كان من عادتي بعد وصولي لمملكة النشامى أن أزور بيتنا القديم في قرية كفرهودا، أو 'قمصون' كما كان جدي حسين الفلاح يحب أن يسميها، كنت أختلس الذهاب وحيدًا، أناظر بيتنا القديم المتربع على سفح الجبل ثم أمضي. لكنَ الزيارة هذه المرة مختلفةٌ، أجواءُ الربيع المشبعة بالبرودة اللّطيفة، والصحبةُ على غير العادة، فقد رافقتني ابنتي زينة.
كنت أتقصد هذه الرفقة لأحكي لها عن تفاصيل نشأتي، فبعض أهدافي في الحياة أن أصنع مع أبنائي ذكرياتٍ خاصةً ربما يذكرونني بها في سنواتٍ لاحقة. أوقفت السّيارة جانب الطريق، وتوجهنا نحو البوابة الحديديّة التي بُني بجانبها غرفةٌ لحارس المزرعة، لم تكن البوابة ولا منزل الحارس موجودين قبل خمس وعشرين عامًا، عندما كانت ملكية البيت تعود لأبي رحمه الله. بدا الحارس غايةً في اللّطف واللّياقة، لعله قد تلقى تعليمات مسبقة من المالك الجديد بالسماح لزوار المكان من عائلتنا بالدخول أو أنه رأى بريق الشّوق في عينيّ فرحب بالزيارة.
فُتحت البوابةُ ومشينا صعودًا في الطريق للوصول إلى البيت، توقفت عند حافة 'الحُوش'، أرضيةٌ خرسانيّةٌ ملساء، كنت وأخي الأكبر قد أنهينا العمل فيها بعد انتقالنا إلى هذا البيت بأشهر منتصف الثمانينيات، كل شيء كما هو، 'معرش الدوالي'، شجرة التين، شجيرات الورد الجوري، سرير أبي أسفل الشجرة، أمي تجلس على الكرسي، وأبي يتكىء على وسادتين، وأنا بجانبهما أتحدث، كانت أصواتنا مسموعة؛ محمد أخي الصغير يمتطي صهوة دراجته الحديدية ذات العجلات المساعدة، الصغيرة فاطمة ذات الأربع سنوات قادمةٌ وبيدها عنود عنب لم ينضج بعد وتقول حُلُّم لأمين 'حصرم' فتنفجر الضحكات.
أسمع الضحكات، وأرى نفسي وقد وضعتها في حجري لأوفر لها الحماية بعد جُرم قطف عناقيد العنب، في الحقيقة لم تكن لتتلقى أكثر من عتابٍ ناعمٍ من أمي، وعظة صغيرة من أبي، فهي طفلتهم المدللة التي جاءت إلى الدنيا بعد المشيب. توجهت إلى باب البيت الرئيس، أمسكت بمقبضة الذهبي ودخلت، توقفت فور دخولي لأشعر ببرودة المكان، فقد كان هذا الممر المكان الأكثر برودة في البيت، وهو المكان الأنسب للجلوس وقت الظهيرة عند اشتداد القيظ، تذكرت عندما دخلت هذا الممر في سنواتٍ سابقةٍ حيث شعرت بدفئ المكان على غير حقيقته، وقتها كنتُ في حالة تجمدٍ حقيقية، كنت طالبًا في الماجستير وقد أغلقت الثلوج الطرق في عمان، ولا سبيل للعودة للبيت إلا مشيًا على الأقدام في مسيرة تجاوزت التسع ساعات، شعرت ساعتها بأنه المكان الأكثر دفئًا في العالم.
صعدت الدرجات الثلاث لأقف حائرًا أين أدخل؟ هل أتوجه إلى اليمين فادخل غرفة المعيشة الصغيرة وغرف النوم؟ أم أتوجه يسارًا فألج مجلس الضيوف؟ وها أنا أجد نفسي في غرفة المعيشة أشاهد إخوتي يحتضنون 'صوبة البواري' المشتعلة في الشتاء، يحمصون الخبز المدهّن بالزيت والزعتر، كانوا جميعًا صغارًا، يتحلقون تلفزيونًا مدببًا أحمر، يشاهدون بعيون لا ترمش مسلسل الأطفال 'سالي'، الفتاة الصغيرة التي تعيش الاضطهاد.
