(ح335) المملكة الأردنية الادومية (12000 ق؟ م. ---450 ق. م. اول امبراطورية اردنية في التاريخ وعاصمتها بصيرا / الطفيلة الادومية تأليف المؤرخ المفكر المعارض السياسي الأردني د احمد عويدي العبادي (أبو د البشر والطبيب د نمي تقف قلعة الشوبك، في هيئتها الراسخة على ارتفاع يقارب (1330م) فوق سطح البحر، بوصفها تجسيدًا حيًّا لعلاقة المكان بالسيادة والملاذ الامن وقدسية المكان منذ اكثر من 14 الف سنة خلت، ولتلك اللحظة التي تتحول فيها الجغرافيا إلى قرارٍ سياسيٍّ وتاريخيٍّ في آنٍ واحد. فهي لا تبعد سوى مسافةٍ زمنية قصيرة عن البتراء، غير أن بعدها الحضاري يتجاوز حدود المكان ليغدو عقدةً استراتيجيةً على الطريق الممتد عبر الهيشة جنوبًا، حيث كانت تتحكم بمسارات العبور الكبرى بين الشام ومصر والحجاز، وتطل على فضاءٍ مفتوح يجعلها مركزًا للرصد والضبط والسيطرة ومركزا للحاميات العسكرية عبر الدول والاحتلالات. إذا أردنا أن نرتقي بقراءة الشوبك إلى مستواها الحقيقي، فإننا لا نراها مجرد موقعٍ جغرافيٍّ متوسط، بل نقرأها بوصفها عقدة توازنٍ حضارية، تتقاطع عندها مسارات الأرض والإنسان والسلطة، وتتشكل فيها معادلة دقيقة بين عالمين متباينين في الظاهر، متكاملين في العمق: عالم البادية شرقًا وجنوبًا، وعالم الاستقرار والتنظيم السياسي غربًا وشمالًا. فالشوبك ليست حدًّا فاصلاً فحسب، بل هي مساحة انتقالٍ حيّة، يتحوّل فيها الفضاء من انفتاح البادية واتساعها إلى انتظام الحاضرة واستقرارها، ومن إيقاع الحركة القبلية الحرة إلى إيقاع الإدارة والنظام, وهي تجمع بين هذين المتناقضين وتحولهما الى معادلة متناغمة ومتحضرة . وفي هذا التحوّل تحديدًا، تتجلى أهميتها، إذ تغدو نقطة التوازن التي لا تسمح لطرفٍ أن يطغى على من سواه، ولا لآخر أن ينفصل عن روابطه، بل تُبقي الجميع ضمن دائرة التكامل الحيوي. ومن هنا، كانت الشوبك بوابةً للبادية الأردنية، وحارسةً لمداخل العمران الحضاري الأردني، تضبط حركة العبور ولا تعيقها، وتؤمّن التدفقات ولا تفقد السيطرة عليها. فالقوافل القادمة من أعماق الجزيرة العربية، والمتجهة نحو الشام أو مصر، تمرّ ضمن مجالها، لا بوصفها محطة عابرة، بل بوصفها نقطة إعادة تنظيمٍ للحركة، حيث تُراقب، وتُؤمَّن، وتُعاد صياغة مساراتها ضمن نظامٍ أوسع من المصالح والقوى. وفي بعدها العشائري، تتجلّى الشوبك بوصفها ساحة تلاقٍ بين نمطين من الاجتماع الإنساني: البداوة بما تحمله من حرية الحركة وقوة العصبية والانفة والاباء من جهة، والاستقرار بما يحمله من انتظامٍ اقتصادي وإداري واجتماعي من جهة أخرى. غير أن هذا التلاقي لم يكن صداميًا بالضرورة، بل كثيرًا ما اتخذ شكل التوازن والتكامل والاحتواء الذكي؛ إذ احتاجت السلطة إلى البادية قوةً حاميةً للطرق، واحتاجت البادية إلى هذه المراكز بوصفها فضاءاتٍ للتبادل والاستقرار الجزئي. وهنا نشأت صيغة فريدة من التعايش، لا تذيب الفوارق، بل تديرها ضمن نظامٍ متماسك. أما سياسيًا، فإن الشوبك لم تكن موقعًا هامشيًا في معادلة القوة عبر تاريخ الأردن منذ 14 الف سنة، بل كانت ركيزةً في هندسة التوازن الإقليمي. فهي لم تنافس قلعة الكرك، بل قامت بدور الحليف الرديف الاستراتيجي لها، حيث شكّلت العمق الجنوبي الذي يحمي الامتداد، ويمنع الاختراق، ويؤمّن خطوط الاتصال. فإذا كانت الكرك تمثّل مركز الثقل الإداري والعسكري في نطاقها، فإن الشوبك كانت تمثّل الجناح الذي يحفظ التوازن، ويمنح المنظومة الدفاعية والعشائرية اكتمالها واتساقها. وفي بعدها العسكري، تتجاوز الشوبك مفهوم الحصن التقليدي، لتغدو منظومة دفاعية متكاملة؛ فهي عينٌ للرصد، وموضعٌ للتحصّن، ومنصةٌ للانطلاق عند الحاجة. وقدرتها على الصمود، بما تملكه من بنى تحتية مائية وممرات