شهدت أوروبا خلال العقود الأولى من القرن العشرين تصاعداً ملحوظاً في أشكال الاضطهاد السياسي والاجتماعي والاقتصادي ضدّ الجماعات اليهودية، بلغ ذروته مع صعود النازية في ألمانيا وما تبعها من تشريعات عنصرية وسياسات إقصائية. هذا الواقع أفرز أزمة إنسانية حادّة تمثّلت في موجات لجوء واسعة، في وقت أغلقت فيه الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية أبوابها أمام الهجرة اليهودية عبر قوانين حصص صارمة وسياسات تقييدية.
في هذا السياق، برزت فلسطين في الخطاب الدولي والصهيوني بوصفها 'الحل الممكن' لأزمة يهود أوروبا، وهو طرح يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا الخيار، هل كانت فلسطين فعلاً الخيار الوحيد المتاح لإنقاذ اليهود؟ أم أنّ هذا الخيار جاء نتيجة تفاعل معقّد بين سياسات دولية مقيّدة للهجرة، ومصالح استعمارية بريطانية، ومشروع صهيوني سعى إلى توظيف المأساة الإنسانية لتحقيق هدف سياسي محدد؟
ينطلق هذا البحث من فرضية أنّ تحويل مأساة اليهود في أوروبا من قضية إنسانية أوروبية داخلية إلى مشروع سياسي في فلسطين، لم يكن إلا نتاج سياسات واعية اتّخذتها القوى الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا والولايات المتحدة، في ظلّ حسابات استراتيجية تتجاوز الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية. ويعتمد البحث على تحليل وثائق أصلية من أرشيف الخارجية الأمريكية، تشمل تقارير ديبلوماسية ومراسلات رسمية تعكس إدراك صانعي القرار لطبيعة الأزمة وحدود البدائل المطروحة آنذاك.
من خلال قراءة هذه الوثائق، يسعى البحث إلى تفكيك السردية التي قدّمت فلسطين باعتبارها الحل الوحيد، وإبراز الدور الذي لعبته القيود الغربية على الهجرة، والدعاية الصهيونية، في دفع مسار الأحداث نحو فلسطين، وما ترتب على ذلك من تداعيات سياسية وديموجرافية ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم.
اضطهاد اليهود في ألمانيا النازية بين التشريع والصمت الدولي، والمفارقة الصهيونية:
مع صعود الحزب النازي إلى السلطة في ألمانيا سنة 1933، شرع النظام الجديد في سياسة ممنهجة لإقصاء اليهود من الحياة العامة، بلغت ذروتها مع صدور قوانين نورمبرغ في أيلول/ سبتمبر 1935، التي جرّدت اليهود الألمان من حقوق المواطنة الكاملة، وحرّمت الزواج والعلاقات بينهم وبين الألمان، وأرست أساساً قانونياً للتمييز العنصري. هذه القوانين لم تكن مجرّد إجراءات قمعية، بل شكّلت غطاءً 'شرعيّاً' لنزع إنسانية اليهود وتحويلهم إلى فئة هامشية داخل المجتمع الألماني، ومهّدت لاحقاً لسياسات الترحيل والإبادة الجماعية.
تكشف الوثائق الديبلوماسية الأمريكية أنّ الولايات المتحدة والدول الأوروبية تابعت هذه التطورات عن كثب، لكنها اكتفت بردود فعل محدودة، ما شجّع النظام النازي على المضي قدماً في سياساته. هذا الصمت الدولي أسهم في تفاقم شعور اليهود بعدم الأمان، ودفع موجات جديدة من الهجرة، حيث جرى الترويج لفلسطين باعتبارها 'الملاذ الأمن'، استناداً إلى وعد بلفور والترتيبات الدولية اللاحقة.
غير أنّ المفارقة التاريخية تكمن في أنّ هذا الاضطهاد لم يحُل دون قيام قنوات اتصال مباشرة بين بعض قيادات الحركة الصهيونية والسلطات النازية، كما ظهر في اتفاقية هعفراه سنة 1933، التي سهّلت هجرة عشرات الآلاف من اليهود الألمان إلى فلسطين، ونقل رؤوس أموالهم عبر آلية اقتصادية خاصة. وقد التقت في هذه الاتفاقية، ولو مؤقّتاً، مصلحةُ النازيين في التخلّص من اليهود مع مصلحة الحركة الصهيونية في تعزيز الهجرة والاستيطان في فلسطين.
يطرح هذا الإطار تساؤلات أخلاقية وسياسية جوهرية حول توظيف الحركة الصهيونية للاضطهاد النازي لليهود: هل جرى التعامل معه بوصفه فرصة سياسية لخدمة مشروع قومي محدّد، حتى وإن اقتضى ذلك تعاوناً براجماتياً مع النظام النازي؟
إغلاق أبواب أوروبا في وجه اليهود وصناعة فلسطين كحلٍّ وحيد لهم:
تكشف الوثائق الديبلوماسية الأمريكية والأوروبية خلال ثلاثينيات القرن العشرين أنّ مأساة يهود أوروبا لم تُواجَه بوصفها أزمة إنسانية تستدعي فتح الحدود واعتماد سياسات لجوء استثنائية، بل عولجت بمنطق سياسي قوامه ضبط التدفقات البشرية، وحماية التوازنات الداخلية لأوروبا، حتى وإن أدّى ذلك إلى ترك الجماعات اليهودية المضطهدة بلا ملاذ فعلي. ففي الوقت الذي شدّدت فيه واشنطن ولندن وباريس سياسات الحصص والهجرة، كانت معظم الدول الأوروبية، بما فيها الدول التي ترفع شعار الحياد، تُغلق أبوابها أمام اللاجئين اليهود، وتحوّلهم إلى لاجئين غير مرغوب فيهم.
