د . مهدي مبارك عبد الله
في التاسع عشر من أيار 2026 شهدت الساحة السياسية الدولية تطورا لافتا تمثل في إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأجيل ما كان يوصف في وسائل الإعلام بهجوم الثلاثاء ضد إيران بعد أن كانت واشنطن قد وضعت خططا عسكرية أولية لشن ضربات واسعة على أهداف داخل العمق الإيراني عقب تصاعد التوتر في الملف النووي وسلسلة المواجهات الإقليمية التي شملت أكثر من ساحة .
الإعلان جاء في لحظة كانت فيها المؤشرات السياسية والعسكرية توحي بأن القرار قد اتخذ بالفعل داخل دوائر القرار في البيت الأبيض حيث تحدثت مصادر عن قائمة أهداف عسكرية منتخبة قدمها كبار القادة العسكريين إلى الرئيس الأميركي وجرى تداول عدة سيناريوهات حولها تراوحت بين ضربة محدودة وضربة شاملة إلا أن القرار النهائي وبشكل مفاجئ انتهى إلى التجميد المؤقت للعملية.
الرئيس الامريكي ترامب برر التراجع العلني بوجود طلب مباشر من قادة قطر والسعودية والإمارات الذين تدخلوا في اللحظة الأخيرة بهدف منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة وهو ما اعتبره فرصة لإحياء مسار تفاوضي أكثر جدية مع طهران حول الملف النووي وترتيبات الأمن الإقليمي .
القراءة السياسية التحليلية الأوسع تشير إلى أن هذا التبرير العلني لا يعكس الصورة الكاملة للقرار حيث تتداخل في خلفيته اعتبارات عسكرية واقتصادية واستراتيجية معقدة تجعل من خيار الحرب المباشرة مخاطرة عالية التكلفة في هذه المرحلة بالذات .
لعل أحد أبرز الأسباب غير المعلنة يتمثل في حالة الغموض التي ما تزال تحيط بمستوى رد الفعل الإيراني المحتمل حيث تدرك واشنطن جيدا أن أي ضربة واسعة قد تفتح الباب أمام ردود متعددة الساحات والجبهات تشمل الخليج والعراق ولبنان واليمن وربما تؤدي بشكل مباشر الى تعطيل خطوط الملاحة والطاقة وهو ما يضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة مباشرة لا يمكن احتواؤها بسهولة .
إلى جانب ذلك تشير تقديرات داخل المؤسسة العسكرية الأميركية إلى أن قدرات الانتشار والذخيرة الدقيقة الامريكية ليست في وضع يسمح بخوض مواجهة طويلة أو متعددة الجبهات بالشكل الذي يتطلبه استهداف إيران دون استنزاف سريع للمخزون العسكري وهو عامل بات يحظى بوزن متزايد في حسابات البنتاغون و القادة الميدانيين.
العامل الإسرائيلي حاضر بقوة في خلفية المشهد حيث تسعى تل أبيب إلى ضمان أن أي مواجهة مع إيران يجب أن تحقق نتائج استراتيجية حاسمة وليس مجرد ضربات محدودة قد تدفع طهران إلى الرد القاسي دون تحقيق تغيير في موازين القوى وهو ما يفسر وجود تباين في التقدير بين الحلفاء حول توقيت وشكل أي عمل عسكري مقبل.
على السطح تلعب الدول الخليجية دورا محوريا في الدفع نحو التهدئة حيث تدرك أن أي حرب مفتوحة ستنعكس مباشرة على مواطنيها ومؤسساتها الحيوية وبناها التحتية وأمنها الاقتصادي واستقرار أسواق الطاقة العالمية ولذلك جاء تدخلها العاجل كعامل كبح إضافي لوقف الاندفاع نحو التصعيد وهو ما منح ترامب غطاء سياسي مقبول كذريعة لتأجيل القرار دون أن يظهر بمظهر التراجع تحت الضغط.