خفية، جعلتها ملاذًا آمنًا في أزمنة الاضطراب، ليس للجيوش فحسب، بل أيضًا لأبناء البادية حين تضيق بهم مساحات الحركة أو تختل موازين القوى فيجدون في عشائر الشوبك الملاذ الامن الذي هو أساس بناء قلعة الشوبك. أما اقتصاديًا، فإن الشوبك تمثّل نقطة التقاء بين الإنتاج المحلي والتبادل الإقليمي؛ فهي أرضٌ زراعية خصبة، وفي الوقت ذاته عقدة عبورٍ للقوافل، مما أوجد اقتصادًا مركبًا يجمع بين الزراعة والتجارة والخدمات المرافقة لحركة العبور. وبهذا، لم تكن الشوبك تعيش على هامش الطرق، بل كانت جزءًا من بنيتها، تُغذيها وتستفيد منها في آنٍ واحد. وهكذا، تغدو الشوبك تجسيدًا لما يمكن تسميته “نقطة الاتفاق والافتراق” ونقطة التوازن بين (الوئام والخصام)؛ فهي اتفاقٌ لأنها تجمع بين البادية والحضر، بين الحركة والاستقرار، بين القوة القبلية والتنظيم السياسي، وهي افتراقٌ لأنها ترسم الحدود بين هذه العوالم، وتحفظ لكلٍّ منها خصوصيته دون أن تسمح له بابتلاع الآخر, وهي منسف العيش والملح الذي يجعل من الخصام وئاما. وفي هذا التوازن الدقيق، تتجلّى عبقرية المكان الأردني، حيث لا تُلغى التناقضات، بل تُدار، ولا تُمحى الفوارق، بل تُنظَّم، لتبقى الشوبك—في عمقها—أكثر من قلعة، إنها نظامٌ حيّ من التوازن، وذاكرةٌ مستمرة لصياغة العلاقة بين الأرض والإنسان والسلطة عبر الزمن. ولم تقف أهمية الشوبك عند حدود دورها الجغرافي والسياسي والعسكري، بل تجاوزت ذلك إلى بعدها الإنساني العميق، حيث أسهمت بحكم موقعها المتعرض للاحتكاك الدائم بالقوى الكبرى في تشكيل إنسانٍ قادرٍ على الحركة والانخراط في مسارات التاريخ الواسع. فالشوبك، التي عاشت على تخوم الصراع، لم تُنتج فقط حصونًا، بل رجالًا حملوا خبرة المكان وصلابته، وانخرط بعضهم في الجيوش العربية الإسلامية، مشاركين في الفتوحات الكبرى نحو مصر وبلاد الشام وفلسطين والاندلس واسيا. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى هذه الهجرات لا بوصفها خروجًا من المكان، بل امتدادًا له؛ إذ انتقل أبناء الشوبك حاملين معهم أنماطًا من القيم الأردنية النقية , التي تشكّلت في بيئتهم الأصلية: روح الانتماء، والالتزام، والاباء والانفة والقدرة على التكيّف مع التحولات الكبرى دونما خضوع ولا قبول بالإهانة، وهي القيم الأردنية التي أعادت إنتاج نفسها في أوطانهم الجديدة، حيث استقرّت أسرهم، وتناسل حضورهم عبر الأجيال. ولا يزال من الممكن تتبّع آثار هذا الامتداد البشري والعبقريات الشوبكية في الأردن وفي عددٍ من المجتمعات العربية، حيث تحتفظ بعض الأسر بذاكرة انتمائها إلى الشوبك، لا بوصفه حنينًا عاطفيًا فحسب، بل بوصفه جذورًا تأسيسية لهويتها. وهذه الظاهرة تكشف عن بعدٍ مهم في فهم التاريخ الأردني، وهو أن الأرض الأردنية ومنها الشوبك , لم تكن فقط مسرحًا للأحداث، بل كانت أيضًا منطلقًا لانتشارٍ بشريٍّ ساهم في بناء فضاءاتٍ أوسع من الانتماء, وساهم بازدهار الحضارة الإنسانية في شتى مجالاتها. ومن هنا، تبرز فكرة ملحّة وضرورية لتوثيق هذا الامتداد، ليس في إطارٍ عاطفي أو احتفالي، بل في إطارٍ علمي–مؤسسي، يُعنى برصد الأنساب الشوبكية، وتوثيق هجراتهم، ودراسة التحولات الاجتماعية للأسر التي تعود أصولها إلى الشوبك. ويمكن أن تتجسد هذه الفكرة في إنشاء رابطة أو إطار جامع لأبناء الشوبك في الداخل والخارج، تكون مهمته إعادة وصل ما انقطع من السلاسل الاجتماعية، وتعزيز الوعي بالجذور المشتركة، ضمن رؤيةٍ علمية تحفظ الخصوصيات الوطنية لكل مجتمع، وتُبرز في الوقت ذاته وحدة الأصل التاريخي. وعليه، فإن عضويتي—أنا وأسرتي—في هذه الرابطة لا تُفهم بوصفها موقعًا شكليًا أو اقترابًا طارئًا، ولا تُقرأ على أنها تطفّلٌ على هويةٍ ليست لنا، بل هي تعبيرٌ صادق