في ورقة علمية صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، يقدّم خبير الدراسات المستقبلية الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي قراءة تحليلية لمستقبل مكانة الشرق الأوسط في توجهات حلف شمال الأطلسي، كاشفاً عن تحولات جوهرية في وظيفة الحلف منذ نهاية الحرب الباردة، وتباينات متصاعدة بين ضفتي الأطلسي، وسيناريوهات مفتوحة قد تعيد تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية والدولية خلال العقد المقبل، حيث لم تكتفِ الورقة بتتبع التطور التاريخي للحلف، بل ذهبت إلى تحليل عميق للمنظورات الجيوسياسية والجيوستراتيجية التي تحكم رؤيته للشرق الأوسط، مقدّمة إطاراً تفسيرياً يربط بين التحولات البنيوية في النظام الدولي وتبدلات أولويات القوى الكبرى.
وتُظهر الدراسة أن حلف شمال الأطلسي انتقل من تحالف دفاعي أُنشئ عام 1949 لمواجهة الاتحاد السوفييتي إلى مشروع ذي نزعة عولمية بعد انهيار الكتلة الشرقية وحل حلف وارسو عام 1991، حيث دفعت الولايات المتحدة نحو توسيع نطاقه جغرافياً ووظيفياً، وفق رؤية نيكولاس بيرنز التي تضع الشرق الأوسط في صلب مستقبل الحلف، وهو ما انعكس في تدخلات ميدانية وإعادة تموضع استراتيجي، مقابل تمسّك أوروبي بدور إقليمي محدود. وتكشف الورقة أن هذا التباين ليس جديداً، بل يمتد إلى أزمة السيادة التي عبّر عنها شارل ديغول بانسحابه من القيادة العسكرية عام 1966، ليتطور لاحقاً إلى خلافات أعمق حول تقاسم الأعباء المالية، في ظل شعور أمريكي بتحمل العبء الأكبر مقابل 'ركوب مجاني' أوروبي، ما يكرّس فجوة استراتيجية متصاعدة داخل الحلف.
وتنتقل الدراسة إلى استشراف مستقبل الناتو من خلال عرض سيناريوهات متعددة، في ظل بيئة دولية تتسم بارتفاع معدلات عدم الاستقرار السياسي، إذ تشير المعطيات إلى أن عشرات الدول تقع ضمن هذا النطاق، بينها عدد ملحوظ في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، ترجّح الورقة احتمال استمرار الحلف مع إعادة توازن داخلي تقوم على زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي ومنح القارة دوراً أكبر في صياغة الاستراتيجيات، في مقابل سيناريو آخر يقوم على تعزيز الهيمنة الأمريكية عبر ربط الالتزامات الأمنية بمدى مساهمة أوروبا المالية، بما قد يحوّل الحلف تدريجياً إلى إطار أقل تماسكاً. كما تبرز إمكانية اتجاه أوروبا نحو بناء منظومة دفاعية مستقلة عبر تطوير صناعاتها العسكرية ومؤسساتها الأمنية، وهو ما قد يقود إلى انفصال تدريجي عن الناتو، في حين يبقى احتمال التفكك قائماً إذا تصاعدت الخلافات الاستراتيجية وتعذّر تحقيق الإجماع بين أعضائه. وبين هذه المسارات، يطرح تصور تقاسم وظيفي للأدوار، بحيث تتولى الولايات المتحدة المهام ذات الطابع العالمي، بينما تركز أوروبا على أمنها الإقليمي.
وفي سياق متصل، تناقش الورقة فكرة 'الناتو العربي' باعتبارها امتداداً وظيفياً لمنظومة أطلسية أوسع، لا تحالفاً مستقلاً، حيث يتم دمج دول المنطقة ضمن شبكات أمنية تقودها القوى الغربية من خلال مبادرات مثل الحوار المتوسطي ومبادرة إسطنبول للتعاون. ويعكس هذا التوجه، وفق الدراسة، تطبيقاً عملياً لنظريات 'الأمن المعولم' و'تقاسم الأعباء'، إذ تتحمل الدول الإقليمية كلفة التنفيذ الميداني، بينما تبقى القيادة الاستراتيجية بيد القوى الكبرى، وهو ما يعيد تشكيل طبيعة التحالفات في المنطقة ويطرح تساؤلات حول استقلالية القرار الأمني العربي.