عمليا لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي الداخلي في الولايات المتحدة حيث تواجه الإدارة الأميركية تحديات مرتبطة بالأسواق العالمية وأسعار الطاقة والانتخابات الداخلية وحساسية الرأي العام تجاه الدخول في حرب جديدة طويلة في الشرق الأوسط وهو عامل لطالما شكل قيدا على قرارات التصعيد العسكري في الماضي والحاضر.
الملاحظ بهذا الخصوص أن التجربة الامريكية السابقة مع ملفات دول أخرى مثل باكستان وأفغانستان وغيرها تظهر نمطا متكررا في السياسة الترامبية يقوم على رفع سقف التهديد العسكري إلى أقصى حد ثم استخدامه كورقة ضغط تفاوضية للحصول على مكاسب سياسية اكبر دون الانزلاق إلى حرب شاملة وهو ما يجعل قرار التأجيل جزءا من استراتيجية ضغط معروفة أكثر منه تراجعا نهائيا.
في الخلفية أيضا يظهر ملف المفاوضات النووية كعامل حاسم حيث تسعى واشنطن إلى فرض صيغة اتفاق شامل لا يقتصر على البرنامج النووي بل يمتد إلى النفوذ الإقليمي وسلوك إيران في المنطقة بينما تحاول طهران الحفاظ على الحد الأدنى من شروطها التفاوضية دون تقديم تنازلات جوهرية تظهر ضعفها او قبولها للاملاءات والشروط الامريكية بعد اليوم 81 من الحرب ومسارات التهدئة تحت النار.
بالتدقيق نجد ان كل هذه العوامل مجتمعة تشير إلى أن قرار تأجيل الهجوم لا يعكس تحولا استراتيجيا بقدر ما يعكس إعادة تموضع مؤقت داخل إدارة الأزمة حيث يتم استخدام التهديد العسكري كأداة ضغط في مسار تفاوضي لا يزال مفتوحا على احتمالات متعددة وبينما يعلن ترامب أن باب الحرب لم يغلق وأن الجيش الأميركي ما زال في حالة استعداد كامل لتنفيذ ضربة واسعة في أي لحظة فإن الواقع السياسي يشير إلى أن قرار الحرب بات أكثر تعقيدا من مجرد أمر تنفيذي وأنه بات مرتبط بتوازنات إقليمية ودولية تجعل من أي خطوة غير محسوبة مغامرة ذات كلفة مرتفعة.
هكذا يبدو أن ما فعله ترامب ليس تراجعا بقدر ما هو إعادة حسابات في لحظة إقليمية حساسة تتداخل فيها الدبلوماسية مع الردع العسكري وتتشابك في ثناياها مصالح الحلفاء مع مخاوف الانفجار الاقليمي الكبير وهو ما يبقى المنطقة أمام مرحلة دقيقة من اختبار عض الأصابع بانتظار ما ستكشفه الجولة المقبلة من التفاوض أو التصعيد.
اخيرا : لا يبدو ان تأجيل الهجوم على إيران كان خطوة عابرة في سياق تكتيكي محدود بل هو انعكاس مباشر لميزان قلق متبادل يدرك فيه الجميع أن لحظة الانفجار باتت أقرب من أي وقت مضى وأن قرار الحرب لم يعد قرارا سهلا ولا منفردا بل اصبح معادلة شديدة التعقيد تختلط فيها حسابات الردع بحدود القدرة ومخاوف الاقتصاد بمخاطر الجغرافيا وضغوط الحلفاء بارتباك القرار الأميركي وعدم الاطمئنان الى قوة الردع وبينما يُقدَّم التأجيل في العلن كفرصة للدبلوماسية فإنه في جوهره ليس سوى هدنة مشروطة على حافة الهاوية قد تتحول في أي لحظة إلى شرارة مواجهة أوسع إذا فشلت لغة التفاهم أو اختلّ توازن الحسابات لتبقى المنطقة كلها معلّقة بين حرب مؤجلة لا تلغى وسلام مؤقت لا يركن إليه.