عن انتماءٍ راسخ، وشرفٌ مستحقّ، ومسؤوليةٌ واعية في آنٍ معًا؛ شرف الانتماء إلى أصلٍ ضاربٍ في عمق التاريخ، ومسؤولية الإسهام في إحياء هذا الأصل إحياءً حقيقيًا ضمن مشروعٍ يليق بمقامه وامتداده. فالأرض—في هذا الفهم—لا تكتفي بأن تكون ذاكرةً نستحضرها، بل حقًّا ننهض به؛ وإذا كان للذاكرة علينا وفاء، فإن للعمل عليها واجبًا. وحيث إن (القبور جذور ) فان القبور ليست نهاية الحكاية بل بدايتها العميقة وجذروها الراسخة، فإنها تتحول إلى جذورٍ حيّة، تُغذّي الهوية وتمنحها معناها الأصيل. فالجذور لا تمنحنا الانتماء فحسب، بل تُحمّلنا مسؤوليته، وتُلزمنا بأن نصونها، وأن نعيد إثماره في الحاضر كما كان حيًّا في الماضي, وان نأخذ بأيدي من بقي من أهلنا في الشوبك , ونرد الجميل للأرض التي عاش فيها أباؤنا وضمتهم تربتها رحمهم الله جميعا. ومن هنا، يغدو الانتماء للشوبك متمما للانتماء الى الأردن , وانتقالًا من مستوى العاطفة إلى مستوى الالتزام، ومن مجرّد حكايةٍ تُروى إلى عهدٍ يُعاش؛ عهدٌ معرفيٌّ وأخلاقيٌّ يعيد وصل ما انقطع بين الأزمنة، ويُحوّل الذاكرة من سردٍ ساكن إلى فعلٍ متحرك ومنتج. وبذلك، تستعيد الشوبك حضورها لا بوصفها أثرًا يُزار أو ذكرى تُستعاد، بل بوصفها كيانًا حيًّا في الوعي الوطني الأردني، ومجالًا مفتوحًا للفعل والبناء، حيث يتكامل الماضي مع الحاضر، ليُمهّد لمستقبلٍ يُعاد فيه تشكيل المكان بوعي أبنائه وإرادتهم. ويمكن لشخصيات شوبكية كريمة أن تتنادى لتأسيس لجنة واسعة تتولى هذا المشروع، وأن يتكاتف أبناء الحواضر الأردنية التاريخية—الكرك، والسلط، وإربد—إلى جانب أبناء البوادي، للسعي في بناء هذا التصور الحضاري الذي يُجسّد السردية الحقيقية للحواضر والعشائر الأردنية. وإني على يقين بأن نتائجه ستكون مدهشة، بل أوسع وأقوى مما نتصور؛ رؤية أراها وأتمناها في آنٍ معًا، إيمانًا بأن الهمة الصادقة لا يعجزها شيء , وكما يقول المثل العربي (لا يفوت الهمة شيء ) ويقابلها بالانجليزية Never to be late.. وفي هذا المعنى، فإن الانتماء إلى مثل هذه الرابطة للشوبك وبقية الحواضر الأردنية التاريخية , لا يكون مجرد انتسابٍ شكلي، بل مشاركة في مشروعٍ معرفيٍّ يُعيد قراءة التاريخ الشوبكي الأردني والحواضر الأخرى من زاوية الإنسان، ويُحوّل الذاكرة المبعثرة إلى سرديةٍ متماسكة، تعكس عمق الامتداد الأردني في الأردن وفي محيطه العربي والإسلامي والدولي. وان اعظم المشاريع تبدأ من فكرة وها نحن طرحناها انتهت ( ح335)
(ح335) المملكة الأردنية الادومية (12000 ق؟ م. ---450 ق. م. اول امبراطورية اردنية في التاريخ وعاصمتها بصيرا / الطفيلة الادومية تأليف المؤرخ المفكر المعارض السياسي الأردني د احمد عويدي العبادي (أبو د البشر والطبيب د نمي تقف قلعة الشوبك، في هيئتها الراسخة على ارتفاع يقارب (1330م) فوق سطح البحر، بوصفها تجسيدًا حيًّا لعلاقة المكان بالسيادة والملاذ الامن وقدسية المكان منذ اكثر من 14 الف سنة خلت، ولتلك اللحظة التي تتحول فيها الجغرافيا إلى قرارٍ سياسيٍّ وتاريخيٍّ في آنٍ واحد. فهي لا تبعد سوى مسافةٍ زمنية قصيرة عن البتراء، غير أن بعدها الحضاري يتجاوز حدود المكان ليغدو عقدةً استراتيجيةً على الطريق الممتد عبر الهيشة جنوبًا، حيث كانت تتحكم بمسارات العبور الكبرى بين الشام ومصر والحجاز، وتطل على فضاءٍ مفتوح يجعلها مركزًا للرصد والضبط والسيطرة ومركزا للحاميات العسكرية عبر الدول والاحتلالات. إذا أردنا أن نرتقي بقراءة الشوبك إلى مستواها الحقيقي، فإننا لا نراها مجرد موقعٍ جغرافيٍّ متوسط، بل نقرأها بوصفها عقدة توازنٍ حضارية، تتقاطع عندها مسارات الأرض والإنسان والسلطة، وتتشكل فيها معادلة دقيقة بين عالمين متباينين في الظاهر، متكاملين في العمق: عالم البادية شرقًا وجنوبًا، وعالم الاستقرار والتنظيم السياسي غربًا وشمالًا. فالشوبك ليست حدًّا فاصلاً فحسب، بل هي مساحة انتقالٍ حيّة، يتحوّل فيها الفضاء من انفتاح البادية واتساعها إلى انتظام الحاضرة واستقرارها، ومن إيقاع الحركة القبلية الحرة إلى إيقاع الإدارة والنظام, وهي تجمع بين هذين المتناقضين وتحولهما الى معادلة متناغمة ومتحضرة . وفي هذا التحوّل تحديدًا، تتجلى أهميتها، إذ تغدو نقطة التوازن التي لا تسمح لطرفٍ أن يطغى على من سواه، ولا لآخر أن ينفصل عن روابطه، بل تُبقي الجميع ضمن دائرة التكامل الحيوي. ومن هنا، كانت الشوبك بوابةً للبادية الأردنية، وحارسةً لمداخل العمران الحضاري الأردني، تضبط حركة العبور ولا تعيقها، وتؤمّن التدفقات ولا تفقد السيطرة عليها. فالقوافل القادمة من أعماق الجزيرة العربية، والمتجهة نحو الشام أو مصر، تمرّ ضمن مجالها، لا بوصفها محطة عابرة، بل بوصفها نقطة إعادة تنظيمٍ للحركة، حيث تُراقب، وتُؤمَّن، وتُعاد صياغة مساراتها ضمن نظامٍ أوسع من المصالح والقوى. وفي بعدها العشائري، تتجلّى الشوبك بوصفها ساحة تلاقٍ بين نمطين من الاجتماع الإنساني: البداوة بما تحمله من حرية الحركة وقوة العصبية والانفة والاباء من جهة، والاستقرار بما يحمله من انتظامٍ اقتصادي وإداري واجتماعي من جهة أخرى. غير أن هذا التلاقي لم يكن صداميًا بالضرورة، بل كثيرًا ما اتخذ شكل التوازن والتكامل والاحتواء الذكي؛ إذ احتاجت السلطة إلى البادية قوةً حاميةً للطرق، واحتاجت البادية إلى هذه المراكز بوصفها فضاءاتٍ للتبادل والاستقرار الجزئي. وهنا نشأت صيغة فريدة من التعايش، لا تذيب الفوارق، بل تديرها ضمن نظامٍ متماسك. أما سياسيًا، فإن الشوبك لم تكن موقعًا هامشيًا في معادلة القوة عبر تاريخ الأردن منذ 14 الف سنة، بل كانت ركيزةً في هندسة التوازن الإقليمي. فهي لم تنافس قلعة الكرك، بل قامت بدور الحليف الرديف الاستراتيجي لها، حيث شكّلت العمق الجنوبي الذي يحمي الامتداد، ويمنع الاختراق، ويؤمّن خطوط الاتصال. فإذا كانت الكرك تمثّل مركز الثقل الإداري والعسكري في نطاقها، فإن الشوبك كانت تمثّل الجناح الذي يحفظ التوازن، ويمنح المنظومة الدفاعية والعشائرية اكتمالها واتساقها. وفي بعدها العسكري، تتجاوز الشوبك مفهوم الحصن التقليدي، لتغدو منظومة دفاعية متكاملة؛ فهي عينٌ للرصد، وموضعٌ للتحصّن، ومنصةٌ للانطلاق عند الحاجة. وقدرتها على الصمود، بما تملكه من بنى تحتية مائية وممرات خفية، جعلتها ملاذًا آمنًا في أزمنة الاضطراب، ليس للجيوش فحسب، بل أيضًا لأبناء البادية حين تضيق بهم مساحات الحركة أو تختل موازين القوى فيجدون في عشائر الشوبك الملاذ الامن الذي هو أساس بناء قلعة الشوبك. أما اقتصاديًا، فإن الشوبك تمثّل نقطة التقاء بين الإنتاج المحلي والتبادل الإقليمي؛ فهي أرضٌ زراعية خصبة، وفي الوقت ذاته عقدة عبورٍ للقوافل، مما أوجد اقتصادًا مركبًا يجمع بين الزراعة والتجارة والخدمات المرافقة لحركة العبور. وبهذا، لم تكن الشوبك تعيش على هامش الطرق، بل كانت جزءًا من بنيتها، تُغذيها وتستفيد منها في آنٍ واحد. وهكذا، تغدو الشوبك تجسيدًا لما يمكن تسميته “نقطة الاتفاق والافتراق” ونقطة التوازن بين (الوئام والخصام)؛ فهي اتفاقٌ لأنها تجمع بين البادية والحضر، بين الحركة والاستقرار، بين القوة القبلية والتنظيم السياسي، وهي افتراقٌ لأنها ترسم الحدود بين هذه العوالم، وتحفظ لكلٍّ منها خصوصيته دون أن تسمح له بابتلاع الآخر, وهي منسف العيش والملح الذي يجعل من الخصام وئاما. وفي هذا التوازن الدقيق، تتجلّى عبقرية المكان الأردني، حيث لا تُلغى التناقضات، بل تُدار، ولا تُمحى الفوارق، بل تُنظَّم، لتبقى الشوبك—في عمقها—أكثر من قلعة، إنها