وتكشف حالة سويسرا، على سبيل المثال، عن انهيار خطاب الحياد الإنساني أمام اعتبارات الأمن والخوف السياسي؛ إذ تُظهر الوثائق أنّ السلطات السويسرية لم تكتفِ بتقييد دخول اللاجئين اليهود، بل تعاونت مع ألمانيا النازية عبر آليات تمييز واضحة في وثائق السفر، على الرغم من صورتها التقليدية كملاذ إنساني. ولا تمثّل هذه الحالة استثناءً، بل تعكس نمطاً أوروبياً عامّاً يقوم على إدارة الأزمة لا حلّها.
وفي المقابل، تكشف وثيقة أمريكية من شانجهاي مفارقة مفادها أنّ مدينة آسيوية تعاني الاحتلال الياباني والحرب والفقر، ومع ذلك أصبحت أحد المنافذ القليلة المفتوحة أمام اللاجئين اليهود الفارّين من أوروبا. وعلى الرغم من محدودية إمكاناتها، استقبلت ما عجزت عنه الدول الغربية الغنية، قبل أن تبدأ القوى الأوروبية نفسها في الضغط لوقف تدفّق اللاجئين إليها، لا بدافعٍ إنساني، بل خوفاً من 'تفاقم الأزمة' وتحوّلها إلى عبء سياسي واقتصادي جديد.
إلى جانب ذلك، تُظهر الوثائق الأمريكية أنّ البحث عن أوطان بديلة لليهود لم يكن محصوراً في فلسطين، بل طُرحت مشاريع متعدّدة في الكاريبي وإفريقيا ومناطق أخرى، بعضها صيغ في إطار استثماري رأسمالي منظّم، يجمع بين التوطين والمشاريع الاقتصادية. غير أنّ هذه البدائل اصطدمت بحسابات استراتيجية للقوى الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا، التي رأت في كثير من هذه المشاريع مخاطر أمنية أو اختلالاً في توازنات النفوذ، ما أدّى إلى تعطيلها أو تجميدها، على الرغم من توفّر التمويل والقدرة التنظيمية لتنفيذها.
وفي هذا السياق، لم تعد فلسطين مجرد خيار جغرافي بين خيارات متعددة، بل تحولت تدريجيّاً إلى الخيار السياسي الأكثر ملاءمة للغرب؛ فهي تقع تحت الانتداب البريطاني، ويمكن التحكّم في مسارات الهجرة إليها، ولا تفرض أعباء دمج داخل المجتمعات الأوروبية، كما أنّها تنسجم مع المشروع الصهيوني الذي عمل على تحويل المأساة الإنسانية ليهود أوروبا إلى سردية خلاص سياسي مرتبطة بأرض محددة. وهكذا تشكّلت معادلة خطيرة وهي أوروبا تغلق أبوابها، وفلسطين تُفتح بوصفها البديل الوحيد الممكن.
التحوّل الأمريكي في ملف فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية والبراجماتية الجيوسياسية:
تكشف المراسلات الداخلية لوزارة الخارجية الأمريكية خلال سنتَي 1944-1945، أنّ الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية لم يكن محسوماً لصالح المشروع الصهيوني كما يُتصوَّر لاحقاً، بل اتّسم بقدر كبير من التردّد والبحث عن صيغ بديلة. ففي رسالة شخصية وجّهها جيمس لاندس، مدير العمليات الاقتصادية الأمريكية في الشرق الأوسط، إلى الرئيس فرانكلين روزفلت، قُدّمت فلسطين بوصفها قضية استراتيجية شديدة الحساسية، لا يمكن فصلها عن المصالح الأمريكية في الجزيرة العربية.
وحذّر لاندس من أنّ أيّ انخراط أمريكي مباشر في دعم المشروع الصهيوني سيُنظر إليه عربياً، وخصوصاً من الملك عبد العزيز آل سعود، باعتباره مساساً بقضية ذات بُعد ديني وشرفي غير قابل للتسوية. وانطلاقاً من هذا التقدير، دعا لاندس إلى تجنّب طرح حلول سياسية بعيدة المدى خلال لقاء روزفلت المرتقب بالملك، معتبراً أنّ غياب الوضوح الأمريكي خلال العَقدين السابقين أنتج سياسة 'اللا سياسة'.
وتكمن أهمية مذكرة لاندس أنّها أعادت التمييز بوضوح بين مفهوم 'الوطن القومي اليهودي'، كما ورد في صكّ الانتداب البريطاني، وبين فكرة 'الدولة اليهودية'، التي لم ينص عليها أي التزام قانوني دولي. ففي التصوّر الأمريكي المبكر، كان الوطن القومي يُفهم بوصفه إطاراً اجتماعيّاً وثقافيّاً لليهود داخل فلسطين، دون سيادة سياسية مستقلة أو إلغاء لحقوق العرب، وهو ما يختلف جذرياً عن مشروع الدولة ذات السيادة الكاملة.
وتؤكّد مذكرة لاحقة لوزارة الخارجية الأمريكية (كانون الثاني/ يناير 1945) هذا الاتجاه، إذ اقترحت إخراج فلسطين من الإطار القومي كلياً، وتحويلها إلى إقليم دولي خاضع لنظام وصاية تُشرف عليه الأمم المتحدة، مع منح العرب واليهود حكماً ذاتيّاً محليّاً. وبرّرت الوثيقة هذا الطرح بالرغبة في إنهاء الالتزامات المتناقضة التي أنتجها الانتداب، ومنع تفجر الصراع القومي.
غير أن هذا 'الحل المحايد' ظاهريّاً، يكشف في جوهره تحوّلاً استراتيجياً خطيراً، يتمثّل في نزع السيادة السياسية عن فلسطين بحجة إدارة الصراع، مع الإبقاء على بريطانيا بوصفها طرفاً أساسيّاً في الأزمة كجزء من الحل. وبذلك، لم يكن الطرح الأمريكي محاولةً لإعادة ترتيب الصراع بما يحفظ المصالح الأمريكية في المنطقة، خصوصاً النفطية، دون مواجهة مباشرة مع الحركة الصهيونية أو خسارة الحلفاء العرب.
