في تاريخ الأدب، لا يظهر التجريب والتجديد بوصفهما ترفا جماليا أو نزوة شكلية، بل كاستجابة عميقة لأزمات التعبير حين تعجز القوالب الأدبية الجاهزة عن احتواء التجربة الإنسانية. فالأدب، في جوهره، ليس إعادة إنتاج لما استُهلك، بل محاولة دائمة لاكتشاف لغة جديدة للقلق، والهزيمة، والحلم، والوعي المتحوّل. من هنا، يصبح التجريب حاجة إنسانية وضرورة معرفية قبل أن يكون خيارا فنيا، ويغدو التجديد نتيجة طبيعية لتجريب كاتب يكتب من منطقة الخطر لا من منطقة الأمان والاطمئنان.
التجريب هو لحظة المغامرة: كسر الأجناس، زعزعة البنى السردية، خلط الأصوات، وتوسيع حدود ما يُعدّ 'نصا أدبيا'. أما التجديد فهو الأثر الباقي لهذه المغامرة حين تنجح في خلق حساسية مختلفة، ونبرة مميّزة، ورؤية لا تشبه ما سبقها. ليس كل تجريب تجديدا، لكن كل تجديد حقيقي يمرّ حتما عبر تجريب عميق.
في هذا السياق، تكتسب تجربة تيسير نظمي أهميتها الخاصة. فنحن أمام كاتب غير اعتيادي لا يكتب داخل النوع الأدبي، أمام كاتب ثائر يكتب ضدّ الاستقرار الأدبي نفسه. كتاباته لا تُقرأ على سطح الحكاية، ظاهر النص، ولا تُفهم من خلال الحبكة وحدها، لأنها لا تستهدف الإمتاع السريع أو الدهشة العابرة، بل تبني عوالمها من التصدّعات النفسية، والاغتراب الوجودي، والذاكرة الجريحة، والوعي السياسي المهزوم والمتمرّد والمقاوم في آن واحد.
عمق كتابة تيسير نظمي ليس عمقا مباشرا أو استعراضيا، بل عمق مستتر، يتبدّى عبر التراكم، والتناص، والرمز، والمراوحة المتعمّدة بين السيرة والخيال، وبين الكابوس والواقع. لهذا، فإن نصوصه قد تبدو للقراءة السريعة بسيطة أو مشتتة، لكنها في حقيقتها كتابة كثيفة، تتطلب قارئا متمرّسا، قارئا 'عُمدة' لا يكتفي بما يُقال، بل ينصت لما يُضمر النص، ويقرأ المسكوت عنه.
من هنا يمكن القول إن تيسير نظمي يكتب أدبا لا يكشف نفسه بسهولة. أدبا يقاوم القراءة الكسولة، ويضع الناقد المختص أمام اختبار حقيقي: إما الغوص في طبقاته النفسية والفكرية والجمالية، أو الاكتفاء بالحكم الخارجي الذي يظلم النص أكثر مما يشرحه. إن التجريب والتجديد في كتاباته ليسا زخرفة أو تقليدا للحداثة، بل تعبيرا عن وعي شخصي مأزوم بالعالم، وعن قناعة بأن الأدب الحقيقي لا يُطمئن، بل يُقلق، ولا يُصالح، بل يكشف العالم على حقيقته المضطربة.
بهذا المعنى، لا يُقرأ تيسير نظمي ككاتب عابر في المشهد الأدبي، بل كتجربة تتطلّب زمنا، ومعرفة شخصية، وحساسية نقدية عالية قادرة على التقاط العمق الكامن خلف البرودة الظاهرة لرجل الثلج القاطن في وسط الصحراء.
التجريب
يقع كتاب 'رجل الثلج' في منطقة 'اللا-تجنيس' عن قصد وسابق إصرار، وهذا بحد ذاته أول وأوضح وجوه التجريب. والتجريب هنا ليس زخرفة شكلية، بل ضرورة وجودية. النصوص لا تبحث عن قالب لتستقر داخله، فكيف تستقر نصوص كاتبها غير مستقر أصلا؟! إن غاية هذه النصوص البحث عن مساحة تتّسع لذات مكسورة، مهجورة، مستبعدة، ومنفية، تراقب وتفكّر وتتأمل العالم وهي تمشي على صراط الذاكرة والأمل.
أولا، التجريب في التجنيس نفسه:
الكاتب رفض أن يجنّس كتابه، فلم يذكر أنه: رواية، أو مجموعة قصصية، أو سيرة ذاتية، أو كتاب خواطر وتأملات. غياب التجنيس هذا ليس سهوا بل استراتيجية. النص الواحد قد يكون ذكرى، ثم ينقلب فجأة إلى كابوس، ثم يتخفّى في هيئة قصة رمزية أو عجائبية، ثم ينتهي به المطاف كمقال سياسي أو شهادة شخصية. هذا الخلط المقصود يهدم سقف توقع القارئ، ويضعه في حالة يقظة دائمة تترقب التحوّل والتبدّل المستمر. نحن أمام كتاب يكتب ضد فكرة 'الأجناس الأدبية' بوصفها قيدا وشرطا، ويعامل النص كتجربة إنسانية متقلبة وغير كاملة ولكنها متكاملة تتجاوز حدود الأشكال الأدبية الثابتة، لتكون نصا أدبيا هجينا يتماها مع واقع تجربة إنسانية شخصية.
ثانيا، التجريب في البنية الداخلية للنصوص:
من المعلوم أن الترتيب السردي التقليدي للحكاية قائم على: (بداية وعقدة وحل)، ولكن نظمي يقدم في إحدى قصصه تنظيما تجريبيا مختلفا يربك توقعات القارئ. ففي قصة 'حمارنا لا يرغب حمارتكم' (ص 15) يقسم نظمي النص إلى: (مقدمة(بداية)/ مؤخرة (حل)/ وسط (عقدة)/ خاتمة الخواتم (حل)). لا يبدو هذا التقسيم مجرد إعادة ترتيب شكلي، بل نوعا من اللعب الساخر ببنية النص ذاتها؛ إذ يوظف عناوين غير متوقعة تقلب النظام المعتاد وتخالف ترتيب المتن السردي التقليدي. و يخلق ذلك أثرا ساخرا يزعزع تصور القارئ عما اعتاد عليه، كما يؤسس شكلا سرديا جديدا لو تم اعتماده والالتزام به في النصوص الساخرة على أقل تقدير.
كما يقدّم نظمي نَص 'طبيب متجول' (ص147) بوصفه 'مقطعا قصصيا من رواية' مأخوذا من روايته السابقة 'وقائع ليلة السحر في وادي رم'. ويمكن النظر إلى هذه الممارسة بوصفها إضعافا لفكرة استقلال النص واكتماله داخل حدود كتاب واحد؛ فالنص هنا لا يظهر كوحدة مغلقة، بل مادة قابلة للتنقل والترحال، لإعادة التموضع ضمن سياقات مختلفة. لقد كان هذا النص جزءا من رواية أما الآن فقد أصبح قصة قصيرة تحمل عنوان 'طبيب متجول'. لا يتعلق الأمر هنا بتناص ذاتي بالمعنى التقليدي، لأن النص لا يعيد استحضار مادة سابقة داخل العمل الجديد فقط، بل ينتقل كجزء من بنية روائية إلى كل قصصي، وجزء من بنية نصية: كتاب 'رجل الثلج'. هذا التحول يغيّر موقعه ووظيفته وطرائق تلقيه. لذلك تبدو الظاهرة أقرب إلى ترحال نصي عابر للأجناس بحيث يعاد تجنيس النص عند حله بعد ترحاله. يمكن النظر إلى هذه الممارسة بوصفها شكلا من التجريب في علاقة النص بحدوده وجنسه الأدبي. هنا لا يُقدَّم النص بوصفه وحدة ثابتة مرتبطة بكتاب واحد، بل بوصفه مادة قابلة لإعادة التموضع ضمن سياقات مختلفة ولأهداف قد تتشابه وقد تختلف.
سبق وقام نظمي بترحيل نص آخر مشابه من من رواية 'وقائع ليلة السحر في وادي رم' (الفصل الأخير( إلى كتاب 'رجل الثلج' مقدما إياها كقصة قصيرة أطلق عليها 'المزرعة في الأعالي' (ص49). وهكذا يتحول الفصل الأخير من روايته السابقة إلى قصة قصيرة جاءت في منتصف كتابه الجديد.
