حين يداهم السيل واديًا هادئًا، لا يمنح أحدًا فرصةً كافية للتفكير الطويل أو استرجاع الحسابات القديمة. من سكنوا على ضفافه، أو بنوا بيوتهم في مجراه، لا ينشغلون حينها بالسؤال: من أخطأ أولًا؟ ومن سمح بالبناء؟ ومن تجاهل التحذيرات؟ بل يندفعون مباشرة نحو الأولويات… إنقاذ الأرواح أولًا، ثم ما يمكن إنقاذه من الممتلكات، ثم محاولة تقليل الخسائر قدر المستطاع. فالسيل حين يأتي… لا يُردّ، والوقت حينها ليس وقت عتاب، بل وقت إنقاذ. هكذا يبدو حال الضمان الاجتماعي اليوم… سنوات من القرارات المتراكمة، وتعديلات متلاحقة، وحسابات لم تُبنَ دائمًا على رؤية بعيدة المدى، أدت إلى واقعٍ معقّد، أصبح فيه المشتركون بين مطرقة الأخطاء المتراكمة، وسندان المعالجات الصعبة التي لا تخلو من التضحيات. لقد أصبحنا اليوم أمام 'سيلٍ' من التحديات، لا يمكننا أن نوقفه بمجرد التذمر، ولا أن نعيد مجرى الوادي كما كان قبل سنوات. فالواقع الاقتصادي تغيّر، والضغوط المالية تزايدت، والالتزامات المستقبلية أصبحت أكبر من قدرة الصيغ القديمة على الاستمرار دون تعديل. وهنا يظهر السؤال الصعب: هل نصرّ على العودة إلى الوراء، رغم استحالة ذلك؟ أم نتجه إلى تقليل الخسائر، ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ إن الحكمة — في مثل هذه الظروف — تقتضي أن ننظر للأمر بعقلانية لا بعاطفة فقط. فالمطالبة بإعادة كل شيء كما كان، قد تكون مطلبًا مفهومًا من حيث الشعور، لكنها قد تكون غير ممكنة من حيث الواقع. فالذي بنى في مجرى السيل لا يستطيع حين يندفع الماء أن يطالب الطبيعة بالتوقف، بل يسعى إلى النجاة، وإعادة البناء لاحقًا على أسس أكثر أمانًا. وهذا لا يعني تبرئة الأخطاء، ولا التغاضي عن المسؤوليات، ولا إغلاق باب المحاسبة أو المراجعة، بل يعني ببساطة أن المعالجة اليوم يجب أن تركز على المستقبل، لا أن تبقى أسيرة الماضي. إن القبول بتعديل قانون الضمان الاجتماعي — رغم ما قد يحمله من صعوبات — قد يكون خيارًا اضطراريًا لتقليل الخسائر، ولضمان استدامة النظام، حتى لا نجد أنفسنا أمام انهيارٍ أكبر لا تُحمد عقباه. فالمسؤولية اليوم لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين صانع القرار، والمؤسسات، والمجتمع، والمشتركين أنفسهم، للوصول إلى صيغة تحقق التوازن بين الحقوق المكتسبة، ومتطلبات الاستدامة المالية. لقد علمتنا تجارب كثيرة أن تراكم الأخطاء دون معالجة مبكرة، يجعل كلفة التصحيح أكبر، والخيارات أضيق، والقرارات أصعب. ولهذا، فإن تقليل الخسائر — مهما كان مؤلمًا — قد يكون أهون من تجاهل الخطر حتى يصبح السيل جارفًا لا يُبقي ولا يذر. فالضمان الاجتماعي ليس ملفًا عابرًا، بل هو أمان الناس، ومستقبل أسرهم، وثمرة سنوات طويلة من العمل والانتظار. ولهذا، فإن الحكمة تقتضي أن نتعامل مع الأمر بروح المسؤولية، لا بروح الغضب فقط، وبعقلٍ يبحث عن النجاة، لا بقلبٍ يكتفي بعتاب السيل والرعد والبرق. فالأوطان — كما الأودية — قد تمرّ عليها السيول، لكن الأذكى هم من يتعلمون من التجربة، ويبنون لاحقًا في أرضٍ أكثر أمانًا، حتى لا تتكرر الخسائر… ولا يصبح السيل القادم أكثر قسوة.