من التردّد إلى الانحياز: كيف حُسم القرار الأمريكي (1947-1948):
تكشف الوثائق الأمريكية الصادرة في الأشهر الأخيرة من الانتداب البريطاني أنّ دعم الولايات المتحدة لقرار تقسيم فلسطين لم يكن قائماً على قناعة استراتيجية راسخة، بل على إدراكٍ مبكر داخل وزارة الخارجية بعدم قابلية القرار للتنفيذ دون اللجوء إلى القوّة. فقد حذّر صموئيل كوبر، أحد كبار مسؤولي الخارجية الأمريكية، من أنّ توصية الأمم المتحدة الصادرة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 افتقرت إلى أيّ آلية تنفيذ واقعية، وتجاهلت الرفض العربي القاطع للتقسيم، والاستعداد الإقليمي الواسع للمواجهة المسلحة، وهو ما جعل الخطة، في نظره، وصفة مؤكدة لحرب إقليمية تهدّد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.
وبناءً على ذلك، دعا كوبر إلى التراجع عن دعم التقسيم، واقترح بدائل انتقالية، مثل نظام وصاية دولي أو صيغة اتحادية، مع رفض أيّ تدخّل عسكري أو رفع لحظر السلاح، مؤكّداً أنّ الولايات المتحدة لا يمكنها الدعوة إلى حلول لا تملك الإرادة أو الاستعداد لتحمّل كلفتها. غير أنّ هذه التحذيرات الاستراتيجية اصطدمت، مع اقتراب نهاية الانتداب، بانقسام حادّ داخل الإدارة الأمريكية بين وزارة الخارجية، التي رأت في الاعتراف بالدولة اليهودية مغامرة خطيرة، ومستشاري الرئيس السياسيين في البيت الأبيض، الذين تعاملوا مع القضية باعتبارها فرصة داخلية انتخابية.
وتكشف اجتماعات البيت الأبيض في أيار/ مايو 1948 أنّ الرئيس هاري ترومان كان على دراية كاملة بالمخاطر السياسية والعسكرية للاعتراف المبكر بـ'إسرائيل'، وبالتحذيرات الصريحة الصادرة عن وزير خارجيته جورج مارشال، الذي رأى أنّ القرار سيضرّ بالمصالح الأمريكية ويُفقد الأمم المتحدة ما تبقى من مصداقيتها. ومع ذلك، حُسِمَ القرار في النهاية خارج منطق السياسة الخارجية التقليدية، وتحت تأثير الحسابات الانتخابية والضغط السياسي الداخلي، ليجري الاعتراف بـ'الدولة اليهودية' بعد دقائق فقط من إعلانها.
وفي المقابل، تُظهر الوثائق الاستخباراتية الغربية أنّ القيادة الصهيونية، وعلى رأسها ديفيد بن جوريون، اتّخذت قرار إعلان الدولة استناداً إلى قراءة دقيقة لحالة التردّد الأمريكي، واقتناع بأنّ غياب الحسم الدولي، وضعف التنسيق العسكري العربي، والفراغ الذي خلّفه الانسحاب البريطاني، تتيح فرض واقع سياسي جديد بالقوة قبل أيّ تسوية محتملة. وهكذا، لم يكن إعلان الدولة نتيجة قرار أممي أو توافق دولي، بل ثمرة التقاء بين مشروع صهيوني وتردّد أمريكي حُسِم لصالح المصلحة السياسية للرئيس ترومان، لا المصلحة الاستراتيجية للولايات المتحدة.
وبهذا المعنى، لم يُشكّل الاعتراف الأمريكي بـ'إسرائيل' تتويجاً لحلٍّ عادل، بل لحظة انتقال مفصلية حوّلت قضية فلسطين إلى واقع مفروض بالقوّة، وأسّست لصراع مفتوح على الشرعيّة والوجود، ما تزال المنطقة تدفع ثمنه حتى يومنا هذا.
ويعتمد هذا المقال على دراسة موسّعة في الوثائق الأمريكية نُشرت ضمن كتاب: من الشتات إلى فلسطين: قراءة في الوثائق الأمريكية حول الهجرة اليهودية من أوروبا إلى فلسطين.
إعداد: محمد محمود شملا (خاص بمركز الزيتونة)
المقدمة:
شهدت أوروبا خلال العقود الأولى من القرن العشرين تصاعداً ملحوظاً في أشكال الاضطهاد السياسي والاجتماعي والاقتصادي ضدّ الجماعات اليهودية، بلغ ذروته مع صعود النازية في ألمانيا وما تبعها من تشريعات عنصرية وسياسات إقصائية. هذا الواقع أفرز أزمة إنسانية حادّة تمثّلت في موجات لجوء واسعة، في وقت أغلقت فيه الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية أبوابها أمام الهجرة اليهودية عبر قوانين حصص صارمة وسياسات تقييدية.
في هذا السياق، برزت فلسطين في الخطاب الدولي والصهيوني بوصفها 'الحل الممكن' لأزمة يهود أوروبا، وهو طرح يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا الخيار، هل كانت فلسطين فعلاً الخيار الوحيد المتاح لإنقاذ اليهود؟ أم أنّ هذا الخيار جاء نتيجة تفاعل معقّد بين سياسات دولية مقيّدة للهجرة، ومصالح استعمارية بريطانية، ومشروع صهيوني سعى إلى توظيف المأساة الإنسانية لتحقيق هدف سياسي محدد؟
ينطلق هذا البحث من فرضية أنّ تحويل مأساة اليهود في أوروبا من قضية إنسانية أوروبية داخلية إلى مشروع سياسي في فلسطين، لم يكن إلا نتاج سياسات واعية اتّخذتها القوى الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا والولايات المتحدة، في ظلّ حسابات استراتيجية تتجاوز الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية. ويعتمد البحث على تحليل وثائق أصلية من أرشيف الخارجية الأمريكية، تشمل تقارير ديبلوماسية ومراسلات رسمية تعكس إدراك صانعي القرار لطبيعة الأزمة وحدود البدائل المطروحة آنذاك.