كما قام نظمي بتجريب آخر يختلف نوعا ما عما سبق، ففي قصة 'الطريق إلى بعكورة' (ص37)، كتب نظمي تحت اسم القصة ما يلي: 'مقطع من رواية تيسير نظمي الثانية' حيث رحل هذا النص من روايته الثانية والتي لم تُكتب بعد إلى كتاب 'رجل الثلج'! وهذا كله ضمن التجريب بالنصوص العابرة. والمثير هنا أنّ أحدا لا يعلم إن كان هذا النص فعلا من رواية نظمي الثانية، كما أنّ أحدا لا يستطيع الجزم إن كان هناك رواية ثانية ستصدر للكاتب أم لا. إن كانت الرواية الثانية مجرد خيال قصصي، فالنص المرحل منها نص متخيل بالضرورة، وبما أنه موجود في كتاب 'رجل الثلج' فقد أصبح الخيال حقيقة.
إن ترحيل النصوص وتحويلها جنسيا من جزء من رواية إلى قصة قصيرة فعل متكرر عند تيسير نظمي بشكل ملحوظ، حتى أن الكتاب أحيانا يُرَحّل بالكامل كما هو بنصوصه إلى غلاف واسم جديد وذلك عندما تضيق به أخلاق الرجال، وهذا ما حدث مع كتاب 'رجل الثلج'، الذي حاربه مقص الرقيب في إحدى الدول العربية، فسُحب منه إذن الطباعة، فرحّل نظمي 'رجل الثلج' بالكامل إلى كتاب آخر أطلق عليه 'أحد عشر دب ووردة'. الترحيل عند نظمي تجريب أدبي يتماهى مع الترحيل الذي تعرضت له شعوب المنطقة، فالنص يشبه أبطاله وشخصياته الرئيسة، إلا أنه مختلف عمّا تمارسه الأنظمة السياسية من ترحيل قسري، فالترحيل عند نظمي يهدف في الأساس إلى البحث عن مساحة آمنة تحافظ على دوام حياة النص، وكمال وجوده، وحفظ رجل الثلج من الذوبان.
أما شخصية رجل الثلج والذي يبدو بطريقة أو بأخرى، وبمجموعة من الأدلة المعقولة بأنه الكاتب شخصيا، فيظهر في القصة رقم (10)، رجل يستيقظ ليجد أن الثلج قد كسى المشهد من حول، ويشهد أيضا على اختفاء الناس. يؤكد رجل الثلج أنه زاهد في الحياة، فلا يعنيه إلا سجائره، وغرفة واحدة في فلسطين تكفيه! يتكرر ظهور شخصية رجل الثلج في نصوص الكتاب فيظهر في القصة التي تحمل اسم 'ماذا لو' رقم (11)، وفي القصة التي بعدها رقم (12) 'القبلة الأخيرة'، ورقم (13) 'غفوة التنين'، و(14) 'النبض والمدى'. كل قصص أو نصوص الكتاب تتحدث بشكل أو بآخر عن شخص واحد وإن تغيرت ألقابه وأسماؤه، وفي بعض الأحيان يأخذ هذا الشخص/الشخصية شكلا رمزيا: غراب، أو عصفور. إذا، فهناك خيط ناظم ولاظم يربط بين نصوص الكتاب، ألا وهو الشخصية الرئيسة في كل هذه النصوص والذي هو الكاتب بعينه. هذا النمط يُعد تجريبا سرديا لأنه يكسر النموذج التقليدي للرواية والقصة القصيرة، ويستبدله ببنية تعتمد على التكرار الرمزي وتعدد الأقنعة ووحدة خفية للشخصية/الذات. فالكتاب يقع في منطقة وسط: ليس مجموعة قصص مستقلة تماما، وليس رواية تقليدية ذات حبكة واحدة واضحة .وهذا ما يسميه بعض النقاد: رواية متشظية أو رواية-متتالية قصصية أو حتى نص سردي مفتوح.
ثالثا، التجريب في الصوت السردي والذات الكاتبة
صوت السارد في الكتاب غير مستقر، ويتنقل بين مرّة 'أنا' السارد، الغراب، النزيل في مصح نفسي، الميت القادم من البرزخ، الكاتب تيسير نظمي الذي يذكر اسم نفسه ومهنته وماضيه السياسي... تبدل السارد هذا ليس عبثيا، بل يعكس فكرة أساسية: الذات متشظية، ولا يمكن التعبير عنها بصوت واحد. هو تجريب رمزي يوسّع مجال التعبير عن الاغتراب، ويحرّر السارد من القناع الإنساني الاجتماعي.
التجريب في 'رجل الثلج' ليس في تقنية واحدة، بل في روح الكتاب كلها. كتاب يكتب ضد الاستقرار: استقرار الشكل، الصوت، النوع، الهوية، وحتى المعنى النهائي. إنه نصّ يعيش في المنطقة الباردة بين السيرة والخيال، بين الحلم والكابوس، بين السياسة والتأمل، ويصرّ على أن الأدب ليس ما يُصنَّف، بل ما يُعاش.
التجديد:
لا يقدّم نظمي نصوصا تدور حول أحداث مكتملة بقدر ما يقدّم الكتاب ذاته بوصفه تجربة مركّبة. فالعمل لا يُبنى كوحدة سردية مغلقة، بل كبنية مفتوحة أو كأرشيف تتجاور فيه مستويات متعددة من الكتابة: السيرة الذاتية، والذاكرة الفردية، والذاكرة الجمعية، والكوابيس، والوثائق، والشهادات، والمقاطع المنشورة أو المستقبلية من أعمال أخرى للكاتب نفسه. غير أن أهمية هذا التداخل لا تكمن في مجرد مزج أجناس أدبية، بل في إعادة تعريف وظيفة النص الأدبي ذاته. فالتجديد في 'رجل الثلج' لا يكمن في تعدد المواد السردية بقدر ما يكمن في إعادة تعريف الكتاب بوصفه: بنية مفتوحة أو إرشيف. فالكتاب لا يُقدَّم كحكاية لها بداية ووسط ونهاية، بل ككيان مفتوح تتجاور فيه مستويات مختلفة من الكتابة دون إخضاعها لمنطق حبكة تقليدية. هنا لا يعود الهدف إنتاج سرد متماسك، بل إنتاج أثر تجربة إنسانية كما تتشكل في الواقع: متقطعة، غير مكتملة، ومحمّلة بتوترات متعددة.
فعندما تتجاور القصة مع الوثيقة، واليومي مع السياسي، والواقعي مع المتخيل، لا يكون ذلك مجرد تنوع في الأساليب، بل إعادة توزيع لوظيفة السرد داخل النص. فالكتاب يتحول من وسيلة لتمثيل الواقع إلى فضاء لتجميع شظايا التجربة كما هي، دون إخضاعها لمنطق الترتيب أو الاكتمال. هذا التحول هو ما يمنح العمل طابعه التجديدي، لأنه ينقل الكتابة من منطق التنظيم التقليدي إلى منطق التراكم.
وهنا يمكن توسيع الفكرة على مستوى أعمق: فالتشظي ليس مجرد خيار فني، بل له ما يوازيه في بنية الذاكرة الإنسانية نفسها. إذ لا تحتفظ الذاكرة بحياة الإنسان بوصفها تسلسلا كاملا له بداية ووسط ونهاية، بل على شكل مقاطع وشذرات واسترجاعات غير مكتملة. نحن لا نتذكر قصة حياتنا الكاملة، فهناك ما ننساه، وبما أننا لم نمت لم تكتمل القصة بعد، بل نحتفظ بصور منفصلة، تتداخل فيها الأزمنة وتتشظى فيها اللحظات. أما في الكتابة الروائية التقليدية، فغالبا ما يُعاد ترتيب هذه الشذرات داخل بنية مصطنعة من البداية والوسط والنهاية، وهو ترتيب لا يعكس بالضرورة طريقة اشتغال الذاكرة أو إدراك التجربة.
من هذا المنظور، يصبح التشظي في 'رجل الثلج' أقرب إلى محاولة محاكاة منطق التجربة كما تُعاش، لا كما تُروى تقليديا. فالنص لا يعيد بناء حياة مكتملة، بل يجمع آثارها كما هي: غير مرتبة، منقوصة، مفتوحة، وغير محسومة النهاية. وبما أن التجربة الإنسانية نفسها لا تكتمل داخل الوعي في لحظة واحدة، فإن الكتابة هنا لا تدّعي اكتمال ما هو غير مكتمل أصلا.