وتبرز الدراسة ما تسميه 'مفارقة الأمن العربي'، حيث تشير إلى أن بعض الدول العربية تنخرط في تحالفات لا تستهدف مصادر تهديدها الأساسية، بل تساهم في إدارة تهديدات تخص أطرافاً أخرى، وهو ما يعكس خللاً في ترتيب الأولويات الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، تميّز الورقة بين ثلاثة مستويات للأمن تشمل أمن النظام السياسي وأمن الدولة وأمن المجتمع، لتخلص إلى أن التحالفات العربية تميل غالباً إلى تغليب أمن النظام على حساب المستويين الآخرين، وهو ما يجعلها أكثر قابلية للتوظيف ضمن استراتيجيات خارجية. وتوضح أن هذا النمط يختلف عن المقاربات الأوروبية التي تركز على أمن المجتمع، أو المقاربة الأمريكية و'الإسرائيلية' التي تعطي وزناً أكبر لأمن الدولة، ما يفسر تباين السلوك الاستراتيجي بين هذه الأطراف.
وفي استشرافها للتداعيات المستقبلية، تشير الورقة إلى أن تراجع دور الناتو أو إعادة تشكيله قد يقود إلى تحولات عميقة في بنية الأمن الإقليمي، حيث قد تتجه الدول نحو تحالفات مؤقتة بدلاً من الترتيبات الدائمة، بما يعزز احتمالات التباين داخل النظام العربي. كما قد يؤدي غياب المظلة الأمنية إلى تصاعد سباق التسلح، في ظل سعي الدول إلى تعزيز قدراتها الذاتية، بالتوازي مع توجه محتمل نحو تنويع الشراكات الدولية مع قوى كبرى كروسيا والصين إلى جانب الولايات المتحدة وأوروبا. وفي الوقت نفسه، قد يثير أي تراجع في الالتزام الأمريكي مخاوف أمنية لدى 'إسرائيل'، خاصة إذا تزامن مع تحولات في أولويات واشنطن الاستراتيجية نحو مناطق أخرى كشرق آسيا أو الساحة الأوكرانية، في حين قد تستفيد قوى إقليمية أخرى من تراجع الضغوط الغربية.
ولا تغفل الدراسة البعد الاقتصادي في تحليلها، إذ تشير إلى تراجع أهمية النفط في مزيج الطاقة العالمي من مستويات مرتفعة في سبعينيات القرن الماضي إلى نحو %30 في السنوات الأخيرة، بالتوازي مع تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة، وهو ما قد يقلل من الأهمية الاستراتيجية للمنطقة العربية في الحسابات الغربية على المدى البعيد، ويؤثر بالتالي في درجة انخراط الناتو فيها.
وتتجلى القيمة العلمية للورقة في تقديمها طرحاً تحليلياً يسهم في مساعدة الباحثين وصناع القرار على فهم موقع الشرق الأوسط في الاستراتيجيات الدولية المتغيرة، ويدعو ضمنياً إلى إعادة تقييم الخيارات العربية في ضوء تحولات عميقة قد تحدد شكل النظام الدولي في السنوات المقبلة، وتضع المنطقة أمام مفترق طرق بين الفاعلية والتبعية.
في ورقة علمية صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، يقدّم خبير الدراسات المستقبلية الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي قراءة تحليلية لمستقبل مكانة الشرق الأوسط في توجهات حلف شمال الأطلسي، كاشفاً عن تحولات جوهرية في وظيفة الحلف منذ نهاية الحرب الباردة، وتباينات متصاعدة بين ضفتي الأطلسي، وسيناريوهات مفتوحة قد تعيد تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية والدولية خلال العقد المقبل، حيث لم تكتفِ الورقة بتتبع التطور التاريخي للحلف، بل ذهبت إلى تحليل عميق للمنظورات الجيوسياسية والجيوستراتيجية التي تحكم رؤيته للشرق الأوسط، مقدّمة إطاراً تفسيرياً يربط بين التحولات البنيوية في النظام الدولي وتبدلات أولويات القوى الكبرى.
وتُظهر الدراسة أن حلف شمال الأطلسي انتقل من تحالف دفاعي أُنشئ عام 1949 لمواجهة الاتحاد السوفييتي إلى مشروع ذي نزعة عولمية بعد انهيار الكتلة الشرقية وحل حلف وارسو عام 1991، حيث دفعت الولايات المتحدة نحو توسيع نطاقه جغرافياً ووظيفياً، وفق رؤية نيكولاس بيرنز التي تضع الشرق الأوسط في صلب مستقبل الحلف، وهو ما انعكس في تدخلات ميدانية وإعادة تموضع استراتيجي، مقابل تمسّك أوروبي بدور إقليمي محدود. وتكشف الورقة أن هذا التباين ليس جديداً، بل يمتد إلى أزمة السيادة التي عبّر عنها شارل ديغول بانسحابه من القيادة العسكرية عام 1966، ليتطور لاحقاً إلى خلافات أعمق حول تقاسم الأعباء المالية، في ظل شعور أمريكي بتحمل العبء الأكبر مقابل 'ركوب مجاني' أوروبي، ما يكرّس فجوة استراتيجية متصاعدة داخل الحلف.
