التأكيد بآن احترام القضاء لا ينتقص من مكانة الذين يديرون المؤسسات التنفيذية مهما كانت درجاتهم ومسمياتهم ولا يقلل من أهمية دورهم الرقابي بل على العكس فإن الدولة القوية هي التي تتكامل فيها السلطات ضمن حدود اختصاص كل منها والإدارة العامة تمارس صلاحياتها وفقا للقانون والقضاء يراقب مشروعية تلك الصلاحيات وعندما يصدر الحكم يصبح احترامه من قبل رئيس الحكومة او الوزير او غيره واجب لان القانون يعاقب على ذبك ناهيك عن ان تنفيذ الحكام القضائية يشكل عنوانا لاحترام الدولة لدستورها ولمؤسساتها قبل أن يكون انتصارا لطرف على آخر.
للمصداقية الموضوعية والمجردة لقد أثبت القضاء الأردني مرة أخرى أنه يشكل صمام أمان للدولة وأن استقلاله ليس مجرد نص دستوري وإنما ممارسة عملية تتجسد في أحكامه التي تخضع لها جميع السلطات وهذه الحقيقة الاهم التي تعزز ثقة المواطنين بمؤسساتهم وتؤكد أن الأردن يمتلك منظومة قضائية راسخة تشكل إحدى أهم ركائز استقراره السياسي والدستوري والاقتصادي. الخلاصة انه إذا كانت السوسنة السوداء قد استعادت حقها بحكم القضاء فإن الرابح الحقيقي في هذه القضية هو الأردن كله لأن الوطن يكبر عندما ينتصر العدل ويزداد قوة عندما يشعر المواطن أن حقه لا يضيع وأن المستثمر لا يترك وحيدا وأن القضاء يقف على مسافة واحدة من الجميع وأن الدستور ليس نصا يزين الصفحات بل عقدا وطنيا يحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع.
امام كل ذلك ومن باب العبرة والالتزام ينبغي أن تتحول قضية السوسنة السوداء إلى بداية جدية وصادقة لمراجعة كل الإجراءات التي تعيق الاستثمار وأن تكون مرحلة مواتية عنوانها الشراكة لا الخصومة والتصويب لا الإغلاق والدعم لا التنفير لأن المستثمر الوطني ليس خصما للدولة بل هو أحد أعمدة اقتصادها وشريكها في التنمية وصناعة المستقبل وكل مشروع ناجح يحظى بحماية القانون هو رسالة طمأنة لكل أردني ولكل مستثمر عربي وأجنبي بأن الأردن دولة مؤسسات وعدالة لا دولة مزاج واجتهادات متعارضة.
ختاما : سيكتب التاريخ أن السوسنة السوداء قد خرجت من هذه المحنة أكثر قوة وأن القضاء الأردني خرج منها أكثر رفعة وأن الوطن كله ربح عندما انتصرت العدالة وأن المستقبل الذي يستحقه الأردن لا يبنى إلا بقضاء مستقل وإدارة منصفة واستثمار آمن واحترام كامل لأحكام القانون لأن الأوطان التي تحترم قضاتها وتنفذ أحكامهم لا يخاف فيها صاحب حق ولا يظلم فيها مستثمر ولا يفقد فيها المواطن ثقته بدولته وهذه هي الرسالة التي يجب أن تبقى خالدة بعد أن تطوى هذه القضية إلى الأبد. كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
د. مهدي مبارك عبد الله
في الواقع لم يكن الحكم الذي أصدرته المحكمة الإدارية العليا بإبطال قرار إغلاق حديقة السوسنة السوداء مجرد نهاية لنزاع قانوني بين مستثمر وإدارة عامة بل مثل محطة هامة أعادت التأكيد على إحدى أهم ركائز الدولة الأردنية وهي أن سيادة القانون تبقى المرجعية العليا التي تخضع لها جميع السلطات وأن القضاء المستقل هو الضامن الوحيد للتوازن بين مقتضيات الإدارة وحقوق الأفراد وفي زمن تتزايد فيه التساؤلات حول البيئة الاستثمارية وجدوى الضمانات القانونية جاء هذا الحكم ليبعث برسالة واضحة مفادها أن العدالة قادرة على تصويب المسار متى ثبت أن القرار الإداري قد تجاوز حدوده أو افتقد سنده القانوني.