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]
د . مهدي مبارك عبد الله
في التاسع عشر من أيار 2026 شهدت الساحة السياسية الدولية تطورا لافتا تمثل في إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأجيل ما كان يوصف في وسائل الإعلام بهجوم الثلاثاء ضد إيران بعد أن كانت واشنطن قد وضعت خططا عسكرية أولية لشن ضربات واسعة على أهداف داخل العمق الإيراني عقب تصاعد التوتر في الملف النووي وسلسلة المواجهات الإقليمية التي شملت أكثر من ساحة .
الإعلان جاء في لحظة كانت فيها المؤشرات السياسية والعسكرية توحي بأن القرار قد اتخذ بالفعل داخل دوائر القرار في البيت الأبيض حيث تحدثت مصادر عن قائمة أهداف عسكرية منتخبة قدمها كبار القادة العسكريين إلى الرئيس الأميركي وجرى تداول عدة سيناريوهات حولها تراوحت بين ضربة محدودة وضربة شاملة إلا أن القرار النهائي وبشكل مفاجئ انتهى إلى التجميد المؤقت للعملية.
الرئيس الامريكي ترامب برر التراجع العلني بوجود طلب مباشر من قادة قطر والسعودية والإمارات الذين تدخلوا في اللحظة الأخيرة بهدف منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة وهو ما اعتبره فرصة لإحياء مسار تفاوضي أكثر جدية مع طهران حول الملف النووي وترتيبات الأمن الإقليمي .
القراءة السياسية التحليلية الأوسع تشير إلى أن هذا التبرير العلني لا يعكس الصورة الكاملة للقرار حيث تتداخل في خلفيته اعتبارات عسكرية واقتصادية واستراتيجية معقدة تجعل من خيار الحرب المباشرة مخاطرة عالية التكلفة في هذه المرحلة بالذات .
لعل أحد أبرز الأسباب غير المعلنة يتمثل في حالة الغموض التي ما تزال تحيط بمستوى رد الفعل الإيراني المحتمل حيث تدرك واشنطن جيدا أن أي ضربة واسعة قد تفتح الباب أمام ردود متعددة الساحات والجبهات تشمل الخليج والعراق ولبنان واليمن وربما تؤدي بشكل مباشر الى تعطيل خطوط الملاحة والطاقة وهو ما يضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة مباشرة لا يمكن احتواؤها بسهولة .
إلى جانب ذلك تشير تقديرات داخل المؤسسة العسكرية الأميركية إلى أن قدرات الانتشار والذخيرة الدقيقة الامريكية ليست في وضع يسمح بخوض مواجهة طويلة أو متعددة الجبهات بالشكل الذي يتطلبه استهداف إيران دون استنزاف سريع للمخزون العسكري وهو عامل بات يحظى بوزن متزايد في حسابات البنتاغون و القادة الميدانيين.
العامل الإسرائيلي حاضر بقوة في خلفية المشهد حيث تسعى تل أبيب إلى ضمان أن أي مواجهة مع إيران يجب أن تحقق نتائج استراتيجية حاسمة وليس مجرد ضربات محدودة قد تدفع طهران إلى الرد القاسي دون تحقيق تغيير في موازين القوى وهو ما يفسر وجود تباين في التقدير بين الحلفاء حول توقيت وشكل أي عمل عسكري مقبل.
على السطح تلعب الدول الخليجية دورا محوريا في الدفع نحو التهدئة حيث تدرك أن أي حرب مفتوحة ستنعكس مباشرة على مواطنيها ومؤسساتها الحيوية وبناها التحتية وأمنها الاقتصادي واستقرار أسواق الطاقة العالمية ولذلك جاء تدخلها العاجل كعامل كبح إضافي لوقف الاندفاع نحو التصعيد وهو ما منح ترامب غطاء سياسي مقبول كذريعة لتأجيل القرار دون أن يظهر بمظهر التراجع تحت الضغط.