وبهذا المعنى، يصبح التجديد في 'رجل الثلج' تجديدا في وظيفة الشكل الأدبي ذاته: فبدل أن يكون الشكل إطارا جاهزا للحكاية، يصبح هو الحكاية نفسها، أي بنية تُعرَّف من خلال العلاقات والتوترات بين عناصرها لا من خلال اكتمالها. وما يبدو تفككا سرديا ليس عجزا عن بناء وحدة، بل اختيار واع لوحدة من نوع مختلف، وحدة تقوم على التشظي بوصفه مبدأ بنائيا يدل على المعنى: الحياة والذاكرة المتشظية كما يراها المؤلف.
ومن هنا يمكن النظر إلى كتاب تيسير نظمي بوصفه أرشيفا ذاتيا مفتوحا؛ كتابا يجمع آثار تجربة الحياة بأشكالها المختلفة، من القصة والخاطرة والمقال إلى الوثيقة والشهادة، دون إخضاعها لتسلسل سردي أو لتمايز أجناسي صارم. فالخيال والتأويل لا ينفيان أرشيفية هذا الكتاب، بل يشكّلان جزءا من آلية اشتغال الأرشيف نفسه، بوصفه بناء للذاكرة لا مستودعا محايدا للوقائع.
تتجلى هذه البنية الأرشيفية في حضور الذكريات الشخصية والسيرة الذاتية، كما في 'ثلاث أقاصيص' (ص119)، حيث تتوزع القصص بين تجربة الحب والانكسار في 'قصة الكأس المكسور'، والعقوق والغياب في 'عينا ليفي'، ثم الحزن الجمعي في 'الجبل من الجهة الشرقية' الذي ينتهي بإحساس بانطفاء الوطن وتحوله إلى غياب شامل.
كما تتجلى أيضا في حضور الذاكرة الجمعية في 'رجل الثلج' (ص57)، عبر الإحالة إلى القضية الفلسطينية وكتاب إسرائيل شاحاك 'وطأة 3000 عام'، بما يربط التجربة الفردية بسياق تاريخي وسياسي أوسع.
وتظهر في هذا الإرشيف الروائي الكوابيس في نصوص مثل 'مجرد تأخير' (ص24)، و'عزرا' (ص43)، و'دخان… متصاعدا' (ص107)، حيث تتخذ الكتابة طابعا كابوسيا يعكس عزلة الذات واغترابها وتوترها مع العالم.
وتبرز كذلك الإحالات إلى أعمال سابقة للمؤلف، كما في 'مزرعة في الأعالي' (ص49)، وهو الفصل الأخير من رواية نظمي الأولى «وقائع ليلة السحر في وادي رم»، بما يخلق ترابطا بين النصوص بدل استقلالها.
كما يحضر في هذه البنية الأرشيفية البعد المستقبلي عبر نص 'الطريق إلى بعكورة'، الذي يشير إلى أنه مقطع من رواية لاحقة لنظمي، بما يفتح النص على زمن كتابي غير مكتمل بعد.
وتظهر الشهادات السياسية في 'شهادة بالصوت المسموع' (نَص رقم 9)، بوصفها نصا أقرب إلى المقال أو الشهادة، يتناول فيه الكاتب صوته المغيّب في الفضاءات السياسية والثقافية.
أما الوثيقة الرسمية في بنية الكتاب عبر 'أربع أوراق والخامسة' (نَص رقم 20)، حيث يُقدَّم النص في صيغة شبه أرشيفية تتداخل فيها الإحالة إلى ملف نفسي مع مواد مكتوبة ومفقودة، بما يعزز الطابع التوثيقي داخل العمل.
وعليه، فإن التجديد في 'رجل الثلج' هو تصور بديل جديد للسيرة الروائية: ليس بوصفها عملا مكتملا بالشكل التقليدي، بل بوصفها أرشيفا حيا لتجربة إنسانية تتكوّن من شظايا متجاورة. وهكذا، من الممكن أن يشكل 'رجل الثلج' جنسا أدبيا جديدا يمكن أن يطلق عليه 'السيرة الروائية الأرشيفية': فسيرة المؤلف حاضرة، والخيال كذلك، والشكل أرشيفيٌّ بكل وضوح.
يذكر أن تيسير نظمي كاتب أردني من مواليد سيلة الظهر، فلسطين عام 1952، وهو قامة موسوعية، فهو قاص وروائي وناقد وصحفي سابق ومترجم. ويحمل شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة الكويت التي تخرج منها عام 1975، ومن أعماله القصصية كتاب: (البحث عن مساحة) 2019، والمشتمل على خمس مجموعات قصصية: خارطة للموتى/ خارطة للوطن، لغة للطيور بلا أجنحة، الدهس، وليمة وحرير وعش العصافير، كُتبت في فترات زمنية مختلفة. كما وله مجموعة قصصية تحمل اسم (رجل الثلج) انتحلت اسما آخرا (أحد عشر دبا ووردة)، ورواية وحيدة (وقائع ليلة السحر في وادي رم) 2004، وكتاب (عودة القطار إلى الخريطة) الذي يحتوى على أبحاث، ومقالات نقدية، وحوارات صحفية. هذا وقد ترجم تيسير نظمي مجموعة من الكتب هي: (مذكرات موشيه شاريت) 1980، ورواية (المجتثَّوْن): يوميات منفى فلسطيني، تأليف فواز تركي 1984، (إرادتي هزمت إعاقتي) الرواية الشهيرة للكاتب (شارون درابر) 2017، (العنف في كل مكان حولنا) للكاتب (جون سيفتون)2017، (الانتحاريون: دراسة نفسية حول فهم الإرهاب الانتحاري) للباحثان (أبدش كومار، وماناس ك. ماندال) 2018، وكتاب (القيصر الجديد) تأليف الكاتب (ستيفن لي مايرنز) 2022.
بقلم: الناقد أسيد الحوتري
في تاريخ الأدب، لا يظهر التجريب والتجديد بوصفهما ترفا جماليا أو نزوة شكلية، بل كاستجابة عميقة لأزمات التعبير حين تعجز القوالب الأدبية الجاهزة عن احتواء التجربة الإنسانية. فالأدب، في جوهره، ليس إعادة إنتاج لما استُهلك، بل محاولة دائمة لاكتشاف لغة جديدة للقلق، والهزيمة، والحلم، والوعي المتحوّل. من هنا، يصبح التجريب حاجة إنسانية وضرورة معرفية قبل أن يكون خيارا فنيا، ويغدو التجديد نتيجة طبيعية لتجريب كاتب يكتب من منطقة الخطر لا من منطقة الأمان والاطمئنان.
التجريب هو لحظة المغامرة: كسر الأجناس، زعزعة البنى السردية، خلط الأصوات، وتوسيع حدود ما يُعدّ 'نصا أدبيا'. أما التجديد فهو الأثر الباقي لهذه المغامرة حين تنجح في خلق حساسية مختلفة، ونبرة مميّزة، ورؤية لا تشبه ما سبقها. ليس كل تجريب تجديدا، لكن كل تجديد حقيقي يمرّ حتما عبر تجريب عميق.
في هذا السياق، تكتسب تجربة تيسير نظمي أهميتها الخاصة. فنحن أمام كاتب غير اعتيادي لا يكتب داخل النوع الأدبي، أمام كاتب ثائر يكتب ضدّ الاستقرار الأدبي نفسه. كتاباته لا تُقرأ على سطح الحكاية، ظاهر النص، ولا تُفهم من خلال الحبكة وحدها، لأنها لا تستهدف الإمتاع السريع أو الدهشة العابرة، بل تبني عوالمها من التصدّعات النفسية، والاغتراب الوجودي، والذاكرة الجريحة، والوعي السياسي المهزوم والمتمرّد والمقاوم في آن واحد.
عمق كتابة تيسير نظمي ليس عمقا مباشرا أو استعراضيا، بل عمق مستتر، يتبدّى عبر التراكم، والتناص، والرمز، والمراوحة المتعمّدة بين السيرة والخيال، وبين الكابوس والواقع. لهذا، فإن نصوصه قد تبدو للقراءة السريعة بسيطة أو مشتتة، لكنها في حقيقتها كتابة كثيفة، تتطلب قارئا متمرّسا، قارئا 'عُمدة' لا يكتفي بما يُقال، بل ينصت لما يُضمر النص، ويقرأ المسكوت عنه.
