لم يكن اغتيال القائد العام لكتائب القسام الشهيد عز الدين الحداد مجرد عملية أمنية عابرة في سياق الحرب الطويلة والمفتوحة على قطاع غزة بل بدا أقرب إلى فصل جديد من العقيدة الإسرائيلية القائمة على تصفية الرموز ومحاولة تحويل الدم الفلسطيني إلى وسيلة لإعادة ترميم صورة الردع التي تصدعت منذ عملية طوفان الأقصى سيما وان الرجل الذي وصفته إسرائيل بـشبح القسام وذي الأرواح السبعة لم يكن قائدا ميدانيا عاديا بل أحد آخر الوجوه المؤسسة داخل البنية العسكرية لحركة حركة المقاومة الإسلامية حماس وأحد أكثر العقول التصاقا بعملية إعادة بناء الجناح العسكري بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت الصف الأول من قادته
في العمق تبدو عملية الاغتيال امتدادا مباشرا لما يعرف داخل الأدبيات السياسية والأمنية الإسرائيلية بعقدة ميونخ وهي العقدة النفسية والسياسية التي تشكلت بعد عملية عملية ميونخ 1972 حين رسخت المؤسسة الإسرائيلية قناعة مفادها أن أي ضربة تتعرض لها الدولة يجب أن يقابلها انتقام طويل المدى يتجاوز حدود الجغرافيا والزمن بحيث تتحول الاغتيالات إلى عقيدة ثابتة لا مجرد أدوات أمنية ومنذ ذلك التاريخ أصبحت إسرائيل تنظر إلى تصفية الخصوم بوصفها استعادة للهيبة وردا رمزيا على الإهانة الوجودية التي قد تتعرض لها الدولة أو جيشها أو صورتها أمام جمهورها الداخلي
عمليا لم يكن مستغربا أن يتحول عز الدين الحداد إلى هدف مركزي بعد السابع من أكتوبر لأن الرجل بالنسبة للعقل الأمني الإسرائيلي يمثل تجسيدا حيا لفشل المنظومة الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية خصوصا وان نجاته المتكررة من محاولات الاغتيال ( 6 مرات ) وتحوله إلى أحد أبرز العقول المشرفة على إدارة الحرب وإعادة ترميم القسام جعلت منه رمزا معنويا خطيرا لا يقل أهمية عن حضوره العسكري الميداني ولذلك فإن اغتياله بالنسبة لنتنياهو لم يكن مجرد إنجاز عملياتي بل محاولة نفسية لاستعادة صورة الدولة القادرة على الوصول إلى خصومها مهما اختبأوا ومهما طال الزمن
طريقة تنفيذ العملية تكشف حجم الإصرار الإسرائيلي على إنهاء الحداد بأي ثمن فقد تحدثت الروايات العبرية عن استخدام ثلاث مقاتلات وإلقاء ثلاث عشرة قنبلة على شقة سكنية كان موجود فيها بحي الرمال إضافة إلى استهداف سيارة خرجت من المكان كانت تحل مصابين بعد القصف بدقائق في محاولة لضمان عدم نجاة الهدف وهو ما يعكس ليس فقط الطبيعة الانتقامية للعملية بل أيضا حجم القلق الإسرائيلي من إمكانية فشلها مرة أخرى خصوصا وأن الحداد سبق أن نجا من محاولات اغتيال عديدة منذ أعوام 2009 و2012 و2021 وصولا إلى الحرب الأخيرة
توقيت العملية لا يبدو منفصلا عن الأزمة السياسية والعسكرية التي تعيشها حكومة بنيامين نتنياهو الذي يواجه يوميا ضغوطا داخلية متزايدة وفشلا واضحا في تحقيق حسم كامل في غزة ويحتاج بصورة مستمرة إلى إنجازات أمنية يعيد عبرها تسويق نفسه أمام المجتمع الإسرائيلي ولذلك جاءت عملية اغتيال الحداد في لحظة تتعثر فيها مفاوضات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار وتتصاعد فيها الاتهامات لنتنياهو بالسعي إلى إطالة أمد الحرب لأسباب سياسية وشخصية
