تتأكّد في كلّ يوم مقولة الأديب الكبير نجيب محفوظ، وهي أن 'عصر القلم قد مات وبدأ عصر كرة القدم' الأكثر استقطابا وشيوعا في العالم، هذه اللعبة ذات الأثر الجماهيريّ على مستوى الدّول والأفراد، وتحكّمت في مصايرهم على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسيّة كافّة، بل أضحت مقياس تقدّمِ الشّعوب، وعنوان نهضتها وَفق هذا الزّعم.
لقد وقف أربابُ القلمِ وأصحابُ الإبداع والتأليف، وجمهرة المُفكرين والعلماء مشدوهين مذهولين، وهم على حافة حُفرة الانهدام الثقافي والحضاريّ ينظرون إلى أصحاب الأقدام الذهبيّة وحتى النحاسية منها، وهم يطاردون قطعة جلديّة مُلونة تثيرُ العيونَ والجيوب، وتستحلب في ساعة واحدة ما يُغطّي مساحات العَوز والفاقة ونقص الخدمات الصحيّة والتعليميّة في بقاع شتّى على الكرة الأرضيّة. وَجَنت من الشُّهرة والمال أكثر بكثير ممّا دبّجه المتنبي في مدحياته والحمداني في رومياتِه والخوارزمي في خوارزمياته والرازي في طبيّاتِه، وابن الهيثم في بَصَرياته.
لقد قَلبت كُرة القدم موازينَ العقل والعقلاءِ في هذا العصر الرأسماليّ المُتوحش، الذي لا يؤمن إلا بعوائد السوق والدولار، وهو الرأي السائد حسب قانون (شُبّاك التذاكر عاوز كِده) لذا، لا عجب أن نرى الأقدام انكفأت رؤوسا، والأقلام أضحت حطبا فَجمرا مُتّقدا في أتون عجزنا الثقافي وارتكاسنا العلمي والتكنولوجي وذبول إرثنا الحضاريّ. أحقّاً.. أمات من علّمهم اللهُ بالقلم؟! وحلّت بهم هزيمةُ فريقِهم العجوز في أولى مبارياتِه، فخرج مدحورا من دور ال(32) دون أن يُحرزَ هدفًا قوميّا واحدًا أمام خصمه الثّعلب، الذي هزّ شباكَه، وأفشى خُطط مدربيه التقليديّة في جميع مبارياتِه (الودية) والدوليّة، وأحرق مكتبته و سجلاتِه ومجلداتِه وأدبياتِه(الكرويّة) ومجامع لغته، ومعاجمه، وتراثه العريق، وأطنان أوراقه على طريقة خروج المغلوب من الجولة الأولى؟!!
حتما سنصاب بقشعريرة ثقافيّة إن نحنُ عَقدنا مقارنة، ولو من قبيل النرجسيّة القوميّة بين أصحاب الأقلام، وذوي وذوات السيقان والأقدام في عصر اهتزت فيه القِيم والأفهام، مثلما اهتزت في ملاهيه الخصور والأقدام، وتموجات الصّدور والأجسام! هل المقارنةُ عادلة هذه الأيام بين المَعري الذي مات (على الحصير وكوز الماء في يده وبين رفوف كتبه) و(ميسي) الذي يعرف شبابُنا عنه كلّ شيء من رقم حذائه إلى وجبة غدائه ونستذكر، والحالة هذه، قول الجواهري مُتحسّرا على حالة الأدب والأدباء في عصره فكيف لو كان بيننا: قِف بالمَعرّة وامسح خَدّها التّرِبا واستوحِ من طوّق الدُّنيا بِما وَهبا وإنّ للعبقري الفذّ واحـــــــــــــــدةً إمّا الخلـــــــــــــــــــود وإمّا المال والنّشبا وللكآبة ألوانٌ....وأفجعها أن تُبصرَ الفيلسوفَ الحُرَّ مُكتئبا كيف للقلم أن ينهضَ من كبوته؟ وكيف للأوراق أن يسيل لعابها؟ ونحن لا نحتفي بهما ولو مرّة واحدة في العام؟ كما نحتفي باستقبال (نجوم) الكرة العائدين ليس من الميدان، بل العائدين من المونديال ؟ مَن منّا فكّر أن يستقبل مُفكرا أو أديبا أو مترجما أو حائزا على جوائز أدبيّة عالمية أو متسابقا قد ذاع صيته في مسابقات حفظ القرآن الكريم ؟... مَن منّا أجرى لقاءً جادّا غير برنامج (يسعد صباحك) وشبابنا نومى مع واحد من علماء الرياضيات التطبيقية والمرشح لجائزة نوبل في الفيزياء، أو سلطنا أضواء عدساتنا على مَن فاز بجائزة البوكر العربية في الرواية على سبيل المثال؟! والسُّؤال الواخز حدّ الوجع أترُكه للقارئ الكريم، وهو ما حجم الإنفاق على البحث العلمي والمشاريع الرياديّة الحقيقيّة، ومبيعات الكتب في جامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية ؟! الحضارةُ لا تُبنى بالشّعارات ولا بالاحتفالات ولا بالمنصات ولا بفوضى الشاشات ولا بالمحتويات الإعلامية والإعلانية السّاذجة والطّائشة على شاشات الجوالات ولا بارتداء (التيشيرتات) من السّوق السّوداء '.. فأمّا الزّبد فيذهبُ جُفاءً وأمّا ما ينفعُ النّاس فيمكثُ في الأرض..' صدق الله العظيم
تتأكّد في كلّ يوم مقولة الأديب الكبير نجيب محفوظ، وهي أن 'عصر القلم قد مات وبدأ عصر كرة القدم' الأكثر استقطابا وشيوعا في العالم، هذه اللعبة ذات الأثر الجماهيريّ على مستوى الدّول والأفراد، وتحكّمت في مصايرهم على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسيّة كافّة، بل أضحت مقياس تقدّمِ الشّعوب، وعنوان نهضتها وَفق هذا الزّعم.
لقد وقف أربابُ القلمِ وأصحابُ الإبداع والتأليف، وجمهرة المُفكرين والعلماء مشدوهين مذهولين، وهم على حافة حُفرة الانهدام الثقافي والحضاريّ ينظرون إلى أصحاب الأقدام الذهبيّة وحتى النحاسية منها، وهم يطاردون قطعة جلديّة مُلونة تثيرُ العيونَ والجيوب، وتستحلب في ساعة واحدة ما يُغطّي مساحات العَوز والفاقة ونقص الخدمات الصحيّة والتعليميّة في بقاع شتّى على الكرة الأرضيّة. وَجَنت من الشُّهرة والمال أكثر بكثير ممّا دبّجه المتنبي في مدحياته والحمداني في رومياتِه والخوارزمي في خوارزمياته والرازي في طبيّاتِه، وابن الهيثم في بَصَرياته.
لقد قَلبت كُرة القدم موازينَ العقل والعقلاءِ في هذا العصر الرأسماليّ المُتوحش، الذي لا يؤمن إلا بعوائد السوق والدولار، وهو الرأي السائد حسب قانون (شُبّاك التذاكر عاوز كِده) لذا، لا عجب أن نرى الأقدام انكفأت رؤوسا، والأقلام أضحت حطبا فَجمرا مُتّقدا في أتون عجزنا الثقافي وارتكاسنا العلمي والتكنولوجي وذبول إرثنا الحضاريّ. أحقّاً.. أمات من علّمهم اللهُ بالقلم؟! وحلّت بهم هزيمةُ فريقِهم العجوز في أولى مبارياتِه، فخرج مدحورا من دور ال(32) دون أن يُحرزَ هدفًا قوميّا واحدًا أمام خصمه الثّعلب، الذي هزّ شباكَه، وأفشى خُطط مدربيه التقليديّة في جميع مبارياتِه (الودية) والدوليّة، وأحرق مكتبته و سجلاتِه ومجلداتِه وأدبياتِه(الكرويّة) ومجامع لغته، ومعاجمه، وتراثه العريق، وأطنان أوراقه على طريقة خروج المغلوب من الجولة الأولى؟!!
