في مشهدٍ قد يبدو طريفًا للوهلة الأولى، قد يوقفك شخص في وسط البلد ويسألك: “بتعرفني؟ أنا فنان أردني.” لكن الإجابة الأكثر شيوعًا اليوم لن تتجاوز ابتسامة مرتبكة وجملة مألوفة: “بشبه عليك… شايفك قبل، بس وين مش متذكر.”
ليست هذه مجرد مفارقة عابرة، بل انعكاس لحالة أعمق يعيشها المشهد الفني الأردني، حيث باتت العلاقة بين الفنان والجمهور تمرّ بحالة من الانفصال الصامت. فهل فقد الفن جمهوره، أم أن الجمهور هو من ابتعد عن الفن؟
في زمنٍ ليس ببعيد، كان الفنان جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ يدخل البيوت عبر شاشة التلفزيون، تجتمع العائلات حوله، وتُحفظ ملامحه وصوته في الذاكرة الجمعية. لم يكن بحاجة إلى تعريف، فحضوره كان كافيًا ليصنع اسمه.
أما اليوم، فقد تغيّرت المعادلة بالكامل. لم تعد الشاشة واحدة، ولم يعد الجمهور مجتمعًا حولها. تعدّدت المنصات، وتشتّت الانتباه، وأصبح الظهور مرهونًا بخوارزميات لا تعترف إلا بما هو متكرر وسريع الانتشار. وفي هذا السياق، إن لم يظهر الفنان على شاشة الهاتف، وإن لم يتحوّل إلى “ترند”، فكأنه لم يكن يومًا جزءًا من المشهد.
وسط هذا التحوّل، يجد الفنان الأردني نفسه في موقع ملتبس؛ حاضرٌ دون تأثير واضح، وغائبٌ دون أن يُفتقد. يظهر أحيانًا، لكنه لا يرسخ في الذاكرة، كإشعارٍ عابرٍ لا يلتفت إليه أحد.
وقد تجلّت هذه الأزمة بوضوح خلال انتخابات نقابة الفنانين، حيث تحوّل الحدث، في نظر كثيرين، إلى اختبارٍ للذاكرة أكثر منه مناسبة فنية. صور وأسماء كثيرة تداولها الجمهور، لكن التفاعل لم يكن كما يُتوقع. بل على العكس، غلبت عليه نبرة التساؤل والدهشة: من هؤلاء؟ وهل شاهدناهم فعلًا في أعمال سابقة؟
ورغم حضور أسماء لها تاريخها، إلا أن السؤال الأكثر تداولًا لم يكن عن الحاضر، بل عن الغائب: أين فلان؟ وأين فلانة؟ وكأن الجمهور لا يبحث عن أشخاص، بل عن زمنٍ كاملٍ اختفى فجأة.
وفي سياق المقارنة التي يستحضرها البعض، يبرز مثال لافت من الذاكرة الفنية العربية؛ إذ إن مطربًا مثل ذياب مشهور، ومن خلال مشاركته مع دريد لحام (غوّار) في عملٍ تلفزيوني واحد قدّم خلاله عددًا من الأغاني، استطاع أن يرسّخ اسمه عربيًا ويحقق حضورًا واسعًا تجاوز حدود بلده. في المقابل، نجد في المشهد المحلي فنانين قدّموا عشرات الأعمال، ووقفوا على خشبات المسرح لسنوات، وشاركوا في مهرجانات متعددة، ومع ذلك قد لا يتعرّف عليهم الجمهور اليوم، أو يتساءل عنهم بدهشة: من هؤلاء؟
هذا التباعد لا يمكن تفسيره بعاملٍ واحد. فالمشكلة لا تكمن فقط في تغيّر ملامح الفنانين، ولا في تبدّل الأذواق، بل في غياب منظومة إنتاج وترويج قادرة على إبقاء الفنان في دائرة الضوء. فالفن، بطبيعته، يحتاج إلى استمرارية؛ إلى حضورٍ متجددٍ يرسّخ العلاقة مع الجمهور، لا إلى ظهورٍ متقطعٍ يبدده النسيان.