عمليا لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي الداخلي في الولايات المتحدة حيث تواجه الإدارة الأميركية تحديات مرتبطة بالأسواق العالمية وأسعار الطاقة والانتخابات الداخلية وحساسية الرأي العام تجاه الدخول في حرب جديدة طويلة في الشرق الأوسط وهو عامل لطالما شكل قيدا على قرارات التصعيد العسكري في الماضي والحاضر.
الملاحظ بهذا الخصوص أن التجربة الامريكية السابقة مع ملفات دول أخرى مثل باكستان وأفغانستان وغيرها تظهر نمطا متكررا في السياسة الترامبية يقوم على رفع سقف التهديد العسكري إلى أقصى حد ثم استخدامه كورقة ضغط تفاوضية للحصول على مكاسب سياسية اكبر دون الانزلاق إلى حرب شاملة وهو ما يجعل قرار التأجيل جزءا من استراتيجية ضغط معروفة أكثر منه تراجعا نهائيا.
في الخلفية أيضا يظهر ملف المفاوضات النووية كعامل حاسم حيث تسعى واشنطن إلى فرض صيغة اتفاق شامل لا يقتصر على البرنامج النووي بل يمتد إلى النفوذ الإقليمي وسلوك إيران في المنطقة بينما تحاول طهران الحفاظ على الحد الأدنى من شروطها التفاوضية دون تقديم تنازلات جوهرية تظهر ضعفها او قبولها للاملاءات والشروط الامريكية بعد اليوم 81 من الحرب ومسارات التهدئة تحت النار.
بالتدقيق نجد ان كل هذه العوامل مجتمعة تشير إلى أن قرار تأجيل الهجوم لا يعكس تحولا استراتيجيا بقدر ما يعكس إعادة تموضع مؤقت داخل إدارة الأزمة حيث يتم استخدام التهديد العسكري كأداة ضغط في مسار تفاوضي لا يزال مفتوحا على احتمالات متعددة وبينما يعلن ترامب أن باب الحرب لم يغلق وأن الجيش الأميركي ما زال في حالة استعداد كامل لتنفيذ ضربة واسعة في أي لحظة فإن الواقع السياسي يشير إلى أن قرار الحرب بات أكثر تعقيدا من مجرد أمر تنفيذي وأنه بات مرتبط بتوازنات إقليمية ودولية تجعل من أي خطوة غير محسوبة مغامرة ذات كلفة مرتفعة.
هكذا يبدو أن ما فعله ترامب ليس تراجعا بقدر ما هو إعادة حسابات في لحظة إقليمية حساسة تتداخل فيها الدبلوماسية مع الردع العسكري وتتشابك في ثناياها مصالح الحلفاء مع مخاوف الانفجار الاقليمي الكبير وهو ما يبقى المنطقة أمام مرحلة دقيقة من اختبار عض الأصابع بانتظار ما ستكشفه الجولة المقبلة من التفاوض أو التصعيد.
اخيرا : لا يبدو ان تأجيل الهجوم على إيران كان خطوة عابرة في سياق تكتيكي محدود بل هو انعكاس مباشر لميزان قلق متبادل يدرك فيه الجميع أن لحظة الانفجار باتت أقرب من أي وقت مضى وأن قرار الحرب لم يعد قرارا سهلا ولا منفردا بل اصبح معادلة شديدة التعقيد تختلط فيها حسابات الردع بحدود القدرة ومخاوف الاقتصاد بمخاطر الجغرافيا وضغوط الحلفاء بارتباك القرار الأميركي وعدم الاطمئنان الى قوة الردع وبينما يُقدَّم التأجيل في العلن كفرصة للدبلوماسية فإنه في جوهره ليس سوى هدنة مشروطة على حافة الهاوية قد تتحول في أي لحظة إلى شرارة مواجهة أوسع إذا فشلت لغة التفاهم أو اختلّ توازن الحسابات لتبقى المنطقة كلها معلّقة بين حرب مؤجلة لا تلغى وسلام مؤقت لا يركن إليه.
