بقلم الدكتور جميل سالم الزيدانين السعودي
شهدت المؤشرات النقدية الأردنية خلال عام 2026 أداء قويّا يعكس نجاح البنك المركزي في تحقيق التوازن بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار النقدي. فقد بلغ معدل التضخم 1.88% خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، بينما ارتفعت الاحتياطيات الأجنبية الى 27.18 مليار دولار بزيادة 1.7 مليار دولار مقارنة بنهاية عام 2025، بما يغطي نحو 9.5 أشهر من الاستيرادات الأردنية. وتعد هذه النسبة أعلى من المعايير الدولية المتعارف عليها التي تعتبر تغطية ثلاثة أشهر من الواردات حدّا أدنى للأمان، الأمر الذي يعزز استقرار سعر صرف الدينار وقدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات والصدمات الخارجية. ويرفع ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية. كما أبقى البنك المركزي سعر الفائدة الرئيسي عند 5.75% في يونيو 2026، مع تثبيت أسعار الفائدة على بقية أدوات السياسة النقدية. ويعكس هذا القرار نهجا حذرا يوازن بين احتواء التضخم وعدم فرض مزيدا من الضغوط على تكلفة التمويل والاستثمار من جهة أخرى. كما يأتي القرار في إطار المحافظة على جاذبية الدينار في ظل ارتباطه بالدولار الأمريكي، وما ينسجم مع تطورات السياسة النقدية العالمية. وفي الوقت نفسه، واصل القطاع المصرفي التمتع بمستويات قوية من السيولة والملاءة، مدعوما بإجراءات تمويلية بلغت 760 مليون دينار، أسهمت في تعزيز الائتمان والأنشطة الاقتصادية دون الاخلال بالاستقرار المالي، وهذا يعكس سياسة تستهدف دعم الاستثمار والإنتاج مع تجنب تكوين فقاعات ائتمانية او ضغوطا تضخمية إضافية، وبفضل هذه السياسات التي تعتمد على حزمة متكاملة من الأدوات تشمل إدارة أسعار الفائدة، والمحافظة على احتياطيات قوية من العملات الأجنبية، وضبط مستويات السيولة، وتعزيز متانة القطاع المصرفي، وقد أسهم هذا النهج في تحقيق نمو اقتصادي حقيقي بلغ 2.93% في الربع الأول من عام 2026، مع الحفاظ على معدلات تضخم واستقرار مالي معتدلة، وهو ما يعكس نجاح البنك المركزي في تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو الاقتصادي وحماية الاستقرار النقدي.
تعد السياسة النقدية في الأردن ركيزة أساسية لإدارة الاقتصاد، حيث يسعى البنك المركزي الى تحقيق التوازن بين الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي ودعم النمو الاقتصادي والاستثمار. وتزداد أهمية هذا الدور في ظل اقتصاد مفتوح يعتمد على الاستيراد، ويرتبط سعر صرف الدينار بالدولار الأمريكي، الى جانب مواجهة تحديات خارجية مثل تقلبات أسعار الطاقة والغذاء، والتوترات الجيوسياسية وتشدد السياسات النقدية العالمية. ولا يقتصر دور البنك المركزي على مكافحة التضخم، بل يشمل أيضا الحفاظ على استقرار سعر الصرف، وتعزيز متانة القطاع المصرفي، وضمان توافر السيولة، والمحافظة على احتياطيات أجنبية كافية لدعم الاستقرار الاقتصادي.
أولا: استقرار الأسعار كهدف رئيسي للسياسة النقدية: يعد استقرار الأسعار الهدف الأساسي للسياسة النقدية في الأردن، لما للتضخم المرتفع من آثار سلبية على القوة الشرائية وتكاليف الإنتاج وثقة المستثمرين. وقد نجح الأردن في الحفاظ على معدلات تضخم معتدلة رغم موجات التضخم العالمية التي أعقبت جائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، والاضطرابات في سلاسل الامداد العالمية، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة. هذا ويعمل البنك المركزي على مراقبة مجموعة واسعة من المؤشرات، من أبرزها معدل التضخم العام والاساسي، وأسعار الغذاء والطاقة، ونمو الائتمان، والسيولة المصرفية، وتوقعات التضخم، وتطورات أسعار الفائدة العالمية خصوصا قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وعند ارتفاع الضغوط التضخمية بشكل مستدام، يلجأ البنك المركزي الأردني الى تشديد السياسة النقدية للحفاظ على استقرار الاقتصاد.