كما أن غياب الفرص الكافية، وتراجع الإنتاج المحلي، يدفعان كثيرًا من الفنانين إلى التراجع أو البحث عن مساحات خارجية، ما يترك فراغًا في المشهد المحلي، خاصة على مستوى الوجوه الشابة.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: هل نحن أمام مشهدٍ فني يشيخ دون أن يُجدّد نفسه؟
في المقابل، لا يمكن إعفاء الجمهور من المسؤولية. فطبيعة الاستهلاك تغيّرت، وأصبح المتلقي أكثر انجذابًا لما هو سريع وخفيف، ما يجعل الأعمال الجادة أو التقليدية أقل قدرة على المنافسة في بيئة رقمية مزدحمة.
بين فنانٍ يحاول أن يُسمع صوته، وجمهورٍ لم يعد يصغي كما في السابق، تتآكل تلك العلاقة التي شكّلت يومًا جوهر العملية الفنية.
في النهاية، لا يبدو أن الأزمة تكمن في طرفٍ واحد، بل في المسافة التي اتسعت بينهما. فالفنان ما زال يُنتج، والجمهور ما زال يشاهد، لكن كليهما يفعل ذلك في عالمٍ مختلفٍ عن الآخر. عشان هيك أنا كل ما بتصوّر بطلب من المصوّر يطبع اسمي على الصور، عارفين ليش؟ عشان ما حدا يسألني: وين شايفك؟
وهنا يبقى السؤال مفتوحًا: هل الفن في الأردن لم يعد يُرى… أم أننا ببساطة لم نعد نتابع؟
عاطف أبو حجر
في مشهدٍ قد يبدو طريفًا للوهلة الأولى، قد يوقفك شخص في وسط البلد ويسألك: “بتعرفني؟ أنا فنان أردني.” لكن الإجابة الأكثر شيوعًا اليوم لن تتجاوز ابتسامة مرتبكة وجملة مألوفة: “بشبه عليك… شايفك قبل، بس وين مش متذكر.”
ليست هذه مجرد مفارقة عابرة، بل انعكاس لحالة أعمق يعيشها المشهد الفني الأردني، حيث باتت العلاقة بين الفنان والجمهور تمرّ بحالة من الانفصال الصامت. فهل فقد الفن جمهوره، أم أن الجمهور هو من ابتعد عن الفن؟
في زمنٍ ليس ببعيد، كان الفنان جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ يدخل البيوت عبر شاشة التلفزيون، تجتمع العائلات حوله، وتُحفظ ملامحه وصوته في الذاكرة الجمعية. لم يكن بحاجة إلى تعريف، فحضوره كان كافيًا ليصنع اسمه.
أما اليوم، فقد تغيّرت المعادلة بالكامل. لم تعد الشاشة واحدة، ولم يعد الجمهور مجتمعًا حولها. تعدّدت المنصات، وتشتّت الانتباه، وأصبح الظهور مرهونًا بخوارزميات لا تعترف إلا بما هو متكرر وسريع الانتشار. وفي هذا السياق، إن لم يظهر الفنان على شاشة الهاتف، وإن لم يتحوّل إلى “ترند”، فكأنه لم يكن يومًا جزءًا من المشهد.
وسط هذا التحوّل، يجد الفنان الأردني نفسه في موقع ملتبس؛ حاضرٌ دون تأثير واضح، وغائبٌ دون أن يُفتقد. يظهر أحيانًا، لكنه لا يرسخ في الذاكرة، كإشعارٍ عابرٍ لا يلتفت إليه أحد.
وقد تجلّت هذه الأزمة بوضوح خلال انتخابات نقابة الفنانين، حيث تحوّل الحدث، في نظر كثيرين، إلى اختبارٍ للذاكرة أكثر منه مناسبة فنية. صور وأسماء كثيرة تداولها الجمهور، لكن التفاعل لم يكن كما يُتوقع. بل على العكس، غلبت عليه نبرة التساؤل والدهشة: من هؤلاء؟ وهل شاهدناهم فعلًا في أعمال سابقة؟
ورغم حضور أسماء لها تاريخها، إلا أن السؤال الأكثر تداولًا لم يكن عن الحاضر، بل عن الغائب: أين فلان؟ وأين فلانة؟ وكأن الجمهور لا يبحث عن أشخاص، بل عن زمنٍ كاملٍ اختفى فجأة.