من هنا يمكن القول إن تيسير نظمي يكتب أدبا لا يكشف نفسه بسهولة. أدبا يقاوم القراءة الكسولة، ويضع الناقد المختص أمام اختبار حقيقي: إما الغوص في طبقاته النفسية والفكرية والجمالية، أو الاكتفاء بالحكم الخارجي الذي يظلم النص أكثر مما يشرحه. إن التجريب والتجديد في كتاباته ليسا زخرفة أو تقليدا للحداثة، بل تعبيرا عن وعي شخصي مأزوم بالعالم، وعن قناعة بأن الأدب الحقيقي لا يُطمئن، بل يُقلق، ولا يُصالح، بل يكشف العالم على حقيقته المضطربة.
بهذا المعنى، لا يُقرأ تيسير نظمي ككاتب عابر في المشهد الأدبي، بل كتجربة تتطلّب زمنا، ومعرفة شخصية، وحساسية نقدية عالية قادرة على التقاط العمق الكامن خلف البرودة الظاهرة لرجل الثلج القاطن في وسط الصحراء.
التجريب
يقع كتاب 'رجل الثلج' في منطقة 'اللا-تجنيس' عن قصد وسابق إصرار، وهذا بحد ذاته أول وأوضح وجوه التجريب. والتجريب هنا ليس زخرفة شكلية، بل ضرورة وجودية. النصوص لا تبحث عن قالب لتستقر داخله، فكيف تستقر نصوص كاتبها غير مستقر أصلا؟! إن غاية هذه النصوص البحث عن مساحة تتّسع لذات مكسورة، مهجورة، مستبعدة، ومنفية، تراقب وتفكّر وتتأمل العالم وهي تمشي على صراط الذاكرة والأمل.
أولا، التجريب في التجنيس نفسه:
الكاتب رفض أن يجنّس كتابه، فلم يذكر أنه: رواية، أو مجموعة قصصية، أو سيرة ذاتية، أو كتاب خواطر وتأملات. غياب التجنيس هذا ليس سهوا بل استراتيجية. النص الواحد قد يكون ذكرى، ثم ينقلب فجأة إلى كابوس، ثم يتخفّى في هيئة قصة رمزية أو عجائبية، ثم ينتهي به المطاف كمقال سياسي أو شهادة شخصية. هذا الخلط المقصود يهدم سقف توقع القارئ، ويضعه في حالة يقظة دائمة تترقب التحوّل والتبدّل المستمر. نحن أمام كتاب يكتب ضد فكرة 'الأجناس الأدبية' بوصفها قيدا وشرطا، ويعامل النص كتجربة إنسانية متقلبة وغير كاملة ولكنها متكاملة تتجاوز حدود الأشكال الأدبية الثابتة، لتكون نصا أدبيا هجينا يتماها مع واقع تجربة إنسانية شخصية.
ثانيا، التجريب في البنية الداخلية للنصوص:
من المعلوم أن الترتيب السردي التقليدي للحكاية قائم على: (بداية وعقدة وحل)، ولكن نظمي يقدم في إحدى قصصه تنظيما تجريبيا مختلفا يربك توقعات القارئ. ففي قصة 'حمارنا لا يرغب حمارتكم' (ص 15) يقسم نظمي النص إلى: (مقدمة(بداية)/ مؤخرة (حل)/ وسط (عقدة)/ خاتمة الخواتم (حل)). لا يبدو هذا التقسيم مجرد إعادة ترتيب شكلي، بل نوعا من اللعب الساخر ببنية النص ذاتها؛ إذ يوظف عناوين غير متوقعة تقلب النظام المعتاد وتخالف ترتيب المتن السردي التقليدي. و يخلق ذلك أثرا ساخرا يزعزع تصور القارئ عما اعتاد عليه، كما يؤسس شكلا سرديا جديدا لو تم اعتماده والالتزام به في النصوص الساخرة على أقل تقدير.
كما يقدّم نظمي نَص 'طبيب متجول' (ص147) بوصفه 'مقطعا قصصيا من رواية' مأخوذا من روايته السابقة 'وقائع ليلة السحر في وادي رم'. ويمكن النظر إلى هذه الممارسة بوصفها إضعافا لفكرة استقلال النص واكتماله داخل حدود كتاب واحد؛ فالنص هنا لا يظهر كوحدة مغلقة، بل مادة قابلة للتنقل والترحال، لإعادة التموضع ضمن سياقات مختلفة. لقد كان هذا النص جزءا من رواية أما الآن فقد أصبح قصة قصيرة تحمل عنوان 'طبيب متجول'. لا يتعلق الأمر هنا بتناص ذاتي بالمعنى التقليدي، لأن النص لا يعيد استحضار مادة سابقة داخل العمل الجديد فقط، بل ينتقل كجزء من بنية روائية إلى كل قصصي، وجزء من بنية نصية: كتاب 'رجل الثلج'. هذا التحول يغيّر موقعه ووظيفته وطرائق تلقيه. لذلك تبدو الظاهرة أقرب إلى ترحال نصي عابر للأجناس بحيث يعاد تجنيس النص عند حله بعد ترحاله. يمكن النظر إلى هذه الممارسة بوصفها شكلا من التجريب في علاقة النص بحدوده وجنسه الأدبي. هنا لا يُقدَّم النص بوصفه وحدة ثابتة مرتبطة بكتاب واحد، بل بوصفه مادة قابلة لإعادة التموضع ضمن سياقات مختلفة ولأهداف قد تتشابه وقد تختلف.
سبق وقام نظمي بترحيل نص آخر مشابه من من رواية 'وقائع ليلة السحر في وادي رم' (الفصل الأخير( إلى كتاب 'رجل الثلج' مقدما إياها كقصة قصيرة أطلق عليها 'المزرعة في الأعالي' (ص49). وهكذا يتحول الفصل الأخير من روايته السابقة إلى قصة قصيرة جاءت في منتصف كتابه الجديد.
كما قام نظمي بتجريب آخر يختلف نوعا ما عما سبق، ففي قصة 'الطريق إلى بعكورة' (ص37)، كتب نظمي تحت اسم القصة ما يلي: 'مقطع من رواية تيسير نظمي الثانية' حيث رحل هذا النص من روايته الثانية والتي لم تُكتب بعد إلى كتاب 'رجل الثلج'! وهذا كله ضمن التجريب بالنصوص العابرة. والمثير هنا أنّ أحدا لا يعلم إن كان هذا النص فعلا من رواية نظمي الثانية، كما أنّ أحدا لا يستطيع الجزم إن كان هناك رواية ثانية ستصدر للكاتب أم لا. إن كانت الرواية الثانية مجرد خيال قصصي، فالنص المرحل منها نص متخيل بالضرورة، وبما أنه موجود في كتاب 'رجل الثلج' فقد أصبح الخيال حقيقة.
إن ترحيل النصوص وتحويلها جنسيا من جزء من رواية إلى قصة قصيرة فعل متكرر عند تيسير نظمي بشكل ملحوظ، حتى أن الكتاب أحيانا يُرَحّل بالكامل كما هو بنصوصه إلى غلاف واسم جديد وذلك عندما تضيق به أخلاق الرجال، وهذا ما حدث مع كتاب 'رجل الثلج'، الذي حاربه مقص الرقيب في إحدى الدول العربية، فسُحب منه إذن الطباعة، فرحّل نظمي 'رجل الثلج' بالكامل إلى كتاب آخر أطلق عليه 'أحد عشر دب ووردة'. الترحيل عند نظمي تجريب أدبي يتماهى مع الترحيل الذي تعرضت له شعوب المنطقة، فالنص يشبه أبطاله وشخصياته الرئيسة، إلا أنه مختلف عمّا تمارسه الأنظمة السياسية من ترحيل قسري، فالترحيل عند نظمي يهدف في الأساس إلى البحث عن مساحة آمنة تحافظ على دوام حياة النص، وكمال وجوده، وحفظ رجل الثلج من الذوبان.
أما شخصية رجل الثلج والذي يبدو بطريقة أو بأخرى، وبمجموعة من الأدلة المعقولة بأنه الكاتب شخصيا، فيظهر في القصة رقم (10)، رجل يستيقظ ليجد أن الثلج قد كسى المشهد من حول، ويشهد أيضا على اختفاء الناس. يؤكد رجل الثلج أنه زاهد في الحياة، فلا يعنيه إلا سجائره، وغرفة واحدة في فلسطين تكفيه! يتكرر ظهور شخصية رجل الثلج في نصوص الكتاب فيظهر في القصة التي تحمل اسم 'ماذا لو' رقم (11)، وفي القصة التي بعدها رقم (12) 'القبلة الأخيرة'، ورقم (13) 'غفوة التنين'، و(14) 'النبض والمدى'. كل قصص أو نصوص الكتاب تتحدث بشكل أو بآخر عن شخص واحد وإن تغيرت ألقابه وأسماؤه، وفي بعض الأحيان يأخذ هذا الشخص/الشخصية شكلا رمزيا: غراب، أو عصفور. إذا، فهناك خيط ناظم ولاظم يربط بين نصوص الكتاب، ألا وهو الشخصية الرئيسة في كل هذه النصوص والذي هو الكاتب بعينه. هذا النمط يُعد تجريبا سرديا لأنه يكسر النموذج التقليدي للرواية والقصة القصيرة، ويستبدله ببنية تعتمد على التكرار الرمزي وتعدد الأقنعة ووحدة خفية للشخصية/الذات. فالكتاب يقع في منطقة وسط: ليس مجموعة قصص مستقلة تماما، وليس رواية تقليدية ذات حبكة واحدة واضحة .وهذا ما يسميه بعض النقاد: رواية متشظية أو رواية-متتالية قصصية أو حتى نص سردي مفتوح.