نظامٌ حيّ من التوازن، وذاكرةٌ مستمرة لصياغة العلاقة بين الأرض والإنسان والسلطة عبر الزمن. ولم تقف أهمية الشوبك عند حدود دورها الجغرافي والسياسي والعسكري، بل تجاوزت ذلك إلى بعدها الإنساني العميق، حيث أسهمت بحكم موقعها المتعرض للاحتكاك الدائم بالقوى الكبرى في تشكيل إنسانٍ قادرٍ على الحركة والانخراط في مسارات التاريخ الواسع. فالشوبك، التي عاشت على تخوم الصراع، لم تُنتج فقط حصونًا، بل رجالًا حملوا خبرة المكان وصلابته، وانخرط بعضهم في الجيوش العربية الإسلامية، مشاركين في الفتوحات الكبرى نحو مصر وبلاد الشام وفلسطين والاندلس واسيا. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى هذه الهجرات لا بوصفها خروجًا من المكان، بل امتدادًا له؛ إذ انتقل أبناء الشوبك حاملين معهم أنماطًا من القيم الأردنية النقية , التي تشكّلت في بيئتهم الأصلية: روح الانتماء، والالتزام، والاباء والانفة والقدرة على التكيّف مع التحولات الكبرى دونما خضوع ولا قبول بالإهانة، وهي القيم الأردنية التي أعادت إنتاج نفسها في أوطانهم الجديدة، حيث استقرّت أسرهم، وتناسل حضورهم عبر الأجيال. ولا يزال من الممكن تتبّع آثار هذا الامتداد البشري والعبقريات الشوبكية في الأردن وفي عددٍ من المجتمعات العربية، حيث تحتفظ بعض الأسر بذاكرة انتمائها إلى الشوبك، لا بوصفه حنينًا عاطفيًا فحسب، بل بوصفه جذورًا تأسيسية لهويتها. وهذه الظاهرة تكشف عن بعدٍ مهم في فهم التاريخ الأردني، وهو أن الأرض الأردنية ومنها الشوبك , لم تكن فقط مسرحًا للأحداث، بل كانت أيضًا منطلقًا لانتشارٍ بشريٍّ ساهم في بناء فضاءاتٍ أوسع من الانتماء, وساهم بازدهار الحضارة الإنسانية في شتى مجالاتها. ومن هنا، تبرز فكرة ملحّة وضرورية لتوثيق هذا الامتداد، ليس في إطارٍ عاطفي أو احتفالي، بل في إطارٍ علمي–مؤسسي، يُعنى برصد الأنساب الشوبكية، وتوثيق هجراتهم، ودراسة التحولات الاجتماعية للأسر التي تعود أصولها إلى الشوبك. ويمكن أن تتجسد هذه الفكرة في إنشاء رابطة أو إطار جامع لأبناء الشوبك في الداخل والخارج، تكون مهمته إعادة وصل ما انقطع من السلاسل الاجتماعية، وتعزيز الوعي بالجذور المشتركة، ضمن رؤيةٍ علمية تحفظ الخصوصيات الوطنية لكل مجتمع، وتُبرز في الوقت ذاته وحدة الأصل التاريخي. وعليه، فإن عضويتي—أنا وأسرتي—في هذه الرابطة لا تُفهم بوصفها موقعًا شكليًا أو اقترابًا طارئًا، ولا تُقرأ على أنها تطفّلٌ على هويةٍ ليست لنا، بل هي تعبيرٌ صادق عن انتماءٍ راسخ، وشرفٌ مستحقّ، ومسؤوليةٌ واعية في آنٍ معًا؛ شرف الانتماء إلى أصلٍ ضاربٍ في عمق التاريخ، ومسؤولية الإسهام في إحياء هذا الأصل إحياءً حقيقيًا ضمن مشروعٍ يليق بمقامه وامتداده. فالأرض—في هذا الفهم—لا تكتفي بأن تكون ذاكرةً نستحضرها، بل حقًّا ننهض به؛ وإذا كان للذاكرة علينا وفاء، فإن للعمل عليها واجبًا. وحيث إن (القبور جذور ) فان القبور ليست نهاية الحكاية بل بدايتها العميقة وجذروها الراسخة، فإنها تتحول إلى جذورٍ حيّة، تُغذّي الهوية وتمنحها معناها الأصيل. فالجذور لا تمنحنا الانتماء فحسب، بل تُحمّلنا مسؤوليته، وتُلزمنا بأن نصونها، وأن نعيد إثماره في الحاضر كما كان حيًّا في الماضي, وان نأخذ بأيدي من بقي من أهلنا في الشوبك , ونرد الجميل للأرض التي عاش فيها أباؤنا وضمتهم تربتها رحمهم الله جميعا. ومن هنا، يغدو الانتماء للشوبك متمما للانتماء الى الأردن , وانتقالًا من مستوى العاطفة إلى مستوى الالتزام، ومن مجرّد حكايةٍ تُروى إلى عهدٍ يُعاش؛ عهدٌ معرفيٌّ وأخلاقيٌّ يعيد وصل ما انقطع بين الأزمنة، ويُحوّل الذاكرة من سردٍ ساكن إلى فعلٍ متحرك ومنتج. وبذلك، تستعيد الشوبك حضورها لا بوصفها أثرًا يُزار أو ذكرى تُستعاد، بل بوصفها