لم يكن ينظر الى الساعة، فهو يعرف الوقت من نبض جسده، ومن نداء الواجب الذي يسكن عروقه. يستيقظ قبل ان يطلبه احد، ينهض وكأن اليوم ينتظره وحده ليقوم من نومه. يتوضأ على مهل، يبلل وجهه الذي خطت فيه السنون حكايا الصبر، يؤدي صلاته في هدوء قصير يشبه استراحة الروح، ثم يخرج. يفتح الباب دون كلام، تاركا خلفه دفء بيته الصغير، بينما الشارع ما زال يترنح بين النوم والصحو. البرد يمر خفيفا، لكنه يكفي ليذكرك بان الحياة في الخارج ليست دائما لطيفة. يمشي بخطوات ثابتة، لا لانه مرتاح، بل لانه اعتاد الا يتوقف ابدا. في الطريق لا شيء لافتا، كل شيء عادي جدا، وهذه هي المشكلة الحقيقية، ان يصبح التعب جزءا من المشهد اليومي، وان نعتاد رؤية تلك الوجوه المجهدة فلا نعود نسأل. وجوه تمر، وايام تتكرر، وكأن الحياة اختارت ان تعتمد على هذا الصمت الطويل دون ان تلتفت اليه. هؤلاء هم الذين تشرق الشمس من جباههم قبل ان تطلع من مشرقها. لا يظهرون في الواجهة، لكن كل ما في الواجهة قائم عليهم. في الطرقات التي نسلكها، في الجدران التي تسند ظهورنا، في التفاصيل التي نعتبرها بديهية، هناك دائما جهد سابق لا يذكر. يد خشنت لتبقى حياتنا ناعمة، وكتف حمل الاثقال بصبر نبوي، ثم مضى بصمت كما بدأ. يمر يوم العمال العالمي، فتعلو الكلمات قليلا، ثم تهدأ. عبارات تقدير تمر سريعة كغيمة صيف، لا تغير كثيرا في عرق الجبين. وبعد ان ينتهي اليوم، يعود كل شيء الى مكانه القديم، وكأن شيئا لم يحدث. وحدهم يبقون في الدائرة ذاتها، بالتعب نفسه، وبالرضا ذاته الذي يحير القلوب. المفارقة واضحة، لكنها مؤلمة، فمن يصنع الاستقرار يعيش على حافته، ومن يبني القصور قد لا يملك بيتا يؤويه، ومن يمهد الطريق للآخرين يسير في طرقات اكثر قسوة مما نتصور. لا يحتاج الامر الى فيض من الكلام، بل الى عدالة تلمس حياتهم فعلا، ان يجدوا في نهاية اليوم ما يمسح عنهم عناء السنين، والا يظل التعب هو الصديق الوحيد للياليهم. فوزن الاشياء الحقيقي يظهر في الطريقة التي نحترم بها تلك الايدي السمراء، لا في الشعارات التي نرفعها لمرة واحدة في العام. وفي النهاية، يعود ذلك الرجل كما خرج، متعبا، صامتا، لكن في عينيه بريق انسان ادى امانته كاملة. يغلق باب بيته وكأن العالم بقي خلفه، وتبقى الفكرة معلقة، كم من الديون نحن مدينون لهؤلاء الصامتين. في يومهم لا يكفي ان نصفق لهم، بل يجب ان نكون نحن السند الذي فقدوه في ايامهم الصعبة. واقع ينصفهم ويقدر قيمتهم الحقيقية، لان ما يقدمونه ليس شغلا فحسب، بل هو شرف المحاولة في حياة لا ترحم. الكاتب ـ محمد متعب احمد الفريحات
محمد متعب احمد الفريحات
لم يكن ينظر الى الساعة، فهو يعرف الوقت من نبض جسده، ومن نداء الواجب الذي يسكن عروقه. يستيقظ قبل ان يطلبه احد، ينهض وكأن اليوم ينتظره وحده ليقوم من نومه. يتوضأ على مهل، يبلل وجهه الذي خطت فيه السنون حكايا الصبر، يؤدي صلاته في هدوء قصير يشبه استراحة الروح، ثم يخرج. يفتح الباب دون كلام، تاركا خلفه دفء بيته الصغير، بينما الشارع ما زال يترنح بين النوم والصحو. البرد يمر خفيفا، لكنه يكفي ليذكرك بان الحياة في الخارج ليست دائما لطيفة. يمشي بخطوات ثابتة، لا لانه مرتاح، بل لانه اعتاد الا يتوقف ابدا. في الطريق لا شيء لافتا، كل شيء عادي جدا، وهذه هي المشكلة الحقيقية، ان يصبح التعب جزءا من المشهد اليومي، وان نعتاد رؤية تلك الوجوه المجهدة فلا نعود نسأل. وجوه تمر، وايام تتكرر، وكأن الحياة اختارت ان تعتمد على هذا الصمت الطويل دون ان تلتفت اليه. هؤلاء هم الذين تشرق الشمس من جباههم قبل ان تطلع من مشرقها. لا يظهرون في الواجهة، لكن كل ما في الواجهة قائم عليهم. في الطرقات التي نسلكها، في الجدران التي تسند ظهورنا، في التفاصيل التي نعتبرها بديهية، هناك دائما جهد سابق لا يذكر. يد خشنت لتبقى حياتنا ناعمة، وكتف حمل الاثقال بصبر نبوي، ثم مضى بصمت كما بدأ. يمر يوم العمال العالمي، فتعلو الكلمات قليلا، ثم تهدأ. عبارات تقدير تمر