ثانيا: أسعار الفائدة ... الأداة الأكثر تأثيرا: تعد أسعار الفائدة الأداة الرئيسة للسياسة النقدية، اذ يستخدمها البنك المركزي لاحتواء التضخم عبر رفعها او الإبقاء عليها مرتفعة مما يقلل من الطلب على الاقتراض، وخفض الاستهلاك والاستثمار الممول بالديون، وتقليل الضغوط التضخمية، وتعزيز استقرار الأسعار وجاذبية الدينار. وفي المقابل، قد يلجأ البنك المركزي الى خفض أسعار الفائدة أو زيادة السيولة لتحفيز الاستثمار والنمو عند تباطؤ الاقتصاد. وترتبط قرارات الفائدة في الأردن بشكل وثيق بالسياسة النقدية الامريكية بسبب ارتباط الدينار بالدولار. وذلك حفاظا على جاذبية الأصول المقومة بالدينار ومنع خروج رؤوس الاموال.
ثالثا: استقرار سعر صرف الدينار: يعد استقرار سعر صرف الدينار أحد أعمدة السياسة النقدية الأردنية منذ عقود، اذ يرتبط الدينار بالدولار الأمريكي ضمن نظام سعر صرف ثابت، ويحقق هذا الربط مزايا اقتصادية من أبرزها الحد من تقلبات الأسعار، والحد من تقلبات أسعار المستوردات، وتعزيز الثقة لدى المستثمرين المحليين والأجانب، وتقليل مخاطر سعر الصرف على الشركات، ودعم الاستقرار المالي. لكن الحفاظ على هذا الربط يتطلب امتلاك احتياطيات أجنبية قوية، وسياسة نقدية متسقة مع التطورات العالمية، وخاصة في الولايات المتحدة. لهذا يولي البنك المركزي اهتماما كبيرا بالحفاظ على مستويات مرتفعة من الاحتياطيات الأجنبية، بما يكفي لتغطية عدة أشهر من المستوردات، وهو ما يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الصدمات الخارجية.
رابعا: إدارة السيولة في القطاع الخاص المصرفي: لا تقتصر السياسة النقدية على تحديد أسعار الفائدة، بل تشمل كذلك أدارة مستويات السيولة داخل الجهاز المصرفي، ويستخدم البنك المركزي عدة أدوات منها عمليات السوق المفتوحة، ونافذة الإيداع والاقراض، ونسب احتياطي الزامي، واتفاقيات إعادة الشراء، وشهادات الإيداع. تساعد هذ الأدوات في ضبط حجم السيولة المتداولة داخل الاقتصاد، بما يمنع حدوث اختلالات قد تؤدي الى ضغوط تضخمية او نقص في التمويل، كما يحرص البنك المركزي على ضمان بقاء الجهاز المصرفي قادرا على تمويل النشاط الاقتصادي دون تعريض الاستقرار المالي للمخاطر.
خامسا: دعم النمو الاقتصادي دون الاخلال بالاستقرار: بالرغم من ان البنك المركزي لا يستهدف النمو الاقتصادي بشكل مباشر، فإن سياساته تؤثر بصورة كبيرة في الاستثمار والاستهلاك والإنتاج. فعندما تتوافر بيئة نقدية مستقرة، يصبح المستثمر أكثر قدرة على اتخاذ قرارات طويلة الاجل، وتنخفض معدلات المخاطر، وتزداد قدرة الشركات على الحصول على التمويل. وفي المقابل فإن التشدد النقدي المبالغ فيه يؤدي الى ارتفاع تكلفة التمويل، وتباطؤ الاستثمار الخاص، وانخفاض الطلب المحلي، وتباطؤ النمو الاقتصادي. من هنا تظهر أهمية الوصول الى ما يعرف في الادبيات الاقتصادية ب ' المستوى المحايد' للسياسة النقدية، وهو المستوى الذي لا يؤدي الى تحفيز الاقتصاد بصورة مفرطة ولا الى كبحه بشكل حاد.