رجعت عائدًا إلى مجلس الضيوف؛ رأيت نفسي وأنا أمسك كتاب التاريخ، أمشي ذهابًا وجيئةً داخل الغرفة أقرأ وأردد ما قرأت، كانت تلك الطريقة المُجهدة هي الوسيلة الوحيدة لديّ للحفظ، ابتسمت فعناد ذاكرتي الآن له جذور سابقة مع مادة التاريخ. في الحقيقة كان قرار تغيير المسار الأكاديمي من المسار العلمي إلى المسار الأدبي في الثانوية العامة نتيجة رغبةٍ شعرتها من أبي ظنًا منه أنني سأحصل على معدل أعلى يُمكنني من الدخول إلى جامعة مؤتة في الجناح العسكري.
وهذا مالم يحصل في سنوات لاحقة. تمعّنت النّظر في نفسي وأنا في غرفة الضيوف؛ شابٌ يافعٌ لم أتجاوز الثامنة عشرة، بشعر كثيف مجعد، وشارب مخطوط بشعيرات تشبه زغب أفراخ الدجاج، يالله كم أني لا أشبه نفسي الآن. خرجت من باب البيت لأتفقد الدّجاجات، شعرت أن كل شيءٍ يعرفني؛ حجارة المكان، المغارة المحفورة، تينة أمي 'السواديّة'، شتلات البندورة، رؤوس الزهرة البلدية، ثمار اليقطين. وقفت أطالع الأفق، رأيت أغنام سلامة الهباشين ترعاهما ابنتاه، سنابل القمح تتمايل مع كل نسيم. ثمة رائحةٍ أعرفها تتسلسل إلى وجداني. فجأه لوح أبي بيده لتحية سائق باص كفرهودا أبو فلاح، مطلقا عبارة 'حَوّل جاي'.
كان أبو فلاح لا يتوانى عن تلبيه دعوات شرب الشاي في بيوتات أهل المنطقة المتناثرة على مدى خط سير الحافلة، رفعت يدي أيضا لتحية أبوفلاح. فجأة أحسست بيد صغيرة تنزل يدي. 'بابا بكفي'. أخذت زينة تقودني إلى السّيارة مرة أخرى، كنت أمشي مثل طفل صغير يحبو على أرض زلقة. عرفت لاحقًا أني تسمّرت عند حافة 'الحوش' الأرضيّةُ الخرسانيّةُ الملساء التي أنهيت انا وأخي الأكبر تسويتها بعد قدومنا الى هذا البيت بأشهر منتصف الثمانينيات. لم أخطُ خطوةً واحدة داخل البيت، ولم تنبس شفتاي بكلمةٍ واحدة.
كانت مشاهدُ الماضي وشريطُ الذكريات تمر أمامي دون وعي، كانت لحظاتٌ قدسيةٌ حقيقيةٌ عشتها بعيونٍ زائغةٍ تنهمرُ منها الدّموع. شعرت بحارس المزرعة يغلق الباب الحديديّ؛ فاطمأن قلبي، فبعض الذكريات لا يجب أن تغادر المكان الذي تنتمي إليه. ركبنا السّيارة وانتظرت حتى هدأت سرائري، وقبل الشّروع في طريق العودة، تذكرت روبرتو دي نيرو عندما قال: 'لا تعد إلى المكان الذي كنت فيه سعيدًا يومًا ما، فذلك فخٌ من فخاخ الحنين... كلّ شيء قد تغيّر، ولن يكون كما كان، حتى أنت. لا تحاول أن تبحث عن نفس الوجوه، ولا نفس الأمكنة. فالزمن لئيم، وقد تواطأ على هدم ما جعلك سعيدًا ذات يوم. لا تعد... احتفظ بذلك الزمن في ذاكرتك كما كان، نقيًا، كاملًا. لكن لا تعُد إليه'. .....