ثالثا، التجريب في الصوت السردي والذات الكاتبة
صوت السارد في الكتاب غير مستقر، ويتنقل بين مرّة 'أنا' السارد، الغراب، النزيل في مصح نفسي، الميت القادم من البرزخ، الكاتب تيسير نظمي الذي يذكر اسم نفسه ومهنته وماضيه السياسي... تبدل السارد هذا ليس عبثيا، بل يعكس فكرة أساسية: الذات متشظية، ولا يمكن التعبير عنها بصوت واحد. هو تجريب رمزي يوسّع مجال التعبير عن الاغتراب، ويحرّر السارد من القناع الإنساني الاجتماعي.
التجريب في 'رجل الثلج' ليس في تقنية واحدة، بل في روح الكتاب كلها. كتاب يكتب ضد الاستقرار: استقرار الشكل، الصوت، النوع، الهوية، وحتى المعنى النهائي. إنه نصّ يعيش في المنطقة الباردة بين السيرة والخيال، بين الحلم والكابوس، بين السياسة والتأمل، ويصرّ على أن الأدب ليس ما يُصنَّف، بل ما يُعاش.
التجديد:
لا يقدّم نظمي نصوصا تدور حول أحداث مكتملة بقدر ما يقدّم الكتاب ذاته بوصفه تجربة مركّبة. فالعمل لا يُبنى كوحدة سردية مغلقة، بل كبنية مفتوحة أو كأرشيف تتجاور فيه مستويات متعددة من الكتابة: السيرة الذاتية، والذاكرة الفردية، والذاكرة الجمعية، والكوابيس، والوثائق، والشهادات، والمقاطع المنشورة أو المستقبلية من أعمال أخرى للكاتب نفسه. غير أن أهمية هذا التداخل لا تكمن في مجرد مزج أجناس أدبية، بل في إعادة تعريف وظيفة النص الأدبي ذاته. فالتجديد في 'رجل الثلج' لا يكمن في تعدد المواد السردية بقدر ما يكمن في إعادة تعريف الكتاب بوصفه: بنية مفتوحة أو إرشيف. فالكتاب لا يُقدَّم كحكاية لها بداية ووسط ونهاية، بل ككيان مفتوح تتجاور فيه مستويات مختلفة من الكتابة دون إخضاعها لمنطق حبكة تقليدية. هنا لا يعود الهدف إنتاج سرد متماسك، بل إنتاج أثر تجربة إنسانية كما تتشكل في الواقع: متقطعة، غير مكتملة، ومحمّلة بتوترات متعددة.
فعندما تتجاور القصة مع الوثيقة، واليومي مع السياسي، والواقعي مع المتخيل، لا يكون ذلك مجرد تنوع في الأساليب، بل إعادة توزيع لوظيفة السرد داخل النص. فالكتاب يتحول من وسيلة لتمثيل الواقع إلى فضاء لتجميع شظايا التجربة كما هي، دون إخضاعها لمنطق الترتيب أو الاكتمال. هذا التحول هو ما يمنح العمل طابعه التجديدي، لأنه ينقل الكتابة من منطق التنظيم التقليدي إلى منطق التراكم.
وهنا يمكن توسيع الفكرة على مستوى أعمق: فالتشظي ليس مجرد خيار فني، بل له ما يوازيه في بنية الذاكرة الإنسانية نفسها. إذ لا تحتفظ الذاكرة بحياة الإنسان بوصفها تسلسلا كاملا له بداية ووسط ونهاية، بل على شكل مقاطع وشذرات واسترجاعات غير مكتملة. نحن لا نتذكر قصة حياتنا الكاملة، فهناك ما ننساه، وبما أننا لم نمت لم تكتمل القصة بعد، بل نحتفظ بصور منفصلة، تتداخل فيها الأزمنة وتتشظى فيها اللحظات. أما في الكتابة الروائية التقليدية، فغالبا ما يُعاد ترتيب هذه الشذرات داخل بنية مصطنعة من البداية والوسط والنهاية، وهو ترتيب لا يعكس بالضرورة طريقة اشتغال الذاكرة أو إدراك التجربة.
من هذا المنظور، يصبح التشظي في 'رجل الثلج' أقرب إلى محاولة محاكاة منطق التجربة كما تُعاش، لا كما تُروى تقليديا. فالنص لا يعيد بناء حياة مكتملة، بل يجمع آثارها كما هي: غير مرتبة، منقوصة، مفتوحة، وغير محسومة النهاية. وبما أن التجربة الإنسانية نفسها لا تكتمل داخل الوعي في لحظة واحدة، فإن الكتابة هنا لا تدّعي اكتمال ما هو غير مكتمل أصلا.
وبهذا المعنى، يصبح التجديد في 'رجل الثلج' تجديدا في وظيفة الشكل الأدبي ذاته: فبدل أن يكون الشكل إطارا جاهزا للحكاية، يصبح هو الحكاية نفسها، أي بنية تُعرَّف من خلال العلاقات والتوترات بين عناصرها لا من خلال اكتمالها. وما يبدو تفككا سرديا ليس عجزا عن بناء وحدة، بل اختيار واع لوحدة من نوع مختلف، وحدة تقوم على التشظي بوصفه مبدأ بنائيا يدل على المعنى: الحياة والذاكرة المتشظية كما يراها المؤلف.
ومن هنا يمكن النظر إلى كتاب تيسير نظمي بوصفه أرشيفا ذاتيا مفتوحا؛ كتابا يجمع آثار تجربة الحياة بأشكالها المختلفة، من القصة والخاطرة والمقال إلى الوثيقة والشهادة، دون إخضاعها لتسلسل سردي أو لتمايز أجناسي صارم. فالخيال والتأويل لا ينفيان أرشيفية هذا الكتاب، بل يشكّلان جزءا من آلية اشتغال الأرشيف نفسه، بوصفه بناء للذاكرة لا مستودعا محايدا للوقائع.
تتجلى هذه البنية الأرشيفية في حضور الذكريات الشخصية والسيرة الذاتية، كما في 'ثلاث أقاصيص' (ص119)، حيث تتوزع القصص بين تجربة الحب والانكسار في 'قصة الكأس المكسور'، والعقوق والغياب في 'عينا ليفي'، ثم الحزن الجمعي في 'الجبل من الجهة الشرقية' الذي ينتهي بإحساس بانطفاء الوطن وتحوله إلى غياب شامل.
كما تتجلى أيضا في حضور الذاكرة الجمعية في 'رجل الثلج' (ص57)، عبر الإحالة إلى القضية الفلسطينية وكتاب إسرائيل شاحاك 'وطأة 3000 عام'، بما يربط التجربة الفردية بسياق تاريخي وسياسي أوسع.
وتظهر في هذا الإرشيف الروائي الكوابيس في نصوص مثل 'مجرد تأخير' (ص24)، و'عزرا' (ص43)، و'دخان… متصاعدا' (ص107)، حيث تتخذ الكتابة طابعا كابوسيا يعكس عزلة الذات واغترابها وتوترها مع العالم.
وتبرز كذلك الإحالات إلى أعمال سابقة للمؤلف، كما في 'مزرعة في الأعالي' (ص49)، وهو الفصل الأخير من رواية نظمي الأولى «وقائع ليلة السحر في وادي رم»، بما يخلق ترابطا بين النصوص بدل استقلالها.
كما يحضر في هذه البنية الأرشيفية البعد المستقبلي عبر نص 'الطريق إلى بعكورة'، الذي يشير إلى أنه مقطع من رواية لاحقة لنظمي، بما يفتح النص على زمن كتابي غير مكتمل بعد.