سادسا: الاستقرار المالي كركيزة للنمو: يضطلع البنك المركزي بمهمة المحافظة على الاستقرار المالي، بجانب السياسة النقدية، وذلك من خلال الرقابة على القطاع المصرفي وضمان متانة البنوك. ويشمل ذلك مراقبة نسب كفاية راس المال، ومتابعة نسب السيولة، وتقييم جودة المحافظ الائتمانية، واجراء اختبارات الضغط بصورة دورية، وتعزيز إدارة المخاطر والحوكمة. هذا وقد ساهمت هذه السياسات في تمكين القطاع المصرفي الأردني من الحفاظ على مستويات جيده من الملاءة والسيولة، رغم التقلبات الاقتصادية الإقليمية والعالمية.
سابعا: أبرز التحديات امام السياسة النقدية الأردنية: رغم نجاح البنك المركزي في الحفاظ على الاستقرار النقدي، فان البيئة الاقتصادية الحالية تفرض مجموعة من التحديات، أبرزها استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، وتقلب أسعار النفط والسلع الأساسية، وارتفاع أسعار الفائدة العالمية، وتأثير التوترات الجيوسياسية في المنطقة على التجارة والاستثمار، وارتفاع مستويات الدين العام. كما ان أي تغيير في توجهات السياسة النقدية الامريكية ينعكس بصورة مباشرة على خيارات البنك المركزي الأردني، نظرا لارتباط الدينار بالدولار. الخلاصة: تقوم السياسة النقدية في الأردن على تحقيق توازن بين استقرار الأسعار وسعر الصرف وتعزيز متانة القطاع المصرفي، مع دعم النمو الاقتصادي.
ويعتمد نجاحها على التنسيق مع السياسة المالية واستمرار الإصلاحات الاقتصادية، وفي المرحلة المقبلة، سيبقى البنك المركزي الأردني امام اختبار مستمر يتمثل في إدارة آثار المتغيرات العالمية مع الحفاظ على استقرار الاقتصاد المحلي، وهو ما يتطلب مرونة في استخدام أدوات السياسة النقدية، وقراءة دقيقة للمؤشرات الاقتصادية المحلية والدولية، لضمان تحقيق التوازن بين الاستقرار والنمو.
بقلم الدكتور جميل سالم الزيدانين السعودي
شهدت المؤشرات النقدية الأردنية خلال عام 2026 أداء قويّا يعكس نجاح البنك المركزي في تحقيق التوازن بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار النقدي. فقد بلغ معدل التضخم 1.88% خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، بينما ارتفعت الاحتياطيات الأجنبية الى 27.18 مليار دولار بزيادة 1.7 مليار دولار مقارنة بنهاية عام 2025، بما يغطي نحو 9.5 أشهر من الاستيرادات الأردنية. وتعد هذه النسبة أعلى من المعايير الدولية المتعارف عليها التي تعتبر تغطية ثلاثة أشهر من الواردات حدّا أدنى للأمان، الأمر الذي يعزز استقرار سعر صرف الدينار وقدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات والصدمات الخارجية. ويرفع ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية. كما أبقى البنك المركزي سعر الفائدة الرئيسي عند 5.75% في يونيو 2026، مع تثبيت أسعار الفائدة على بقية أدوات السياسة النقدية. ويعكس هذا القرار نهجا حذرا يوازن بين احتواء التضخم وعدم فرض مزيدا من الضغوط على تكلفة التمويل والاستثمار من جهة أخرى. كما يأتي القرار في إطار المحافظة على جاذبية الدينار في ظل ارتباطه بالدولار الأمريكي، وما ينسجم مع تطورات السياسة النقدية العالمية. وفي الوقت نفسه، واصل القطاع المصرفي التمتع بمستويات قوية من السيولة والملاءة، مدعوما بإجراءات تمويلية بلغت 760 مليون دينار، أسهمت في تعزيز الائتمان والأنشطة الاقتصادية دون الاخلال بالاستقرار المالي، وهذا يعكس سياسة تستهدف دعم الاستثمار والإنتاج مع تجنب تكوين فقاعات ائتمانية او ضغوطا تضخمية إضافية، وبفضل هذه السياسات التي تعتمد على حزمة متكاملة من الأدوات تشمل إدارة أسعار الفائدة، والمحافظة على احتياطيات قوية من العملات الأجنبية، وضبط مستويات السيولة، وتعزيز متانة القطاع المصرفي، وقد أسهم هذا النهج في تحقيق نمو اقتصادي حقيقي بلغ 2.93% في الربع الأول من عام 2026، مع الحفاظ على معدلات تضخم واستقرار مالي معتدلة، وهو ما يعكس نجاح البنك المركزي في تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو الاقتصادي وحماية الاستقرار النقدي.
