ليست المناصب العامة درجاتٍ أعلى من المواطنين، بل درجاتٌ أعلى من المسؤولية، وكلما ارتفع المنصب، ضاقت مساحة الخطأ، واتسعت مساحة الأمانة، ولهذا لم تُنشأ الوزارات لتكون أبوابًا للمكانة الشخصية، ولا جسورًا للمصالح الخاصة، وإنما لتكون مؤسساتٍ تحفظ حقوق الناس، وتدير شؤونهم بعدالة، وتضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
الوزير، في جوهر وظيفته، ليس صاحب الوزارة، بل مؤتمن عليها، فهو لا يرثها، ولا يمتلكها، ولا يحق له أن يتعامل معها باعتبارها دائرة نفوذ شخصي، أو امتدادًا لعلاقاته، أو وسيلة لتقديم الامتيازات لمن يقترب منه، فالمنصب العام لا يمنح صاحبه حق التفضيل، بل يفرض عليه واجب التجرد.
ومن هنا، فإن قوة الدولة لا تُقاس بعدد وزاراتها، بل بقدرة وزرائها على الفصل الكامل بين حياتهم الخاصة ومسؤولياتهم العامة، فحين يبقى القرار الإداري نزيهًا، ومستقلًا، ومحكومًا بالقانون وحده، يشعر المواطن أن الدولة تنتمي إليه كما تنتمي إلى غيره، وأن العدالة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية.
أما إذا تولد لدى الناس انطباع بأن العلاقات الشخصية، أو الاعتبارات الأسرية، أو أي مصلحة خاصة، قد تؤثر في القرار العام، فإن الخسارة تتجاوز ذلك القرار نفسه. لأن الثقة، عندما تهتز، لا تهتز في شخص الوزير فقط، بل في المؤسسة، وفي فكرة المساواة، وفي قدرة الدولة على إقناع مواطنيها بأن الجميع يقفون على المسافة نفسها من القانون.
ولهذا، فإن النزاهة لا تعني فقط تجنب المخالفة، بل تعني أيضًا الابتعاد عن كل ما قد يضعف الثقة في حياد القرار. فالوزير الناجح لا يسأل: 'هل أستطيع أن أفعل هذا؟'، بل يسأل قبل ذلك: 'هل ينبغي أن أفعله؟ وهل يخدم المصلحة العامة وحدها؟'
إن الدول التي رسخت مكانتها لم تصل إلى ذلك عبر الخطابات، وإنما عبر بناء ثقافة مؤسسية تجعل الكفاءة أساسًا، والشفافية منهجًا، والمساءلة ضمانة، وتضارب المصالح أمرًا يجب منعه لا تبريره، فكل قرار عادل يعزز ثقة المجتمع، وكل قرار يحيط به الشك يضعف هذه الثقة، حتى لو كان أثره المباشر محدودًا.
ولا ينتظر المواطن من الوزير أن يمنحه معاملة استثنائية، بل ينتظر أن يحمي حقه في معاملة عادية وعادلة، فحين يصبح القانون هو الوسيط الوحيد بين الدولة والناس، تتراجع الحاجة إلى النفوذ، وتكبر قيمة المواطنة، ويشعر الجميع بأن الفرص لا تُوزع بحسب العلاقات، وإنما بحسب الاستحقاق.
والحقيقة أن أعظم إنجاز لأي وزير ليس مشروعًا يُفتتح فحسب، بل منظومة يطمئن المواطن إلى عدالتها، فالطرقات تُبنى، والمباني تُشيَّد، والخطط تتغير، أما الثقة إذا ترسخت فإنها تصبح أساسًا لكل نجاح لاحق، وإذا تراجعت فإن أكثر الإنجازات المادية قد تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها في نظر المجتمع.
وفي نهاية المطاف، لا يتذكر التاريخ حجم السلطة التي امتلكها المسؤول، بل الطريقة التي استخدم بها تلك السلطة، فهناك من غادر منصبه وقد ترك وراءه مؤسسات أقوى، وثقة أكبر، وعدالة أوسع، وهناك من غادر ولم يبقَ من اسمه إلا سؤال يطرحه الناس: هل كانت السلطة في يده وسيلة لخدمة الوطن، أم فرصة لخدمة مصالح أضيق؟
إن المنصب العام امتحان لا ينجح فيه إلا من يدرك أن الكرسي لا يمنح صاحبه قيمة، بل يكشف قيمته، وأن الوزارة ليست امتيازًا يُمارَس، بل أمانة تُصان، وأن المواطن لا يريد مسؤولًا كاملًا، وإنما يريد مسؤولًا عادلًا، يجعل القانون مرجعيته الأولى، والمصلحة العامة بوصلته الدائمة، لأن الدول العظيمة لا تُبنى بكثرة أصحاب السلطة، بل بكثرة من يحسنون استخدامها في خدمة الوطن والإنسان.