وتظهر الشهادات السياسية في 'شهادة بالصوت المسموع' (نَص رقم 9)، بوصفها نصا أقرب إلى المقال أو الشهادة، يتناول فيه الكاتب صوته المغيّب في الفضاءات السياسية والثقافية.
أما الوثيقة الرسمية في بنية الكتاب عبر 'أربع أوراق والخامسة' (نَص رقم 20)، حيث يُقدَّم النص في صيغة شبه أرشيفية تتداخل فيها الإحالة إلى ملف نفسي مع مواد مكتوبة ومفقودة، بما يعزز الطابع التوثيقي داخل العمل.
وعليه، فإن التجديد في 'رجل الثلج' هو تصور بديل جديد للسيرة الروائية: ليس بوصفها عملا مكتملا بالشكل التقليدي، بل بوصفها أرشيفا حيا لتجربة إنسانية تتكوّن من شظايا متجاورة. وهكذا، من الممكن أن يشكل 'رجل الثلج' جنسا أدبيا جديدا يمكن أن يطلق عليه 'السيرة الروائية الأرشيفية': فسيرة المؤلف حاضرة، والخيال كذلك، والشكل أرشيفيٌّ بكل وضوح.
يذكر أن تيسير نظمي كاتب أردني من مواليد سيلة الظهر، فلسطين عام 1952، وهو قامة موسوعية، فهو قاص وروائي وناقد وصحفي سابق ومترجم. ويحمل شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة الكويت التي تخرج منها عام 1975، ومن أعماله القصصية كتاب: (البحث عن مساحة) 2019، والمشتمل على خمس مجموعات قصصية: خارطة للموتى/ خارطة للوطن، لغة للطيور بلا أجنحة، الدهس، وليمة وحرير وعش العصافير، كُتبت في فترات زمنية مختلفة. كما وله مجموعة قصصية تحمل اسم (رجل الثلج) انتحلت اسما آخرا (أحد عشر دبا ووردة)، ورواية وحيدة (وقائع ليلة السحر في وادي رم) 2004، وكتاب (عودة القطار إلى الخريطة) الذي يحتوى على أبحاث، ومقالات نقدية، وحوارات صحفية. هذا وقد ترجم تيسير نظمي مجموعة من الكتب هي: (مذكرات موشيه شاريت) 1980، ورواية (المجتثَّوْن): يوميات منفى فلسطيني، تأليف فواز تركي 1984، (إرادتي هزمت إعاقتي) الرواية الشهيرة للكاتب (شارون درابر) 2017، (العنف في كل مكان حولنا) للكاتب (جون سيفتون)2017، (الانتحاريون: دراسة نفسية حول فهم الإرهاب الانتحاري) للباحثان (أبدش كومار، وماناس ك. ماندال) 2018، وكتاب (القيصر الجديد) تأليف الكاتب (ستيفن لي مايرنز) 2022.
بقلم: الناقد أسيد الحوتري
في تاريخ الأدب، لا يظهر التجريب والتجديد بوصفهما ترفا جماليا أو نزوة شكلية، بل كاستجابة عميقة لأزمات التعبير حين تعجز القوالب الأدبية الجاهزة عن احتواء التجربة الإنسانية. فالأدب، في جوهره، ليس إعادة إنتاج لما استُهلك، بل محاولة دائمة لاكتشاف لغة جديدة للقلق، والهزيمة، والحلم، والوعي المتحوّل. من هنا، يصبح التجريب حاجة إنسانية وضرورة معرفية قبل أن يكون خيارا فنيا، ويغدو التجديد نتيجة طبيعية لتجريب كاتب يكتب من منطقة الخطر لا من منطقة الأمان والاطمئنان.
التجريب هو لحظة المغامرة: كسر الأجناس، زعزعة البنى السردية، خلط الأصوات، وتوسيع حدود ما يُعدّ 'نصا أدبيا'. أما التجديد فهو الأثر الباقي لهذه المغامرة حين تنجح في خلق حساسية مختلفة، ونبرة مميّزة، ورؤية لا تشبه ما سبقها. ليس كل تجريب تجديدا، لكن كل تجديد حقيقي يمرّ حتما عبر تجريب عميق.
في هذا السياق، تكتسب تجربة تيسير نظمي أهميتها الخاصة. فنحن أمام كاتب غير اعتيادي لا يكتب داخل النوع الأدبي، أمام كاتب ثائر يكتب ضدّ الاستقرار الأدبي نفسه. كتاباته لا تُقرأ على سطح الحكاية، ظاهر النص، ولا تُفهم من خلال الحبكة وحدها، لأنها لا تستهدف الإمتاع السريع أو الدهشة العابرة، بل تبني عوالمها من التصدّعات النفسية، والاغتراب الوجودي، والذاكرة الجريحة، والوعي السياسي المهزوم والمتمرّد والمقاوم في آن واحد.
عمق كتابة تيسير نظمي ليس عمقا مباشرا أو استعراضيا، بل عمق مستتر، يتبدّى عبر التراكم، والتناص، والرمز، والمراوحة المتعمّدة بين السيرة والخيال، وبين الكابوس والواقع. لهذا، فإن نصوصه قد تبدو للقراءة السريعة بسيطة أو مشتتة، لكنها في حقيقتها كتابة كثيفة، تتطلب قارئا متمرّسا، قارئا 'عُمدة' لا يكتفي بما يُقال، بل ينصت لما يُضمر النص، ويقرأ المسكوت عنه.
من هنا يمكن القول إن تيسير نظمي يكتب أدبا لا يكشف نفسه بسهولة. أدبا يقاوم القراءة الكسولة، ويضع الناقد المختص أمام اختبار حقيقي: إما الغوص في طبقاته النفسية والفكرية والجمالية، أو الاكتفاء بالحكم الخارجي الذي يظلم النص أكثر مما يشرحه. إن التجريب والتجديد في كتاباته ليسا زخرفة أو تقليدا للحداثة، بل تعبيرا عن وعي شخصي مأزوم بالعالم، وعن قناعة بأن الأدب الحقيقي لا يُطمئن، بل يُقلق، ولا يُصالح، بل يكشف العالم على حقيقته المضطربة.
بهذا المعنى، لا يُقرأ تيسير نظمي ككاتب عابر في المشهد الأدبي، بل كتجربة تتطلّب زمنا، ومعرفة شخصية، وحساسية نقدية عالية قادرة على التقاط العمق الكامن خلف البرودة الظاهرة لرجل الثلج القاطن في وسط الصحراء.
التجريب
يقع كتاب 'رجل الثلج' في منطقة 'اللا-تجنيس' عن قصد وسابق إصرار، وهذا بحد ذاته أول وأوضح وجوه التجريب. والتجريب هنا ليس زخرفة شكلية، بل ضرورة وجودية. النصوص لا تبحث عن قالب لتستقر داخله، فكيف تستقر نصوص كاتبها غير مستقر أصلا؟! إن غاية هذه النصوص البحث عن مساحة تتّسع لذات مكسورة، مهجورة، مستبعدة، ومنفية، تراقب وتفكّر وتتأمل العالم وهي تمشي على صراط الذاكرة والأمل.
أولا، التجريب في التجنيس نفسه:
الكاتب رفض أن يجنّس كتابه، فلم يذكر أنه: رواية، أو مجموعة قصصية، أو سيرة ذاتية، أو كتاب خواطر وتأملات. غياب التجنيس هذا ليس سهوا بل استراتيجية. النص الواحد قد يكون ذكرى، ثم ينقلب فجأة إلى كابوس، ثم يتخفّى في هيئة قصة رمزية أو عجائبية، ثم ينتهي به المطاف كمقال سياسي أو شهادة شخصية. هذا الخلط المقصود يهدم سقف توقع القارئ، ويضعه في حالة يقظة دائمة تترقب التحوّل والتبدّل المستمر. نحن أمام كتاب يكتب ضد فكرة 'الأجناس الأدبية' بوصفها قيدا وشرطا، ويعامل النص كتجربة إنسانية متقلبة وغير كاملة ولكنها متكاملة تتجاوز حدود الأشكال الأدبية الثابتة، لتكون نصا أدبيا هجينا يتماها مع واقع تجربة إنسانية شخصية.