وفق هذا التصور يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على ربط الحداد بعرقلة المفاوضات ومحاولة تصوير اغتياله كخطوة ضرورية لفتح الطريق أمام التهدئة بينما تبدو الحقيقة أقرب إلى محاولة دفع المقاومة نحو رد عسكري يعيد إشعال المواجهة ويمنح تل أبيب مبررا للعودة إلى الحرب المفتوحة وإسرائيل تدرك أن استمرار الهدوء النسبي مع بقاء بنية القسام قادرة على إعادة تنظيم نفسها يشكل اعترافا ضمنيا بفشل أهداف الحرب ولذلك تبدو الاغتيالات جزءا من معركة إدارة الصراع أكثر من كونها حلا نهائيا له
السؤال الأهم في العملية يبقى مرتبطا بما يعنيه غياب عز الدين الحداد بالنسبة للقسام خاصة وللمقاومة الفلسطينية عموما وهنا تبدو الصورة أكثر تعقيدا مما تحاول إسرائيل الترويج له رغم انه صحيح أن الحداد كان يشكل ركنا محوريا داخل منظومة القيادة العسكرية وأنه لعب دورا بارزا في إعادة ترتيب الهيكل التنظيمي للجناح العسكري بعد اغتيال قادة كبار مثل محمد الضيف ومحمد السنوار إلا أن تجربة القسام خلال العقود الماضية أظهرت أن الحركة بنت منظومتها القيادية على أساس العمل المؤسسي لا الفردي كما طورت آليات داخلية تسمح باستمرار القيادة والسيطرة حتى في أصعب الظروف والمفاجئات
الملاحظ للمراقبين انه بعد كل اغتيال كانت إسرائيل تعتقد أنها وجهت الضربة القاضية للمقاومة الا انه في الميدان كانت تظهر قيادات جديدة أكثر تشددا وخبرة وقدرة على التكيف مع الواقع وهذا ما حدث بعد اغتيال أحمد الجعبري وما تكرر بعد اغتيال الضيف والسنوار وغيرهما لذلك فإن الرهان على أن تصفية الحداد ستؤدي إلى انهيار القسام يبدو أقرب إلى وهم سياسي وإعلامي منه إلى تقدير استراتيجي واقعي
الأخطر بالنسبة لإسرائيل قد يكون في النتائج العكسية للعملية حيث غالبا ما تتحول الشخصيات التي يتم اغتيالها إلى رموز قدوة وتعبئة داخل البيئة الفلسطينية ويصبح دمها وقودا إضافيا لاستمرار القتال خصوصا عندما تقترن عمليات الاغتيال بسقوط نساء وأطفال ومدنيين كما حدث في حي الرمال وهذا المشهد الدموي الناتج عن القصف المكثف لا يعزز فقط سردية المظلومية الفلسطينية بل يغذي أيضا مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام داخل الأجيال الجديدة
على المستوى الإقليمي اغتيال الحداد يبعث برسائل متعددة تتجاوز غزة نفسها فهو يؤكد أن إسرائيل ماضية في سياسة الاغتيالات المفتوحة حتى في ظل وجود اتفاقات تهدئة ووقف لأطلاق النار وضمانات دولية كما يكشف ايضا حدود الدور الأميركي الذي يظهر مرة أخرى بوصفه غطاء سياسي وأمني للتحركات الإسرائيلية أكثر من كونه ضامنا فعليا لأي تسوية وهو ما يفاقم أزمة الثقة الإقليمية بواشنطن ويعزز القناعة بأن أي اتفاق يمكن أن ينهار متى تعارض مع الحسابات الإسرائيلية