من خلال قراءة هذه الوثائق، يسعى البحث إلى تفكيك السردية التي قدّمت فلسطين باعتبارها الحل الوحيد، وإبراز الدور الذي لعبته القيود الغربية على الهجرة، والدعاية الصهيونية، في دفع مسار الأحداث نحو فلسطين، وما ترتب على ذلك من تداعيات سياسية وديموجرافية ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم.
اضطهاد اليهود في ألمانيا النازية بين التشريع والصمت الدولي، والمفارقة الصهيونية:
مع صعود الحزب النازي إلى السلطة في ألمانيا سنة 1933، شرع النظام الجديد في سياسة ممنهجة لإقصاء اليهود من الحياة العامة، بلغت ذروتها مع صدور قوانين نورمبرغ في أيلول/ سبتمبر 1935، التي جرّدت اليهود الألمان من حقوق المواطنة الكاملة، وحرّمت الزواج والعلاقات بينهم وبين الألمان، وأرست أساساً قانونياً للتمييز العنصري. هذه القوانين لم تكن مجرّد إجراءات قمعية، بل شكّلت غطاءً 'شرعيّاً' لنزع إنسانية اليهود وتحويلهم إلى فئة هامشية داخل المجتمع الألماني، ومهّدت لاحقاً لسياسات الترحيل والإبادة الجماعية.
تكشف الوثائق الديبلوماسية الأمريكية أنّ الولايات المتحدة والدول الأوروبية تابعت هذه التطورات عن كثب، لكنها اكتفت بردود فعل محدودة، ما شجّع النظام النازي على المضي قدماً في سياساته. هذا الصمت الدولي أسهم في تفاقم شعور اليهود بعدم الأمان، ودفع موجات جديدة من الهجرة، حيث جرى الترويج لفلسطين باعتبارها 'الملاذ الأمن'، استناداً إلى وعد بلفور والترتيبات الدولية اللاحقة.
غير أنّ المفارقة التاريخية تكمن في أنّ هذا الاضطهاد لم يحُل دون قيام قنوات اتصال مباشرة بين بعض قيادات الحركة الصهيونية والسلطات النازية، كما ظهر في اتفاقية هعفراه سنة 1933، التي سهّلت هجرة عشرات الآلاف من اليهود الألمان إلى فلسطين، ونقل رؤوس أموالهم عبر آلية اقتصادية خاصة. وقد التقت في هذه الاتفاقية، ولو مؤقّتاً، مصلحةُ النازيين في التخلّص من اليهود مع مصلحة الحركة الصهيونية في تعزيز الهجرة والاستيطان في فلسطين.
يطرح هذا الإطار تساؤلات أخلاقية وسياسية جوهرية حول توظيف الحركة الصهيونية للاضطهاد النازي لليهود: هل جرى التعامل معه بوصفه فرصة سياسية لخدمة مشروع قومي محدّد، حتى وإن اقتضى ذلك تعاوناً براجماتياً مع النظام النازي؟
إغلاق أبواب أوروبا في وجه اليهود وصناعة فلسطين كحلٍّ وحيد لهم:
تكشف الوثائق الديبلوماسية الأمريكية والأوروبية خلال ثلاثينيات القرن العشرين أنّ مأساة يهود أوروبا لم تُواجَه بوصفها أزمة إنسانية تستدعي فتح الحدود واعتماد سياسات لجوء استثنائية، بل عولجت بمنطق سياسي قوامه ضبط التدفقات البشرية، وحماية التوازنات الداخلية لأوروبا، حتى وإن أدّى ذلك إلى ترك الجماعات اليهودية المضطهدة بلا ملاذ فعلي. ففي الوقت الذي شدّدت فيه واشنطن ولندن وباريس سياسات الحصص والهجرة، كانت معظم الدول الأوروبية، بما فيها الدول التي ترفع شعار الحياد، تُغلق أبوابها أمام اللاجئين اليهود، وتحوّلهم إلى لاجئين غير مرغوب فيهم.
وتكشف حالة سويسرا، على سبيل المثال، عن انهيار خطاب الحياد الإنساني أمام اعتبارات الأمن والخوف السياسي؛ إذ تُظهر الوثائق أنّ السلطات السويسرية لم تكتفِ بتقييد دخول اللاجئين اليهود، بل تعاونت مع ألمانيا النازية عبر آليات تمييز واضحة في وثائق السفر، على الرغم من صورتها التقليدية كملاذ إنساني. ولا تمثّل هذه الحالة استثناءً، بل تعكس نمطاً أوروبياً عامّاً يقوم على إدارة الأزمة لا حلّها.
وفي المقابل، تكشف وثيقة أمريكية من شانجهاي مفارقة مفادها أنّ مدينة آسيوية تعاني الاحتلال الياباني والحرب والفقر، ومع ذلك أصبحت أحد المنافذ القليلة المفتوحة أمام اللاجئين اليهود الفارّين من أوروبا. وعلى الرغم من محدودية إمكاناتها، استقبلت ما عجزت عنه الدول الغربية الغنية، قبل أن تبدأ القوى الأوروبية نفسها في الضغط لوقف تدفّق اللاجئين إليها، لا بدافعٍ إنساني، بل خوفاً من 'تفاقم الأزمة' وتحوّلها إلى عبء سياسي واقتصادي جديد.