كان من عادتي بعد وصولي لمملكة النشامى أن أزور بيتنا القديم في قرية كفرهودا، أو 'قمصون' كما كان جدي حسين الفلاح يحب أن يسميها، كنت أختلس الذهاب وحيدًا، أناظر بيتنا القديم المتربع على سفح الجبل ثم أمضي. لكنَ الزيارة هذه المرة مختلفةٌ، أجواءُ الربيع المشبعة بالبرودة اللّطيفة، والصحبةُ على غير العادة، فقد رافقتني ابنتي زينة.
كنت أتقصد هذه الرفقة لأحكي لها عن تفاصيل نشأتي، فبعض أهدافي في الحياة أن أصنع مع أبنائي ذكرياتٍ خاصةً ربما يذكرونني بها في سنواتٍ لاحقة. أوقفت السّيارة جانب الطريق، وتوجهنا نحو البوابة الحديديّة التي بُني بجانبها غرفةٌ لحارس المزرعة، لم تكن البوابة ولا منزل الحارس موجودين قبل خمس وعشرين عامًا، عندما كانت ملكية البيت تعود لأبي رحمه الله. بدا الحارس غايةً في اللّطف واللّياقة، لعله قد تلقى تعليمات مسبقة من المالك الجديد بالسماح لزوار المكان من عائلتنا بالدخول أو أنه رأى بريق الشّوق في عينيّ فرحب بالزيارة.
فُتحت البوابةُ ومشينا صعودًا في الطريق للوصول إلى البيت، توقفت عند حافة 'الحُوش'، أرضيةٌ خرسانيّةٌ ملساء، كنت وأخي الأكبر قد أنهينا العمل فيها بعد انتقالنا إلى هذا البيت بأشهر منتصف الثمانينيات، كل شيء كما هو، 'معرش الدوالي'، شجرة التين، شجيرات الورد الجوري، سرير أبي أسفل الشجرة، أمي تجلس على الكرسي، وأبي يتكىء على وسادتين، وأنا بجانبهما أتحدث، كانت أصواتنا مسموعة؛ محمد أخي الصغير يمتطي صهوة دراجته الحديدية ذات العجلات المساعدة، الصغيرة فاطمة ذات الأربع سنوات قادمةٌ وبيدها عنود عنب لم ينضج بعد وتقول حُلُّم لأمين 'حصرم' فتنفجر الضحكات.
أسمع الضحكات، وأرى نفسي وقد وضعتها في حجري لأوفر لها الحماية بعد جُرم قطف عناقيد العنب، في الحقيقة لم تكن لتتلقى أكثر من عتابٍ ناعمٍ من أمي، وعظة صغيرة من أبي، فهي طفلتهم المدللة التي جاءت إلى الدنيا بعد المشيب. توجهت إلى باب البيت الرئيس، أمسكت بمقبضة الذهبي ودخلت، توقفت فور دخولي لأشعر ببرودة المكان، فقد كان هذا الممر المكان الأكثر برودة في البيت، وهو المكان الأنسب للجلوس وقت الظهيرة عند اشتداد القيظ، تذكرت عندما دخلت هذا الممر في سنواتٍ سابقةٍ حيث شعرت بدفئ المكان على غير حقيقته، وقتها كنتُ في حالة تجمدٍ حقيقية، كنت طالبًا في الماجستير وقد أغلقت الثلوج الطرق في عمان، ولا سبيل للعودة للبيت إلا مشيًا على الأقدام في مسيرة تجاوزت التسع ساعات، شعرت ساعتها بأنه المكان الأكثر دفئًا في العالم.
صعدت الدرجات الثلاث لأقف حائرًا أين أدخل؟ هل أتوجه إلى اليمين فادخل غرفة المعيشة الصغيرة وغرف النوم؟ أم أتوجه يسارًا فألج مجلس الضيوف؟ وها أنا أجد نفسي في غرفة المعيشة أشاهد إخوتي يحتضنون 'صوبة البواري' المشتعلة في الشتاء، يحمصون الخبز المدهّن بالزيت والزعتر، كانوا جميعًا صغارًا، يتحلقون تلفزيونًا مدببًا أحمر، يشاهدون بعيون لا ترمش مسلسل الأطفال 'سالي'، الفتاة الصغيرة التي تعيش الاضطهاد.
