لطالما كان مصطلح البيروقراطية مرادفاً للتعطيل، والروتين، والجمود الذي يقتل الوقت والجهد، لكن في عمق الفكر الإداري، لم يكن 'ماكس فيبر' يسعى لاغراق البشر بالروتين والتعقيد، بل كان يهدف آنذاك للبحث عن العدالة والنمطية، حيث تلعب مبادئ البيروقراطية عند فيبر دور ايجابي في الادارة عموما، ومن اهم تلك المبادئ الالتزام بالقواعد، والاجراءات، والتخصصية، وتقسيم العمل، والسلطة الهرمية، وتعيين طاقم عمل متخصص، والاتصالات المكتوبة، والترقية على اساس الاقدمية والكفاءة معاً، لكن المشكلة تكمن في المنظور السلبي عند البعض وذلك من خلال التطبيق الخاطئ لتلك المبادئ في المنظمات او على مستوى الخدمات الحكومية. اليوم لم تعد البيروقراطية كما عرفها العالم لعقود طويلة، أوراق متكدسة، وتوقيعات متعددة، وانتظار يمتد لأيام وربما أسابيع، لا سيما مع اجتياح التحول الرقمي لمفاصل المنظمات والخدمات الحكومية حيث يشهد مفهوم البيروقراطية ولادة نسخة جديدة ومحدثه تحت مسمى (البيروقراطية الرقمية) النسخة التي ستحافظ على النظام وتحذف الانتظار، حيث بدأت ملامح التغيير لهذا النموذج تتشكل من خلال عدم إلغاء القواعد، بل العمل على اعادة صياغتها لتصبح أكثر سرعة ومرونة وشفافية والفكرة لم تعد في التخلص من الإجراءات، بل في إعادة تصميمها بحيث تعمل بانسيابية عبر الأنظمة الرقمية، وتحقق الهدف الأساسي الأسمى الذي وُجدت من أجله وهو الكفاءة. في تطبيق البيروقراطية التقليدية كان المزاج البشري يلعب دور جوهري ولربما يشكل العائق الأكبر فالمعاملات قد تتوقف؛ لأن الموظف ليس بحالة مزاجية جيدة، أما في البيروقراطية الرقمية، فإن القواعد تبرمج داخل الأكواد وهذا ما يطلق عليه من الروتين إلى التدفق الذكي، فالخوارزمية لا تعرف المحسوبية، ولا تضجر من تكرار الإجراءات، مما يحقق جوهر الفكر البيروقراطي المساواة التامة للجميع أمام النص القانوني، وهذا يتحقق من خلال اعتماد البيروقراطية الرقمية على تحويل الإجراءات التقليدية إلى مسارات رقمية مترابطة (Workflow)، بحيث تنتقل المعاملة تلقائيًا بين الجهات المعنية دون تدخل يدوي متكرر، وهذا من شأنه تقليل الوقت بشكل كبير، إضافة إلى خفض الأخطاء البشرية، وإمكانية تتبع المعاملة لحظيًا، وبالتالي الرقمنة لم تلغي القواعد، بل جعلتها غير مرئية فعلى سبيل المثال الموظف الذي كان يقضي ساعات في التدقيق، أصبح الآن مراقباً للنظام، بينما تقوم الآلة بأتمتة جدارة الموظفين على سبيل المثال من خلال فحص الاستحقاق، والترقية، وصرف الخدمات في أجزاء من الثانية، والنتيجة ان متلقي الخدمة أو الموظف كلاهما او احدهما لم يعد بحاجة لمعرفة أين وصلت المعاملة فالنظام نفسه يقدّم الإجابة مسبقاً، مع ضرورة التنويه إلى أن أحد أهم أسرار نجاح البيروقراطية الرقمية هو أنها لا تكتفي برقمنة الإجراءات، بل تسعى دائماً لضبط جودة الخدمات والتي تبدأ من تبسيط الإجراء وذلك عبر تحليل العمليات، وإزالة التعقيد، وتقليل الخطوات غير الضرورية، فـرقمنة التعقيد لا تنتج كفاءة بل تعقيدًا أسرع، ولكن تبسيط الإجراء ثم رقمنته، هو ما يحدث تغييرا جذريا ذو اثر ملموس. من ناحية اخرى لقد غادرت بعض الدول مربع التنظير في البيروقراطية الرقمية لتقدم للعالم دروساً مستفادة في كيفية تحويل البيروقراطية من عبء إلى ميزة تنافسية، حيث قدمت مجموعة من الدول أمثلة واقعية على التوجه نحو البيروقراطية