بقلم النائب أروى الحجايا
حين يداهم السيل واديًا هادئًا، لا يمنح أحدًا فرصةً كافية للتفكير الطويل أو استرجاع الحسابات القديمة. من سكنوا على ضفافه، أو بنوا بيوتهم في مجراه، لا ينشغلون حينها بالسؤال: من أخطأ أولًا؟ ومن سمح بالبناء؟ ومن تجاهل التحذيرات؟ بل يندفعون مباشرة نحو الأولويات… إنقاذ الأرواح أولًا، ثم ما يمكن إنقاذه من الممتلكات، ثم محاولة تقليل الخسائر قدر المستطاع. فالسيل حين يأتي… لا يُردّ، والوقت حينها ليس وقت عتاب، بل وقت إنقاذ. هكذا يبدو حال الضمان الاجتماعي اليوم… سنوات من القرارات المتراكمة، وتعديلات متلاحقة، وحسابات لم تُبنَ دائمًا على رؤية بعيدة المدى، أدت إلى واقعٍ معقّد، أصبح فيه المشتركون بين مطرقة الأخطاء المتراكمة، وسندان المعالجات الصعبة التي لا تخلو من التضحيات. لقد أصبحنا اليوم أمام 'سيلٍ' من التحديات، لا يمكننا أن نوقفه بمجرد التذمر، ولا أن نعيد مجرى الوادي كما كان قبل سنوات. فالواقع الاقتصادي تغيّر، والضغوط المالية تزايدت، والالتزامات المستقبلية أصبحت أكبر من قدرة الصيغ القديمة على الاستمرار دون تعديل. وهنا يظهر السؤال الصعب: هل نصرّ على العودة إلى الوراء، رغم استحالة ذلك؟ أم نتجه إلى تقليل الخسائر، ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ إن الحكمة — في مثل هذه الظروف — تقتضي أن ننظر للأمر بعقلانية لا بعاطفة فقط. فالمطالبة بإعادة كل شيء كما كان، قد تكون مطلبًا مفهومًا من حيث الشعور، لكنها قد تكون غير ممكنة من حيث الواقع. فالذي بنى في مجرى السيل لا يستطيع حين يندفع الماء أن يطالب الطبيعة بالتوقف، بل يسعى إلى النجاة، وإعادة البناء لاحقًا على أسس أكثر أمانًا. وهذا لا يعني تبرئة الأخطاء، ولا التغاضي عن المسؤوليات، ولا إغلاق باب المحاسبة أو المراجعة، بل يعني ببساطة أن المعالجة اليوم يجب أن تركز على المستقبل، لا أن تبقى أسيرة الماضي. إن القبول بتعديل قانون الضمان الاجتماعي — رغم ما قد يحمله من صعوبات — قد يكون خيارًا اضطراريًا لتقليل الخسائر، ولضمان استدامة النظام، حتى لا نجد أنفسنا أمام انهيارٍ أكبر لا تُحمد عقباه. فالمسؤولية اليوم لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين صانع القرار، والمؤسسات، والمجتمع، والمشتركين أنفسهم، للوصول إلى صيغة تحقق التوازن بين الحقوق المكتسبة، ومتطلبات الاستدامة المالية. لقد علمتنا تجارب كثيرة أن تراكم الأخطاء دون معالجة مبكرة، يجعل كلفة التصحيح أكبر، والخيارات أضيق، والقرارات أصعب. ولهذا، فإن تقليل الخسائر — مهما كان مؤلمًا — قد يكون أهون من تجاهل الخطر حتى يصبح السيل جارفًا لا يُبقي ولا يذر. فالضمان الاجتماعي ليس ملفًا عابرًا، بل هو أمان الناس، ومستقبل أسرهم، وثمرة سنوات طويلة من العمل والانتظار. ولهذا، فإن الحكمة تقتضي أن نتعامل مع الأمر بروح المسؤولية، لا بروح الغضب فقط، وبعقلٍ يبحث عن النجاة، لا بقلبٍ يكتفي بعتاب السيل والرعد والبرق. فالأوطان — كما الأودية — قد تمرّ عليها السيول، لكن الأذكى هم من يتعلمون من التجربة، ويبنون لاحقًا في أرضٍ أكثر أمانًا، حتى لا تتكرر الخسائر… ولا يصبح السيل القادم أكثر قسوة.