منذ لحظة صدور قرار الإغلاق تجاوزت القضية حدودها الإدارية الضيقة لتتحول إلى قضية رأي عام استقطبت اهتمام المواطنين ووسائل الإعلام والفعاليات الاقتصادية والنيابية لأنها مست سؤالًا بالغ الحساسية يتعلق بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين ممارسة سلطتها الرقابية وبين حماية الاستثمار الوطني فلم يعد النقاش يدور حول منشأة ترفيهية فحسب وإنما تحول الى الكيفية التي ينبغي أن تمارس بها الإدارة صلاحياتها في إطار القانون دون أن تتحول الإجراءات إلى عبء يهدد مستقبل المشاريع المنتجة أو يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين. تحتل حديقة السوسنة السوداء موقعًا مميزًا على طريق المطار وقد استطاعت خلال سنوات قليلة أن ترسخ حضورها باعتبارها مشروعًا يجمع بين الترفيه والتعليم والسياحة البيئية في نموذج فريد وغير مألوف على مستوى المملكة وهي لم تكن مجرد حديقة للحيوانات فقط وإنما بيئة تعليمية متكاملة أتاحت للأطفال والعائلات التعرف إلى عشرات الأنواع من الحيوانات والطيور والنباتات ضمن معايير تنظيمية وحضارية جعلتها مقصدًا لآلاف الزوار من مختلف المحافظات ويقول بعض الظرفاء ان صاحب الحديقة الدكتور إياد الخريشة الذي عرف بأمانته ونزاهته وتواضعه مع الزوار واحترامه الشديد للقانون والتعليمات قد ابدع في تنظيم اقسام للحيوانات والطيور الا انه غاب عن ذهنه تخصيص قسم خاص ( للحيتان والديناصورات ) المنشرة في بعض القطاعات العامة ولو فعل هذا لما اصابه أي شر او ضرر. مشروع السوسنة السوداء اكتسب أهمية إضافية في حجم الاستثمار الذي ضخه مالكه والذي تجاوز عشرة ملايين دينار في محاولة منه لنقل تجربة حديثة إلى الأردن بعد سنوات من العمل والخبرة في امريكا ولهذا نظر كثير من الأردنيين إلى المشروع بوصفه قصة نجاح وطنية تستحق التشجيع لما وفره من فرص عمل وما أضافه إلى القطاعين السياحي والتعليمي فضلًا عن مساهمته في تنويع المنتج الترفيهي الذي تحتاجه الأسرة الأردنية بشغف وقد تساءل العديد منهم باستغراب ماذا لو كان المشروع نادي ليلي او مجمع خمارات او مسابح للسيدات . لقد خسر المستثمر صاحب الحديقة سنوات من عمره وأموالا طائلة من ثروته وتحمل العاملون لديه وأسرهم تبعات الإغلاق كما حرم آلاف الأطفال والعائلات من متنفس حضاري وتعليمي وسياحي أصبح جزءا من ذاكرتهم الجميلة بينما بقي الجميع ينتظر كلمة القضاء التي جاءت لتعيد الأمور إلى نصابها وتؤكد أن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت وأن القانون يبقى أقوى من أي قرار يخالف أحكامه. ردود الفعل الشعبية المختلفة على اغلاق الحديقة حملت عدة دلالات لا يجوز تجاهلها لأنها لم تكن مجرد احاسيس تعاطف مع مكان جميل بل كانت شهادة مجتمعية واسعة بحق مشروع استطاع أن يصبح وجهة للعائلات والأطفال وطلبة المدارس وأن يقدم تجربة تعليمية وترفيهية تركت أثرا في ذاكرة آلاف الزوار وعندما يتحدث الناس عن النظافة والتنظيم والعناية بالحيوانات وحضور صاحب المشروع بنفسه بين الزوار فإنهم لا يدافعون عن عقار ومبنى وإنما يدافعون عن قيمة العمل الجاد والإخلاص في الإنجاز. كثير من الأردنيين تابعوا هذه القضية لحظة بلحظة لأنهم