وفي سياق المقارنة التي يستحضرها البعض، يبرز مثال لافت من الذاكرة الفنية العربية؛ إذ إن مطربًا مثل ذياب مشهور، ومن خلال مشاركته مع دريد لحام (غوّار) في عملٍ تلفزيوني واحد قدّم خلاله عددًا من الأغاني، استطاع أن يرسّخ اسمه عربيًا ويحقق حضورًا واسعًا تجاوز حدود بلده. في المقابل، نجد في المشهد المحلي فنانين قدّموا عشرات الأعمال، ووقفوا على خشبات المسرح لسنوات، وشاركوا في مهرجانات متعددة، ومع ذلك قد لا يتعرّف عليهم الجمهور اليوم، أو يتساءل عنهم بدهشة: من هؤلاء؟
هذا التباعد لا يمكن تفسيره بعاملٍ واحد. فالمشكلة لا تكمن فقط في تغيّر ملامح الفنانين، ولا في تبدّل الأذواق، بل في غياب منظومة إنتاج وترويج قادرة على إبقاء الفنان في دائرة الضوء. فالفن، بطبيعته، يحتاج إلى استمرارية؛ إلى حضورٍ متجددٍ يرسّخ العلاقة مع الجمهور، لا إلى ظهورٍ متقطعٍ يبدده النسيان.
كما أن غياب الفرص الكافية، وتراجع الإنتاج المحلي، يدفعان كثيرًا من الفنانين إلى التراجع أو البحث عن مساحات خارجية، ما يترك فراغًا في المشهد المحلي، خاصة على مستوى الوجوه الشابة.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: هل نحن أمام مشهدٍ فني يشيخ دون أن يُجدّد نفسه؟
في المقابل، لا يمكن إعفاء الجمهور من المسؤولية. فطبيعة الاستهلاك تغيّرت، وأصبح المتلقي أكثر انجذابًا لما هو سريع وخفيف، ما يجعل الأعمال الجادة أو التقليدية أقل قدرة على المنافسة في بيئة رقمية مزدحمة.
بين فنانٍ يحاول أن يُسمع صوته، وجمهورٍ لم يعد يصغي كما في السابق، تتآكل تلك العلاقة التي شكّلت يومًا جوهر العملية الفنية.
في النهاية، لا يبدو أن الأزمة تكمن في طرفٍ واحد، بل في المسافة التي اتسعت بينهما. فالفنان ما زال يُنتج، والجمهور ما زال يشاهد، لكن كليهما يفعل ذلك في عالمٍ مختلفٍ عن الآخر. عشان هيك أنا كل ما بتصوّر بطلب من المصوّر يطبع اسمي على الصور، عارفين ليش؟ عشان ما حدا يسألني: وين شايفك؟
وهنا يبقى السؤال مفتوحًا: هل الفن في الأردن لم يعد يُرى… أم أننا ببساطة لم نعد نتابع؟
عاطف أبو حجر
في مشهدٍ قد يبدو طريفًا للوهلة الأولى، قد يوقفك شخص في وسط البلد ويسألك: “بتعرفني؟ أنا فنان أردني.” لكن الإجابة الأكثر شيوعًا اليوم لن تتجاوز ابتسامة مرتبكة وجملة مألوفة: “بشبه عليك… شايفك قبل، بس وين مش متذكر.”
ليست هذه مجرد مفارقة عابرة، بل انعكاس لحالة أعمق يعيشها المشهد الفني الأردني، حيث باتت العلاقة بين الفنان والجمهور تمرّ بحالة من الانفصال الصامت. فهل فقد الفن جمهوره، أم أن الجمهور هو من ابتعد عن الفن؟
في زمنٍ ليس ببعيد، كان الفنان جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ يدخل البيوت عبر شاشة التلفزيون، تجتمع العائلات حوله، وتُحفظ ملامحه وصوته في الذاكرة الجمعية. لم يكن بحاجة إلى تعريف، فحضوره كان كافيًا ليصنع اسمه.
أما اليوم، فقد تغيّرت المعادلة بالكامل. لم تعد الشاشة واحدة، ولم يعد الجمهور مجتمعًا حولها. تعدّدت المنصات، وتشتّت الانتباه، وأصبح الظهور مرهونًا بخوارزميات لا تعترف إلا بما هو متكرر وسريع الانتشار. وفي هذا السياق، إن لم يظهر الفنان على شاشة الهاتف، وإن لم يتحوّل إلى “ترند”، فكأنه لم يكن يومًا جزءًا من المشهد.