بقلم عمر الدريني
ليست المناصب العامة درجاتٍ أعلى من المواطنين، بل درجاتٌ أعلى من المسؤولية، وكلما ارتفع المنصب، ضاقت مساحة الخطأ، واتسعت مساحة الأمانة، ولهذا لم تُنشأ الوزارات لتكون أبوابًا للمكانة الشخصية، ولا جسورًا للمصالح الخاصة، وإنما لتكون مؤسساتٍ تحفظ حقوق الناس، وتدير شؤونهم بعدالة، وتضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
الوزير، في جوهر وظيفته، ليس صاحب الوزارة، بل مؤتمن عليها، فهو لا يرثها، ولا يمتلكها، ولا يحق له أن يتعامل معها باعتبارها دائرة نفوذ شخصي، أو امتدادًا لعلاقاته، أو وسيلة لتقديم الامتيازات لمن يقترب منه، فالمنصب العام لا يمنح صاحبه حق التفضيل، بل يفرض عليه واجب التجرد.
ومن هنا، فإن قوة الدولة لا تُقاس بعدد وزاراتها، بل بقدرة وزرائها على الفصل الكامل بين حياتهم الخاصة ومسؤولياتهم العامة، فحين يبقى القرار الإداري نزيهًا، ومستقلًا، ومحكومًا بالقانون وحده، يشعر المواطن أن الدولة تنتمي إليه كما تنتمي إلى غيره، وأن العدالة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية.
أما إذا تولد لدى الناس انطباع بأن العلاقات الشخصية، أو الاعتبارات الأسرية، أو أي مصلحة خاصة، قد تؤثر في القرار العام، فإن الخسارة تتجاوز ذلك القرار نفسه. لأن الثقة، عندما تهتز، لا تهتز في شخص الوزير فقط، بل في المؤسسة، وفي فكرة المساواة، وفي قدرة الدولة على إقناع مواطنيها بأن الجميع يقفون على المسافة نفسها من القانون.
ولهذا، فإن النزاهة لا تعني فقط تجنب المخالفة، بل تعني أيضًا الابتعاد عن كل ما قد يضعف الثقة في حياد القرار. فالوزير الناجح لا يسأل: 'هل أستطيع أن أفعل هذا؟'، بل يسأل قبل ذلك: 'هل ينبغي أن أفعله؟ وهل يخدم المصلحة العامة وحدها؟'
إن الدول التي رسخت مكانتها لم تصل إلى ذلك عبر الخطابات، وإنما عبر بناء ثقافة مؤسسية تجعل الكفاءة أساسًا، والشفافية منهجًا، والمساءلة ضمانة، وتضارب المصالح أمرًا يجب منعه لا تبريره، فكل قرار عادل يعزز ثقة المجتمع، وكل قرار يحيط به الشك يضعف هذه الثقة، حتى لو كان أثره المباشر محدودًا.
ولا ينتظر المواطن من الوزير أن يمنحه معاملة استثنائية، بل ينتظر أن يحمي حقه في معاملة عادية وعادلة، فحين يصبح القانون هو الوسيط الوحيد بين الدولة والناس، تتراجع الحاجة إلى النفوذ، وتكبر قيمة المواطنة، ويشعر الجميع بأن الفرص لا تُوزع بحسب العلاقات، وإنما بحسب الاستحقاق.
والحقيقة أن أعظم إنجاز لأي وزير ليس مشروعًا يُفتتح فحسب، بل منظومة يطمئن المواطن إلى عدالتها، فالطرقات تُبنى، والمباني تُشيَّد، والخطط تتغير، أما الثقة إذا ترسخت فإنها تصبح أساسًا لكل نجاح لاحق، وإذا تراجعت فإن أكثر الإنجازات المادية قد تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها في نظر المجتمع.
وفي نهاية المطاف، لا يتذكر التاريخ حجم السلطة التي امتلكها المسؤول، بل الطريقة التي استخدم بها تلك السلطة، فهناك من غادر منصبه وقد ترك وراءه مؤسسات أقوى، وثقة أكبر، وعدالة أوسع، وهناك من غادر ولم يبقَ من اسمه إلا سؤال يطرحه الناس: هل كانت السلطة في يده وسيلة لخدمة الوطن، أم فرصة لخدمة مصالح أضيق؟
إن المنصب العام امتحان لا ينجح فيه إلا من يدرك أن الكرسي لا يمنح صاحبه قيمة، بل يكشف قيمته، وأن الوزارة ليست امتيازًا يُمارَس، بل أمانة تُصان، وأن المواطن لا يريد مسؤولًا كاملًا، وإنما يريد مسؤولًا عادلًا، يجعل القانون مرجعيته الأولى، والمصلحة العامة بوصلته الدائمة، لأن الدول العظيمة لا تُبنى بكثرة أصحاب السلطة، بل بكثرة من يحسنون استخدامها في خدمة الوطن والإنسان.