الرقمية وانها اصبحت جزء من الواقع العملي فعلى سبيل المثال لا الحصر: إستونيا الدولة التي لا تنام وذلك من خلال تواجد نظام الحكومة الرقمية الكاملة حيث تعتبر إستونيا المختبر العالمي الاكثر نجاحاً للبيروقراطية الرقمية من خلال نظام (X-Road) استطاعت الدولة ربط جميع قواعد بياناتها ببعضها البعض، وبهذا المواطن الإستوني لا يحتاج لتقديم شهادة ميلاد أو صورة عن الهوية لأي جهة حكومية؛ لأن النظام يعرف المواطن مسبقاً، هذه الأتمتة وفرت على الدولة جهد كبير وشاق من العمل البشري سنوياً، وحولت البيروقراطية إلى الخادم الصامت للمجتمع، أضف لذلك ساهمت بتقليل التكاليف ورفع جودة الخدمات والاهم من ذلك عززت ثقة مواطنيها بالحكومة الرقمية. وكذلك سنغافورة دولة التدفق الرقمي الشامل عبر مبادرة (Smart Nation) التي تمثلت بأتمتة أعقد العمليات البيروقراطية، ففي عمليات الشحن البحري والخدمات اللوجستية، يتم إنهاء آلاف المعاملات الجمركية والرقابية عبر أنظمة ذكية تتنبأ بالمخاطر وتسمح بمرور البضائع الآمن دون تدخل بشري إلا في حالات الضرورة القصوى، هنا تحولت البيروقراطية لمحرك نمو اقتصادي بدلاً من كونه معوقاً له، وكان نتيجة لذلك عدم وجود حاجه لتكرار البيانات، وسرعة في انجاز المعاملات، أدى ذلك لوجود نظام ذو فعالية يقدم خدمات استباقية تصل للمواطنين قبل طلبها. بالنهاية البيروقراطية الرقمية ليست مجرد منظومة معلوماتية، ونظم حوسبة، وبنية تحتية رقمية وحسب، لكن هي ثقافة إدارية جديدة واعتراف بأن القواعد وُجدت لخدمة الإنسان، لا لتقييده، سيما إننا نعيش في زمن لم يعد فيه السؤال حول كيفية تطبيق البيروقراطية؟، ولكن يجب ان يكون، كيف نجعلها رقمية بما يكفي لننساها، ونستمتع بنتائجها؟ فالبيروقراطية الرقمية لا تعني إلغاء النظام، بل تحديثه ليتماشى مع واقع سريع ومتغير، بمعنى اخر الانتقال من التعقيد إلى البساطة، ومن التباطؤ إلى السرعة، ومن الغموض إلى الشفافية، خاصة ان العالم يتنافس على جودة الخدمات وبالتالي لم تعد المؤسسات تُقاس بعدد موظفيها، بل بسرعة وكفاءة ما تقدمه من خدمات وإنجازات سعياً منها الى التطور التنظيمي المستدام وصولا لخدمات مؤسسية متميزة. د. علاء عباس الطهراوي
لطالما كان مصطلح البيروقراطية مرادفاً للتعطيل، والروتين، والجمود الذي يقتل الوقت والجهد، لكن في عمق الفكر الإداري، لم يكن 'ماكس فيبر' يسعى لاغراق البشر بالروتين والتعقيد، بل كان يهدف آنذاك للبحث عن العدالة والنمطية، حيث تلعب مبادئ البيروقراطية عند فيبر دور ايجابي في الادارة عموما، ومن اهم تلك المبادئ الالتزام بالقواعد، والاجراءات، والتخصصية، وتقسيم العمل، والسلطة الهرمية، وتعيين طاقم عمل متخصص، والاتصالات المكتوبة، والترقية على اساس الاقدمية والكفاءة معاً، لكن المشكلة تكمن في المنظور السلبي عند البعض وذلك من خلال التطبيق الخاطئ لتلك المبادئ في المنظمات او على مستوى الخدمات الحكومية. اليوم لم تعد البيروقراطية كما عرفها العالم لعقود طويلة، أوراق متكدسة، وتوقيعات متعددة، وانتظار يمتد لأيام وربما أسابيع، لا سيما مع اجتياح التحول الرقمي لمفاصل المنظمات والخدمات الحكومية حيث يشهد مفهوم البيروقراطية ولادة نسخة جديدة ومحدثه تحت مسمى (البيروقراطية الرقمية) النسخة التي ستحافظ على النظام وتحذف الانتظار، حيث بدأت ملامح التغيير لهذا النموذج تتشكل من خلال عدم إلغاء