حماس وجناحها العسكري تبدوان اليوم أمام اختبار بالغ الحساسية يتعلق بقدرتهما على إدارة مرحلة ما بعد الحداد والحركة مطالبة اليوم ليس فقط بالحفاظ على تماسكها العسكري بل أيضا بإثبات أن الاغتيالات لن تدفعها إلى الفوضى أو الانهيار ومن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة صعود أسماء جديدة داخل البنية العسكرية مثل محمد عودة وحسين فياض وهيثم الحواجري وغيرهم من القادة الذين ما زالوا يديرون ما تبقى من البنية العملياتية داخل القطاع بشكل منظم
الخلاصة : قد تكون إسرائيل نجحت في اغتيال رجل لكنها لم تنجح حتى الآن في اغتيال الفكرة التي يمثلها وجميع الثورات والمقاومات لا تنتهي عادة بمقتل قادتها بل كثيرا ما تعيد إنتاج نفسها بصورة أكثر صلابة وقسوة وما بين عقدة ميونخ التي تحكم العقل الإسرائيلي وعقيدة الصمود التي تغذي بنية المقاومة تبدو المنطقة كلها وكأنها تدخل مرحلة جديدة عنوانها الابرز أن الاغتيال لم يعد وسيلة لإنهاء الحروب بل صار في كثير من الأحيان وقودا لإطالتها وتوسيعها وتحويلها إلى صراع مفتوح بلا أفق ولا نهاية واضحة والدم سيبقى يستسقي الدم بقوة وخطورة اكبر
لم يكن اغتيال القائد العام لكتائب القسام الشهيد عز الدين الحداد مجرد عملية أمنية عابرة في سياق الحرب الطويلة والمفتوحة على قطاع غزة بل بدا أقرب إلى فصل جديد من العقيدة الإسرائيلية القائمة على تصفية الرموز ومحاولة تحويل الدم الفلسطيني إلى وسيلة لإعادة ترميم صورة الردع التي تصدعت منذ عملية طوفان الأقصى سيما وان الرجل الذي وصفته إسرائيل بـشبح القسام وذي الأرواح السبعة لم يكن قائدا ميدانيا عاديا بل أحد آخر الوجوه المؤسسة داخل البنية العسكرية لحركة حركة المقاومة الإسلامية حماس وأحد أكثر العقول التصاقا بعملية إعادة بناء الجناح العسكري بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت الصف الأول من قادته
في العمق تبدو عملية الاغتيال امتدادا مباشرا لما يعرف داخل الأدبيات السياسية والأمنية الإسرائيلية بعقدة ميونخ وهي العقدة النفسية والسياسية التي تشكلت بعد عملية عملية ميونخ 1972 حين رسخت المؤسسة الإسرائيلية قناعة مفادها أن أي ضربة تتعرض لها الدولة يجب أن يقابلها انتقام طويل المدى يتجاوز حدود الجغرافيا والزمن بحيث تتحول الاغتيالات إلى عقيدة ثابتة لا مجرد أدوات أمنية ومنذ ذلك التاريخ أصبحت إسرائيل تنظر إلى تصفية الخصوم بوصفها استعادة للهيبة وردا رمزيا على الإهانة الوجودية التي قد تتعرض لها الدولة أو جيشها أو صورتها أمام جمهورها الداخلي
عمليا لم يكن مستغربا أن يتحول عز الدين الحداد إلى هدف مركزي بعد السابع من أكتوبر لأن الرجل بالنسبة للعقل الأمني الإسرائيلي يمثل تجسيدا حيا لفشل المنظومة الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية خصوصا وان نجاته المتكررة من محاولات الاغتيال ( 6 مرات ) وتحوله إلى أحد أبرز العقول المشرفة على إدارة الحرب وإعادة ترميم القسام جعلت منه رمزا معنويا خطيرا لا يقل أهمية عن حضوره العسكري الميداني ولذلك فإن اغتياله بالنسبة لنتنياهو لم يكن مجرد إنجاز عملياتي بل محاولة نفسية لاستعادة صورة الدولة القادرة على الوصول إلى خصومها مهما اختبأوا ومهما طال الزمن