كيانًا حيًّا في الوعي الوطني الأردني، ومجالًا مفتوحًا للفعل والبناء، حيث يتكامل الماضي مع الحاضر، ليُمهّد لمستقبلٍ يُعاد فيه تشكيل المكان بوعي أبنائه وإرادتهم. ويمكن لشخصيات شوبكية كريمة أن تتنادى لتأسيس لجنة واسعة تتولى هذا المشروع، وأن يتكاتف أبناء الحواضر الأردنية التاريخية—الكرك، والسلط، وإربد—إلى جانب أبناء البوادي، للسعي في بناء هذا التصور الحضاري الذي يُجسّد السردية الحقيقية للحواضر والعشائر الأردنية. وإني على يقين بأن نتائجه ستكون مدهشة، بل أوسع وأقوى مما نتصور؛ رؤية أراها وأتمناها في آنٍ معًا، إيمانًا بأن الهمة الصادقة لا يعجزها شيء , وكما يقول المثل العربي (لا يفوت الهمة شيء ) ويقابلها بالانجليزية Never to be late.. وفي هذا المعنى، فإن الانتماء إلى مثل هذه الرابطة للشوبك وبقية الحواضر الأردنية التاريخية , لا يكون مجرد انتسابٍ شكلي، بل مشاركة في مشروعٍ معرفيٍّ يُعيد قراءة التاريخ الشوبكي الأردني والحواضر الأخرى من زاوية الإنسان، ويُحوّل الذاكرة المبعثرة إلى سرديةٍ متماسكة، تعكس عمق الامتداد الأردني في الأردن وفي محيطه العربي والإسلامي والدولي. وان اعظم المشاريع تبدأ من فكرة وها نحن طرحناها انتهت ( ح335)
(ح335) المملكة الأردنية الادومية (12000 ق؟ م. ---450 ق. م. اول امبراطورية اردنية في التاريخ وعاصمتها بصيرا / الطفيلة الادومية تأليف المؤرخ المفكر المعارض السياسي الأردني د احمد عويدي العبادي (أبو د البشر والطبيب د نمي تقف قلعة الشوبك، في هيئتها الراسخة على ارتفاع يقارب (1330م) فوق سطح البحر، بوصفها تجسيدًا حيًّا لعلاقة المكان بالسيادة والملاذ الامن وقدسية المكان منذ اكثر من 14 الف سنة خلت، ولتلك اللحظة التي تتحول فيها الجغرافيا إلى قرارٍ سياسيٍّ وتاريخيٍّ في آنٍ واحد. فهي لا تبعد سوى مسافةٍ زمنية قصيرة عن البتراء، غير أن بعدها الحضاري يتجاوز حدود المكان ليغدو عقدةً استراتيجيةً على الطريق الممتد عبر الهيشة جنوبًا، حيث كانت تتحكم بمسارات العبور الكبرى بين الشام ومصر والحجاز، وتطل على فضاءٍ مفتوح يجعلها مركزًا للرصد والضبط والسيطرة ومركزا للحاميات العسكرية عبر الدول والاحتلالات. إذا أردنا أن نرتقي بقراءة الشوبك إلى مستواها الحقيقي، فإننا لا نراها مجرد موقعٍ جغرافيٍّ متوسط، بل نقرأها بوصفها عقدة توازنٍ حضارية، تتقاطع عندها مسارات الأرض والإنسان والسلطة، وتتشكل فيها معادلة دقيقة بين عالمين متباينين في الظاهر، متكاملين في العمق: عالم البادية شرقًا وجنوبًا، وعالم الاستقرار والتنظيم السياسي غربًا وشمالًا. فالشوبك ليست حدًّا فاصلاً فحسب، بل هي مساحة انتقالٍ حيّة، يتحوّل فيها الفضاء من انفتاح البادية واتساعها إلى انتظام الحاضرة واستقرارها، ومن إيقاع الحركة القبلية الحرة إلى إيقاع الإدارة والنظام, وهي تجمع بين هذين المتناقضين وتحولهما الى معادلة متناغمة ومتحضرة . وفي هذا التحوّل تحديدًا، تتجلى أهميتها، إذ تغدو نقطة التوازن التي لا تسمح لطرفٍ أن يطغى على من سواه، ولا لآخر أن ينفصل عن روابطه، بل تُبقي الجميع ضمن دائرة التكامل الحيوي. ومن هنا، كانت الشوبك بوابةً للبادية الأردنية، وحارسةً لمداخل العمران الحضاري الأردني، تضبط حركة العبور ولا تعيقها، وتؤمّن التدفقات ولا تفقد السيطرة عليها. فالقوافل القادمة من أعماق الجزيرة العربية، والمتجهة نحو الشام أو مصر، تمرّ ضمن مجالها، لا بوصفها محطة عابرة، بل بوصفها نقطة إعادة تنظيمٍ للحركة، حيث تُراقب، وتُؤمَّن، وتُعاد صياغة مساراتها ضمن نظامٍ أوسع من المصالح والقوى. وفي بعدها العشائري، تتجلّى الشوبك بوصفها ساحة تلاقٍ بين نمطين من الاجتماع الإنساني: البداوة بما تحمله من حرية الحركة وقوة العصبية والانفة والاباء