ثمّة لحظاتٌ في تاريخ الدول لا تُقاس بضجيج الخطب، بل بجرأة القرار؛ لحظاتٌ يخرج فيها المسؤول من عباءة التردّد إلى يقين الإصلاح، فيُعيد ترتيب البيت الوطني لا وفق ما يرضي العادة، بل وفق ما تنادي به مصلحة الوطن العليا، ومن هذا الأفق، تبدو الخطوات التي اتخذتها الحكومة مؤخرًا وكأنها بدايةُ تحوّلٍ في فلسفة الإدارة العامة، عنوانه الشجاعة في مواجهة الترهل، والحكمة في إعادة هندسة مؤسسات الدولة، لقد تجلّت هذه الروح الإصلاحية في القرار الذي تمخّض عنه دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي تحت مظلة وزارة التربية والتعليم والموارد البشرية، في خطوةٍ تحمل دلالةً عميقة على أن المعرفة ليست جزرًا متباعدة، بل نهرٌ واحدٌ يبدأ من مقاعد الطفولة وينتهي عند بناء الإنسان القادر على حمل الوطن نحو المستقبل، كما جاءت خطوة دمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية لتبعث برسالةٍ واضحة مفادها أن الدولة بدأت تدرك أنّ تشابه الأدوار لا ينبغي أن يبقى موزّعًا بين كياناتٍ متوازية تستنزف الموارد، بينما الحكمة تقتضي جمع الجهود في جسدٍ واحدٍ أكثر كفاءةً واتزانًا.
وإننا، ونحن نراقب هذه القرارات، لا نقرأها بوصفها إجراءاتٍ إداريةً عابرة، بل بوصفها نتاج لفلسفة دولةٍ جديدة؛ دولةٍ تُدرك أن كثرة المؤسسات ليست دليل قوة، وأن تضخّم الهياكل قد يتحوّل مع الزمن إلى حملٍ ثقيلٍ على ظهر الاقتصاد الوطني، ومن هنا، يحدونا الأمل بأن تستمر هذه الخطوات الجريئة لتشمل مختلف الهيئات الحكومية المستقلة، عبر دمجها بالوزارات الأقرب إلى طبيعة عملها، حتى تستعيد الدولة انسجامها الداخلي، وتتخفف من الأعباء التي أثقلت جسدها الإداري طويلًا، فالدولة العظيمة ليست تلك التي تتكاثر فيها المؤسسات كما تتكاثر الظلال عند غروب الشمس، بل تلك التي تعرف كيف تُحسن ترتيب الضوء في فضائها العام، فتجعل من كلّ مؤسسةٍ حاجة ماسة، ومن كلّ نفقةٍ ضرورة، ومن كلّ قرارٍ خطوةً في طريق النجاة الوطنية، فالأوطان لا تُدار بزحمة العناوين، ولا تتقوّى بتضخّم الهياكل، بل تُبنى على الانسجام العميق بين الوظيفة والغاية، وبين المال العام وكرامة الإنسان.