سريعة كغيمة صيف، لا تغير كثيرا في عرق الجبين. وبعد ان ينتهي اليوم، يعود كل شيء الى مكانه القديم، وكأن شيئا لم يحدث. وحدهم يبقون في الدائرة ذاتها، بالتعب نفسه، وبالرضا ذاته الذي يحير القلوب. المفارقة واضحة، لكنها مؤلمة، فمن يصنع الاستقرار يعيش على حافته، ومن يبني القصور قد لا يملك بيتا يؤويه، ومن يمهد الطريق للآخرين يسير في طرقات اكثر قسوة مما نتصور. لا يحتاج الامر الى فيض من الكلام، بل الى عدالة تلمس حياتهم فعلا، ان يجدوا في نهاية اليوم ما يمسح عنهم عناء السنين، والا يظل التعب هو الصديق الوحيد للياليهم. فوزن الاشياء الحقيقي يظهر في الطريقة التي نحترم بها تلك الايدي السمراء، لا في الشعارات التي نرفعها لمرة واحدة في العام. وفي النهاية، يعود ذلك الرجل كما خرج، متعبا، صامتا، لكن في عينيه بريق انسان ادى امانته كاملة. يغلق باب بيته وكأن العالم بقي خلفه، وتبقى الفكرة معلقة، كم من الديون نحن مدينون لهؤلاء الصامتين. في يومهم لا يكفي ان نصفق لهم، بل يجب ان نكون نحن السند الذي فقدوه في ايامهم الصعبة. واقع ينصفهم ويقدر قيمتهم الحقيقية، لان ما يقدمونه ليس شغلا فحسب، بل هو شرف المحاولة في حياة لا ترحم. الكاتب ـ محمد متعب احمد الفريحات
محمد متعب احمد الفريحات
لم يكن ينظر الى الساعة، فهو يعرف الوقت من نبض جسده، ومن نداء الواجب الذي يسكن عروقه. يستيقظ قبل ان يطلبه احد، ينهض وكأن اليوم ينتظره وحده ليقوم من نومه. يتوضأ على مهل، يبلل وجهه الذي خطت فيه السنون حكايا الصبر، يؤدي صلاته في هدوء قصير يشبه استراحة الروح، ثم يخرج. يفتح الباب دون كلام، تاركا خلفه دفء بيته الصغير، بينما الشارع ما زال يترنح بين النوم والصحو. البرد يمر خفيفا، لكنه يكفي ليذكرك بان الحياة في الخارج ليست دائما لطيفة. يمشي بخطوات ثابتة، لا لانه مرتاح، بل لانه اعتاد الا يتوقف ابدا. في الطريق لا شيء لافتا، كل شيء عادي جدا، وهذه هي المشكلة الحقيقية، ان يصبح التعب جزءا من المشهد اليومي، وان نعتاد رؤية تلك الوجوه المجهدة فلا نعود نسأل. وجوه تمر، وايام تتكرر، وكأن الحياة اختارت ان تعتمد على هذا الصمت الطويل دون ان تلتفت اليه. هؤلاء هم الذين تشرق الشمس من جباههم قبل ان تطلع من مشرقها. لا يظهرون في الواجهة، لكن كل ما في الواجهة قائم عليهم. في الطرقات التي نسلكها، في الجدران التي تسند ظهورنا، في التفاصيل التي نعتبرها بديهية، هناك دائما جهد سابق لا يذكر. يد خشنت لتبقى حياتنا ناعمة، وكتف حمل الاثقال بصبر نبوي، ثم مضى بصمت كما بدأ. يمر يوم العمال العالمي، فتعلو الكلمات قليلا، ثم تهدأ. عبارات تقدير تمر سريعة كغيمة صيف، لا تغير كثيرا في عرق الجبين. وبعد ان ينتهي اليوم، يعود كل شيء الى مكانه القديم، وكأن شيئا لم يحدث. وحدهم يبقون في الدائرة ذاتها، بالتعب نفسه، وبالرضا ذاته الذي يحير القلوب. المفارقة واضحة، لكنها مؤلمة، فمن يصنع الاستقرار يعيش على حافته، ومن يبني القصور قد لا يملك بيتا يؤويه، ومن يمهد الطريق للآخرين يسير في طرقات اكثر قسوة مما نتصور. لا يحتاج الامر الى فيض من الكلام، بل الى عدالة تلمس حياتهم فعلا، ان يجدوا في نهاية اليوم ما يمسح عنهم عناء السنين، والا يظل التعب هو الصديق الوحيد للياليهم. فوزن الاشياء الحقيقي يظهر في الطريقة التي نحترم بها تلك الايدي السمراء، لا في الشعارات التي نرفعها لمرة واحدة في العام. وفي النهاية، يعود ذلك الرجل كما خرج، متعبا، صامتا، لكن في عينيه بريق انسان ادى امانته كاملة. يغلق باب بيته وكأن العالم بقي خلفه، وتبقى الفكرة معلقة، كم من الديون نحن مدينون لهؤلاء الصامتين. في يومهم لا يكفي ان نصفق لهم، بل يجب ان نكون نحن السند الذي فقدوه في ايامهم الصعبة. واقع ينصفهم ويقدر قيمتهم الحقيقية، لان ما يقدمونه ليس شغلا فحسب، بل هو شرف المحاولة في حياة لا ترحم. الكاتب ـ محمد متعب احمد الفريحات
التعليقات
عيد العمال العالمي .. يوم الأيدي الخشنة والقلوب الصابرة
التعليقات