تعد السياسة النقدية في الأردن ركيزة أساسية لإدارة الاقتصاد، حيث يسعى البنك المركزي الى تحقيق التوازن بين الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي ودعم النمو الاقتصادي والاستثمار. وتزداد أهمية هذا الدور في ظل اقتصاد مفتوح يعتمد على الاستيراد، ويرتبط سعر صرف الدينار بالدولار الأمريكي، الى جانب مواجهة تحديات خارجية مثل تقلبات أسعار الطاقة والغذاء، والتوترات الجيوسياسية وتشدد السياسات النقدية العالمية. ولا يقتصر دور البنك المركزي على مكافحة التضخم، بل يشمل أيضا الحفاظ على استقرار سعر الصرف، وتعزيز متانة القطاع المصرفي، وضمان توافر السيولة، والمحافظة على احتياطيات أجنبية كافية لدعم الاستقرار الاقتصادي.
أولا: استقرار الأسعار كهدف رئيسي للسياسة النقدية: يعد استقرار الأسعار الهدف الأساسي للسياسة النقدية في الأردن، لما للتضخم المرتفع من آثار سلبية على القوة الشرائية وتكاليف الإنتاج وثقة المستثمرين. وقد نجح الأردن في الحفاظ على معدلات تضخم معتدلة رغم موجات التضخم العالمية التي أعقبت جائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، والاضطرابات في سلاسل الامداد العالمية، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة. هذا ويعمل البنك المركزي على مراقبة مجموعة واسعة من المؤشرات، من أبرزها معدل التضخم العام والاساسي، وأسعار الغذاء والطاقة، ونمو الائتمان، والسيولة المصرفية، وتوقعات التضخم، وتطورات أسعار الفائدة العالمية خصوصا قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وعند ارتفاع الضغوط التضخمية بشكل مستدام، يلجأ البنك المركزي الأردني الى تشديد السياسة النقدية للحفاظ على استقرار الاقتصاد.
ثانيا: أسعار الفائدة ... الأداة الأكثر تأثيرا: تعد أسعار الفائدة الأداة الرئيسة للسياسة النقدية، اذ يستخدمها البنك المركزي لاحتواء التضخم عبر رفعها او الإبقاء عليها مرتفعة مما يقلل من الطلب على الاقتراض، وخفض الاستهلاك والاستثمار الممول بالديون، وتقليل الضغوط التضخمية، وتعزيز استقرار الأسعار وجاذبية الدينار. وفي المقابل، قد يلجأ البنك المركزي الى خفض أسعار الفائدة أو زيادة السيولة لتحفيز الاستثمار والنمو عند تباطؤ الاقتصاد. وترتبط قرارات الفائدة في الأردن بشكل وثيق بالسياسة النقدية الامريكية بسبب ارتباط الدينار بالدولار. وذلك حفاظا على جاذبية الأصول المقومة بالدينار ومنع خروج رؤوس الاموال.