لقد أصبحت كثرة الهيئات المستقلة في بعض الأحيان صورةً من صور التمدّد الإداري الذي يشبه شجرةً نمت أغصانها بلا تهذيب، حتى باتت تستهلك ماءها في الأوراق الزائدة بدل أن تمنح ثمرها للأرض والعابرين، فحين تتشابه الصلاحيات، وتتقاطع المهام، وتتكرر الوظائف بين هيئةٍ ووزارة، فإنّ الدولة تدخل في متاهةٍ من التنازع البيروقراطي الصامت؛ متاهةٍ تُهدر الوقت، وتُربك القرار، وتستنزف المال العام كما تستنزف الرمالُ ماء المطر النادر، فتعدّد الهيئات المستقلة لا يُنتج دائمًا استقلالًا في الرؤية، بل قد يُنتج جزرًا إداريةً معزولة، لكلّ جزيرةٍ نظامها، وإنفاقها، ومركباتها، ومكاتبها، وامتيازاتها، بينما الوطن في النهاية هو من يدفع الفاتورة الكبرى من أعصاب اقتصاده، ومن صبر مواطنيه، ومن أحلام شبابه المؤجلة. فكلّ مؤسسةٍ تُبنى خارج الحاجة الحقيقية، إنما تضيف حجرًا جديدًا إلى جبل الأعباء الذي يحمله المواطن فوق كتفيه كل صباح، فالتضخّم المؤسسي يخلق بيئةً خصبة للبيروقراطية الثقيلة، حيث تصبح المعاملة رحلةً بين التواقيع والأختام، لا خدمةً سريعةً تحفظ وقت الإنسان وكرامته، وحين تتشعّب المؤسسات، تتشعّب معها مراكز النفوذ، وتتكرّر النفقات التشغيلية، وتتوزّع المسؤوليات بطريقةٍ تجعل المحاسبة ضبابية، فلا يعرف المواطن أين يبدأ الخلل، ولا أين ينتهي، فثمّة نزيفٌ صامتٌ يحدث حين تتكاثر الهيئات بلا ضرورة؛ نزيفٌ لا يُرى في نشرات الأخبار، لكنه يظهر في عجز الموازنات، وفي ارتفاع الدين، وفي تراجع القدرة على توجيه الموارد نحو التعليم والصحة والبنية التحتية وفرص العمل. فكلُّ راتبٍ إداريٍّ زائد، وكلُّ مبنى متكرر، وكلُّ مجلس إدارة لا يضيف قيمة حقيقية، قد يكون على الضفة الأخرى مدرسةً لم تُبنَ، أو مستشفىً لم يكتمل، أو شابًا بقي واقفًا على رصيف البطالة ينتظر نافذة أمل.
ومن هنا، فإنّ دمج الهيئات المستقلة بالوزارات الأقرب إلى طبيعة عملها لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تقليصًا للدولة، بل إعادةَ اكتشافٍ لجوهرها الحقيقي، فالدولة القوية ليست تلك التي تتكاثر فيها الأذرع حتى تعجز عن الحركة، بل التي تمتلك جسدًا متناسقًا يعرف كيف يوجّه طاقته نحو الأولويات الكبرى، ولإنّ إيجابيات الدمج لا تتوقف عند ترشيد النفقات، بل تمتدّ إلى إعادة الحيوية إلى الإدارة العامة نفسها، فالدمج يعني توحيد القرار، وتقليل التداخل، وتسريع الإنجاز، ورفع كفاءة الرقابة والمحاسبة، وتوجيه الموارد البشرية والمالية نحو أهدافٍ أكثر وضوحًا وتأثيرًا، وهو كذلك رسالةٌ أخلاقيةٌ قبل أن يكون قرارًا اقتصاديًا؛ رسالةٌ تقول إنّ الدولة تشارك مواطنيها أعباء المرحلة، ولا تطلب منهم الصبر بينما تظلّ الهياكل المترهلة تستهلك مقدّرات الوطن بصمت، فحين تندمج المؤسسات المتشابهة، يصبح القرار أكثر اتزانًا، وتصبح المسؤولية أكثر وضوحًا، وتتحول الإدارة العامة من متاهةٍ بيروقراطية إلى منظومةٍ أكثر رشاقة وانسيابًا، عندها فقط يشعر المواطن أنّ الدولة لا تستهلكه، بل تحميه؛ لا تنافسه على لقمة العيش، بل تفتح له أبواب الكرامة والعمل والاستقرار.