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]
د . مهدي مبارك عبد الله
في التاسع عشر من أيار 2026 شهدت الساحة السياسية الدولية تطورا لافتا تمثل في إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأجيل ما كان يوصف في وسائل الإعلام بهجوم الثلاثاء ضد إيران بعد أن كانت واشنطن قد وضعت خططا عسكرية أولية لشن ضربات واسعة على أهداف داخل العمق الإيراني عقب تصاعد التوتر في الملف النووي وسلسلة المواجهات الإقليمية التي شملت أكثر من ساحة .
الإعلان جاء في لحظة كانت فيها المؤشرات السياسية والعسكرية توحي بأن القرار قد اتخذ بالفعل داخل دوائر القرار في البيت الأبيض حيث تحدثت مصادر عن قائمة أهداف عسكرية منتخبة قدمها كبار القادة العسكريين إلى الرئيس الأميركي وجرى تداول عدة سيناريوهات حولها تراوحت بين ضربة محدودة وضربة شاملة إلا أن القرار النهائي وبشكل مفاجئ انتهى إلى التجميد المؤقت للعملية.
الرئيس الامريكي ترامب برر التراجع العلني بوجود طلب مباشر من قادة قطر والسعودية والإمارات الذين تدخلوا في اللحظة الأخيرة بهدف منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة وهو ما اعتبره فرصة لإحياء مسار تفاوضي أكثر جدية مع طهران حول الملف النووي وترتيبات الأمن الإقليمي .
القراءة السياسية التحليلية الأوسع تشير إلى أن هذا التبرير العلني لا يعكس الصورة الكاملة للقرار حيث تتداخل في خلفيته اعتبارات عسكرية واقتصادية واستراتيجية معقدة تجعل من خيار الحرب المباشرة مخاطرة عالية التكلفة في هذه المرحلة بالذات .
لعل أحد أبرز الأسباب غير المعلنة يتمثل في حالة الغموض التي ما تزال تحيط بمستوى رد الفعل الإيراني المحتمل حيث تدرك واشنطن جيدا أن أي ضربة واسعة قد تفتح الباب أمام ردود متعددة الساحات والجبهات تشمل الخليج والعراق ولبنان واليمن وربما تؤدي بشكل مباشر الى تعطيل خطوط الملاحة والطاقة وهو ما يضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة مباشرة لا يمكن احتواؤها بسهولة .
إلى جانب ذلك تشير تقديرات داخل المؤسسة العسكرية الأميركية إلى أن قدرات الانتشار والذخيرة الدقيقة الامريكية ليست في وضع يسمح بخوض مواجهة طويلة أو متعددة الجبهات بالشكل الذي يتطلبه استهداف إيران دون استنزاف سريع للمخزون العسكري وهو عامل بات يحظى بوزن متزايد في حسابات البنتاغون و القادة الميدانيين.
العامل الإسرائيلي حاضر بقوة في خلفية المشهد حيث تسعى تل أبيب إلى ضمان أن أي مواجهة مع إيران يجب أن تحقق نتائج استراتيجية حاسمة وليس مجرد ضربات محدودة قد تدفع طهران إلى الرد القاسي دون تحقيق تغيير في موازين القوى وهو ما يفسر وجود تباين في التقدير بين الحلفاء حول توقيت وشكل أي عمل عسكري مقبل.
على السطح تلعب الدول الخليجية دورا محوريا في الدفع نحو التهدئة حيث تدرك أن أي حرب مفتوحة ستنعكس مباشرة على مواطنيها ومؤسساتها الحيوية وبناها التحتية وأمنها الاقتصادي واستقرار أسواق الطاقة العالمية ولذلك جاء تدخلها العاجل كعامل كبح إضافي لوقف الاندفاع نحو التصعيد وهو ما منح ترامب غطاء سياسي مقبول كذريعة لتأجيل القرار دون أن يظهر بمظهر التراجع تحت الضغط.