القواعد، بل العمل على اعادة صياغتها لتصبح أكثر سرعة ومرونة وشفافية والفكرة لم تعد في التخلص من الإجراءات، بل في إعادة تصميمها بحيث تعمل بانسيابية عبر الأنظمة الرقمية، وتحقق الهدف الأساسي الأسمى الذي وُجدت من أجله وهو الكفاءة. في تطبيق البيروقراطية التقليدية كان المزاج البشري يلعب دور جوهري ولربما يشكل العائق الأكبر فالمعاملات قد تتوقف؛ لأن الموظف ليس بحالة مزاجية جيدة، أما في البيروقراطية الرقمية، فإن القواعد تبرمج داخل الأكواد وهذا ما يطلق عليه من الروتين إلى التدفق الذكي، فالخوارزمية لا تعرف المحسوبية، ولا تضجر من تكرار الإجراءات، مما يحقق جوهر الفكر البيروقراطي المساواة التامة للجميع أمام النص القانوني، وهذا يتحقق من خلال اعتماد البيروقراطية الرقمية على تحويل الإجراءات التقليدية إلى مسارات رقمية مترابطة (Workflow)، بحيث تنتقل المعاملة تلقائيًا بين الجهات المعنية دون تدخل يدوي متكرر، وهذا من شأنه تقليل الوقت بشكل كبير، إضافة إلى خفض الأخطاء البشرية، وإمكانية تتبع المعاملة لحظيًا، وبالتالي الرقمنة لم تلغي القواعد، بل جعلتها غير مرئية فعلى سبيل المثال الموظف الذي كان يقضي ساعات في التدقيق، أصبح الآن مراقباً للنظام، بينما تقوم الآلة بأتمتة جدارة الموظفين على سبيل المثال من خلال فحص الاستحقاق، والترقية، وصرف الخدمات في أجزاء من الثانية، والنتيجة ان متلقي الخدمة أو الموظف كلاهما او احدهما لم يعد بحاجة لمعرفة أين وصلت المعاملة فالنظام نفسه يقدّم الإجابة مسبقاً، مع ضرورة التنويه إلى أن أحد أهم أسرار نجاح البيروقراطية الرقمية هو أنها لا تكتفي برقمنة الإجراءات، بل تسعى دائماً لضبط جودة الخدمات والتي تبدأ من تبسيط الإجراء وذلك عبر تحليل العمليات، وإزالة التعقيد، وتقليل الخطوات غير الضرورية، فـرقمنة التعقيد لا تنتج كفاءة بل تعقيدًا أسرع، ولكن تبسيط الإجراء ثم رقمنته، هو ما يحدث تغييرا جذريا ذو اثر ملموس. من ناحية اخرى لقد غادرت بعض الدول مربع التنظير في البيروقراطية الرقمية لتقدم للعالم دروساً مستفادة في كيفية تحويل البيروقراطية من عبء إلى ميزة تنافسية، حيث قدمت مجموعة من الدول أمثلة واقعية على التوجه نحو البيروقراطية الرقمية وانها اصبحت جزء من الواقع العملي فعلى سبيل المثال لا الحصر: إستونيا الدولة التي لا تنام وذلك من خلال تواجد نظام الحكومة الرقمية الكاملة حيث تعتبر إستونيا المختبر العالمي الاكثر نجاحاً للبيروقراطية الرقمية من خلال نظام (X-Road) استطاعت الدولة ربط جميع قواعد بياناتها ببعضها البعض، وبهذا المواطن الإستوني لا يحتاج لتقديم شهادة ميلاد أو صورة عن الهوية لأي جهة حكومية؛ لأن النظام يعرف المواطن مسبقاً، هذه الأتمتة وفرت على الدولة جهد كبير وشاق من العمل البشري سنوياً، وحولت البيروقراطية إلى الخادم الصامت للمجتمع، أضف لذلك ساهمت بتقليل التكاليف ورفع جودة الخدمات والاهم من ذلك عززت ثقة مواطنيها بالحكومة الرقمية. وكذلك سنغافورة دولة التدفق الرقمي الشامل عبر مبادرة (Smart Nation) التي تمثلت بأتمتة أعقد العمليات البيروقراطية، ففي عمليات الشحن البحري والخدمات اللوجستية، يتم إنهاء آلاف المعاملات الجمركية والرقابية عبر أنظمة ذكية تتنبأ بالمخاطر وتسمح بمرور البضائع الآمن دون تدخل بشري إلا في حالات الضرورة القصوى، هنا تحولت البيروقراطية لمحرك نمو اقتصادي بدلاً من كونه معوقاً له، وكان نتيجة لذلك عدم وجود حاجه لتكرار البيانات، وسرعة في انجاز المعاملات، أدى ذلك لوجود نظام ذو فعالية يقدم خدمات استباقية تصل للمواطنين قبل طلبها. بالنهاية البيروقراطية الرقمية ليست مجرد منظومة معلوماتية، ونظم حوسبة، وبنية تحتية رقمية وحسب، لكن هي ثقافة إدارية جديدة واعتراف بأن القواعد وُجدت لخدمة الإنسان، لا لتقييده، سيما إننا نعيش في زمن لم يعد فيه السؤال حول كيفية تطبيق البيروقراطية؟