وتنتقل الدراسة إلى استشراف مستقبل الناتو من خلال عرض سيناريوهات متعددة، في ظل بيئة دولية تتسم بارتفاع معدلات عدم الاستقرار السياسي، إذ تشير المعطيات إلى أن عشرات الدول تقع ضمن هذا النطاق، بينها عدد ملحوظ في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، ترجّح الورقة احتمال استمرار الحلف مع إعادة توازن داخلي تقوم على زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي ومنح القارة دوراً أكبر في صياغة الاستراتيجيات، في مقابل سيناريو آخر يقوم على تعزيز الهيمنة الأمريكية عبر ربط الالتزامات الأمنية بمدى مساهمة أوروبا المالية، بما قد يحوّل الحلف تدريجياً إلى إطار أقل تماسكاً. كما تبرز إمكانية اتجاه أوروبا نحو بناء منظومة دفاعية مستقلة عبر تطوير صناعاتها العسكرية ومؤسساتها الأمنية، وهو ما قد يقود إلى انفصال تدريجي عن الناتو، في حين يبقى احتمال التفكك قائماً إذا تصاعدت الخلافات الاستراتيجية وتعذّر تحقيق الإجماع بين أعضائه. وبين هذه المسارات، يطرح تصور تقاسم وظيفي للأدوار، بحيث تتولى الولايات المتحدة المهام ذات الطابع العالمي، بينما تركز أوروبا على أمنها الإقليمي.
وفي سياق متصل، تناقش الورقة فكرة 'الناتو العربي' باعتبارها امتداداً وظيفياً لمنظومة أطلسية أوسع، لا تحالفاً مستقلاً، حيث يتم دمج دول المنطقة ضمن شبكات أمنية تقودها القوى الغربية من خلال مبادرات مثل الحوار المتوسطي ومبادرة إسطنبول للتعاون. ويعكس هذا التوجه، وفق الدراسة، تطبيقاً عملياً لنظريات 'الأمن المعولم' و'تقاسم الأعباء'، إذ تتحمل الدول الإقليمية كلفة التنفيذ الميداني، بينما تبقى القيادة الاستراتيجية بيد القوى الكبرى، وهو ما يعيد تشكيل طبيعة التحالفات في المنطقة ويطرح تساؤلات حول استقلالية القرار الأمني العربي.
وتبرز الدراسة ما تسميه 'مفارقة الأمن العربي'، حيث تشير إلى أن بعض الدول العربية تنخرط في تحالفات لا تستهدف مصادر تهديدها الأساسية، بل تساهم في إدارة تهديدات تخص أطرافاً أخرى، وهو ما يعكس خللاً في ترتيب الأولويات الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، تميّز الورقة بين ثلاثة مستويات للأمن تشمل أمن النظام السياسي وأمن الدولة وأمن المجتمع، لتخلص إلى أن التحالفات العربية تميل غالباً إلى تغليب أمن النظام على حساب المستويين الآخرين، وهو ما يجعلها أكثر قابلية للتوظيف ضمن استراتيجيات خارجية. وتوضح أن هذا النمط يختلف عن المقاربات الأوروبية التي تركز على أمن المجتمع، أو المقاربة الأمريكية و'الإسرائيلية' التي تعطي وزناً أكبر لأمن الدولة، ما يفسر تباين السلوك الاستراتيجي بين هذه الأطراف.
وفي استشرافها للتداعيات المستقبلية، تشير الورقة إلى أن تراجع دور الناتو أو إعادة تشكيله قد يقود إلى تحولات عميقة في بنية الأمن الإقليمي، حيث قد تتجه الدول نحو تحالفات مؤقتة بدلاً من الترتيبات الدائمة، بما يعزز احتمالات التباين داخل النظام العربي. كما قد يؤدي غياب المظلة الأمنية إلى تصاعد سباق التسلح، في ظل سعي الدول إلى تعزيز قدراتها الذاتية، بالتوازي مع توجه محتمل نحو تنويع الشراكات الدولية مع قوى كبرى كروسيا والصين إلى جانب الولايات المتحدة وأوروبا. وفي الوقت نفسه، قد يثير أي تراجع في الالتزام الأمريكي مخاوف أمنية لدى 'إسرائيل'، خاصة إذا تزامن مع تحولات في أولويات واشنطن الاستراتيجية نحو مناطق أخرى كشرق آسيا أو الساحة الأوكرانية، في حين قد تستفيد قوى إقليمية أخرى من تراجع الضغوط الغربية.