إلى جانب ذلك، تُظهر الوثائق الأمريكية أنّ البحث عن أوطان بديلة لليهود لم يكن محصوراً في فلسطين، بل طُرحت مشاريع متعدّدة في الكاريبي وإفريقيا ومناطق أخرى، بعضها صيغ في إطار استثماري رأسمالي منظّم، يجمع بين التوطين والمشاريع الاقتصادية. غير أنّ هذه البدائل اصطدمت بحسابات استراتيجية للقوى الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا، التي رأت في كثير من هذه المشاريع مخاطر أمنية أو اختلالاً في توازنات النفوذ، ما أدّى إلى تعطيلها أو تجميدها، على الرغم من توفّر التمويل والقدرة التنظيمية لتنفيذها.
وفي هذا السياق، لم تعد فلسطين مجرد خيار جغرافي بين خيارات متعددة، بل تحولت تدريجيّاً إلى الخيار السياسي الأكثر ملاءمة للغرب؛ فهي تقع تحت الانتداب البريطاني، ويمكن التحكّم في مسارات الهجرة إليها، ولا تفرض أعباء دمج داخل المجتمعات الأوروبية، كما أنّها تنسجم مع المشروع الصهيوني الذي عمل على تحويل المأساة الإنسانية ليهود أوروبا إلى سردية خلاص سياسي مرتبطة بأرض محددة. وهكذا تشكّلت معادلة خطيرة وهي أوروبا تغلق أبوابها، وفلسطين تُفتح بوصفها البديل الوحيد الممكن.
التحوّل الأمريكي في ملف فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية والبراجماتية الجيوسياسية:
تكشف المراسلات الداخلية لوزارة الخارجية الأمريكية خلال سنتَي 1944-1945، أنّ الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية لم يكن محسوماً لصالح المشروع الصهيوني كما يُتصوَّر لاحقاً، بل اتّسم بقدر كبير من التردّد والبحث عن صيغ بديلة. ففي رسالة شخصية وجّهها جيمس لاندس، مدير العمليات الاقتصادية الأمريكية في الشرق الأوسط، إلى الرئيس فرانكلين روزفلت، قُدّمت فلسطين بوصفها قضية استراتيجية شديدة الحساسية، لا يمكن فصلها عن المصالح الأمريكية في الجزيرة العربية.
وحذّر لاندس من أنّ أيّ انخراط أمريكي مباشر في دعم المشروع الصهيوني سيُنظر إليه عربياً، وخصوصاً من الملك عبد العزيز آل سعود، باعتباره مساساً بقضية ذات بُعد ديني وشرفي غير قابل للتسوية. وانطلاقاً من هذا التقدير، دعا لاندس إلى تجنّب طرح حلول سياسية بعيدة المدى خلال لقاء روزفلت المرتقب بالملك، معتبراً أنّ غياب الوضوح الأمريكي خلال العَقدين السابقين أنتج سياسة 'اللا سياسة'.
وتكمن أهمية مذكرة لاندس أنّها أعادت التمييز بوضوح بين مفهوم 'الوطن القومي اليهودي'، كما ورد في صكّ الانتداب البريطاني، وبين فكرة 'الدولة اليهودية'، التي لم ينص عليها أي التزام قانوني دولي. ففي التصوّر الأمريكي المبكر، كان الوطن القومي يُفهم بوصفه إطاراً اجتماعيّاً وثقافيّاً لليهود داخل فلسطين، دون سيادة سياسية مستقلة أو إلغاء لحقوق العرب، وهو ما يختلف جذرياً عن مشروع الدولة ذات السيادة الكاملة.
وتؤكّد مذكرة لاحقة لوزارة الخارجية الأمريكية (كانون الثاني/ يناير 1945) هذا الاتجاه، إذ اقترحت إخراج فلسطين من الإطار القومي كلياً، وتحويلها إلى إقليم دولي خاضع لنظام وصاية تُشرف عليه الأمم المتحدة، مع منح العرب واليهود حكماً ذاتيّاً محليّاً. وبرّرت الوثيقة هذا الطرح بالرغبة في إنهاء الالتزامات المتناقضة التي أنتجها الانتداب، ومنع تفجر الصراع القومي.
غير أن هذا 'الحل المحايد' ظاهريّاً، يكشف في جوهره تحوّلاً استراتيجياً خطيراً، يتمثّل في نزع السيادة السياسية عن فلسطين بحجة إدارة الصراع، مع الإبقاء على بريطانيا بوصفها طرفاً أساسيّاً في الأزمة كجزء من الحل. وبذلك، لم يكن الطرح الأمريكي محاولةً لإعادة ترتيب الصراع بما يحفظ المصالح الأمريكية في المنطقة، خصوصاً النفطية، دون مواجهة مباشرة مع الحركة الصهيونية أو خسارة الحلفاء العرب.
من التردّد إلى الانحياز: كيف حُسم القرار الأمريكي (1947-1948):
تكشف الوثائق الأمريكية الصادرة في الأشهر الأخيرة من الانتداب البريطاني أنّ دعم الولايات المتحدة لقرار تقسيم فلسطين لم يكن قائماً على قناعة استراتيجية راسخة، بل على إدراكٍ مبكر داخل وزارة الخارجية بعدم قابلية القرار للتنفيذ دون اللجوء إلى القوّة. فقد حذّر صموئيل كوبر، أحد كبار مسؤولي الخارجية الأمريكية، من أنّ توصية الأمم المتحدة الصادرة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 افتقرت إلى أيّ آلية تنفيذ واقعية، وتجاهلت الرفض العربي القاطع للتقسيم، والاستعداد الإقليمي الواسع للمواجهة المسلحة، وهو ما جعل الخطة، في نظره، وصفة مؤكدة لحرب إقليمية تهدّد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.