إنّ الفلسفة الحديثة في بناء الدول لم تعد تؤمن بكثرة المؤسسات بقدر إيمانها بكفاءة الأداء، فالدول التي نجحت في عبور أزماتها الاقتصادية لم تفعل ذلك عبر تضخيم البيروقراطية، بل عبر إعادة هندسة أجهزتها لتكون أكثر مرونةً وفاعليةً وأقلّ كلفة، لأنّ الحكمة ليست في أن تمتلك الدولة عددًا أكبر من الأبنية، بل أن تمتلك قدرةً أكبر على خدمة الإنسان بأقلّ هدرٍ وأكثر عدالة، فيا حكومتنا الموقرة، إنّ الوطن اليوم لا يحتاج إلى تجميل المشهد الإداري بقدر حاجته إلى قراراتٍ شجاعة تُعيد ترتيب البيت من الداخل، فالعاصفة الاقتصادية (ان حدثت) لا تُواجه بالإنكار، بل بالتخفيف من الأحمال الزائدة، وبالعودة إلى جوهر الدولة: خدمة الإنسان، صيانة الكرامة، وحماية المستقبل، فلتكن عملية دمج الهيئات المستقلة بدايةَ عهدٍ جديدٍ، وعنوان للمرحلة القادمة، تُستعاد فيها هيبة الإدارة الرشيدة، ويُصان فيه المال العام كأنه آخرُ قناديل البيت في ليلةٍ طويلة من الريح، ولتكن هذه الخطوة إعلانًا بأنّ الأردن، رغم ضيق الجغرافيا وثقل التحديات الاقتصادية، ما يزال قادرًا على أن يختار الحكمة بدل الترف، والكفاءة بدل التكرار، والدولة الحيّة بدل الهياكل التي أنهكها التضخم والتشظّي، وبذلك يتم هندسة الدولة الحديثة، وتصبح الكفاءة بدلا من التضخم المؤسسي.
أ.د. غازي عبدالمجيد الرقيبات
ثمّة لحظاتٌ في تاريخ الدول لا تُقاس بضجيج الخطب، بل بجرأة القرار؛ لحظاتٌ يخرج فيها المسؤول من عباءة التردّد إلى يقين الإصلاح، فيُعيد ترتيب البيت الوطني لا وفق ما يرضي العادة، بل وفق ما تنادي به مصلحة الوطن العليا، ومن هذا الأفق، تبدو الخطوات التي اتخذتها الحكومة مؤخرًا وكأنها بدايةُ تحوّلٍ في فلسفة الإدارة العامة، عنوانه الشجاعة في مواجهة الترهل، والحكمة في إعادة هندسة مؤسسات الدولة، لقد تجلّت هذه الروح الإصلاحية في القرار الذي تمخّض عنه دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي تحت مظلة وزارة التربية والتعليم والموارد البشرية، في خطوةٍ تحمل دلالةً عميقة على أن المعرفة ليست جزرًا متباعدة، بل نهرٌ واحدٌ يبدأ من مقاعد الطفولة وينتهي عند بناء الإنسان القادر على حمل الوطن نحو المستقبل، كما جاءت خطوة دمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية لتبعث برسالةٍ واضحة مفادها أن الدولة بدأت تدرك أنّ تشابه الأدوار لا ينبغي أن يبقى موزّعًا بين كياناتٍ متوازية تستنزف الموارد، بينما الحكمة تقتضي جمع الجهود في جسدٍ واحدٍ أكثر كفاءةً واتزانًا.
وإننا، ونحن نراقب هذه القرارات، لا نقرأها بوصفها إجراءاتٍ إداريةً عابرة، بل بوصفها نتاج لفلسفة دولةٍ جديدة؛ دولةٍ تُدرك أن كثرة المؤسسات ليست دليل قوة، وأن تضخّم الهياكل قد يتحوّل مع الزمن إلى حملٍ ثقيلٍ على ظهر الاقتصاد الوطني، ومن هنا، يحدونا الأمل بأن تستمر هذه الخطوات الجريئة لتشمل مختلف الهيئات الحكومية المستقلة، عبر دمجها بالوزارات الأقرب إلى طبيعة عملها، حتى تستعيد الدولة انسجامها الداخلي، وتتخفف من الأعباء التي أثقلت جسدها الإداري طويلًا، فالدولة العظيمة ليست تلك التي تتكاثر فيها المؤسسات كما تتكاثر الظلال عند غروب الشمس، بل تلك التي تعرف كيف تُحسن ترتيب الضوء في فضائها العام، فتجعل من كلّ مؤسسةٍ حاجة ماسة، ومن كلّ نفقةٍ ضرورة، ومن كلّ قرارٍ خطوةً في طريق النجاة الوطنية، فالأوطان لا تُدار بزحمة العناوين، ولا تتقوّى بتضخّم الهياكل، بل تُبنى على الانسجام العميق بين الوظيفة والغاية، وبين المال العام وكرامة الإنسان.