ثالثا: استقرار سعر صرف الدينار: يعد استقرار سعر صرف الدينار أحد أعمدة السياسة النقدية الأردنية منذ عقود، اذ يرتبط الدينار بالدولار الأمريكي ضمن نظام سعر صرف ثابت، ويحقق هذا الربط مزايا اقتصادية من أبرزها الحد من تقلبات الأسعار، والحد من تقلبات أسعار المستوردات، وتعزيز الثقة لدى المستثمرين المحليين والأجانب، وتقليل مخاطر سعر الصرف على الشركات، ودعم الاستقرار المالي. لكن الحفاظ على هذا الربط يتطلب امتلاك احتياطيات أجنبية قوية، وسياسة نقدية متسقة مع التطورات العالمية، وخاصة في الولايات المتحدة. لهذا يولي البنك المركزي اهتماما كبيرا بالحفاظ على مستويات مرتفعة من الاحتياطيات الأجنبية، بما يكفي لتغطية عدة أشهر من المستوردات، وهو ما يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الصدمات الخارجية.
رابعا: إدارة السيولة في القطاع الخاص المصرفي: لا تقتصر السياسة النقدية على تحديد أسعار الفائدة، بل تشمل كذلك أدارة مستويات السيولة داخل الجهاز المصرفي، ويستخدم البنك المركزي عدة أدوات منها عمليات السوق المفتوحة، ونافذة الإيداع والاقراض، ونسب احتياطي الزامي، واتفاقيات إعادة الشراء، وشهادات الإيداع. تساعد هذ الأدوات في ضبط حجم السيولة المتداولة داخل الاقتصاد، بما يمنع حدوث اختلالات قد تؤدي الى ضغوط تضخمية او نقص في التمويل، كما يحرص البنك المركزي على ضمان بقاء الجهاز المصرفي قادرا على تمويل النشاط الاقتصادي دون تعريض الاستقرار المالي للمخاطر.
خامسا: دعم النمو الاقتصادي دون الاخلال بالاستقرار: بالرغم من ان البنك المركزي لا يستهدف النمو الاقتصادي بشكل مباشر، فإن سياساته تؤثر بصورة كبيرة في الاستثمار والاستهلاك والإنتاج. فعندما تتوافر بيئة نقدية مستقرة، يصبح المستثمر أكثر قدرة على اتخاذ قرارات طويلة الاجل، وتنخفض معدلات المخاطر، وتزداد قدرة الشركات على الحصول على التمويل. وفي المقابل فإن التشدد النقدي المبالغ فيه يؤدي الى ارتفاع تكلفة التمويل، وتباطؤ الاستثمار الخاص، وانخفاض الطلب المحلي، وتباطؤ النمو الاقتصادي. من هنا تظهر أهمية الوصول الى ما يعرف في الادبيات الاقتصادية ب ' المستوى المحايد' للسياسة النقدية، وهو المستوى الذي لا يؤدي الى تحفيز الاقتصاد بصورة مفرطة ولا الى كبحه بشكل حاد.
سادسا: الاستقرار المالي كركيزة للنمو: يضطلع البنك المركزي بمهمة المحافظة على الاستقرار المالي، بجانب السياسة النقدية، وذلك من خلال الرقابة على القطاع المصرفي وضمان متانة البنوك. ويشمل ذلك مراقبة نسب كفاية راس المال، ومتابعة نسب السيولة، وتقييم جودة المحافظ الائتمانية، واجراء اختبارات الضغط بصورة دورية، وتعزيز إدارة المخاطر والحوكمة. هذا وقد ساهمت هذه السياسات في تمكين القطاع المصرفي الأردني من الحفاظ على مستويات جيده من الملاءة والسيولة، رغم التقلبات الاقتصادية الإقليمية والعالمية.