حتما سنصاب بقشعريرة ثقافيّة إن نحنُ عَقدنا مقارنة، ولو من قبيل النرجسيّة القوميّة بين أصحاب الأقلام، وذوي وذوات السيقان والأقدام في عصر اهتزت فيه القِيم والأفهام، مثلما اهتزت في ملاهيه الخصور والأقدام، وتموجات الصّدور والأجسام! هل المقارنةُ عادلة هذه الأيام بين المَعري الذي مات (على الحصير وكوز الماء في يده وبين رفوف كتبه) و(ميسي) الذي يعرف شبابُنا عنه كلّ شيء من رقم حذائه إلى وجبة غدائه ونستذكر، والحالة هذه، قول الجواهري مُتحسّرا على حالة الأدب والأدباء في عصره فكيف لو كان بيننا: قِف بالمَعرّة وامسح خَدّها التّرِبا واستوحِ من طوّق الدُّنيا بِما وَهبا وإنّ للعبقري الفذّ واحـــــــــــــــدةً إمّا الخلـــــــــــــــــــود وإمّا المال والنّشبا وللكآبة ألوانٌ....وأفجعها أن تُبصرَ الفيلسوفَ الحُرَّ مُكتئبا كيف للقلم أن ينهضَ من كبوته؟ وكيف للأوراق أن يسيل لعابها؟ ونحن لا نحتفي بهما ولو مرّة واحدة في العام؟ كما نحتفي باستقبال (نجوم) الكرة العائدين ليس من الميدان، بل العائدين من المونديال ؟ مَن منّا فكّر أن يستقبل مُفكرا أو أديبا أو مترجما أو حائزا على جوائز أدبيّة عالمية أو متسابقا قد ذاع صيته في مسابقات حفظ القرآن الكريم ؟... مَن منّا أجرى لقاءً جادّا غير برنامج (يسعد صباحك) وشبابنا نومى مع واحد من علماء الرياضيات التطبيقية والمرشح لجائزة نوبل في الفيزياء، أو سلطنا أضواء عدساتنا على مَن فاز بجائزة البوكر العربية في الرواية على سبيل المثال؟! والسُّؤال الواخز حدّ الوجع أترُكه للقارئ الكريم، وهو ما حجم الإنفاق على البحث العلمي والمشاريع الرياديّة الحقيقيّة، ومبيعات الكتب في جامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية ؟! الحضارةُ لا تُبنى بالشّعارات ولا بالاحتفالات ولا بالمنصات ولا بفوضى الشاشات ولا بالمحتويات الإعلامية والإعلانية السّاذجة والطّائشة على شاشات الجوالات ولا بارتداء (التيشيرتات) من السّوق السّوداء '.. فأمّا الزّبد فيذهبُ جُفاءً وأمّا ما ينفعُ النّاس فيمكثُ في الأرض..' صدق الله العظيم
تتأكّد في كلّ يوم مقولة الأديب الكبير نجيب محفوظ، وهي أن 'عصر القلم قد مات وبدأ عصر كرة القدم' الأكثر استقطابا وشيوعا في العالم، هذه اللعبة ذات الأثر الجماهيريّ على مستوى الدّول والأفراد، وتحكّمت في مصايرهم على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسيّة كافّة، بل أضحت مقياس تقدّمِ الشّعوب، وعنوان نهضتها وَفق هذا الزّعم.
لقد وقف أربابُ القلمِ وأصحابُ الإبداع والتأليف، وجمهرة المُفكرين والعلماء مشدوهين مذهولين، وهم على حافة حُفرة الانهدام الثقافي والحضاريّ ينظرون إلى أصحاب الأقدام الذهبيّة وحتى النحاسية منها، وهم يطاردون قطعة جلديّة مُلونة تثيرُ العيونَ والجيوب، وتستحلب في ساعة واحدة ما يُغطّي مساحات العَوز والفاقة ونقص الخدمات الصحيّة والتعليميّة في بقاع شتّى على الكرة الأرضيّة. وَجَنت من الشُّهرة والمال أكثر بكثير ممّا دبّجه المتنبي في مدحياته والحمداني في رومياتِه والخوارزمي في خوارزمياته والرازي في طبيّاتِه، وابن الهيثم في بَصَرياته.