من جهة، والاستقرار بما يحمله من انتظامٍ اقتصادي وإداري واجتماعي من جهة أخرى. غير أن هذا التلاقي لم يكن صداميًا بالضرورة، بل كثيرًا ما اتخذ شكل التوازن والتكامل والاحتواء الذكي؛ إذ احتاجت السلطة إلى البادية قوةً حاميةً للطرق، واحتاجت البادية إلى هذه المراكز بوصفها فضاءاتٍ للتبادل والاستقرار الجزئي. وهنا نشأت صيغة فريدة من التعايش، لا تذيب الفوارق، بل تديرها ضمن نظامٍ متماسك. أما سياسيًا، فإن الشوبك لم تكن موقعًا هامشيًا في معادلة القوة عبر تاريخ الأردن منذ 14 الف سنة، بل كانت ركيزةً في هندسة التوازن الإقليمي. فهي لم تنافس قلعة الكرك، بل قامت بدور الحليف الرديف الاستراتيجي لها، حيث شكّلت العمق الجنوبي الذي يحمي الامتداد، ويمنع الاختراق، ويؤمّن خطوط الاتصال. فإذا كانت الكرك تمثّل مركز الثقل الإداري والعسكري في نطاقها، فإن الشوبك كانت تمثّل الجناح الذي يحفظ التوازن، ويمنح المنظومة الدفاعية والعشائرية اكتمالها واتساقها. وفي بعدها العسكري، تتجاوز الشوبك مفهوم الحصن التقليدي، لتغدو منظومة دفاعية متكاملة؛ فهي عينٌ للرصد، وموضعٌ للتحصّن، ومنصةٌ للانطلاق عند الحاجة. وقدرتها على الصمود، بما تملكه من بنى تحتية مائية وممرات خفية، جعلتها ملاذًا آمنًا في أزمنة الاضطراب، ليس للجيوش فحسب، بل أيضًا لأبناء البادية حين تضيق بهم مساحات الحركة أو تختل موازين القوى فيجدون في عشائر الشوبك الملاذ الامن الذي هو أساس بناء قلعة الشوبك. أما اقتصاديًا، فإن الشوبك تمثّل نقطة التقاء بين الإنتاج المحلي والتبادل الإقليمي؛ فهي أرضٌ زراعية خصبة، وفي الوقت ذاته عقدة عبورٍ للقوافل، مما أوجد اقتصادًا مركبًا يجمع بين الزراعة والتجارة والخدمات المرافقة لحركة العبور. وبهذا، لم تكن الشوبك تعيش على هامش الطرق، بل كانت جزءًا من بنيتها، تُغذيها وتستفيد منها في آنٍ واحد. وهكذا، تغدو الشوبك تجسيدًا لما يمكن تسميته “نقطة الاتفاق والافتراق” ونقطة التوازن بين (الوئام والخصام)؛ فهي اتفاقٌ لأنها تجمع بين البادية والحضر، بين الحركة والاستقرار، بين القوة القبلية والتنظيم السياسي، وهي افتراقٌ لأنها ترسم الحدود بين هذه العوالم، وتحفظ لكلٍّ منها خصوصيته دون أن تسمح له بابتلاع الآخر, وهي منسف العيش والملح الذي يجعل من الخصام وئاما. وفي هذا التوازن الدقيق، تتجلّى عبقرية المكان الأردني، حيث لا تُلغى التناقضات، بل تُدار، ولا تُمحى الفوارق، بل تُنظَّم، لتبقى الشوبك—في عمقها—أكثر من قلعة، إنها نظامٌ حيّ من التوازن، وذاكرةٌ مستمرة لصياغة العلاقة بين الأرض والإنسان والسلطة عبر الزمن. ولم تقف أهمية الشوبك عند حدود دورها الجغرافي والسياسي والعسكري، بل تجاوزت ذلك إلى بعدها الإنساني العميق، حيث أسهمت بحكم موقعها المتعرض للاحتكاك الدائم بالقوى الكبرى في تشكيل إنسانٍ قادرٍ على الحركة والانخراط في مسارات التاريخ الواسع. فالشوبك، التي عاشت على تخوم الصراع، لم تُنتج فقط حصونًا، بل رجالًا حملوا خبرة المكان وصلابته، وانخرط بعضهم في الجيوش العربية الإسلامية، مشاركين في الفتوحات الكبرى نحو مصر وبلاد الشام وفلسطين والاندلس واسيا. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى هذه الهجرات لا بوصفها خروجًا من المكان، بل امتدادًا له؛ إذ انتقل أبناء الشوبك حاملين معهم أنماطًا من القيم الأردنية النقية , التي تشكّلت في بيئتهم الأصلية: روح الانتماء، والالتزام، والاباء والانفة والقدرة على التكيّف مع التحولات الكبرى دونما خضوع ولا قبول بالإهانة، وهي القيم الأردنية التي أعادت إنتاج نفسها في أوطانهم الجديدة، حيث استقرّت أسرهم، وتناسل حضورهم عبر الأجيال. ولا يزال من الممكن تتبّع آثار هذا الامتداد البشري والعبقريات الشوبكية في