طريقة تنفيذ العملية تكشف حجم الإصرار الإسرائيلي على إنهاء الحداد بأي ثمن فقد تحدثت الروايات العبرية عن استخدام ثلاث مقاتلات وإلقاء ثلاث عشرة قنبلة على شقة سكنية كان موجود فيها بحي الرمال إضافة إلى استهداف سيارة خرجت من المكان كانت تحل مصابين بعد القصف بدقائق في محاولة لضمان عدم نجاة الهدف وهو ما يعكس ليس فقط الطبيعة الانتقامية للعملية بل أيضا حجم القلق الإسرائيلي من إمكانية فشلها مرة أخرى خصوصا وأن الحداد سبق أن نجا من محاولات اغتيال عديدة منذ أعوام 2009 و2012 و2021 وصولا إلى الحرب الأخيرة
توقيت العملية لا يبدو منفصلا عن الأزمة السياسية والعسكرية التي تعيشها حكومة بنيامين نتنياهو الذي يواجه يوميا ضغوطا داخلية متزايدة وفشلا واضحا في تحقيق حسم كامل في غزة ويحتاج بصورة مستمرة إلى إنجازات أمنية يعيد عبرها تسويق نفسه أمام المجتمع الإسرائيلي ولذلك جاءت عملية اغتيال الحداد في لحظة تتعثر فيها مفاوضات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار وتتصاعد فيها الاتهامات لنتنياهو بالسعي إلى إطالة أمد الحرب لأسباب سياسية وشخصية
وفق هذا التصور يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على ربط الحداد بعرقلة المفاوضات ومحاولة تصوير اغتياله كخطوة ضرورية لفتح الطريق أمام التهدئة بينما تبدو الحقيقة أقرب إلى محاولة دفع المقاومة نحو رد عسكري يعيد إشعال المواجهة ويمنح تل أبيب مبررا للعودة إلى الحرب المفتوحة وإسرائيل تدرك أن استمرار الهدوء النسبي مع بقاء بنية القسام قادرة على إعادة تنظيم نفسها يشكل اعترافا ضمنيا بفشل أهداف الحرب ولذلك تبدو الاغتيالات جزءا من معركة إدارة الصراع أكثر من كونها حلا نهائيا له
السؤال الأهم في العملية يبقى مرتبطا بما يعنيه غياب عز الدين الحداد بالنسبة للقسام خاصة وللمقاومة الفلسطينية عموما وهنا تبدو الصورة أكثر تعقيدا مما تحاول إسرائيل الترويج له رغم انه صحيح أن الحداد كان يشكل ركنا محوريا داخل منظومة القيادة العسكرية وأنه لعب دورا بارزا في إعادة ترتيب الهيكل التنظيمي للجناح العسكري بعد اغتيال قادة كبار مثل محمد الضيف ومحمد السنوار إلا أن تجربة القسام خلال العقود الماضية أظهرت أن الحركة بنت منظومتها القيادية على أساس العمل المؤسسي لا الفردي كما طورت آليات داخلية تسمح باستمرار القيادة والسيطرة حتى في أصعب الظروف والمفاجئات
الملاحظ للمراقبين انه بعد كل اغتيال كانت إسرائيل تعتقد أنها وجهت الضربة القاضية للمقاومة الا انه في الميدان كانت تظهر قيادات جديدة أكثر تشددا وخبرة وقدرة على التكيف مع الواقع وهذا ما حدث بعد اغتيال أحمد الجعبري وما تكرر بعد اغتيال الضيف والسنوار وغيرهما لذلك فإن الرهان على أن تصفية الحداد ستؤدي إلى انهيار القسام يبدو أقرب إلى وهم سياسي وإعلامي منه إلى تقدير استراتيجي واقعي