وبناءً على ذلك، دعا كوبر إلى التراجع عن دعم التقسيم، واقترح بدائل انتقالية، مثل نظام وصاية دولي أو صيغة اتحادية، مع رفض أيّ تدخّل عسكري أو رفع لحظر السلاح، مؤكّداً أنّ الولايات المتحدة لا يمكنها الدعوة إلى حلول لا تملك الإرادة أو الاستعداد لتحمّل كلفتها. غير أنّ هذه التحذيرات الاستراتيجية اصطدمت، مع اقتراب نهاية الانتداب، بانقسام حادّ داخل الإدارة الأمريكية بين وزارة الخارجية، التي رأت في الاعتراف بالدولة اليهودية مغامرة خطيرة، ومستشاري الرئيس السياسيين في البيت الأبيض، الذين تعاملوا مع القضية باعتبارها فرصة داخلية انتخابية.
وتكشف اجتماعات البيت الأبيض في أيار/ مايو 1948 أنّ الرئيس هاري ترومان كان على دراية كاملة بالمخاطر السياسية والعسكرية للاعتراف المبكر بـ'إسرائيل'، وبالتحذيرات الصريحة الصادرة عن وزير خارجيته جورج مارشال، الذي رأى أنّ القرار سيضرّ بالمصالح الأمريكية ويُفقد الأمم المتحدة ما تبقى من مصداقيتها. ومع ذلك، حُسِمَ القرار في النهاية خارج منطق السياسة الخارجية التقليدية، وتحت تأثير الحسابات الانتخابية والضغط السياسي الداخلي، ليجري الاعتراف بـ'الدولة اليهودية' بعد دقائق فقط من إعلانها.
وفي المقابل، تُظهر الوثائق الاستخباراتية الغربية أنّ القيادة الصهيونية، وعلى رأسها ديفيد بن جوريون، اتّخذت قرار إعلان الدولة استناداً إلى قراءة دقيقة لحالة التردّد الأمريكي، واقتناع بأنّ غياب الحسم الدولي، وضعف التنسيق العسكري العربي، والفراغ الذي خلّفه الانسحاب البريطاني، تتيح فرض واقع سياسي جديد بالقوة قبل أيّ تسوية محتملة. وهكذا، لم يكن إعلان الدولة نتيجة قرار أممي أو توافق دولي، بل ثمرة التقاء بين مشروع صهيوني وتردّد أمريكي حُسِم لصالح المصلحة السياسية للرئيس ترومان، لا المصلحة الاستراتيجية للولايات المتحدة.
وبهذا المعنى، لم يُشكّل الاعتراف الأمريكي بـ'إسرائيل' تتويجاً لحلٍّ عادل، بل لحظة انتقال مفصلية حوّلت قضية فلسطين إلى واقع مفروض بالقوّة، وأسّست لصراع مفتوح على الشرعيّة والوجود، ما تزال المنطقة تدفع ثمنه حتى يومنا هذا.
ويعتمد هذا المقال على دراسة موسّعة في الوثائق الأمريكية نُشرت ضمن كتاب: من الشتات إلى فلسطين: قراءة في الوثائق الأمريكية حول الهجرة اليهودية من أوروبا إلى فلسطين.
إعداد: محمد محمود شملا (خاص بمركز الزيتونة)
المقدمة:
شهدت أوروبا خلال العقود الأولى من القرن العشرين تصاعداً ملحوظاً في أشكال الاضطهاد السياسي والاجتماعي والاقتصادي ضدّ الجماعات اليهودية، بلغ ذروته مع صعود النازية في ألمانيا وما تبعها من تشريعات عنصرية وسياسات إقصائية. هذا الواقع أفرز أزمة إنسانية حادّة تمثّلت في موجات لجوء واسعة، في وقت أغلقت فيه الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية أبوابها أمام الهجرة اليهودية عبر قوانين حصص صارمة وسياسات تقييدية.
في هذا السياق، برزت فلسطين في الخطاب الدولي والصهيوني بوصفها 'الحل الممكن' لأزمة يهود أوروبا، وهو طرح يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا الخيار، هل كانت فلسطين فعلاً الخيار الوحيد المتاح لإنقاذ اليهود؟ أم أنّ هذا الخيار جاء نتيجة تفاعل معقّد بين سياسات دولية مقيّدة للهجرة، ومصالح استعمارية بريطانية، ومشروع صهيوني سعى إلى توظيف المأساة الإنسانية لتحقيق هدف سياسي محدد؟
ينطلق هذا البحث من فرضية أنّ تحويل مأساة اليهود في أوروبا من قضية إنسانية أوروبية داخلية إلى مشروع سياسي في فلسطين، لم يكن إلا نتاج سياسات واعية اتّخذتها القوى الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا والولايات المتحدة، في ظلّ حسابات استراتيجية تتجاوز الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية. ويعتمد البحث على تحليل وثائق أصلية من أرشيف الخارجية الأمريكية، تشمل تقارير ديبلوماسية ومراسلات رسمية تعكس إدراك صانعي القرار لطبيعة الأزمة وحدود البدائل المطروحة آنذاك.
من خلال قراءة هذه الوثائق، يسعى البحث إلى تفكيك السردية التي قدّمت فلسطين باعتبارها الحل الوحيد، وإبراز الدور الذي لعبته القيود الغربية على الهجرة، والدعاية الصهيونية، في دفع مسار الأحداث نحو فلسطين، وما ترتب على ذلك من تداعيات سياسية وديموجرافية ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم.
اضطهاد اليهود في ألمانيا النازية بين التشريع والصمت الدولي، والمفارقة الصهيونية:
مع صعود الحزب النازي إلى السلطة في ألمانيا سنة 1933، شرع النظام الجديد في سياسة ممنهجة لإقصاء اليهود من الحياة العامة، بلغت ذروتها مع صدور قوانين نورمبرغ في أيلول/ سبتمبر 1935، التي جرّدت اليهود الألمان من حقوق المواطنة الكاملة، وحرّمت الزواج والعلاقات بينهم وبين الألمان، وأرست أساساً قانونياً للتمييز العنصري. هذه القوانين لم تكن مجرّد إجراءات قمعية، بل شكّلت غطاءً 'شرعيّاً' لنزع إنسانية اليهود وتحويلهم إلى فئة هامشية داخل المجتمع الألماني، ومهّدت لاحقاً لسياسات الترحيل والإبادة الجماعية.