الأردن وفي عددٍ من المجتمعات العربية، حيث تحتفظ بعض الأسر بذاكرة انتمائها إلى الشوبك، لا بوصفه حنينًا عاطفيًا فحسب، بل بوصفه جذورًا تأسيسية لهويتها. وهذه الظاهرة تكشف عن بعدٍ مهم في فهم التاريخ الأردني، وهو أن الأرض الأردنية ومنها الشوبك , لم تكن فقط مسرحًا للأحداث، بل كانت أيضًا منطلقًا لانتشارٍ بشريٍّ ساهم في بناء فضاءاتٍ أوسع من الانتماء, وساهم بازدهار الحضارة الإنسانية في شتى مجالاتها. ومن هنا، تبرز فكرة ملحّة وضرورية لتوثيق هذا الامتداد، ليس في إطارٍ عاطفي أو احتفالي، بل في إطارٍ علمي–مؤسسي، يُعنى برصد الأنساب الشوبكية، وتوثيق هجراتهم، ودراسة التحولات الاجتماعية للأسر التي تعود أصولها إلى الشوبك. ويمكن أن تتجسد هذه الفكرة في إنشاء رابطة أو إطار جامع لأبناء الشوبك في الداخل والخارج، تكون مهمته إعادة وصل ما انقطع من السلاسل الاجتماعية، وتعزيز الوعي بالجذور المشتركة، ضمن رؤيةٍ علمية تحفظ الخصوصيات الوطنية لكل مجتمع، وتُبرز في الوقت ذاته وحدة الأصل التاريخي. وعليه، فإن عضويتي—أنا وأسرتي—في هذه الرابطة لا تُفهم بوصفها موقعًا شكليًا أو اقترابًا طارئًا، ولا تُقرأ على أنها تطفّلٌ على هويةٍ ليست لنا، بل هي تعبيرٌ صادق عن انتماءٍ راسخ، وشرفٌ مستحقّ، ومسؤوليةٌ واعية في آنٍ معًا؛ شرف الانتماء إلى أصلٍ ضاربٍ في عمق التاريخ، ومسؤولية الإسهام في إحياء هذا الأصل إحياءً حقيقيًا ضمن مشروعٍ يليق بمقامه وامتداده. فالأرض—في هذا الفهم—لا تكتفي بأن تكون ذاكرةً نستحضرها، بل حقًّا ننهض به؛ وإذا كان للذاكرة علينا وفاء، فإن للعمل عليها واجبًا. وحيث إن (القبور جذور ) فان القبور ليست نهاية الحكاية بل بدايتها العميقة وجذروها الراسخة، فإنها تتحول إلى جذورٍ حيّة، تُغذّي الهوية وتمنحها معناها الأصيل. فالجذور لا تمنحنا الانتماء فحسب، بل تُحمّلنا مسؤوليته، وتُلزمنا بأن نصونها، وأن نعيد إثماره في الحاضر كما كان حيًّا في الماضي, وان نأخذ بأيدي من بقي من أهلنا في الشوبك , ونرد الجميل للأرض التي عاش فيها أباؤنا وضمتهم تربتها رحمهم الله جميعا. ومن هنا، يغدو الانتماء للشوبك متمما للانتماء الى الأردن , وانتقالًا من مستوى العاطفة إلى مستوى الالتزام، ومن مجرّد حكايةٍ تُروى إلى عهدٍ يُعاش؛ عهدٌ معرفيٌّ وأخلاقيٌّ يعيد وصل ما انقطع بين الأزمنة، ويُحوّل الذاكرة من سردٍ ساكن إلى فعلٍ متحرك ومنتج. وبذلك، تستعيد الشوبك حضورها لا بوصفها أثرًا يُزار أو ذكرى تُستعاد، بل بوصفها كيانًا حيًّا في الوعي الوطني الأردني، ومجالًا مفتوحًا للفعل والبناء، حيث يتكامل الماضي مع الحاضر، ليُمهّد لمستقبلٍ يُعاد فيه تشكيل المكان بوعي أبنائه وإرادتهم. ويمكن لشخصيات شوبكية كريمة أن تتنادى لتأسيس لجنة واسعة تتولى هذا المشروع، وأن يتكاتف أبناء الحواضر الأردنية التاريخية—الكرك، والسلط، وإربد—إلى جانب أبناء البوادي، للسعي في بناء هذا التصور الحضاري الذي يُجسّد السردية الحقيقية للحواضر والعشائر الأردنية. وإني على يقين بأن نتائجه ستكون مدهشة، بل أوسع وأقوى مما نتصور؛ رؤية أراها وأتمناها في آنٍ معًا، إيمانًا بأن الهمة الصادقة لا يعجزها شيء , وكما يقول المثل العربي (لا يفوت الهمة شيء ) ويقابلها بالانجليزية Never to be late.. وفي هذا المعنى، فإن الانتماء إلى مثل هذه الرابطة للشوبك وبقية الحواضر الأردنية التاريخية , لا يكون مجرد انتسابٍ شكلي، بل مشاركة في مشروعٍ معرفيٍّ يُعيد قراءة التاريخ الشوبكي الأردني والحواضر الأخرى من زاوية الإنسان، ويُحوّل الذاكرة المبعثرة إلى سرديةٍ متماسكة، تعكس عمق الامتداد الأردني في الأردن وفي محيطه العربي والإسلامي والدولي. وان اعظم المشاريع تبدأ من فكرة وها نحن طرحناها انتهت ( ح335)
التعليقات