بقلم عمر الدريني
ليست المناصب العامة درجاتٍ أعلى من المواطنين، بل درجاتٌ أعلى من المسؤولية، وكلما ارتفع المنصب، ضاقت مساحة الخطأ، واتسعت مساحة الأمانة، ولهذا لم تُنشأ الوزارات لتكون أبوابًا للمكانة الشخصية، ولا جسورًا للمصالح الخاصة، وإنما لتكون مؤسساتٍ تحفظ حقوق الناس، وتدير شؤونهم بعدالة، وتضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
الوزير، في جوهر وظيفته، ليس صاحب الوزارة، بل مؤتمن عليها، فهو لا يرثها، ولا يمتلكها، ولا يحق له أن يتعامل معها باعتبارها دائرة نفوذ شخصي، أو امتدادًا لعلاقاته، أو وسيلة لتقديم الامتيازات لمن يقترب منه، فالمنصب العام لا يمنح صاحبه حق التفضيل، بل يفرض عليه واجب التجرد.
ومن هنا، فإن قوة الدولة لا تُقاس بعدد وزاراتها، بل بقدرة وزرائها على الفصل الكامل بين حياتهم الخاصة ومسؤولياتهم العامة، فحين يبقى القرار الإداري نزيهًا، ومستقلًا، ومحكومًا بالقانون وحده، يشعر المواطن أن الدولة تنتمي إليه كما تنتمي إلى غيره، وأن العدالة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية.
أما إذا تولد لدى الناس انطباع بأن العلاقات الشخصية، أو الاعتبارات الأسرية، أو أي مصلحة خاصة، قد تؤثر في القرار العام، فإن الخسارة تتجاوز ذلك القرار نفسه. لأن الثقة، عندما تهتز، لا تهتز في شخص الوزير فقط، بل في المؤسسة، وفي فكرة المساواة، وفي قدرة الدولة على إقناع مواطنيها بأن الجميع يقفون على المسافة نفسها من القانون.
ولهذا، فإن النزاهة لا تعني فقط تجنب المخالفة، بل تعني أيضًا الابتعاد عن كل ما قد يضعف الثقة في حياد القرار. فالوزير الناجح لا يسأل: 'هل أستطيع أن أفعل هذا؟'، بل يسأل قبل ذلك: 'هل ينبغي أن أفعله؟ وهل يخدم المصلحة العامة وحدها؟'
إن الدول التي رسخت مكانتها لم تصل إلى ذلك عبر الخطابات، وإنما عبر بناء ثقافة مؤسسية تجعل الكفاءة أساسًا، والشفافية منهجًا، والمساءلة ضمانة، وتضارب المصالح أمرًا يجب منعه لا تبريره، فكل قرار عادل يعزز ثقة المجتمع، وكل قرار يحيط به الشك يضعف هذه الثقة، حتى لو كان أثره المباشر محدودًا.
ولا ينتظر المواطن من الوزير أن يمنحه معاملة استثنائية، بل ينتظر أن يحمي حقه في معاملة عادية وعادلة، فحين يصبح القانون هو الوسيط الوحيد بين الدولة والناس، تتراجع الحاجة إلى النفوذ، وتكبر قيمة المواطنة، ويشعر الجميع بأن الفرص لا تُوزع بحسب العلاقات، وإنما بحسب الاستحقاق.
والحقيقة أن أعظم إنجاز لأي وزير ليس مشروعًا يُفتتح فحسب، بل منظومة يطمئن المواطن إلى عدالتها، فالطرقات تُبنى، والمباني تُشيَّد، والخطط تتغير، أما الثقة إذا ترسخت فإنها تصبح أساسًا لكل نجاح لاحق، وإذا تراجعت فإن أكثر الإنجازات المادية قد تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها في نظر المجتمع.
وفي نهاية المطاف، لا يتذكر التاريخ حجم السلطة التي امتلكها المسؤول، بل الطريقة التي استخدم بها تلك السلطة، فهناك من غادر منصبه وقد ترك وراءه مؤسسات أقوى، وثقة أكبر، وعدالة أوسع، وهناك من غادر ولم يبقَ من اسمه إلا سؤال يطرحه الناس: هل كانت السلطة في يده وسيلة لخدمة الوطن، أم فرصة لخدمة مصالح أضيق؟
إن المنصب العام امتحان لا ينجح فيه إلا من يدرك أن الكرسي لا يمنح صاحبه قيمة، بل يكشف قيمته، وأن الوزارة ليست امتيازًا يُمارَس، بل أمانة تُصان، وأن المواطن لا يريد مسؤولًا كاملًا، وإنما يريد مسؤولًا عادلًا، يجعل القانون مرجعيته الأولى، والمصلحة العامة بوصلته الدائمة، لأن الدول العظيمة لا تُبنى بكثرة أصحاب السلطة، بل بكثرة من يحسنون استخدامها في خدمة الوطن والإنسان.
التعليقات