وسط هذا التحوّل، يجد الفنان الأردني نفسه في موقع ملتبس؛ حاضرٌ دون تأثير واضح، وغائبٌ دون أن يُفتقد. يظهر أحيانًا، لكنه لا يرسخ في الذاكرة، كإشعارٍ عابرٍ لا يلتفت إليه أحد.
وقد تجلّت هذه الأزمة بوضوح خلال انتخابات نقابة الفنانين، حيث تحوّل الحدث، في نظر كثيرين، إلى اختبارٍ للذاكرة أكثر منه مناسبة فنية. صور وأسماء كثيرة تداولها الجمهور، لكن التفاعل لم يكن كما يُتوقع. بل على العكس، غلبت عليه نبرة التساؤل والدهشة: من هؤلاء؟ وهل شاهدناهم فعلًا في أعمال سابقة؟
ورغم حضور أسماء لها تاريخها، إلا أن السؤال الأكثر تداولًا لم يكن عن الحاضر، بل عن الغائب: أين فلان؟ وأين فلانة؟ وكأن الجمهور لا يبحث عن أشخاص، بل عن زمنٍ كاملٍ اختفى فجأة.
وفي سياق المقارنة التي يستحضرها البعض، يبرز مثال لافت من الذاكرة الفنية العربية؛ إذ إن مطربًا مثل ذياب مشهور، ومن خلال مشاركته مع دريد لحام (غوّار) في عملٍ تلفزيوني واحد قدّم خلاله عددًا من الأغاني، استطاع أن يرسّخ اسمه عربيًا ويحقق حضورًا واسعًا تجاوز حدود بلده. في المقابل، نجد في المشهد المحلي فنانين قدّموا عشرات الأعمال، ووقفوا على خشبات المسرح لسنوات، وشاركوا في مهرجانات متعددة، ومع ذلك قد لا يتعرّف عليهم الجمهور اليوم، أو يتساءل عنهم بدهشة: من هؤلاء؟
هذا التباعد لا يمكن تفسيره بعاملٍ واحد. فالمشكلة لا تكمن فقط في تغيّر ملامح الفنانين، ولا في تبدّل الأذواق، بل في غياب منظومة إنتاج وترويج قادرة على إبقاء الفنان في دائرة الضوء. فالفن، بطبيعته، يحتاج إلى استمرارية؛ إلى حضورٍ متجددٍ يرسّخ العلاقة مع الجمهور، لا إلى ظهورٍ متقطعٍ يبدده النسيان.
كما أن غياب الفرص الكافية، وتراجع الإنتاج المحلي، يدفعان كثيرًا من الفنانين إلى التراجع أو البحث عن مساحات خارجية، ما يترك فراغًا في المشهد المحلي، خاصة على مستوى الوجوه الشابة.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: هل نحن أمام مشهدٍ فني يشيخ دون أن يُجدّد نفسه؟
في المقابل، لا يمكن إعفاء الجمهور من المسؤولية. فطبيعة الاستهلاك تغيّرت، وأصبح المتلقي أكثر انجذابًا لما هو سريع وخفيف، ما يجعل الأعمال الجادة أو التقليدية أقل قدرة على المنافسة في بيئة رقمية مزدحمة.
بين فنانٍ يحاول أن يُسمع صوته، وجمهورٍ لم يعد يصغي كما في السابق، تتآكل تلك العلاقة التي شكّلت يومًا جوهر العملية الفنية.
في النهاية، لا يبدو أن الأزمة تكمن في طرفٍ واحد، بل في المسافة التي اتسعت بينهما. فالفنان ما زال يُنتج، والجمهور ما زال يشاهد، لكن كليهما يفعل ذلك في عالمٍ مختلفٍ عن الآخر. عشان هيك أنا كل ما بتصوّر بطلب من المصوّر يطبع اسمي على الصور، عارفين ليش؟ عشان ما حدا يسألني: وين شايفك؟
وهنا يبقى السؤال مفتوحًا: هل الفن في الأردن لم يعد يُرى… أم أننا ببساطة لم نعد نتابع؟
التعليقات