لقد قَلبت كُرة القدم موازينَ العقل والعقلاءِ في هذا العصر الرأسماليّ المُتوحش، الذي لا يؤمن إلا بعوائد السوق والدولار، وهو الرأي السائد حسب قانون (شُبّاك التذاكر عاوز كِده) لذا، لا عجب أن نرى الأقدام انكفأت رؤوسا، والأقلام أضحت حطبا فَجمرا مُتّقدا في أتون عجزنا الثقافي وارتكاسنا العلمي والتكنولوجي وذبول إرثنا الحضاريّ. أحقّاً.. أمات من علّمهم اللهُ بالقلم؟! وحلّت بهم هزيمةُ فريقِهم العجوز في أولى مبارياتِه، فخرج مدحورا من دور ال(32) دون أن يُحرزَ هدفًا قوميّا واحدًا أمام خصمه الثّعلب، الذي هزّ شباكَه، وأفشى خُطط مدربيه التقليديّة في جميع مبارياتِه (الودية) والدوليّة، وأحرق مكتبته و سجلاتِه ومجلداتِه وأدبياتِه(الكرويّة) ومجامع لغته، ومعاجمه، وتراثه العريق، وأطنان أوراقه على طريقة خروج المغلوب من الجولة الأولى؟!!
حتما سنصاب بقشعريرة ثقافيّة إن نحنُ عَقدنا مقارنة، ولو من قبيل النرجسيّة القوميّة بين أصحاب الأقلام، وذوي وذوات السيقان والأقدام في عصر اهتزت فيه القِيم والأفهام، مثلما اهتزت في ملاهيه الخصور والأقدام، وتموجات الصّدور والأجسام! هل المقارنةُ عادلة هذه الأيام بين المَعري الذي مات (على الحصير وكوز الماء في يده وبين رفوف كتبه) و(ميسي) الذي يعرف شبابُنا عنه كلّ شيء من رقم حذائه إلى وجبة غدائه ونستذكر، والحالة هذه، قول الجواهري مُتحسّرا على حالة الأدب والأدباء في عصره فكيف لو كان بيننا: قِف بالمَعرّة وامسح خَدّها التّرِبا واستوحِ من طوّق الدُّنيا بِما وَهبا وإنّ للعبقري الفذّ واحـــــــــــــــدةً إمّا الخلـــــــــــــــــــود وإمّا المال والنّشبا وللكآبة ألوانٌ....وأفجعها أن تُبصرَ الفيلسوفَ الحُرَّ مُكتئبا كيف للقلم أن ينهضَ من كبوته؟ وكيف للأوراق أن يسيل لعابها؟ ونحن لا نحتفي بهما ولو مرّة واحدة في العام؟ كما نحتفي باستقبال (نجوم) الكرة العائدين ليس من الميدان، بل العائدين من المونديال ؟ مَن منّا فكّر أن يستقبل مُفكرا أو أديبا أو مترجما أو حائزا على جوائز أدبيّة عالمية أو متسابقا قد ذاع صيته في مسابقات حفظ القرآن الكريم ؟... مَن منّا أجرى لقاءً جادّا غير برنامج (يسعد صباحك) وشبابنا نومى مع واحد من علماء الرياضيات التطبيقية والمرشح لجائزة نوبل في الفيزياء، أو سلطنا أضواء عدساتنا على مَن فاز بجائزة البوكر العربية في الرواية على سبيل المثال؟! والسُّؤال الواخز حدّ الوجع أترُكه للقارئ الكريم، وهو ما حجم الإنفاق على البحث العلمي والمشاريع الرياديّة الحقيقيّة، ومبيعات الكتب في جامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية ؟! الحضارةُ لا تُبنى بالشّعارات ولا بالاحتفالات ولا بالمنصات ولا بفوضى الشاشات ولا بالمحتويات الإعلامية والإعلانية السّاذجة والطّائشة على شاشات الجوالات ولا بارتداء (التيشيرتات) من السّوق السّوداء '.. فأمّا الزّبد فيذهبُ جُفاءً وأمّا ما ينفعُ النّاس فيمكثُ في الأرض..' صدق الله العظيم
التعليقات