سابعا: أبرز التحديات امام السياسة النقدية الأردنية: رغم نجاح البنك المركزي في الحفاظ على الاستقرار النقدي، فان البيئة الاقتصادية الحالية تفرض مجموعة من التحديات، أبرزها استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، وتقلب أسعار النفط والسلع الأساسية، وارتفاع أسعار الفائدة العالمية، وتأثير التوترات الجيوسياسية في المنطقة على التجارة والاستثمار، وارتفاع مستويات الدين العام. كما ان أي تغيير في توجهات السياسة النقدية الامريكية ينعكس بصورة مباشرة على خيارات البنك المركزي الأردني، نظرا لارتباط الدينار بالدولار. الخلاصة: تقوم السياسة النقدية في الأردن على تحقيق توازن بين استقرار الأسعار وسعر الصرف وتعزيز متانة القطاع المصرفي، مع دعم النمو الاقتصادي.
ويعتمد نجاحها على التنسيق مع السياسة المالية واستمرار الإصلاحات الاقتصادية، وفي المرحلة المقبلة، سيبقى البنك المركزي الأردني امام اختبار مستمر يتمثل في إدارة آثار المتغيرات العالمية مع الحفاظ على استقرار الاقتصاد المحلي، وهو ما يتطلب مرونة في استخدام أدوات السياسة النقدية، وقراءة دقيقة للمؤشرات الاقتصادية المحلية والدولية، لضمان تحقيق التوازن بين الاستقرار والنمو.
بقلم الدكتور جميل سالم الزيدانين السعودي
شهدت المؤشرات النقدية الأردنية خلال عام 2026 أداء قويّا يعكس نجاح البنك المركزي في تحقيق التوازن بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار النقدي. فقد بلغ معدل التضخم 1.88% خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، بينما ارتفعت الاحتياطيات الأجنبية الى 27.18 مليار دولار بزيادة 1.7 مليار دولار مقارنة بنهاية عام 2025، بما يغطي نحو 9.5 أشهر من الاستيرادات الأردنية. وتعد هذه النسبة أعلى من المعايير الدولية المتعارف عليها التي تعتبر تغطية ثلاثة أشهر من الواردات حدّا أدنى للأمان، الأمر الذي يعزز استقرار سعر صرف الدينار وقدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات والصدمات الخارجية. ويرفع ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية. كما أبقى البنك المركزي سعر الفائدة الرئيسي عند 5.75% في يونيو 2026، مع تثبيت أسعار الفائدة على بقية أدوات السياسة النقدية. ويعكس هذا القرار نهجا حذرا يوازن بين احتواء التضخم وعدم فرض مزيدا من الضغوط على تكلفة التمويل والاستثمار من جهة أخرى. كما يأتي القرار في إطار المحافظة على جاذبية الدينار في ظل ارتباطه بالدولار الأمريكي، وما ينسجم مع تطورات السياسة النقدية العالمية. وفي الوقت نفسه، واصل القطاع المصرفي التمتع بمستويات قوية من السيولة والملاءة، مدعوما بإجراءات تمويلية بلغت 760 مليون دينار، أسهمت في تعزيز الائتمان والأنشطة الاقتصادية دون الاخلال بالاستقرار المالي، وهذا يعكس سياسة تستهدف دعم الاستثمار والإنتاج مع تجنب تكوين فقاعات ائتمانية او ضغوطا تضخمية إضافية، وبفضل هذه السياسات التي تعتمد على حزمة متكاملة من الأدوات تشمل إدارة أسعار الفائدة، والمحافظة على احتياطيات قوية من العملات الأجنبية، وضبط مستويات السيولة، وتعزيز متانة القطاع المصرفي، وقد أسهم هذا النهج في تحقيق نمو اقتصادي حقيقي بلغ 2.93% في الربع الأول من عام 2026، مع الحفاظ على معدلات تضخم واستقرار مالي معتدلة، وهو ما يعكس نجاح البنك المركزي في تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو الاقتصادي وحماية الاستقرار النقدي.