بقلم النائب أروى الحجايا
حين يداهم السيل واديًا هادئًا، لا يمنح أحدًا فرصةً كافية للتفكير الطويل أو استرجاع الحسابات القديمة. من سكنوا على ضفافه، أو بنوا بيوتهم في مجراه، لا ينشغلون حينها بالسؤال: من أخطأ أولًا؟ ومن سمح بالبناء؟ ومن تجاهل التحذيرات؟ بل يندفعون مباشرة نحو الأولويات… إنقاذ الأرواح أولًا، ثم ما يمكن إنقاذه من الممتلكات، ثم محاولة تقليل الخسائر قدر المستطاع. فالسيل حين يأتي… لا يُردّ، والوقت حينها ليس وقت عتاب، بل وقت إنقاذ. هكذا يبدو حال الضمان الاجتماعي اليوم… سنوات من القرارات المتراكمة، وتعديلات متلاحقة، وحسابات لم تُبنَ دائمًا على رؤية بعيدة المدى، أدت إلى واقعٍ معقّد، أصبح فيه المشتركون بين مطرقة الأخطاء المتراكمة، وسندان المعالجات الصعبة التي لا تخلو من التضحيات. لقد أصبحنا اليوم أمام 'سيلٍ' من التحديات، لا يمكننا أن نوقفه بمجرد التذمر، ولا أن نعيد مجرى الوادي كما كان قبل سنوات. فالواقع الاقتصادي تغيّر، والضغوط المالية تزايدت، والالتزامات المستقبلية أصبحت أكبر من قدرة الصيغ القديمة على الاستمرار دون تعديل. وهنا يظهر السؤال الصعب: هل نصرّ على العودة إلى الوراء، رغم استحالة ذلك؟ أم نتجه إلى تقليل الخسائر، ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ إن الحكمة — في مثل هذه الظروف — تقتضي أن ننظر للأمر بعقلانية لا بعاطفة فقط. فالمطالبة بإعادة كل شيء كما كان، قد تكون مطلبًا مفهومًا من حيث الشعور، لكنها قد تكون غير ممكنة من حيث الواقع. فالذي بنى في مجرى السيل لا يستطيع حين يندفع الماء أن يطالب الطبيعة بالتوقف، بل يسعى إلى النجاة، وإعادة البناء لاحقًا على أسس أكثر أمانًا. وهذا لا يعني تبرئة الأخطاء، ولا التغاضي عن المسؤوليات، ولا إغلاق باب المحاسبة أو المراجعة، بل يعني ببساطة أن المعالجة اليوم يجب أن تركز على المستقبل، لا أن تبقى أسيرة الماضي. إن القبول بتعديل قانون الضمان الاجتماعي — رغم ما قد يحمله من صعوبات — قد يكون خيارًا اضطراريًا لتقليل الخسائر، ولضمان استدامة النظام، حتى لا نجد أنفسنا أمام انهيارٍ أكبر لا تُحمد عقباه. فالمسؤولية اليوم لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين صانع القرار، والمؤسسات، والمجتمع، والمشتركين أنفسهم، للوصول إلى صيغة تحقق التوازن بين الحقوق المكتسبة، ومتطلبات الاستدامة المالية. لقد علمتنا تجارب كثيرة أن تراكم الأخطاء دون معالجة مبكرة، يجعل كلفة التصحيح أكبر، والخيارات أضيق، والقرارات أصعب. ولهذا، فإن تقليل الخسائر — مهما كان مؤلمًا — قد يكون أهون من تجاهل الخطر حتى يصبح السيل جارفًا لا يُبقي ولا يذر. فالضمان الاجتماعي ليس ملفًا عابرًا، بل هو أمان الناس، ومستقبل أسرهم، وثمرة سنوات طويلة من العمل والانتظار. ولهذا، فإن الحكمة تقتضي أن نتعامل مع الأمر بروح المسؤولية، لا بروح الغضب فقط، وبعقلٍ يبحث عن النجاة، لا بقلبٍ يكتفي بعتاب السيل والرعد والبرق. فالأوطان — كما الأودية — قد تمرّ عليها السيول، لكن الأذكى هم من يتعلمون من التجربة، ويبنون لاحقًا في أرضٍ أكثر أمانًا، حتى لا تتكرر الخسائر… ولا يصبح السيل القادم أكثر قسوة.
التعليقات
الضمان الاجتماعي… عندما يداهمنا السيل، هل نُعاتب الماء أم نُنقذ ما تبقّى؟
التعليقات