ولا تغفل الدراسة البعد الاقتصادي في تحليلها، إذ تشير إلى تراجع أهمية النفط في مزيج الطاقة العالمي من مستويات مرتفعة في سبعينيات القرن الماضي إلى نحو %30 في السنوات الأخيرة، بالتوازي مع تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة، وهو ما قد يقلل من الأهمية الاستراتيجية للمنطقة العربية في الحسابات الغربية على المدى البعيد، ويؤثر بالتالي في درجة انخراط الناتو فيها.
وتتجلى القيمة العلمية للورقة في تقديمها طرحاً تحليلياً يسهم في مساعدة الباحثين وصناع القرار على فهم موقع الشرق الأوسط في الاستراتيجيات الدولية المتغيرة، ويدعو ضمنياً إلى إعادة تقييم الخيارات العربية في ضوء تحولات عميقة قد تحدد شكل النظام الدولي في السنوات المقبلة، وتضع المنطقة أمام مفترق طرق بين الفاعلية والتبعية.
في ورقة علمية صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، يقدّم خبير الدراسات المستقبلية الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي قراءة تحليلية لمستقبل مكانة الشرق الأوسط في توجهات حلف شمال الأطلسي، كاشفاً عن تحولات جوهرية في وظيفة الحلف منذ نهاية الحرب الباردة، وتباينات متصاعدة بين ضفتي الأطلسي، وسيناريوهات مفتوحة قد تعيد تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية والدولية خلال العقد المقبل، حيث لم تكتفِ الورقة بتتبع التطور التاريخي للحلف، بل ذهبت إلى تحليل عميق للمنظورات الجيوسياسية والجيوستراتيجية التي تحكم رؤيته للشرق الأوسط، مقدّمة إطاراً تفسيرياً يربط بين التحولات البنيوية في النظام الدولي وتبدلات أولويات القوى الكبرى.
وتُظهر الدراسة أن حلف شمال الأطلسي انتقل من تحالف دفاعي أُنشئ عام 1949 لمواجهة الاتحاد السوفييتي إلى مشروع ذي نزعة عولمية بعد انهيار الكتلة الشرقية وحل حلف وارسو عام 1991، حيث دفعت الولايات المتحدة نحو توسيع نطاقه جغرافياً ووظيفياً، وفق رؤية نيكولاس بيرنز التي تضع الشرق الأوسط في صلب مستقبل الحلف، وهو ما انعكس في تدخلات ميدانية وإعادة تموضع استراتيجي، مقابل تمسّك أوروبي بدور إقليمي محدود. وتكشف الورقة أن هذا التباين ليس جديداً، بل يمتد إلى أزمة السيادة التي عبّر عنها شارل ديغول بانسحابه من القيادة العسكرية عام 1966، ليتطور لاحقاً إلى خلافات أعمق حول تقاسم الأعباء المالية، في ظل شعور أمريكي بتحمل العبء الأكبر مقابل 'ركوب مجاني' أوروبي، ما يكرّس فجوة استراتيجية متصاعدة داخل الحلف.
وتنتقل الدراسة إلى استشراف مستقبل الناتو من خلال عرض سيناريوهات متعددة، في ظل بيئة دولية تتسم بارتفاع معدلات عدم الاستقرار السياسي، إذ تشير المعطيات إلى أن عشرات الدول تقع ضمن هذا النطاق، بينها عدد ملحوظ في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، ترجّح الورقة احتمال استمرار الحلف مع إعادة توازن داخلي تقوم على زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي ومنح القارة دوراً أكبر في صياغة الاستراتيجيات، في مقابل سيناريو آخر يقوم على تعزيز الهيمنة الأمريكية عبر ربط الالتزامات الأمنية بمدى مساهمة أوروبا المالية، بما قد يحوّل الحلف تدريجياً إلى إطار أقل تماسكاً. كما تبرز إمكانية اتجاه أوروبا نحو بناء منظومة دفاعية مستقلة عبر تطوير صناعاتها العسكرية ومؤسساتها الأمنية، وهو ما قد يقود إلى انفصال تدريجي عن الناتو، في حين يبقى احتمال التفكك قائماً إذا تصاعدت الخلافات الاستراتيجية وتعذّر تحقيق الإجماع بين أعضائه. وبين هذه المسارات، يطرح تصور تقاسم وظيفي للأدوار، بحيث تتولى الولايات المتحدة المهام ذات الطابع العالمي، بينما تركز أوروبا على أمنها الإقليمي.