، ولكن يجب ان يكون، كيف نجعلها رقمية بما يكفي لننساها، ونستمتع بنتائجها؟ فالبيروقراطية الرقمية لا تعني إلغاء النظام، بل تحديثه ليتماشى مع واقع سريع ومتغير، بمعنى اخر الانتقال من التعقيد إلى البساطة، ومن التباطؤ إلى السرعة، ومن الغموض إلى الشفافية، خاصة ان العالم يتنافس على جودة الخدمات وبالتالي لم تعد المؤسسات تُقاس بعدد موظفيها، بل بسرعة وكفاءة ما تقدمه من خدمات وإنجازات سعياً منها الى التطور التنظيمي المستدام وصولا لخدمات مؤسسية متميزة. د. علاء عباس الطهراوي
لطالما كان مصطلح البيروقراطية مرادفاً للتعطيل، والروتين، والجمود الذي يقتل الوقت والجهد، لكن في عمق الفكر الإداري، لم يكن 'ماكس فيبر' يسعى لاغراق البشر بالروتين والتعقيد، بل كان يهدف آنذاك للبحث عن العدالة والنمطية، حيث تلعب مبادئ البيروقراطية عند فيبر دور ايجابي في الادارة عموما، ومن اهم تلك المبادئ الالتزام بالقواعد، والاجراءات، والتخصصية، وتقسيم العمل، والسلطة الهرمية، وتعيين طاقم عمل متخصص، والاتصالات المكتوبة، والترقية على اساس الاقدمية والكفاءة معاً، لكن المشكلة تكمن في المنظور السلبي عند البعض وذلك من خلال التطبيق الخاطئ لتلك المبادئ في المنظمات او على مستوى الخدمات الحكومية. اليوم لم تعد البيروقراطية كما عرفها العالم لعقود طويلة، أوراق متكدسة، وتوقيعات متعددة، وانتظار يمتد لأيام وربما أسابيع، لا سيما مع اجتياح التحول الرقمي لمفاصل المنظمات والخدمات الحكومية حيث يشهد مفهوم البيروقراطية ولادة نسخة جديدة ومحدثه تحت مسمى (البيروقراطية الرقمية) النسخة التي ستحافظ على النظام وتحذف الانتظار، حيث بدأت ملامح التغيير لهذا النموذج تتشكل من خلال عدم إلغاء القواعد، بل العمل على اعادة صياغتها لتصبح أكثر سرعة ومرونة وشفافية والفكرة لم تعد في التخلص من الإجراءات، بل في إعادة تصميمها بحيث تعمل بانسيابية عبر الأنظمة الرقمية، وتحقق الهدف الأساسي الأسمى الذي وُجدت من أجله وهو الكفاءة. في تطبيق البيروقراطية التقليدية كان المزاج البشري يلعب دور جوهري ولربما يشكل العائق الأكبر فالمعاملات قد تتوقف؛ لأن الموظف ليس بحالة مزاجية جيدة، أما في البيروقراطية الرقمية، فإن القواعد تبرمج داخل الأكواد وهذا ما يطلق عليه من الروتين إلى التدفق الذكي، فالخوارزمية لا تعرف المحسوبية، ولا تضجر من تكرار الإجراءات، مما يحقق جوهر الفكر البيروقراطي المساواة التامة للجميع أمام النص القانوني، وهذا يتحقق من خلال اعتماد البيروقراطية الرقمية على تحويل الإجراءات التقليدية إلى مسارات رقمية مترابطة (Workflow)، بحيث تنتقل المعاملة تلقائيًا بين الجهات المعنية دون تدخل يدوي متكرر، وهذا من شأنه تقليل الوقت بشكل كبير، إضافة إلى خفض الأخطاء البشرية، وإمكانية تتبع المعاملة لحظيًا، وبالتالي الرقمنة لم تلغي القواعد، بل جعلتها غير مرئية فعلى سبيل المثال