تعد السياسة النقدية في الأردن ركيزة أساسية لإدارة الاقتصاد، حيث يسعى البنك المركزي الى تحقيق التوازن بين الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي ودعم النمو الاقتصادي والاستثمار. وتزداد أهمية هذا الدور في ظل اقتصاد مفتوح يعتمد على الاستيراد، ويرتبط سعر صرف الدينار بالدولار الأمريكي، الى جانب مواجهة تحديات خارجية مثل تقلبات أسعار الطاقة والغذاء، والتوترات الجيوسياسية وتشدد السياسات النقدية العالمية. ولا يقتصر دور البنك المركزي على مكافحة التضخم، بل يشمل أيضا الحفاظ على استقرار سعر الصرف، وتعزيز متانة القطاع المصرفي، وضمان توافر السيولة، والمحافظة على احتياطيات أجنبية كافية لدعم الاستقرار الاقتصادي.
أولا: استقرار الأسعار كهدف رئيسي للسياسة النقدية: يعد استقرار الأسعار الهدف الأساسي للسياسة النقدية في الأردن، لما للتضخم المرتفع من آثار سلبية على القوة الشرائية وتكاليف الإنتاج وثقة المستثمرين. وقد نجح الأردن في الحفاظ على معدلات تضخم معتدلة رغم موجات التضخم العالمية التي أعقبت جائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، والاضطرابات في سلاسل الامداد العالمية، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة. هذا ويعمل البنك المركزي على مراقبة مجموعة واسعة من المؤشرات، من أبرزها معدل التضخم العام والاساسي، وأسعار الغذاء والطاقة، ونمو الائتمان، والسيولة المصرفية، وتوقعات التضخم، وتطورات أسعار الفائدة العالمية خصوصا قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وعند ارتفاع الضغوط التضخمية بشكل مستدام، يلجأ البنك المركزي الأردني الى تشديد السياسة النقدية للحفاظ على استقرار الاقتصاد.
ثانيا: أسعار الفائدة ... الأداة الأكثر تأثيرا: تعد أسعار الفائدة الأداة الرئيسة للسياسة النقدية، اذ يستخدمها البنك المركزي لاحتواء التضخم عبر رفعها او الإبقاء عليها مرتفعة مما يقلل من الطلب على الاقتراض، وخفض الاستهلاك والاستثمار الممول بالديون، وتقليل الضغوط التضخمية، وتعزيز استقرار الأسعار وجاذبية الدينار. وفي المقابل، قد يلجأ البنك المركزي الى خفض أسعار الفائدة أو زيادة السيولة لتحفيز الاستثمار والنمو عند تباطؤ الاقتصاد. وترتبط قرارات الفائدة في الأردن بشكل وثيق بالسياسة النقدية الامريكية بسبب ارتباط الدينار بالدولار. وذلك حفاظا على جاذبية الأصول المقومة بالدينار ومنع خروج رؤوس الاموال.
ثالثا: استقرار سعر صرف الدينار: يعد استقرار سعر صرف الدينار أحد أعمدة السياسة النقدية الأردنية منذ عقود، اذ يرتبط الدينار بالدولار الأمريكي ضمن نظام سعر صرف ثابت، ويحقق هذا الربط مزايا اقتصادية من أبرزها الحد من تقلبات الأسعار، والحد من تقلبات أسعار المستوردات، وتعزيز الثقة لدى المستثمرين المحليين والأجانب، وتقليل مخاطر سعر الصرف على الشركات، ودعم الاستقرار المالي. لكن الحفاظ على هذا الربط يتطلب امتلاك احتياطيات أجنبية قوية، وسياسة نقدية متسقة مع التطورات العالمية، وخاصة في الولايات المتحدة. لهذا يولي البنك المركزي اهتماما كبيرا بالحفاظ على مستويات مرتفعة من الاحتياطيات الأجنبية، بما يكفي لتغطية عدة أشهر من المستوردات، وهو ما يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الصدمات الخارجية.