ثانيا، التجريب في البنية الداخلية للنصوص:
من المعلوم أن الترتيب السردي التقليدي للحكاية قائم على: (بداية وعقدة وحل)، ولكن نظمي يقدم في إحدى قصصه تنظيما تجريبيا مختلفا يربك توقعات القارئ. ففي قصة 'حمارنا لا يرغب حمارتكم' (ص 15) يقسم نظمي النص إلى: (مقدمة(بداية)/ مؤخرة (حل)/ وسط (عقدة)/ خاتمة الخواتم (حل)). لا يبدو هذا التقسيم مجرد إعادة ترتيب شكلي، بل نوعا من اللعب الساخر ببنية النص ذاتها؛ إذ يوظف عناوين غير متوقعة تقلب النظام المعتاد وتخالف ترتيب المتن السردي التقليدي. و يخلق ذلك أثرا ساخرا يزعزع تصور القارئ عما اعتاد عليه، كما يؤسس شكلا سرديا جديدا لو تم اعتماده والالتزام به في النصوص الساخرة على أقل تقدير.
كما يقدّم نظمي نَص 'طبيب متجول' (ص147) بوصفه 'مقطعا قصصيا من رواية' مأخوذا من روايته السابقة 'وقائع ليلة السحر في وادي رم'. ويمكن النظر إلى هذه الممارسة بوصفها إضعافا لفكرة استقلال النص واكتماله داخل حدود كتاب واحد؛ فالنص هنا لا يظهر كوحدة مغلقة، بل مادة قابلة للتنقل والترحال، لإعادة التموضع ضمن سياقات مختلفة. لقد كان هذا النص جزءا من رواية أما الآن فقد أصبح قصة قصيرة تحمل عنوان 'طبيب متجول'. لا يتعلق الأمر هنا بتناص ذاتي بالمعنى التقليدي، لأن النص لا يعيد استحضار مادة سابقة داخل العمل الجديد فقط، بل ينتقل كجزء من بنية روائية إلى كل قصصي، وجزء من بنية نصية: كتاب 'رجل الثلج'. هذا التحول يغيّر موقعه ووظيفته وطرائق تلقيه. لذلك تبدو الظاهرة أقرب إلى ترحال نصي عابر للأجناس بحيث يعاد تجنيس النص عند حله بعد ترحاله. يمكن النظر إلى هذه الممارسة بوصفها شكلا من التجريب في علاقة النص بحدوده وجنسه الأدبي. هنا لا يُقدَّم النص بوصفه وحدة ثابتة مرتبطة بكتاب واحد، بل بوصفه مادة قابلة لإعادة التموضع ضمن سياقات مختلفة ولأهداف قد تتشابه وقد تختلف.
سبق وقام نظمي بترحيل نص آخر مشابه من من رواية 'وقائع ليلة السحر في وادي رم' (الفصل الأخير( إلى كتاب 'رجل الثلج' مقدما إياها كقصة قصيرة أطلق عليها 'المزرعة في الأعالي' (ص49). وهكذا يتحول الفصل الأخير من روايته السابقة إلى قصة قصيرة جاءت في منتصف كتابه الجديد.
كما قام نظمي بتجريب آخر يختلف نوعا ما عما سبق، ففي قصة 'الطريق إلى بعكورة' (ص37)، كتب نظمي تحت اسم القصة ما يلي: 'مقطع من رواية تيسير نظمي الثانية' حيث رحل هذا النص من روايته الثانية والتي لم تُكتب بعد إلى كتاب 'رجل الثلج'! وهذا كله ضمن التجريب بالنصوص العابرة. والمثير هنا أنّ أحدا لا يعلم إن كان هذا النص فعلا من رواية نظمي الثانية، كما أنّ أحدا لا يستطيع الجزم إن كان هناك رواية ثانية ستصدر للكاتب أم لا. إن كانت الرواية الثانية مجرد خيال قصصي، فالنص المرحل منها نص متخيل بالضرورة، وبما أنه موجود في كتاب 'رجل الثلج' فقد أصبح الخيال حقيقة.
إن ترحيل النصوص وتحويلها جنسيا من جزء من رواية إلى قصة قصيرة فعل متكرر عند تيسير نظمي بشكل ملحوظ، حتى أن الكتاب أحيانا يُرَحّل بالكامل كما هو بنصوصه إلى غلاف واسم جديد وذلك عندما تضيق به أخلاق الرجال، وهذا ما حدث مع كتاب 'رجل الثلج'، الذي حاربه مقص الرقيب في إحدى الدول العربية، فسُحب منه إذن الطباعة، فرحّل نظمي 'رجل الثلج' بالكامل إلى كتاب آخر أطلق عليه 'أحد عشر دب ووردة'. الترحيل عند نظمي تجريب أدبي يتماهى مع الترحيل الذي تعرضت له شعوب المنطقة، فالنص يشبه أبطاله وشخصياته الرئيسة، إلا أنه مختلف عمّا تمارسه الأنظمة السياسية من ترحيل قسري، فالترحيل عند نظمي يهدف في الأساس إلى البحث عن مساحة آمنة تحافظ على دوام حياة النص، وكمال وجوده، وحفظ رجل الثلج من الذوبان.
أما شخصية رجل الثلج والذي يبدو بطريقة أو بأخرى، وبمجموعة من الأدلة المعقولة بأنه الكاتب شخصيا، فيظهر في القصة رقم (10)، رجل يستيقظ ليجد أن الثلج قد كسى المشهد من حول، ويشهد أيضا على اختفاء الناس. يؤكد رجل الثلج أنه زاهد في الحياة، فلا يعنيه إلا سجائره، وغرفة واحدة في فلسطين تكفيه! يتكرر ظهور شخصية رجل الثلج في نصوص الكتاب فيظهر في القصة التي تحمل اسم 'ماذا لو' رقم (11)، وفي القصة التي بعدها رقم (12) 'القبلة الأخيرة'، ورقم (13) 'غفوة التنين'، و(14) 'النبض والمدى'. كل قصص أو نصوص الكتاب تتحدث بشكل أو بآخر عن شخص واحد وإن تغيرت ألقابه وأسماؤه، وفي بعض الأحيان يأخذ هذا الشخص/الشخصية شكلا رمزيا: غراب، أو عصفور. إذا، فهناك خيط ناظم ولاظم يربط بين نصوص الكتاب، ألا وهو الشخصية الرئيسة في كل هذه النصوص والذي هو الكاتب بعينه. هذا النمط يُعد تجريبا سرديا لأنه يكسر النموذج التقليدي للرواية والقصة القصيرة، ويستبدله ببنية تعتمد على التكرار الرمزي وتعدد الأقنعة ووحدة خفية للشخصية/الذات. فالكتاب يقع في منطقة وسط: ليس مجموعة قصص مستقلة تماما، وليس رواية تقليدية ذات حبكة واحدة واضحة .وهذا ما يسميه بعض النقاد: رواية متشظية أو رواية-متتالية قصصية أو حتى نص سردي مفتوح.
ثالثا، التجريب في الصوت السردي والذات الكاتبة
صوت السارد في الكتاب غير مستقر، ويتنقل بين مرّة 'أنا' السارد، الغراب، النزيل في مصح نفسي، الميت القادم من البرزخ، الكاتب تيسير نظمي الذي يذكر اسم نفسه ومهنته وماضيه السياسي... تبدل السارد هذا ليس عبثيا، بل يعكس فكرة أساسية: الذات متشظية، ولا يمكن التعبير عنها بصوت واحد. هو تجريب رمزي يوسّع مجال التعبير عن الاغتراب، ويحرّر السارد من القناع الإنساني الاجتماعي.
التجريب في 'رجل الثلج' ليس في تقنية واحدة، بل في روح الكتاب كلها. كتاب يكتب ضد الاستقرار: استقرار الشكل، الصوت، النوع، الهوية، وحتى المعنى النهائي. إنه نصّ يعيش في المنطقة الباردة بين السيرة والخيال، بين الحلم والكابوس، بين السياسة والتأمل، ويصرّ على أن الأدب ليس ما يُصنَّف، بل ما يُعاش.
التجديد:
لا يقدّم نظمي نصوصا تدور حول أحداث مكتملة بقدر ما يقدّم الكتاب ذاته بوصفه تجربة مركّبة. فالعمل لا يُبنى كوحدة سردية مغلقة، بل كبنية مفتوحة أو كأرشيف تتجاور فيه مستويات متعددة من الكتابة: السيرة الذاتية، والذاكرة الفردية، والذاكرة الجمعية، والكوابيس، والوثائق، والشهادات، والمقاطع المنشورة أو المستقبلية من أعمال أخرى للكاتب نفسه. غير أن أهمية هذا التداخل لا تكمن في مجرد مزج أجناس أدبية، بل في إعادة تعريف وظيفة النص الأدبي ذاته. فالتجديد في 'رجل الثلج' لا يكمن في تعدد المواد السردية بقدر ما يكمن في إعادة تعريف الكتاب بوصفه: بنية مفتوحة أو إرشيف. فالكتاب لا يُقدَّم كحكاية لها بداية ووسط ونهاية، بل ككيان مفتوح تتجاور فيه مستويات مختلفة من الكتابة دون إخضاعها لمنطق حبكة تقليدية. هنا لا يعود الهدف إنتاج سرد متماسك، بل إنتاج أثر تجربة إنسانية كما تتشكل في الواقع: متقطعة، غير مكتملة، ومحمّلة بتوترات متعددة.