وفي سياق متصل، تناقش الورقة فكرة 'الناتو العربي' باعتبارها امتداداً وظيفياً لمنظومة أطلسية أوسع، لا تحالفاً مستقلاً، حيث يتم دمج دول المنطقة ضمن شبكات أمنية تقودها القوى الغربية من خلال مبادرات مثل الحوار المتوسطي ومبادرة إسطنبول للتعاون. ويعكس هذا التوجه، وفق الدراسة، تطبيقاً عملياً لنظريات 'الأمن المعولم' و'تقاسم الأعباء'، إذ تتحمل الدول الإقليمية كلفة التنفيذ الميداني، بينما تبقى القيادة الاستراتيجية بيد القوى الكبرى، وهو ما يعيد تشكيل طبيعة التحالفات في المنطقة ويطرح تساؤلات حول استقلالية القرار الأمني العربي.
وتبرز الدراسة ما تسميه 'مفارقة الأمن العربي'، حيث تشير إلى أن بعض الدول العربية تنخرط في تحالفات لا تستهدف مصادر تهديدها الأساسية، بل تساهم في إدارة تهديدات تخص أطرافاً أخرى، وهو ما يعكس خللاً في ترتيب الأولويات الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، تميّز الورقة بين ثلاثة مستويات للأمن تشمل أمن النظام السياسي وأمن الدولة وأمن المجتمع، لتخلص إلى أن التحالفات العربية تميل غالباً إلى تغليب أمن النظام على حساب المستويين الآخرين، وهو ما يجعلها أكثر قابلية للتوظيف ضمن استراتيجيات خارجية. وتوضح أن هذا النمط يختلف عن المقاربات الأوروبية التي تركز على أمن المجتمع، أو المقاربة الأمريكية و'الإسرائيلية' التي تعطي وزناً أكبر لأمن الدولة، ما يفسر تباين السلوك الاستراتيجي بين هذه الأطراف.
وفي استشرافها للتداعيات المستقبلية، تشير الورقة إلى أن تراجع دور الناتو أو إعادة تشكيله قد يقود إلى تحولات عميقة في بنية الأمن الإقليمي، حيث قد تتجه الدول نحو تحالفات مؤقتة بدلاً من الترتيبات الدائمة، بما يعزز احتمالات التباين داخل النظام العربي. كما قد يؤدي غياب المظلة الأمنية إلى تصاعد سباق التسلح، في ظل سعي الدول إلى تعزيز قدراتها الذاتية، بالتوازي مع توجه محتمل نحو تنويع الشراكات الدولية مع قوى كبرى كروسيا والصين إلى جانب الولايات المتحدة وأوروبا. وفي الوقت نفسه، قد يثير أي تراجع في الالتزام الأمريكي مخاوف أمنية لدى 'إسرائيل'، خاصة إذا تزامن مع تحولات في أولويات واشنطن الاستراتيجية نحو مناطق أخرى كشرق آسيا أو الساحة الأوكرانية، في حين قد تستفيد قوى إقليمية أخرى من تراجع الضغوط الغربية.
ولا تغفل الدراسة البعد الاقتصادي في تحليلها، إذ تشير إلى تراجع أهمية النفط في مزيج الطاقة العالمي من مستويات مرتفعة في سبعينيات القرن الماضي إلى نحو %30 في السنوات الأخيرة، بالتوازي مع تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة، وهو ما قد يقلل من الأهمية الاستراتيجية للمنطقة العربية في الحسابات الغربية على المدى البعيد، ويؤثر بالتالي في درجة انخراط الناتو فيها.
وتتجلى القيمة العلمية للورقة في تقديمها طرحاً تحليلياً يسهم في مساعدة الباحثين وصناع القرار على فهم موقع الشرق الأوسط في الاستراتيجيات الدولية المتغيرة، ويدعو ضمنياً إلى إعادة تقييم الخيارات العربية في ضوء تحولات عميقة قد تحدد شكل النظام الدولي في السنوات المقبلة، وتضع المنطقة أمام مفترق طرق بين الفاعلية والتبعية.
التعليقات