لم يروا فيها مجرد نزاع بين وزارة ومستثمر بل وجدوا فيها صورة أوسع لعلاقة الدولة بالمبادرات الفردية وبالاستثمارات الوطنية التي يغامر أصحابها بأموالهم وأعمارهم من أجل إنشاء مشاريع تضيف للاقتصاد والسياحة قيمة حقيقية وعندما يشعر المستثمر بأن سنوات طويلة من العمل يمكن أن تتوقف بقرار إداري فإن الرسالة التي تصل إلى كل من يفكر بالاستثمار تصبح رسالة مقلقة مهما كانت النوايا حسنة خاصة في وقت لا يمكن لأي دولة تسعى إلى جذب الاستثمارات المحلية والدولية أن تكتفي بالشعارات والمؤتمرات والوعود بينما الواقع على الارض صعب ومعقد وطارد . في المقابل أكدت وزارة الزراعة أن قرارها استند إلى مقتضيات قانونية وتعليمات ناظمة لعمل حدائق الحيوانات كما اشارت إلى وجود عدد من الملاحظات المتعلقة بالسلامة العامة والصحة الحيوانية والاشتراطات التنظيمية وأنها منحت إدارة المشروع أكثر من فرصة لتصويب أوضاعه قبل اتخاذ قرار الإغلاق وهي رواية تستحق الاحترام بوصفها تعكس مسؤولية الجهات الرقابية في حماية المصلحة العامة لأن الأصل أن تمارس مؤسسات الدولة اختصاصاتها وفق أحكام القانون والنظام. غير أن جوهر القضية لم يكن في اختلاف الروايتين وإنما في انتقال النزاع إلى ساحته الطبيعية وهي القضاء الإداري باعتباره الجهة المختصة بالفصل في مشروعية القرارات الإدارية وهنا انتقل النقاش من دائرة الانطباعات والجدل الإعلامي إلى ميزان القانون حيث أصبحت المحكمة صاحبة الولاية في تقدير مدى سلامة القرار الإداري ومدى توافقه مع المبادئ القانونية التي تحكم علاقة الإدارة بالأفراد. لهذا عندما أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمها القطعي بإلغاء قرار الإغلاق فإنها لم تحسم خلافًا بين طرفين فحسب بل أكدت مبدأ دستوريًا بالغ الأهمية وهو أن الإدارة العامة مهما اتسعت صلاحياتها تبقى خاضعة لرقابة القضاء وأن مشروعية القرار الإداري تقاس بمدى اتفاقه مع القانون لا بحسن النية أو سلامة المقصد كما أعاد الحكم التذكير بأن الأحكام القضائية في المملكة تصدر وتنفذ باسم جلالة الملك، وهو ما يعكس المكانة الدستورية للقضاء بوصفه إحدى السلطات التي تستمد مشروعيتها من الدستور وسيادة القانون. قانونيا لقد بعث هذا الحكم في طياته رسائل تتجاوز حدود هذه القضية لتصل إلى كل مؤسسة عامة وإلى كل مستثمر وإلى كل مواطن بان الرقابة الإدارية تبقى ضرورة لا غنى عنها لحماية الصحة العامة والسلامة والبيئة ولكنها في الوقت ذاته يجب أن تمارس في إطار دقيق من العدالة والتناسب واحترام الضمانات القانونية بحيث يكون الهدف تصويب المخالفة ومعالجة الخلل لا إهدار استثمار وطني يمكن الحفاظ عليه ضمن أحكام القانون. لعل الأهم في هذا المسار أن المستثمر الحقيقي لا يبحث عن امتيازات استثنائية ولا يطلب إعفاء من تطبيق الأنظمة وإنما يتطلع الى بيئة قانونية مستقرة وإدارة تتسم بالوضوح والحياد والتعامل بإجراءات يمكن التنبؤ بها وحين يشعر المستثمر أن حقوقه مصونة وأن القضاء يشكل المرجع النهائي للفصل في أي نزاع فإن ثقته بالدولة تزداد وتصبح بيئة الاستثمار أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال الوطنية والعربية والأجنبية.