تكشف الوثائق الديبلوماسية الأمريكية أنّ الولايات المتحدة والدول الأوروبية تابعت هذه التطورات عن كثب، لكنها اكتفت بردود فعل محدودة، ما شجّع النظام النازي على المضي قدماً في سياساته. هذا الصمت الدولي أسهم في تفاقم شعور اليهود بعدم الأمان، ودفع موجات جديدة من الهجرة، حيث جرى الترويج لفلسطين باعتبارها 'الملاذ الأمن'، استناداً إلى وعد بلفور والترتيبات الدولية اللاحقة.
غير أنّ المفارقة التاريخية تكمن في أنّ هذا الاضطهاد لم يحُل دون قيام قنوات اتصال مباشرة بين بعض قيادات الحركة الصهيونية والسلطات النازية، كما ظهر في اتفاقية هعفراه سنة 1933، التي سهّلت هجرة عشرات الآلاف من اليهود الألمان إلى فلسطين، ونقل رؤوس أموالهم عبر آلية اقتصادية خاصة. وقد التقت في هذه الاتفاقية، ولو مؤقّتاً، مصلحةُ النازيين في التخلّص من اليهود مع مصلحة الحركة الصهيونية في تعزيز الهجرة والاستيطان في فلسطين.
يطرح هذا الإطار تساؤلات أخلاقية وسياسية جوهرية حول توظيف الحركة الصهيونية للاضطهاد النازي لليهود: هل جرى التعامل معه بوصفه فرصة سياسية لخدمة مشروع قومي محدّد، حتى وإن اقتضى ذلك تعاوناً براجماتياً مع النظام النازي؟
إغلاق أبواب أوروبا في وجه اليهود وصناعة فلسطين كحلٍّ وحيد لهم:
تكشف الوثائق الديبلوماسية الأمريكية والأوروبية خلال ثلاثينيات القرن العشرين أنّ مأساة يهود أوروبا لم تُواجَه بوصفها أزمة إنسانية تستدعي فتح الحدود واعتماد سياسات لجوء استثنائية، بل عولجت بمنطق سياسي قوامه ضبط التدفقات البشرية، وحماية التوازنات الداخلية لأوروبا، حتى وإن أدّى ذلك إلى ترك الجماعات اليهودية المضطهدة بلا ملاذ فعلي. ففي الوقت الذي شدّدت فيه واشنطن ولندن وباريس سياسات الحصص والهجرة، كانت معظم الدول الأوروبية، بما فيها الدول التي ترفع شعار الحياد، تُغلق أبوابها أمام اللاجئين اليهود، وتحوّلهم إلى لاجئين غير مرغوب فيهم.
وتكشف حالة سويسرا، على سبيل المثال، عن انهيار خطاب الحياد الإنساني أمام اعتبارات الأمن والخوف السياسي؛ إذ تُظهر الوثائق أنّ السلطات السويسرية لم تكتفِ بتقييد دخول اللاجئين اليهود، بل تعاونت مع ألمانيا النازية عبر آليات تمييز واضحة في وثائق السفر، على الرغم من صورتها التقليدية كملاذ إنساني. ولا تمثّل هذه الحالة استثناءً، بل تعكس نمطاً أوروبياً عامّاً يقوم على إدارة الأزمة لا حلّها.
وفي المقابل، تكشف وثيقة أمريكية من شانجهاي مفارقة مفادها أنّ مدينة آسيوية تعاني الاحتلال الياباني والحرب والفقر، ومع ذلك أصبحت أحد المنافذ القليلة المفتوحة أمام اللاجئين اليهود الفارّين من أوروبا. وعلى الرغم من محدودية إمكاناتها، استقبلت ما عجزت عنه الدول الغربية الغنية، قبل أن تبدأ القوى الأوروبية نفسها في الضغط لوقف تدفّق اللاجئين إليها، لا بدافعٍ إنساني، بل خوفاً من 'تفاقم الأزمة' وتحوّلها إلى عبء سياسي واقتصادي جديد.
إلى جانب ذلك، تُظهر الوثائق الأمريكية أنّ البحث عن أوطان بديلة لليهود لم يكن محصوراً في فلسطين، بل طُرحت مشاريع متعدّدة في الكاريبي وإفريقيا ومناطق أخرى، بعضها صيغ في إطار استثماري رأسمالي منظّم، يجمع بين التوطين والمشاريع الاقتصادية. غير أنّ هذه البدائل اصطدمت بحسابات استراتيجية للقوى الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا، التي رأت في كثير من هذه المشاريع مخاطر أمنية أو اختلالاً في توازنات النفوذ، ما أدّى إلى تعطيلها أو تجميدها، على الرغم من توفّر التمويل والقدرة التنظيمية لتنفيذها.
وفي هذا السياق، لم تعد فلسطين مجرد خيار جغرافي بين خيارات متعددة، بل تحولت تدريجيّاً إلى الخيار السياسي الأكثر ملاءمة للغرب؛ فهي تقع تحت الانتداب البريطاني، ويمكن التحكّم في مسارات الهجرة إليها، ولا تفرض أعباء دمج داخل المجتمعات الأوروبية، كما أنّها تنسجم مع المشروع الصهيوني الذي عمل على تحويل المأساة الإنسانية ليهود أوروبا إلى سردية خلاص سياسي مرتبطة بأرض محددة. وهكذا تشكّلت معادلة خطيرة وهي أوروبا تغلق أبوابها، وفلسطين تُفتح بوصفها البديل الوحيد الممكن.