لقد أصبحت كثرة الهيئات المستقلة في بعض الأحيان صورةً من صور التمدّد الإداري الذي يشبه شجرةً نمت أغصانها بلا تهذيب، حتى باتت تستهلك ماءها في الأوراق الزائدة بدل أن تمنح ثمرها للأرض والعابرين، فحين تتشابه الصلاحيات، وتتقاطع المهام، وتتكرر الوظائف بين هيئةٍ ووزارة، فإنّ الدولة تدخل في متاهةٍ من التنازع البيروقراطي الصامت؛ متاهةٍ تُهدر الوقت، وتُربك القرار، وتستنزف المال العام كما تستنزف الرمالُ ماء المطر النادر، فتعدّد الهيئات المستقلة لا يُنتج دائمًا استقلالًا في الرؤية، بل قد يُنتج جزرًا إداريةً معزولة، لكلّ جزيرةٍ نظامها، وإنفاقها، ومركباتها، ومكاتبها، وامتيازاتها، بينما الوطن في النهاية هو من يدفع الفاتورة الكبرى من أعصاب اقتصاده، ومن صبر مواطنيه، ومن أحلام شبابه المؤجلة. فكلّ مؤسسةٍ تُبنى خارج الحاجة الحقيقية، إنما تضيف حجرًا جديدًا إلى جبل الأعباء الذي يحمله المواطن فوق كتفيه كل صباح، فالتضخّم المؤسسي يخلق بيئةً خصبة للبيروقراطية الثقيلة، حيث تصبح المعاملة رحلةً بين التواقيع والأختام، لا خدمةً سريعةً تحفظ وقت الإنسان وكرامته، وحين تتشعّب المؤسسات، تتشعّب معها مراكز النفوذ، وتتكرّر النفقات التشغيلية، وتتوزّع المسؤوليات بطريقةٍ تجعل المحاسبة ضبابية، فلا يعرف المواطن أين يبدأ الخلل، ولا أين ينتهي، فثمّة نزيفٌ صامتٌ يحدث حين تتكاثر الهيئات بلا ضرورة؛ نزيفٌ لا يُرى في نشرات الأخبار، لكنه يظهر في عجز الموازنات، وفي ارتفاع الدين، وفي تراجع القدرة على توجيه الموارد نحو التعليم والصحة والبنية التحتية وفرص العمل. فكلُّ راتبٍ إداريٍّ زائد، وكلُّ مبنى متكرر، وكلُّ مجلس إدارة لا يضيف قيمة حقيقية، قد يكون على الضفة الأخرى مدرسةً لم تُبنَ، أو مستشفىً لم يكتمل، أو شابًا بقي واقفًا على رصيف البطالة ينتظر نافذة أمل.
ومن هنا، فإنّ دمج الهيئات المستقلة بالوزارات الأقرب إلى طبيعة عملها لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تقليصًا للدولة، بل إعادةَ اكتشافٍ لجوهرها الحقيقي، فالدولة القوية ليست تلك التي تتكاثر فيها الأذرع حتى تعجز عن الحركة، بل التي تمتلك جسدًا متناسقًا يعرف كيف يوجّه طاقته نحو الأولويات الكبرى، ولإنّ إيجابيات الدمج لا تتوقف عند ترشيد النفقات، بل تمتدّ إلى إعادة الحيوية إلى الإدارة العامة نفسها، فالدمج يعني توحيد القرار، وتقليل التداخل، وتسريع الإنجاز، ورفع كفاءة الرقابة والمحاسبة، وتوجيه الموارد البشرية والمالية نحو أهدافٍ أكثر وضوحًا وتأثيرًا، وهو كذلك رسالةٌ أخلاقيةٌ قبل أن يكون قرارًا اقتصاديًا؛ رسالةٌ تقول إنّ الدولة تشارك مواطنيها أعباء المرحلة، ولا تطلب منهم الصبر بينما تظلّ الهياكل المترهلة تستهلك مقدّرات الوطن بصمت، فحين تندمج المؤسسات المتشابهة، يصبح القرار أكثر اتزانًا، وتصبح المسؤولية أكثر وضوحًا، وتتحول الإدارة العامة من متاهةٍ بيروقراطية إلى منظومةٍ أكثر رشاقة وانسيابًا، عندها فقط يشعر المواطن أنّ الدولة لا تستهلكه، بل تحميه؛ لا تنافسه على لقمة العيش، بل تفتح له أبواب الكرامة والعمل والاستقرار.