ربما يكون من المهم هنا التأكيد بآن احترام القضاء لا ينتقص من مكانة الذين يديرون المؤسسات التنفيذية مهما كانت درجاتهم ومسمياتهم ولا يقلل من أهمية دورهم الرقابي بل على العكس فإن الدولة القوية هي التي تتكامل فيها السلطات ضمن حدود اختصاص كل منها والإدارة العامة تمارس صلاحياتها وفقا للقانون والقضاء يراقب مشروعية تلك الصلاحيات وعندما يصدر الحكم يصبح احترامه من قبل رئيس الحكومة او الوزير او غيره واجب لان القانون يعاقب على ذبك ناهيك عن ان تنفيذ الحكام القضائية يشكل عنوانا لاحترام الدولة لدستورها ولمؤسساتها قبل أن يكون انتصارا لطرف على آخر.
للمصداقية الموضوعية والمجردة لقد أثبت القضاء الأردني مرة أخرى أنه يشكل صمام أمان للدولة وأن استقلاله ليس مجرد نص دستوري وإنما ممارسة عملية تتجسد في أحكامه التي تخضع لها جميع السلطات وهذه الحقيقة الاهم التي تعزز ثقة المواطنين بمؤسساتهم وتؤكد أن الأردن يمتلك منظومة قضائية راسخة تشكل إحدى أهم ركائز استقراره السياسي والدستوري والاقتصادي. الخلاصة انه إذا كانت السوسنة السوداء قد استعادت حقها بحكم القضاء فإن الرابح الحقيقي في هذه القضية هو الأردن كله لأن الوطن يكبر عندما ينتصر العدل ويزداد قوة عندما يشعر المواطن أن حقه لا يضيع وأن المستثمر لا يترك وحيدا وأن القضاء يقف على مسافة واحدة من الجميع وأن الدستور ليس نصا يزين الصفحات بل عقدا وطنيا يحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع.
امام كل ذلك ومن باب العبرة والالتزام ينبغي أن تتحول قضية السوسنة السوداء إلى بداية جدية وصادقة لمراجعة كل الإجراءات التي تعيق الاستثمار وأن تكون مرحلة مواتية عنوانها الشراكة لا الخصومة والتصويب لا الإغلاق والدعم لا التنفير لأن المستثمر الوطني ليس خصما للدولة بل هو أحد أعمدة اقتصادها وشريكها في التنمية وصناعة المستقبل وكل مشروع ناجح يحظى بحماية القانون هو رسالة طمأنة لكل أردني ولكل مستثمر عربي وأجنبي بأن الأردن دولة مؤسسات وعدالة لا دولة مزاج واجتهادات متعارضة.
ختاما : سيكتب التاريخ أن السوسنة السوداء قد خرجت من هذه المحنة أكثر قوة وأن القضاء الأردني خرج منها أكثر رفعة وأن الوطن كله ربح عندما انتصرت العدالة وأن المستقبل الذي يستحقه الأردن لا يبنى إلا بقضاء مستقل وإدارة منصفة واستثمار آمن واحترام كامل لأحكام القانون لأن الأوطان التي تحترم قضاتها وتنفذ أحكامهم لا يخاف فيها صاحب حق ولا يظلم فيها مستثمر ولا يفقد فيها المواطن ثقته بدولته وهذه هي الرسالة التي يجب أن تبقى خالدة بعد أن تطوى هذه القضية إلى الأبد. كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
د. مهدي مبارك عبد الله
في الواقع لم يكن الحكم الذي أصدرته المحكمة الإدارية العليا بإبطال قرار إغلاق حديقة السوسنة السوداء مجرد نهاية لنزاع قانوني بين مستثمر وإدارة عامة بل مثل محطة هامة أعادت التأكيد على إحدى أهم ركائز الدولة الأردنية وهي أن سيادة القانون تبقى المرجعية العليا التي تخضع لها جميع السلطات وأن القضاء المستقل هو الضامن الوحيد للتوازن بين مقتضيات الإدارة وحقوق الأفراد وفي زمن تتزايد فيه التساؤلات حول البيئة الاستثمارية وجدوى الضمانات القانونية جاء هذا الحكم ليبعث برسالة واضحة مفادها أن العدالة قادرة على تصويب المسار متى ثبت أن القرار الإداري قد تجاوز حدوده أو افتقد سنده القانوني.