الموظف الذي كان يقضي ساعات في التدقيق، أصبح الآن مراقباً للنظام، بينما تقوم الآلة بأتمتة جدارة الموظفين على سبيل المثال من خلال فحص الاستحقاق، والترقية، وصرف الخدمات في أجزاء من الثانية، والنتيجة ان متلقي الخدمة أو الموظف كلاهما او احدهما لم يعد بحاجة لمعرفة أين وصلت المعاملة فالنظام نفسه يقدّم الإجابة مسبقاً، مع ضرورة التنويه إلى أن أحد أهم أسرار نجاح البيروقراطية الرقمية هو أنها لا تكتفي برقمنة الإجراءات، بل تسعى دائماً لضبط جودة الخدمات والتي تبدأ من تبسيط الإجراء وذلك عبر تحليل العمليات، وإزالة التعقيد، وتقليل الخطوات غير الضرورية، فـرقمنة التعقيد لا تنتج كفاءة بل تعقيدًا أسرع، ولكن تبسيط الإجراء ثم رقمنته، هو ما يحدث تغييرا جذريا ذو اثر ملموس. من ناحية اخرى لقد غادرت بعض الدول مربع التنظير في البيروقراطية الرقمية لتقدم للعالم دروساً مستفادة في كيفية تحويل البيروقراطية من عبء إلى ميزة تنافسية، حيث قدمت مجموعة من الدول أمثلة واقعية على التوجه نحو البيروقراطية الرقمية وانها اصبحت جزء من الواقع العملي فعلى سبيل المثال لا الحصر: إستونيا الدولة التي لا تنام وذلك من خلال تواجد نظام الحكومة الرقمية الكاملة حيث تعتبر إستونيا المختبر العالمي الاكثر نجاحاً للبيروقراطية الرقمية من خلال نظام (X-Road) استطاعت الدولة ربط جميع قواعد بياناتها ببعضها البعض، وبهذا المواطن الإستوني لا يحتاج لتقديم شهادة ميلاد أو صورة عن الهوية لأي جهة حكومية؛ لأن النظام يعرف المواطن مسبقاً، هذه الأتمتة وفرت على الدولة جهد كبير وشاق من العمل البشري سنوياً، وحولت البيروقراطية إلى الخادم الصامت للمجتمع، أضف لذلك ساهمت بتقليل التكاليف ورفع جودة الخدمات والاهم من ذلك عززت ثقة مواطنيها بالحكومة الرقمية. وكذلك سنغافورة دولة التدفق الرقمي الشامل عبر مبادرة (Smart Nation) التي تمثلت بأتمتة أعقد العمليات البيروقراطية، ففي عمليات الشحن البحري والخدمات اللوجستية، يتم إنهاء آلاف المعاملات الجمركية والرقابية عبر أنظمة ذكية تتنبأ بالمخاطر وتسمح بمرور البضائع الآمن دون تدخل بشري إلا في حالات الضرورة القصوى، هنا تحولت البيروقراطية لمحرك نمو اقتصادي بدلاً من كونه معوقاً له، وكان نتيجة لذلك عدم وجود حاجه لتكرار البيانات، وسرعة في انجاز المعاملات، أدى ذلك لوجود نظام ذو فعالية يقدم خدمات استباقية تصل للمواطنين قبل طلبها. بالنهاية البيروقراطية الرقمية ليست مجرد منظومة معلوماتية، ونظم حوسبة، وبنية تحتية رقمية وحسب، لكن هي ثقافة إدارية جديدة واعتراف بأن القواعد وُجدت لخدمة الإنسان، لا لتقييده، سيما إننا نعيش في زمن لم يعد فيه السؤال حول كيفية تطبيق البيروقراطية؟، ولكن يجب ان يكون، كيف نجعلها رقمية بما يكفي لننساها، ونستمتع بنتائجها؟ فالبيروقراطية الرقمية لا تعني إلغاء النظام، بل تحديثه ليتماشى مع واقع سريع ومتغير، بمعنى اخر الانتقال من التعقيد إلى البساطة، ومن التباطؤ إلى السرعة، ومن الغموض إلى الشفافية، خاصة ان العالم يتنافس على جودة الخدمات وبالتالي لم تعد المؤسسات تُقاس بعدد موظفيها، بل بسرعة وكفاءة ما تقدمه من خدمات وإنجازات سعياً منها الى التطور التنظيمي المستدام وصولا لخدمات مؤسسية متميزة. د. علاء عباس الطهراوي
التعليقات
البيروقراطية الرقمية وإعادة قراءة فكر "ماكس فيبر" في عصر التحول الرقمي
التعليقات