إنّ الفلسفة الحديثة في بناء الدول لم تعد تؤمن بكثرة المؤسسات بقدر إيمانها بكفاءة الأداء، فالدول التي نجحت في عبور أزماتها الاقتصادية لم تفعل ذلك عبر تضخيم البيروقراطية، بل عبر إعادة هندسة أجهزتها لتكون أكثر مرونةً وفاعليةً وأقلّ كلفة، لأنّ الحكمة ليست في أن تمتلك الدولة عددًا أكبر من الأبنية، بل أن تمتلك قدرةً أكبر على خدمة الإنسان بأقلّ هدرٍ وأكثر عدالة، فيا حكومتنا الموقرة، إنّ الوطن اليوم لا يحتاج إلى تجميل المشهد الإداري بقدر حاجته إلى قراراتٍ شجاعة تُعيد ترتيب البيت من الداخل، فالعاصفة الاقتصادية (ان حدثت) لا تُواجه بالإنكار، بل بالتخفيف من الأحمال الزائدة، وبالعودة إلى جوهر الدولة: خدمة الإنسان، صيانة الكرامة، وحماية المستقبل، فلتكن عملية دمج الهيئات المستقلة بدايةَ عهدٍ جديدٍ، وعنوان للمرحلة القادمة، تُستعاد فيها هيبة الإدارة الرشيدة، ويُصان فيه المال العام كأنه آخرُ قناديل البيت في ليلةٍ طويلة من الريح، ولتكن هذه الخطوة إعلانًا بأنّ الأردن، رغم ضيق الجغرافيا وثقل التحديات الاقتصادية، ما يزال قادرًا على أن يختار الحكمة بدل الترف، والكفاءة بدل التكرار، والدولة الحيّة بدل الهياكل التي أنهكها التضخم والتشظّي، وبذلك يتم هندسة الدولة الحديثة، وتصبح الكفاءة بدلا من التضخم المؤسسي.
أ.د. غازي عبدالمجيد الرقيبات
ثمّة لحظاتٌ في تاريخ الدول لا تُقاس بضجيج الخطب، بل بجرأة القرار؛ لحظاتٌ يخرج فيها المسؤول من عباءة التردّد إلى يقين الإصلاح، فيُعيد ترتيب البيت الوطني لا وفق ما يرضي العادة، بل وفق ما تنادي به مصلحة الوطن العليا، ومن هذا الأفق، تبدو الخطوات التي اتخذتها الحكومة مؤخرًا وكأنها بدايةُ تحوّلٍ في فلسفة الإدارة العامة، عنوانه الشجاعة في مواجهة الترهل، والحكمة في إعادة هندسة مؤسسات الدولة، لقد تجلّت هذه الروح الإصلاحية في القرار الذي تمخّض عنه دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي تحت مظلة وزارة التربية والتعليم والموارد البشرية، في خطوةٍ تحمل دلالةً عميقة على أن المعرفة ليست جزرًا متباعدة، بل نهرٌ واحدٌ يبدأ من مقاعد الطفولة وينتهي عند بناء الإنسان القادر على حمل الوطن نحو المستقبل، كما جاءت خطوة دمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية لتبعث برسالةٍ واضحة مفادها أن الدولة بدأت تدرك أنّ تشابه الأدوار لا ينبغي أن يبقى موزّعًا بين كياناتٍ متوازية تستنزف الموارد، بينما الحكمة تقتضي جمع الجهود في جسدٍ واحدٍ أكثر كفاءةً واتزانًا.