منذ لحظة صدور قرار الإغلاق تجاوزت القضية حدودها الإدارية الضيقة لتتحول إلى قضية رأي عام استقطبت اهتمام المواطنين ووسائل الإعلام والفعاليات الاقتصادية والنيابية لأنها مست سؤالًا بالغ الحساسية يتعلق بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين ممارسة سلطتها الرقابية وبين حماية الاستثمار الوطني فلم يعد النقاش يدور حول منشأة ترفيهية فحسب وإنما تحول الى الكيفية التي ينبغي أن تمارس بها الإدارة صلاحياتها في إطار القانون دون أن تتحول الإجراءات إلى عبء يهدد مستقبل المشاريع المنتجة أو يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين. تحتل حديقة السوسنة السوداء موقعًا مميزًا على طريق المطار وقد استطاعت خلال سنوات قليلة أن ترسخ حضورها باعتبارها مشروعًا يجمع بين الترفيه والتعليم والسياحة البيئية في نموذج فريد وغير مألوف على مستوى المملكة وهي لم تكن مجرد حديقة للحيوانات فقط وإنما بيئة تعليمية متكاملة أتاحت للأطفال والعائلات التعرف إلى عشرات الأنواع من الحيوانات والطيور والنباتات ضمن معايير تنظيمية وحضارية جعلتها مقصدًا لآلاف الزوار من مختلف المحافظات ويقول بعض الظرفاء ان صاحب الحديقة الدكتور إياد الخريشة الذي عرف بأمانته ونزاهته وتواضعه مع الزوار واحترامه الشديد للقانون والتعليمات قد ابدع في تنظيم اقسام للحيوانات والطيور الا انه غاب عن ذهنه تخصيص قسم خاص ( للحيتان والديناصورات ) المنشرة في بعض القطاعات العامة ولو فعل هذا لما اصابه أي شر او ضرر. مشروع السوسنة السوداء اكتسب أهمية إضافية في حجم الاستثمار الذي ضخه مالكه والذي تجاوز عشرة ملايين دينار في محاولة منه لنقل تجربة حديثة إلى الأردن بعد سنوات من العمل والخبرة في امريكا ولهذا نظر كثير من الأردنيين إلى المشروع بوصفه قصة نجاح وطنية تستحق التشجيع لما وفره من فرص عمل وما أضافه إلى القطاعين السياحي والتعليمي فضلًا عن مساهمته في تنويع المنتج الترفيهي الذي تحتاجه الأسرة الأردنية بشغف وقد تساءل العديد منهم باستغراب ماذا لو كان المشروع نادي ليلي او مجمع خمارات او مسابح للسيدات . لقد خسر المستثمر صاحب الحديقة سنوات من عمره وأموالا طائلة من ثروته وتحمل العاملون لديه وأسرهم تبعات الإغلاق كما حرم آلاف الأطفال والعائلات من متنفس حضاري وتعليمي وسياحي أصبح جزءا من ذاكرتهم الجميلة بينما بقي الجميع ينتظر كلمة القضاء التي جاءت لتعيد الأمور إلى نصابها وتؤكد أن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت وأن القانون يبقى أقوى من أي قرار يخالف أحكامه. ردود الفعل الشعبية المختلفة على اغلاق الحديقة حملت عدة دلالات لا يجوز تجاهلها لأنها لم تكن مجرد احاسيس تعاطف مع مكان جميل بل كانت شهادة مجتمعية واسعة بحق مشروع استطاع أن يصبح وجهة للعائلات والأطفال وطلبة المدارس وأن يقدم تجربة تعليمية وترفيهية تركت أثرا في ذاكرة آلاف الزوار وعندما يتحدث الناس عن النظافة والتنظيم والعناية بالحيوانات وحضور صاحب المشروع بنفسه بين الزوار فإنهم لا يدافعون عن عقار ومبنى وإنما يدافعون عن قيمة العمل الجاد والإخلاص في الإنجاز. كثير من الأردنيين تابعوا هذه القضية لحظة بلحظة لأنهم