الأخطر بالنسبة لإسرائيل قد يكون في النتائج العكسية للعملية حيث غالبا ما تتحول الشخصيات التي يتم اغتيالها إلى رموز قدوة وتعبئة داخل البيئة الفلسطينية ويصبح دمها وقودا إضافيا لاستمرار القتال خصوصا عندما تقترن عمليات الاغتيال بسقوط نساء وأطفال ومدنيين كما حدث في حي الرمال وهذا المشهد الدموي الناتج عن القصف المكثف لا يعزز فقط سردية المظلومية الفلسطينية بل يغذي أيضا مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام داخل الأجيال الجديدة
على المستوى الإقليمي اغتيال الحداد يبعث برسائل متعددة تتجاوز غزة نفسها فهو يؤكد أن إسرائيل ماضية في سياسة الاغتيالات المفتوحة حتى في ظل وجود اتفاقات تهدئة ووقف لأطلاق النار وضمانات دولية كما يكشف ايضا حدود الدور الأميركي الذي يظهر مرة أخرى بوصفه غطاء سياسي وأمني للتحركات الإسرائيلية أكثر من كونه ضامنا فعليا لأي تسوية وهو ما يفاقم أزمة الثقة الإقليمية بواشنطن ويعزز القناعة بأن أي اتفاق يمكن أن ينهار متى تعارض مع الحسابات الإسرائيلية
حماس وجناحها العسكري تبدوان اليوم أمام اختبار بالغ الحساسية يتعلق بقدرتهما على إدارة مرحلة ما بعد الحداد والحركة مطالبة اليوم ليس فقط بالحفاظ على تماسكها العسكري بل أيضا بإثبات أن الاغتيالات لن تدفعها إلى الفوضى أو الانهيار ومن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة صعود أسماء جديدة داخل البنية العسكرية مثل محمد عودة وحسين فياض وهيثم الحواجري وغيرهم من القادة الذين ما زالوا يديرون ما تبقى من البنية العملياتية داخل القطاع بشكل منظم
الخلاصة : قد تكون إسرائيل نجحت في اغتيال رجل لكنها لم تنجح حتى الآن في اغتيال الفكرة التي يمثلها وجميع الثورات والمقاومات لا تنتهي عادة بمقتل قادتها بل كثيرا ما تعيد إنتاج نفسها بصورة أكثر صلابة وقسوة وما بين عقدة ميونخ التي تحكم العقل الإسرائيلي وعقيدة الصمود التي تغذي بنية المقاومة تبدو المنطقة كلها وكأنها تدخل مرحلة جديدة عنوانها الابرز أن الاغتيال لم يعد وسيلة لإنهاء الحروب بل صار في كثير من الأحيان وقودا لإطالتها وتوسيعها وتحويلها إلى صراع مفتوح بلا أفق ولا نهاية واضحة والدم سيبقى يستسقي الدم بقوة وخطورة اكبر
لم يكن اغتيال القائد العام لكتائب القسام الشهيد عز الدين الحداد مجرد عملية أمنية عابرة في سياق الحرب الطويلة والمفتوحة على قطاع غزة بل بدا أقرب إلى فصل جديد من العقيدة الإسرائيلية القائمة على تصفية الرموز ومحاولة تحويل الدم الفلسطيني إلى وسيلة لإعادة ترميم صورة الردع التي تصدعت منذ عملية طوفان الأقصى سيما وان الرجل الذي وصفته إسرائيل بـشبح القسام وذي الأرواح السبعة لم يكن قائدا ميدانيا عاديا بل أحد آخر الوجوه المؤسسة داخل البنية العسكرية لحركة حركة المقاومة الإسلامية حماس وأحد أكثر العقول التصاقا بعملية إعادة بناء الجناح العسكري بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت الصف الأول من قادته