رجعت عائدًا إلى مجلس الضيوف؛ رأيت نفسي وأنا أمسك كتاب التاريخ، أمشي ذهابًا وجيئةً داخل الغرفة أقرأ وأردد ما قرأت، كانت تلك الطريقة المُجهدة هي الوسيلة الوحيدة لديّ للحفظ، ابتسمت فعناد ذاكرتي الآن له جذور سابقة مع مادة التاريخ. في الحقيقة كان قرار تغيير المسار الأكاديمي من المسار العلمي إلى المسار الأدبي في الثانوية العامة نتيجة رغبةٍ شعرتها من أبي ظنًا منه أنني سأحصل على معدل أعلى يُمكنني من الدخول إلى جامعة مؤتة في الجناح العسكري.
وهذا مالم يحصل في سنوات لاحقة. تمعّنت النّظر في نفسي وأنا في غرفة الضيوف؛ شابٌ يافعٌ لم أتجاوز الثامنة عشرة، بشعر كثيف مجعد، وشارب مخطوط بشعيرات تشبه زغب أفراخ الدجاج، يالله كم أني لا أشبه نفسي الآن. خرجت من باب البيت لأتفقد الدّجاجات، شعرت أن كل شيءٍ يعرفني؛ حجارة المكان، المغارة المحفورة، تينة أمي 'السواديّة'، شتلات البندورة، رؤوس الزهرة البلدية، ثمار اليقطين. وقفت أطالع الأفق، رأيت أغنام سلامة الهباشين ترعاهما ابنتاه، سنابل القمح تتمايل مع كل نسيم. ثمة رائحةٍ أعرفها تتسلسل إلى وجداني. فجأه لوح أبي بيده لتحية سائق باص كفرهودا أبو فلاح، مطلقا عبارة 'حَوّل جاي'.
كان أبو فلاح لا يتوانى عن تلبيه دعوات شرب الشاي في بيوتات أهل المنطقة المتناثرة على مدى خط سير الحافلة، رفعت يدي أيضا لتحية أبوفلاح. فجأة أحسست بيد صغيرة تنزل يدي. 'بابا بكفي'. أخذت زينة تقودني إلى السّيارة مرة أخرى، كنت أمشي مثل طفل صغير يحبو على أرض زلقة. عرفت لاحقًا أني تسمّرت عند حافة 'الحوش' الأرضيّةُ الخرسانيّةُ الملساء التي أنهيت انا وأخي الأكبر تسويتها بعد قدومنا الى هذا البيت بأشهر منتصف الثمانينيات. لم أخطُ خطوةً واحدة داخل البيت، ولم تنبس شفتاي بكلمةٍ واحدة.
كانت مشاهدُ الماضي وشريطُ الذكريات تمر أمامي دون وعي، كانت لحظاتٌ قدسيةٌ حقيقيةٌ عشتها بعيونٍ زائغةٍ تنهمرُ منها الدّموع. شعرت بحارس المزرعة يغلق الباب الحديديّ؛ فاطمأن قلبي، فبعض الذكريات لا يجب أن تغادر المكان الذي تنتمي إليه. ركبنا السّيارة وانتظرت حتى هدأت سرائري، وقبل الشّروع في طريق العودة، تذكرت روبرتو دي نيرو عندما قال: 'لا تعد إلى المكان الذي كنت فيه سعيدًا يومًا ما، فذلك فخٌ من فخاخ الحنين... كلّ شيء قد تغيّر، ولن يكون كما كان، حتى أنت. لا تحاول أن تبحث عن نفس الوجوه، ولا نفس الأمكنة. فالزمن لئيم، وقد تواطأ على هدم ما جعلك سعيدًا ذات يوم. لا تعد... احتفظ بذلك الزمن في ذاكرتك كما كان، نقيًا، كاملًا. لكن لا تعُد إليه'. .....