لم يروا فيها مجرد نزاع بين وزارة ومستثمر بل وجدوا فيها صورة أوسع لعلاقة الدولة بالمبادرات الفردية وبالاستثمارات الوطنية التي يغامر أصحابها بأموالهم وأعمارهم من أجل إنشاء مشاريع تضيف للاقتصاد والسياحة قيمة حقيقية وعندما يشعر المستثمر بأن سنوات طويلة من العمل يمكن أن تتوقف بقرار إداري فإن الرسالة التي تصل إلى كل من يفكر بالاستثمار تصبح رسالة مقلقة مهما كانت النوايا حسنة خاصة في وقت لا يمكن لأي دولة تسعى إلى جذب الاستثمارات المحلية والدولية أن تكتفي بالشعارات والمؤتمرات والوعود بينما الواقع على الارض صعب ومعقد وطارد . في المقابل أكدت وزارة الزراعة أن قرارها استند إلى مقتضيات قانونية وتعليمات ناظمة لعمل حدائق الحيوانات كما اشارت إلى وجود عدد من الملاحظات المتعلقة بالسلامة العامة والصحة الحيوانية والاشتراطات التنظيمية وأنها منحت إدارة المشروع أكثر من فرصة لتصويب أوضاعه قبل اتخاذ قرار الإغلاق وهي رواية تستحق الاحترام بوصفها تعكس مسؤولية الجهات الرقابية في حماية المصلحة العامة لأن الأصل أن تمارس مؤسسات الدولة اختصاصاتها وفق أحكام القانون والنظام. غير أن جوهر القضية لم يكن في اختلاف الروايتين وإنما في انتقال النزاع إلى ساحته الطبيعية وهي القضاء الإداري باعتباره الجهة المختصة بالفصل في مشروعية القرارات الإدارية وهنا انتقل النقاش من دائرة الانطباعات والجدل الإعلامي إلى ميزان القانون حيث أصبحت المحكمة صاحبة الولاية في تقدير مدى سلامة القرار الإداري ومدى توافقه مع المبادئ القانونية التي تحكم علاقة الإدارة بالأفراد. لهذا عندما أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمها القطعي بإلغاء قرار الإغلاق فإنها لم تحسم خلافًا بين طرفين فحسب بل أكدت مبدأ دستوريًا بالغ الأهمية وهو أن الإدارة العامة مهما اتسعت صلاحياتها تبقى خاضعة لرقابة القضاء وأن مشروعية القرار الإداري تقاس بمدى اتفاقه مع القانون لا بحسن النية أو سلامة المقصد كما أعاد الحكم التذكير بأن الأحكام القضائية في المملكة تصدر وتنفذ باسم جلالة الملك، وهو ما يعكس المكانة الدستورية للقضاء بوصفه إحدى السلطات التي تستمد مشروعيتها من الدستور وسيادة القانون. قانونيا لقد بعث هذا الحكم في طياته رسائل تتجاوز حدود هذه القضية لتصل إلى كل مؤسسة عامة وإلى كل مستثمر وإلى كل مواطن بان الرقابة الإدارية تبقى ضرورة لا غنى عنها لحماية الصحة العامة والسلامة والبيئة ولكنها في الوقت ذاته يجب أن تمارس في إطار دقيق من العدالة والتناسب واحترام الضمانات القانونية بحيث يكون الهدف تصويب المخالفة ومعالجة الخلل لا إهدار استثمار وطني يمكن الحفاظ عليه ضمن أحكام القانون. لعل الأهم في هذا المسار أن المستثمر الحقيقي لا يبحث عن امتيازات استثنائية ولا يطلب إعفاء من تطبيق الأنظمة وإنما يتطلع الى بيئة قانونية مستقرة وإدارة تتسم بالوضوح والحياد والتعامل بإجراءات يمكن التنبؤ بها وحين يشعر المستثمر أن حقوقه مصونة وأن القضاء يشكل المرجع النهائي للفصل في أي نزاع فإن ثقته بالدولة تزداد وتصبح بيئة الاستثمار أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال الوطنية والعربية والأجنبية.