فعندما تتجاور القصة مع الوثيقة، واليومي مع السياسي، والواقعي مع المتخيل، لا يكون ذلك مجرد تنوع في الأساليب، بل إعادة توزيع لوظيفة السرد داخل النص. فالكتاب يتحول من وسيلة لتمثيل الواقع إلى فضاء لتجميع شظايا التجربة كما هي، دون إخضاعها لمنطق الترتيب أو الاكتمال. هذا التحول هو ما يمنح العمل طابعه التجديدي، لأنه ينقل الكتابة من منطق التنظيم التقليدي إلى منطق التراكم.
وهنا يمكن توسيع الفكرة على مستوى أعمق: فالتشظي ليس مجرد خيار فني، بل له ما يوازيه في بنية الذاكرة الإنسانية نفسها. إذ لا تحتفظ الذاكرة بحياة الإنسان بوصفها تسلسلا كاملا له بداية ووسط ونهاية، بل على شكل مقاطع وشذرات واسترجاعات غير مكتملة. نحن لا نتذكر قصة حياتنا الكاملة، فهناك ما ننساه، وبما أننا لم نمت لم تكتمل القصة بعد، بل نحتفظ بصور منفصلة، تتداخل فيها الأزمنة وتتشظى فيها اللحظات. أما في الكتابة الروائية التقليدية، فغالبا ما يُعاد ترتيب هذه الشذرات داخل بنية مصطنعة من البداية والوسط والنهاية، وهو ترتيب لا يعكس بالضرورة طريقة اشتغال الذاكرة أو إدراك التجربة.
من هذا المنظور، يصبح التشظي في 'رجل الثلج' أقرب إلى محاولة محاكاة منطق التجربة كما تُعاش، لا كما تُروى تقليديا. فالنص لا يعيد بناء حياة مكتملة، بل يجمع آثارها كما هي: غير مرتبة، منقوصة، مفتوحة، وغير محسومة النهاية. وبما أن التجربة الإنسانية نفسها لا تكتمل داخل الوعي في لحظة واحدة، فإن الكتابة هنا لا تدّعي اكتمال ما هو غير مكتمل أصلا.
وبهذا المعنى، يصبح التجديد في 'رجل الثلج' تجديدا في وظيفة الشكل الأدبي ذاته: فبدل أن يكون الشكل إطارا جاهزا للحكاية، يصبح هو الحكاية نفسها، أي بنية تُعرَّف من خلال العلاقات والتوترات بين عناصرها لا من خلال اكتمالها. وما يبدو تفككا سرديا ليس عجزا عن بناء وحدة، بل اختيار واع لوحدة من نوع مختلف، وحدة تقوم على التشظي بوصفه مبدأ بنائيا يدل على المعنى: الحياة والذاكرة المتشظية كما يراها المؤلف.
ومن هنا يمكن النظر إلى كتاب تيسير نظمي بوصفه أرشيفا ذاتيا مفتوحا؛ كتابا يجمع آثار تجربة الحياة بأشكالها المختلفة، من القصة والخاطرة والمقال إلى الوثيقة والشهادة، دون إخضاعها لتسلسل سردي أو لتمايز أجناسي صارم. فالخيال والتأويل لا ينفيان أرشيفية هذا الكتاب، بل يشكّلان جزءا من آلية اشتغال الأرشيف نفسه، بوصفه بناء للذاكرة لا مستودعا محايدا للوقائع.
تتجلى هذه البنية الأرشيفية في حضور الذكريات الشخصية والسيرة الذاتية، كما في 'ثلاث أقاصيص' (ص119)، حيث تتوزع القصص بين تجربة الحب والانكسار في 'قصة الكأس المكسور'، والعقوق والغياب في 'عينا ليفي'، ثم الحزن الجمعي في 'الجبل من الجهة الشرقية' الذي ينتهي بإحساس بانطفاء الوطن وتحوله إلى غياب شامل.
كما تتجلى أيضا في حضور الذاكرة الجمعية في 'رجل الثلج' (ص57)، عبر الإحالة إلى القضية الفلسطينية وكتاب إسرائيل شاحاك 'وطأة 3000 عام'، بما يربط التجربة الفردية بسياق تاريخي وسياسي أوسع.
وتظهر في هذا الإرشيف الروائي الكوابيس في نصوص مثل 'مجرد تأخير' (ص24)، و'عزرا' (ص43)، و'دخان… متصاعدا' (ص107)، حيث تتخذ الكتابة طابعا كابوسيا يعكس عزلة الذات واغترابها وتوترها مع العالم.
وتبرز كذلك الإحالات إلى أعمال سابقة للمؤلف، كما في 'مزرعة في الأعالي' (ص49)، وهو الفصل الأخير من رواية نظمي الأولى «وقائع ليلة السحر في وادي رم»، بما يخلق ترابطا بين النصوص بدل استقلالها.
كما يحضر في هذه البنية الأرشيفية البعد المستقبلي عبر نص 'الطريق إلى بعكورة'، الذي يشير إلى أنه مقطع من رواية لاحقة لنظمي، بما يفتح النص على زمن كتابي غير مكتمل بعد.
وتظهر الشهادات السياسية في 'شهادة بالصوت المسموع' (نَص رقم 9)، بوصفها نصا أقرب إلى المقال أو الشهادة، يتناول فيه الكاتب صوته المغيّب في الفضاءات السياسية والثقافية.
أما الوثيقة الرسمية في بنية الكتاب عبر 'أربع أوراق والخامسة' (نَص رقم 20)، حيث يُقدَّم النص في صيغة شبه أرشيفية تتداخل فيها الإحالة إلى ملف نفسي مع مواد مكتوبة ومفقودة، بما يعزز الطابع التوثيقي داخل العمل.
وعليه، فإن التجديد في 'رجل الثلج' هو تصور بديل جديد للسيرة الروائية: ليس بوصفها عملا مكتملا بالشكل التقليدي، بل بوصفها أرشيفا حيا لتجربة إنسانية تتكوّن من شظايا متجاورة. وهكذا، من الممكن أن يشكل 'رجل الثلج' جنسا أدبيا جديدا يمكن أن يطلق عليه 'السيرة الروائية الأرشيفية': فسيرة المؤلف حاضرة، والخيال كذلك، والشكل أرشيفيٌّ بكل وضوح.
يذكر أن تيسير نظمي كاتب أردني من مواليد سيلة الظهر، فلسطين عام 1952، وهو قامة موسوعية، فهو قاص وروائي وناقد وصحفي سابق ومترجم. ويحمل شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة الكويت التي تخرج منها عام 1975، ومن أعماله القصصية كتاب: (البحث عن مساحة) 2019، والمشتمل على خمس مجموعات قصصية: خارطة للموتى/ خارطة للوطن، لغة للطيور بلا أجنحة، الدهس، وليمة وحرير وعش العصافير، كُتبت في فترات زمنية مختلفة. كما وله مجموعة قصصية تحمل اسم (رجل الثلج) انتحلت اسما آخرا (أحد عشر دبا ووردة)، ورواية وحيدة (وقائع ليلة السحر في وادي رم) 2004، وكتاب (عودة القطار إلى الخريطة) الذي يحتوى على أبحاث، ومقالات نقدية، وحوارات صحفية. هذا وقد ترجم تيسير نظمي مجموعة من الكتب هي: (مذكرات موشيه شاريت) 1980، ورواية (المجتثَّوْن): يوميات منفى فلسطيني، تأليف فواز تركي 1984، (إرادتي هزمت إعاقتي) الرواية الشهيرة للكاتب (شارون درابر) 2017، (العنف في كل مكان حولنا) للكاتب (جون سيفتون)2017، (الانتحاريون: دراسة نفسية حول فهم الإرهاب الانتحاري) للباحثان (أبدش كومار، وماناس ك. ماندال) 2018، وكتاب (القيصر الجديد) تأليف الكاتب (ستيفن لي مايرنز) 2022.
التعليقات
التجريب والتجديد في كتاب "رجل الثلج" للأديب تيسير نظمي
التعليقات