في العمق تبدو عملية الاغتيال امتدادا مباشرا لما يعرف داخل الأدبيات السياسية والأمنية الإسرائيلية بعقدة ميونخ وهي العقدة النفسية والسياسية التي تشكلت بعد عملية عملية ميونخ 1972 حين رسخت المؤسسة الإسرائيلية قناعة مفادها أن أي ضربة تتعرض لها الدولة يجب أن يقابلها انتقام طويل المدى يتجاوز حدود الجغرافيا والزمن بحيث تتحول الاغتيالات إلى عقيدة ثابتة لا مجرد أدوات أمنية ومنذ ذلك التاريخ أصبحت إسرائيل تنظر إلى تصفية الخصوم بوصفها استعادة للهيبة وردا رمزيا على الإهانة الوجودية التي قد تتعرض لها الدولة أو جيشها أو صورتها أمام جمهورها الداخلي
عمليا لم يكن مستغربا أن يتحول عز الدين الحداد إلى هدف مركزي بعد السابع من أكتوبر لأن الرجل بالنسبة للعقل الأمني الإسرائيلي يمثل تجسيدا حيا لفشل المنظومة الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية خصوصا وان نجاته المتكررة من محاولات الاغتيال ( 6 مرات ) وتحوله إلى أحد أبرز العقول المشرفة على إدارة الحرب وإعادة ترميم القسام جعلت منه رمزا معنويا خطيرا لا يقل أهمية عن حضوره العسكري الميداني ولذلك فإن اغتياله بالنسبة لنتنياهو لم يكن مجرد إنجاز عملياتي بل محاولة نفسية لاستعادة صورة الدولة القادرة على الوصول إلى خصومها مهما اختبأوا ومهما طال الزمن
طريقة تنفيذ العملية تكشف حجم الإصرار الإسرائيلي على إنهاء الحداد بأي ثمن فقد تحدثت الروايات العبرية عن استخدام ثلاث مقاتلات وإلقاء ثلاث عشرة قنبلة على شقة سكنية كان موجود فيها بحي الرمال إضافة إلى استهداف سيارة خرجت من المكان كانت تحل مصابين بعد القصف بدقائق في محاولة لضمان عدم نجاة الهدف وهو ما يعكس ليس فقط الطبيعة الانتقامية للعملية بل أيضا حجم القلق الإسرائيلي من إمكانية فشلها مرة أخرى خصوصا وأن الحداد سبق أن نجا من محاولات اغتيال عديدة منذ أعوام 2009 و2012 و2021 وصولا إلى الحرب الأخيرة
توقيت العملية لا يبدو منفصلا عن الأزمة السياسية والعسكرية التي تعيشها حكومة بنيامين نتنياهو الذي يواجه يوميا ضغوطا داخلية متزايدة وفشلا واضحا في تحقيق حسم كامل في غزة ويحتاج بصورة مستمرة إلى إنجازات أمنية يعيد عبرها تسويق نفسه أمام المجتمع الإسرائيلي ولذلك جاءت عملية اغتيال الحداد في لحظة تتعثر فيها مفاوضات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار وتتصاعد فيها الاتهامات لنتنياهو بالسعي إلى إطالة أمد الحرب لأسباب سياسية وشخصية
وفق هذا التصور يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على ربط الحداد بعرقلة المفاوضات ومحاولة تصوير اغتياله كخطوة ضرورية لفتح الطريق أمام التهدئة بينما تبدو الحقيقة أقرب إلى محاولة دفع المقاومة نحو رد عسكري يعيد إشعال المواجهة ويمنح تل أبيب مبررا للعودة إلى الحرب المفتوحة وإسرائيل تدرك أن استمرار الهدوء النسبي مع بقاء بنية القسام قادرة على إعادة تنظيم نفسها يشكل اعترافا ضمنيا بفشل أهداف الحرب ولذلك تبدو الاغتيالات جزءا من معركة إدارة الصراع أكثر من كونها حلا نهائيا له