ربما يكون من المهم هنا التأكيد بآن احترام القضاء لا ينتقص من مكانة الذين يديرون المؤسسات التنفيذية مهما كانت درجاتهم ومسمياتهم ولا يقلل من أهمية دورهم الرقابي بل على العكس فإن الدولة القوية هي التي تتكامل فيها السلطات ضمن حدود اختصاص كل منها والإدارة العامة تمارس صلاحياتها وفقا للقانون والقضاء يراقب مشروعية تلك الصلاحيات وعندما يصدر الحكم يصبح احترامه من قبل رئيس الحكومة او الوزير او غيره واجب لان القانون يعاقب على ذبك ناهيك عن ان تنفيذ الحكام القضائية يشكل عنوانا لاحترام الدولة لدستورها ولمؤسساتها قبل أن يكون انتصارا لطرف على آخر.
للمصداقية الموضوعية والمجردة لقد أثبت القضاء الأردني مرة أخرى أنه يشكل صمام أمان للدولة وأن استقلاله ليس مجرد نص دستوري وإنما ممارسة عملية تتجسد في أحكامه التي تخضع لها جميع السلطات وهذه الحقيقة الاهم التي تعزز ثقة المواطنين بمؤسساتهم وتؤكد أن الأردن يمتلك منظومة قضائية راسخة تشكل إحدى أهم ركائز استقراره السياسي والدستوري والاقتصادي. الخلاصة انه إذا كانت السوسنة السوداء قد استعادت حقها بحكم القضاء فإن الرابح الحقيقي في هذه القضية هو الأردن كله لأن الوطن يكبر عندما ينتصر العدل ويزداد قوة عندما يشعر المواطن أن حقه لا يضيع وأن المستثمر لا يترك وحيدا وأن القضاء يقف على مسافة واحدة من الجميع وأن الدستور ليس نصا يزين الصفحات بل عقدا وطنيا يحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع.
امام كل ذلك ومن باب العبرة والالتزام ينبغي أن تتحول قضية السوسنة السوداء إلى بداية جدية وصادقة لمراجعة كل الإجراءات التي تعيق الاستثمار وأن تكون مرحلة مواتية عنوانها الشراكة لا الخصومة والتصويب لا الإغلاق والدعم لا التنفير لأن المستثمر الوطني ليس خصما للدولة بل هو أحد أعمدة اقتصادها وشريكها في التنمية وصناعة المستقبل وكل مشروع ناجح يحظى بحماية القانون هو رسالة طمأنة لكل أردني ولكل مستثمر عربي وأجنبي بأن الأردن دولة مؤسسات وعدالة لا دولة مزاج واجتهادات متعارضة.
ختاما : سيكتب التاريخ أن السوسنة السوداء قد خرجت من هذه المحنة أكثر قوة وأن القضاء الأردني خرج منها أكثر رفعة وأن الوطن كله ربح عندما انتصرت العدالة وأن المستقبل الذي يستحقه الأردن لا يبنى إلا بقضاء مستقل وإدارة منصفة واستثمار آمن واحترام كامل لأحكام القانون لأن الأوطان التي تحترم قضاتها وتنفذ أحكامهم لا يخاف فيها صاحب حق ولا يظلم فيها مستثمر ولا يفقد فيها المواطن ثقته بدولته وهذه هي الرسالة التي يجب أن تبقى خالدة بعد أن تطوى هذه القضية إلى الأبد. كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
التعليقات