رابعا: إدارة السيولة في القطاع الخاص المصرفي: لا تقتصر السياسة النقدية على تحديد أسعار الفائدة، بل تشمل كذلك أدارة مستويات السيولة داخل الجهاز المصرفي، ويستخدم البنك المركزي عدة أدوات منها عمليات السوق المفتوحة، ونافذة الإيداع والاقراض، ونسب احتياطي الزامي، واتفاقيات إعادة الشراء، وشهادات الإيداع. تساعد هذ الأدوات في ضبط حجم السيولة المتداولة داخل الاقتصاد، بما يمنع حدوث اختلالات قد تؤدي الى ضغوط تضخمية او نقص في التمويل، كما يحرص البنك المركزي على ضمان بقاء الجهاز المصرفي قادرا على تمويل النشاط الاقتصادي دون تعريض الاستقرار المالي للمخاطر.
خامسا: دعم النمو الاقتصادي دون الاخلال بالاستقرار: بالرغم من ان البنك المركزي لا يستهدف النمو الاقتصادي بشكل مباشر، فإن سياساته تؤثر بصورة كبيرة في الاستثمار والاستهلاك والإنتاج. فعندما تتوافر بيئة نقدية مستقرة، يصبح المستثمر أكثر قدرة على اتخاذ قرارات طويلة الاجل، وتنخفض معدلات المخاطر، وتزداد قدرة الشركات على الحصول على التمويل. وفي المقابل فإن التشدد النقدي المبالغ فيه يؤدي الى ارتفاع تكلفة التمويل، وتباطؤ الاستثمار الخاص، وانخفاض الطلب المحلي، وتباطؤ النمو الاقتصادي. من هنا تظهر أهمية الوصول الى ما يعرف في الادبيات الاقتصادية ب ' المستوى المحايد' للسياسة النقدية، وهو المستوى الذي لا يؤدي الى تحفيز الاقتصاد بصورة مفرطة ولا الى كبحه بشكل حاد.
سادسا: الاستقرار المالي كركيزة للنمو: يضطلع البنك المركزي بمهمة المحافظة على الاستقرار المالي، بجانب السياسة النقدية، وذلك من خلال الرقابة على القطاع المصرفي وضمان متانة البنوك. ويشمل ذلك مراقبة نسب كفاية راس المال، ومتابعة نسب السيولة، وتقييم جودة المحافظ الائتمانية، واجراء اختبارات الضغط بصورة دورية، وتعزيز إدارة المخاطر والحوكمة. هذا وقد ساهمت هذه السياسات في تمكين القطاع المصرفي الأردني من الحفاظ على مستويات جيده من الملاءة والسيولة، رغم التقلبات الاقتصادية الإقليمية والعالمية.
سابعا: أبرز التحديات امام السياسة النقدية الأردنية: رغم نجاح البنك المركزي في الحفاظ على الاستقرار النقدي، فان البيئة الاقتصادية الحالية تفرض مجموعة من التحديات، أبرزها استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، وتقلب أسعار النفط والسلع الأساسية، وارتفاع أسعار الفائدة العالمية، وتأثير التوترات الجيوسياسية في المنطقة على التجارة والاستثمار، وارتفاع مستويات الدين العام. كما ان أي تغيير في توجهات السياسة النقدية الامريكية ينعكس بصورة مباشرة على خيارات البنك المركزي الأردني، نظرا لارتباط الدينار بالدولار. الخلاصة: تقوم السياسة النقدية في الأردن على تحقيق توازن بين استقرار الأسعار وسعر الصرف وتعزيز متانة القطاع المصرفي، مع دعم النمو الاقتصادي.
ويعتمد نجاحها على التنسيق مع السياسة المالية واستمرار الإصلاحات الاقتصادية، وفي المرحلة المقبلة، سيبقى البنك المركزي الأردني امام اختبار مستمر يتمثل في إدارة آثار المتغيرات العالمية مع الحفاظ على استقرار الاقتصاد المحلي، وهو ما يتطلب مرونة في استخدام أدوات السياسة النقدية، وقراءة دقيقة للمؤشرات الاقتصادية المحلية والدولية، لضمان تحقيق التوازن بين الاستقرار والنمو.
التعليقات