وإننا، ونحن نراقب هذه القرارات، لا نقرأها بوصفها إجراءاتٍ إداريةً عابرة، بل بوصفها نتاج لفلسفة دولةٍ جديدة؛ دولةٍ تُدرك أن كثرة المؤسسات ليست دليل قوة، وأن تضخّم الهياكل قد يتحوّل مع الزمن إلى حملٍ ثقيلٍ على ظهر الاقتصاد الوطني، ومن هنا، يحدونا الأمل بأن تستمر هذه الخطوات الجريئة لتشمل مختلف الهيئات الحكومية المستقلة، عبر دمجها بالوزارات الأقرب إلى طبيعة عملها، حتى تستعيد الدولة انسجامها الداخلي، وتتخفف من الأعباء التي أثقلت جسدها الإداري طويلًا، فالدولة العظيمة ليست تلك التي تتكاثر فيها المؤسسات كما تتكاثر الظلال عند غروب الشمس، بل تلك التي تعرف كيف تُحسن ترتيب الضوء في فضائها العام، فتجعل من كلّ مؤسسةٍ حاجة ماسة، ومن كلّ نفقةٍ ضرورة، ومن كلّ قرارٍ خطوةً في طريق النجاة الوطنية، فالأوطان لا تُدار بزحمة العناوين، ولا تتقوّى بتضخّم الهياكل، بل تُبنى على الانسجام العميق بين الوظيفة والغاية، وبين المال العام وكرامة الإنسان.
لقد أصبحت كثرة الهيئات المستقلة في بعض الأحيان صورةً من صور التمدّد الإداري الذي يشبه شجرةً نمت أغصانها بلا تهذيب، حتى باتت تستهلك ماءها في الأوراق الزائدة بدل أن تمنح ثمرها للأرض والعابرين، فحين تتشابه الصلاحيات، وتتقاطع المهام، وتتكرر الوظائف بين هيئةٍ ووزارة، فإنّ الدولة تدخل في متاهةٍ من التنازع البيروقراطي الصامت؛ متاهةٍ تُهدر الوقت، وتُربك القرار، وتستنزف المال العام كما تستنزف الرمالُ ماء المطر النادر، فتعدّد الهيئات المستقلة لا يُنتج دائمًا استقلالًا في الرؤية، بل قد يُنتج جزرًا إداريةً معزولة، لكلّ جزيرةٍ نظامها، وإنفاقها، ومركباتها، ومكاتبها، وامتيازاتها، بينما الوطن في النهاية هو من يدفع الفاتورة الكبرى من أعصاب اقتصاده، ومن صبر مواطنيه، ومن أحلام شبابه المؤجلة. فكلّ مؤسسةٍ تُبنى خارج الحاجة الحقيقية، إنما تضيف حجرًا جديدًا إلى جبل الأعباء الذي يحمله المواطن فوق كتفيه كل صباح، فالتضخّم المؤسسي يخلق بيئةً خصبة للبيروقراطية الثقيلة، حيث تصبح المعاملة رحلةً بين التواقيع والأختام، لا خدمةً سريعةً تحفظ وقت الإنسان وكرامته، وحين تتشعّب المؤسسات، تتشعّب معها مراكز النفوذ، وتتكرّر النفقات التشغيلية، وتتوزّع المسؤوليات بطريقةٍ تجعل المحاسبة ضبابية، فلا يعرف المواطن أين يبدأ الخلل، ولا أين ينتهي، فثمّة نزيفٌ صامتٌ يحدث حين تتكاثر الهيئات بلا ضرورة؛ نزيفٌ لا يُرى في نشرات الأخبار، لكنه يظهر في عجز الموازنات، وفي ارتفاع الدين، وفي تراجع القدرة على توجيه الموارد نحو التعليم والصحة والبنية التحتية وفرص العمل. فكلُّ راتبٍ إداريٍّ زائد، وكلُّ مبنى متكرر، وكلُّ مجلس إدارة لا يضيف قيمة حقيقية، قد يكون على الضفة الأخرى مدرسةً لم تُبنَ، أو مستشفىً لم يكتمل، أو شابًا بقي واقفًا على رصيف البطالة ينتظر نافذة أمل.