السؤال الأهم في العملية يبقى مرتبطا بما يعنيه غياب عز الدين الحداد بالنسبة للقسام خاصة وللمقاومة الفلسطينية عموما وهنا تبدو الصورة أكثر تعقيدا مما تحاول إسرائيل الترويج له رغم انه صحيح أن الحداد كان يشكل ركنا محوريا داخل منظومة القيادة العسكرية وأنه لعب دورا بارزا في إعادة ترتيب الهيكل التنظيمي للجناح العسكري بعد اغتيال قادة كبار مثل محمد الضيف ومحمد السنوار إلا أن تجربة القسام خلال العقود الماضية أظهرت أن الحركة بنت منظومتها القيادية على أساس العمل المؤسسي لا الفردي كما طورت آليات داخلية تسمح باستمرار القيادة والسيطرة حتى في أصعب الظروف والمفاجئات
الملاحظ للمراقبين انه بعد كل اغتيال كانت إسرائيل تعتقد أنها وجهت الضربة القاضية للمقاومة الا انه في الميدان كانت تظهر قيادات جديدة أكثر تشددا وخبرة وقدرة على التكيف مع الواقع وهذا ما حدث بعد اغتيال أحمد الجعبري وما تكرر بعد اغتيال الضيف والسنوار وغيرهما لذلك فإن الرهان على أن تصفية الحداد ستؤدي إلى انهيار القسام يبدو أقرب إلى وهم سياسي وإعلامي منه إلى تقدير استراتيجي واقعي
الأخطر بالنسبة لإسرائيل قد يكون في النتائج العكسية للعملية حيث غالبا ما تتحول الشخصيات التي يتم اغتيالها إلى رموز قدوة وتعبئة داخل البيئة الفلسطينية ويصبح دمها وقودا إضافيا لاستمرار القتال خصوصا عندما تقترن عمليات الاغتيال بسقوط نساء وأطفال ومدنيين كما حدث في حي الرمال وهذا المشهد الدموي الناتج عن القصف المكثف لا يعزز فقط سردية المظلومية الفلسطينية بل يغذي أيضا مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام داخل الأجيال الجديدة
على المستوى الإقليمي اغتيال الحداد يبعث برسائل متعددة تتجاوز غزة نفسها فهو يؤكد أن إسرائيل ماضية في سياسة الاغتيالات المفتوحة حتى في ظل وجود اتفاقات تهدئة ووقف لأطلاق النار وضمانات دولية كما يكشف ايضا حدود الدور الأميركي الذي يظهر مرة أخرى بوصفه غطاء سياسي وأمني للتحركات الإسرائيلية أكثر من كونه ضامنا فعليا لأي تسوية وهو ما يفاقم أزمة الثقة الإقليمية بواشنطن ويعزز القناعة بأن أي اتفاق يمكن أن ينهار متى تعارض مع الحسابات الإسرائيلية
حماس وجناحها العسكري تبدوان اليوم أمام اختبار بالغ الحساسية يتعلق بقدرتهما على إدارة مرحلة ما بعد الحداد والحركة مطالبة اليوم ليس فقط بالحفاظ على تماسكها العسكري بل أيضا بإثبات أن الاغتيالات لن تدفعها إلى الفوضى أو الانهيار ومن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة صعود أسماء جديدة داخل البنية العسكرية مثل محمد عودة وحسين فياض وهيثم الحواجري وغيرهم من القادة الذين ما زالوا يديرون ما تبقى من البنية العملياتية داخل القطاع بشكل منظم
الخلاصة : قد تكون إسرائيل نجحت في اغتيال رجل لكنها لم تنجح حتى الآن في اغتيال الفكرة التي يمثلها وجميع الثورات والمقاومات لا تنتهي عادة بمقتل قادتها بل كثيرا ما تعيد إنتاج نفسها بصورة أكثر صلابة وقسوة وما بين عقدة ميونخ التي تحكم العقل الإسرائيلي وعقيدة الصمود التي تغذي بنية المقاومة تبدو المنطقة كلها وكأنها تدخل مرحلة جديدة عنوانها الابرز أن الاغتيال لم يعد وسيلة لإنهاء الحروب بل صار في كثير من الأحيان وقودا لإطالتها وتوسيعها وتحويلها إلى صراع مفتوح بلا أفق ولا نهاية واضحة والدم سيبقى يستسقي الدم بقوة وخطورة اكبر
التعليقات