كان من عادتي بعد وصولي لمملكة النشامى أن أزور بيتنا القديم في قرية كفرهودا، أو 'قمصون' كما كان جدي حسين الفلاح يحب أن يسميها، كنت أختلس الذهاب وحيدًا، أناظر بيتنا القديم المتربع على سفح الجبل ثم أمضي. لكنَ الزيارة هذه المرة مختلفةٌ، أجواءُ الربيع المشبعة بالبرودة اللّطيفة، والصحبةُ على غير العادة، فقد رافقتني ابنتي زينة.
كنت أتقصد هذه الرفقة لأحكي لها عن تفاصيل نشأتي، فبعض أهدافي في الحياة أن أصنع مع أبنائي ذكرياتٍ خاصةً ربما يذكرونني بها في سنواتٍ لاحقة. أوقفت السّيارة جانب الطريق، وتوجهنا نحو البوابة الحديديّة التي بُني بجانبها غرفةٌ لحارس المزرعة، لم تكن البوابة ولا منزل الحارس موجودين قبل خمس وعشرين عامًا، عندما كانت ملكية البيت تعود لأبي رحمه الله. بدا الحارس غايةً في اللّطف واللّياقة، لعله قد تلقى تعليمات مسبقة من المالك الجديد بالسماح لزوار المكان من عائلتنا بالدخول أو أنه رأى بريق الشّوق في عينيّ فرحب بالزيارة.
فُتحت البوابةُ ومشينا صعودًا في الطريق للوصول إلى البيت، توقفت عند حافة 'الحُوش'، أرضيةٌ خرسانيّةٌ ملساء، كنت وأخي الأكبر قد أنهينا العمل فيها بعد انتقالنا إلى هذا البيت بأشهر منتصف الثمانينيات، كل شيء كما هو، 'معرش الدوالي'، شجرة التين، شجيرات الورد الجوري، سرير أبي أسفل الشجرة، أمي تجلس على الكرسي، وأبي يتكىء على وسادتين، وأنا بجانبهما أتحدث، كانت أصواتنا مسموعة؛ محمد أخي الصغير يمتطي صهوة دراجته الحديدية ذات العجلات المساعدة، الصغيرة فاطمة ذات الأربع سنوات قادمةٌ وبيدها عنود عنب لم ينضج بعد وتقول حُلُّم لأمين 'حصرم' فتنفجر الضحكات.
أسمع الضحكات، وأرى نفسي وقد وضعتها في حجري لأوفر لها الحماية بعد جُرم قطف عناقيد العنب، في الحقيقة لم تكن لتتلقى أكثر من عتابٍ ناعمٍ من أمي، وعظة صغيرة من أبي، فهي طفلتهم المدللة التي جاءت إلى الدنيا بعد المشيب. توجهت إلى باب البيت الرئيس، أمسكت بمقبضة الذهبي ودخلت، توقفت فور دخولي لأشعر ببرودة المكان، فقد كان هذا الممر المكان الأكثر برودة في البيت، وهو المكان الأنسب للجلوس وقت الظهيرة عند اشتداد القيظ، تذكرت عندما دخلت هذا الممر في سنواتٍ سابقةٍ حيث شعرت بدفئ المكان على غير حقيقته، وقتها كنتُ في حالة تجمدٍ حقيقية، كنت طالبًا في الماجستير وقد أغلقت الثلوج الطرق في عمان، ولا سبيل للعودة للبيت إلا مشيًا على الأقدام في مسيرة تجاوزت التسع ساعات، شعرت ساعتها بأنه المكان الأكثر دفئًا في العالم.
صعدت الدرجات الثلاث لأقف حائرًا أين أدخل؟ هل أتوجه إلى اليمين فادخل غرفة المعيشة الصغيرة وغرف النوم؟ أم أتوجه يسارًا فألج مجلس الضيوف؟ وها أنا أجد نفسي في غرفة المعيشة أشاهد إخوتي يحتضنون 'صوبة البواري' المشتعلة في الشتاء، يحمصون الخبز المدهّن بالزيت والزعتر، كانوا جميعًا صغارًا، يتحلقون تلفزيونًا مدببًا أحمر، يشاهدون بعيون لا ترمش مسلسل الأطفال 'سالي'، الفتاة الصغيرة التي تعيش الاضطهاد.