عمليا لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي الداخلي في الولايات المتحدة حيث تواجه الإدارة الأميركية تحديات مرتبطة بالأسواق العالمية وأسعار الطاقة والانتخابات الداخلية وحساسية الرأي العام تجاه الدخول في حرب جديدة طويلة في الشرق الأوسط وهو عامل لطالما شكل قيدا على قرارات التصعيد العسكري في الماضي والحاضر.
الملاحظ بهذا الخصوص أن التجربة الامريكية السابقة مع ملفات دول أخرى مثل باكستان وأفغانستان وغيرها تظهر نمطا متكررا في السياسة الترامبية يقوم على رفع سقف التهديد العسكري إلى أقصى حد ثم استخدامه كورقة ضغط تفاوضية للحصول على مكاسب سياسية اكبر دون الانزلاق إلى حرب شاملة وهو ما يجعل قرار التأجيل جزءا من استراتيجية ضغط معروفة أكثر منه تراجعا نهائيا.
في الخلفية أيضا يظهر ملف المفاوضات النووية كعامل حاسم حيث تسعى واشنطن إلى فرض صيغة اتفاق شامل لا يقتصر على البرنامج النووي بل يمتد إلى النفوذ الإقليمي وسلوك إيران في المنطقة بينما تحاول طهران الحفاظ على الحد الأدنى من شروطها التفاوضية دون تقديم تنازلات جوهرية تظهر ضعفها او قبولها للاملاءات والشروط الامريكية بعد اليوم 81 من الحرب ومسارات التهدئة تحت النار.
بالتدقيق نجد ان كل هذه العوامل مجتمعة تشير إلى أن قرار تأجيل الهجوم لا يعكس تحولا استراتيجيا بقدر ما يعكس إعادة تموضع مؤقت داخل إدارة الأزمة حيث يتم استخدام التهديد العسكري كأداة ضغط في مسار تفاوضي لا يزال مفتوحا على احتمالات متعددة وبينما يعلن ترامب أن باب الحرب لم يغلق وأن الجيش الأميركي ما زال في حالة استعداد كامل لتنفيذ ضربة واسعة في أي لحظة فإن الواقع السياسي يشير إلى أن قرار الحرب بات أكثر تعقيدا من مجرد أمر تنفيذي وأنه بات مرتبط بتوازنات إقليمية ودولية تجعل من أي خطوة غير محسوبة مغامرة ذات كلفة مرتفعة.
هكذا يبدو أن ما فعله ترامب ليس تراجعا بقدر ما هو إعادة حسابات في لحظة إقليمية حساسة تتداخل فيها الدبلوماسية مع الردع العسكري وتتشابك في ثناياها مصالح الحلفاء مع مخاوف الانفجار الاقليمي الكبير وهو ما يبقى المنطقة أمام مرحلة دقيقة من اختبار عض الأصابع بانتظار ما ستكشفه الجولة المقبلة من التفاوض أو التصعيد.
اخيرا : لا يبدو ان تأجيل الهجوم على إيران كان خطوة عابرة في سياق تكتيكي محدود بل هو انعكاس مباشر لميزان قلق متبادل يدرك فيه الجميع أن لحظة الانفجار باتت أقرب من أي وقت مضى وأن قرار الحرب لم يعد قرارا سهلا ولا منفردا بل اصبح معادلة شديدة التعقيد تختلط فيها حسابات الردع بحدود القدرة ومخاوف الاقتصاد بمخاطر الجغرافيا وضغوط الحلفاء بارتباك القرار الأميركي وعدم الاطمئنان الى قوة الردع وبينما يُقدَّم التأجيل في العلن كفرصة للدبلوماسية فإنه في جوهره ليس سوى هدنة مشروطة على حافة الهاوية قد تتحول في أي لحظة إلى شرارة مواجهة أوسع إذا فشلت لغة التفاهم أو اختلّ توازن الحسابات لتبقى المنطقة كلها معلّقة بين حرب مؤجلة لا تلغى وسلام مؤقت لا يركن إليه.
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]
التعليقات