ومن هنا، فإنّ دمج الهيئات المستقلة بالوزارات الأقرب إلى طبيعة عملها لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تقليصًا للدولة، بل إعادةَ اكتشافٍ لجوهرها الحقيقي، فالدولة القوية ليست تلك التي تتكاثر فيها الأذرع حتى تعجز عن الحركة، بل التي تمتلك جسدًا متناسقًا يعرف كيف يوجّه طاقته نحو الأولويات الكبرى، ولإنّ إيجابيات الدمج لا تتوقف عند ترشيد النفقات، بل تمتدّ إلى إعادة الحيوية إلى الإدارة العامة نفسها، فالدمج يعني توحيد القرار، وتقليل التداخل، وتسريع الإنجاز، ورفع كفاءة الرقابة والمحاسبة، وتوجيه الموارد البشرية والمالية نحو أهدافٍ أكثر وضوحًا وتأثيرًا، وهو كذلك رسالةٌ أخلاقيةٌ قبل أن يكون قرارًا اقتصاديًا؛ رسالةٌ تقول إنّ الدولة تشارك مواطنيها أعباء المرحلة، ولا تطلب منهم الصبر بينما تظلّ الهياكل المترهلة تستهلك مقدّرات الوطن بصمت، فحين تندمج المؤسسات المتشابهة، يصبح القرار أكثر اتزانًا، وتصبح المسؤولية أكثر وضوحًا، وتتحول الإدارة العامة من متاهةٍ بيروقراطية إلى منظومةٍ أكثر رشاقة وانسيابًا، عندها فقط يشعر المواطن أنّ الدولة لا تستهلكه، بل تحميه؛ لا تنافسه على لقمة العيش، بل تفتح له أبواب الكرامة والعمل والاستقرار.
إنّ الفلسفة الحديثة في بناء الدول لم تعد تؤمن بكثرة المؤسسات بقدر إيمانها بكفاءة الأداء، فالدول التي نجحت في عبور أزماتها الاقتصادية لم تفعل ذلك عبر تضخيم البيروقراطية، بل عبر إعادة هندسة أجهزتها لتكون أكثر مرونةً وفاعليةً وأقلّ كلفة، لأنّ الحكمة ليست في أن تمتلك الدولة عددًا أكبر من الأبنية، بل أن تمتلك قدرةً أكبر على خدمة الإنسان بأقلّ هدرٍ وأكثر عدالة، فيا حكومتنا الموقرة، إنّ الوطن اليوم لا يحتاج إلى تجميل المشهد الإداري بقدر حاجته إلى قراراتٍ شجاعة تُعيد ترتيب البيت من الداخل، فالعاصفة الاقتصادية (ان حدثت) لا تُواجه بالإنكار، بل بالتخفيف من الأحمال الزائدة، وبالعودة إلى جوهر الدولة: خدمة الإنسان، صيانة الكرامة، وحماية المستقبل، فلتكن عملية دمج الهيئات المستقلة بدايةَ عهدٍ جديدٍ، وعنوان للمرحلة القادمة، تُستعاد فيها هيبة الإدارة الرشيدة، ويُصان فيه المال العام كأنه آخرُ قناديل البيت في ليلةٍ طويلة من الريح، ولتكن هذه الخطوة إعلانًا بأنّ الأردن، رغم ضيق الجغرافيا وثقل التحديات الاقتصادية، ما يزال قادرًا على أن يختار الحكمة بدل الترف، والكفاءة بدل التكرار، والدولة الحيّة بدل الهياكل التي أنهكها التضخم والتشظّي، وبذلك يتم هندسة الدولة الحديثة، وتصبح الكفاءة بدلا من التضخم المؤسسي.
أ.د. غازي عبدالمجيد الرقيبات
التعليقات