رجعت عائدًا إلى مجلس الضيوف؛ رأيت نفسي وأنا أمسك كتاب التاريخ، أمشي ذهابًا وجيئةً داخل الغرفة أقرأ وأردد ما قرأت، كانت تلك الطريقة المُجهدة هي الوسيلة الوحيدة لديّ للحفظ، ابتسمت فعناد ذاكرتي الآن له جذور سابقة مع مادة التاريخ. في الحقيقة كان قرار تغيير المسار الأكاديمي من المسار العلمي إلى المسار الأدبي في الثانوية العامة نتيجة رغبةٍ شعرتها من أبي ظنًا منه أنني سأحصل على معدل أعلى يُمكنني من الدخول إلى جامعة مؤتة في الجناح العسكري.
وهذا مالم يحصل في سنوات لاحقة. تمعّنت النّظر في نفسي وأنا في غرفة الضيوف؛ شابٌ يافعٌ لم أتجاوز الثامنة عشرة، بشعر كثيف مجعد، وشارب مخطوط بشعيرات تشبه زغب أفراخ الدجاج، يالله كم أني لا أشبه نفسي الآن. خرجت من باب البيت لأتفقد الدّجاجات، شعرت أن كل شيءٍ يعرفني؛ حجارة المكان، المغارة المحفورة، تينة أمي 'السواديّة'، شتلات البندورة، رؤوس الزهرة البلدية، ثمار اليقطين. وقفت أطالع الأفق، رأيت أغنام سلامة الهباشين ترعاهما ابنتاه، سنابل القمح تتمايل مع كل نسيم. ثمة رائحةٍ أعرفها تتسلسل إلى وجداني. فجأه لوح أبي بيده لتحية سائق باص كفرهودا أبو فلاح، مطلقا عبارة 'حَوّل جاي'.
كان أبو فلاح لا يتوانى عن تلبيه دعوات شرب الشاي في بيوتات أهل المنطقة المتناثرة على مدى خط سير الحافلة، رفعت يدي أيضا لتحية أبوفلاح. فجأة أحسست بيد صغيرة تنزل يدي. 'بابا بكفي'. أخذت زينة تقودني إلى السّيارة مرة أخرى، كنت أمشي مثل طفل صغير يحبو على أرض زلقة. عرفت لاحقًا أني تسمّرت عند حافة 'الحوش' الأرضيّةُ الخرسانيّةُ الملساء التي أنهيت انا وأخي الأكبر تسويتها بعد قدومنا الى هذا البيت بأشهر منتصف الثمانينيات. لم أخطُ خطوةً واحدة داخل البيت، ولم تنبس شفتاي بكلمةٍ واحدة.
كانت مشاهدُ الماضي وشريطُ الذكريات تمر أمامي دون وعي، كانت لحظاتٌ قدسيةٌ حقيقيةٌ عشتها بعيونٍ زائغةٍ تنهمرُ منها الدّموع. شعرت بحارس المزرعة يغلق الباب الحديديّ؛ فاطمأن قلبي، فبعض الذكريات لا يجب أن تغادر المكان الذي تنتمي إليه. ركبنا السّيارة وانتظرت حتى هدأت سرائري، وقبل الشّروع في طريق العودة، تذكرت روبرتو دي نيرو عندما قال: 'لا تعد إلى المكان الذي كنت فيه سعيدًا يومًا ما، فذلك فخٌ من فخاخ الحنين... كلّ شيء قد تغيّر، ولن يكون كما كان، حتى أنت. لا تحاول أن تبحث عن نفس الوجوه، ولا نفس الأمكنة. فالزمن لئيم، وقد تواطأ على هدم ما جعلك سعيدًا ذات يوم. لا تعد... احتفظ بذلك الزمن في ذاكرتك كما كان، نقيًا، كاملًا. لكن لا تعُد إليه'. .....
التعليقات