التحوّل الأمريكي في ملف فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية والبراجماتية الجيوسياسية:
تكشف المراسلات الداخلية لوزارة الخارجية الأمريكية خلال سنتَي 1944-1945، أنّ الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية لم يكن محسوماً لصالح المشروع الصهيوني كما يُتصوَّر لاحقاً، بل اتّسم بقدر كبير من التردّد والبحث عن صيغ بديلة. ففي رسالة شخصية وجّهها جيمس لاندس، مدير العمليات الاقتصادية الأمريكية في الشرق الأوسط، إلى الرئيس فرانكلين روزفلت، قُدّمت فلسطين بوصفها قضية استراتيجية شديدة الحساسية، لا يمكن فصلها عن المصالح الأمريكية في الجزيرة العربية.
وحذّر لاندس من أنّ أيّ انخراط أمريكي مباشر في دعم المشروع الصهيوني سيُنظر إليه عربياً، وخصوصاً من الملك عبد العزيز آل سعود، باعتباره مساساً بقضية ذات بُعد ديني وشرفي غير قابل للتسوية. وانطلاقاً من هذا التقدير، دعا لاندس إلى تجنّب طرح حلول سياسية بعيدة المدى خلال لقاء روزفلت المرتقب بالملك، معتبراً أنّ غياب الوضوح الأمريكي خلال العَقدين السابقين أنتج سياسة 'اللا سياسة'.
وتكمن أهمية مذكرة لاندس أنّها أعادت التمييز بوضوح بين مفهوم 'الوطن القومي اليهودي'، كما ورد في صكّ الانتداب البريطاني، وبين فكرة 'الدولة اليهودية'، التي لم ينص عليها أي التزام قانوني دولي. ففي التصوّر الأمريكي المبكر، كان الوطن القومي يُفهم بوصفه إطاراً اجتماعيّاً وثقافيّاً لليهود داخل فلسطين، دون سيادة سياسية مستقلة أو إلغاء لحقوق العرب، وهو ما يختلف جذرياً عن مشروع الدولة ذات السيادة الكاملة.
وتؤكّد مذكرة لاحقة لوزارة الخارجية الأمريكية (كانون الثاني/ يناير 1945) هذا الاتجاه، إذ اقترحت إخراج فلسطين من الإطار القومي كلياً، وتحويلها إلى إقليم دولي خاضع لنظام وصاية تُشرف عليه الأمم المتحدة، مع منح العرب واليهود حكماً ذاتيّاً محليّاً. وبرّرت الوثيقة هذا الطرح بالرغبة في إنهاء الالتزامات المتناقضة التي أنتجها الانتداب، ومنع تفجر الصراع القومي.
غير أن هذا 'الحل المحايد' ظاهريّاً، يكشف في جوهره تحوّلاً استراتيجياً خطيراً، يتمثّل في نزع السيادة السياسية عن فلسطين بحجة إدارة الصراع، مع الإبقاء على بريطانيا بوصفها طرفاً أساسيّاً في الأزمة كجزء من الحل. وبذلك، لم يكن الطرح الأمريكي محاولةً لإعادة ترتيب الصراع بما يحفظ المصالح الأمريكية في المنطقة، خصوصاً النفطية، دون مواجهة مباشرة مع الحركة الصهيونية أو خسارة الحلفاء العرب.
من التردّد إلى الانحياز: كيف حُسم القرار الأمريكي (1947-1948):
تكشف الوثائق الأمريكية الصادرة في الأشهر الأخيرة من الانتداب البريطاني أنّ دعم الولايات المتحدة لقرار تقسيم فلسطين لم يكن قائماً على قناعة استراتيجية راسخة، بل على إدراكٍ مبكر داخل وزارة الخارجية بعدم قابلية القرار للتنفيذ دون اللجوء إلى القوّة. فقد حذّر صموئيل كوبر، أحد كبار مسؤولي الخارجية الأمريكية، من أنّ توصية الأمم المتحدة الصادرة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 افتقرت إلى أيّ آلية تنفيذ واقعية، وتجاهلت الرفض العربي القاطع للتقسيم، والاستعداد الإقليمي الواسع للمواجهة المسلحة، وهو ما جعل الخطة، في نظره، وصفة مؤكدة لحرب إقليمية تهدّد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.
وبناءً على ذلك، دعا كوبر إلى التراجع عن دعم التقسيم، واقترح بدائل انتقالية، مثل نظام وصاية دولي أو صيغة اتحادية، مع رفض أيّ تدخّل عسكري أو رفع لحظر السلاح، مؤكّداً أنّ الولايات المتحدة لا يمكنها الدعوة إلى حلول لا تملك الإرادة أو الاستعداد لتحمّل كلفتها. غير أنّ هذه التحذيرات الاستراتيجية اصطدمت، مع اقتراب نهاية الانتداب، بانقسام حادّ داخل الإدارة الأمريكية بين وزارة الخارجية، التي رأت في الاعتراف بالدولة اليهودية مغامرة خطيرة، ومستشاري الرئيس السياسيين في البيت الأبيض، الذين تعاملوا مع القضية باعتبارها فرصة داخلية انتخابية.
وتكشف اجتماعات البيت الأبيض في أيار/ مايو 1948 أنّ الرئيس هاري ترومان كان على دراية كاملة بالمخاطر السياسية والعسكرية للاعتراف المبكر بـ'إسرائيل'، وبالتحذيرات الصريحة الصادرة عن وزير خارجيته جورج مارشال، الذي رأى أنّ القرار سيضرّ بالمصالح الأمريكية ويُفقد الأمم المتحدة ما تبقى من مصداقيتها. ومع ذلك، حُسِمَ القرار في النهاية خارج منطق السياسة الخارجية التقليدية، وتحت تأثير الحسابات الانتخابية والضغط السياسي الداخلي، ليجري الاعتراف بـ'الدولة اليهودية' بعد دقائق فقط من إعلانها.
وفي المقابل، تُظهر الوثائق الاستخباراتية الغربية أنّ القيادة الصهيونية، وعلى رأسها ديفيد بن جوريون، اتّخذت قرار إعلان الدولة استناداً إلى قراءة دقيقة لحالة التردّد الأمريكي، واقتناع بأنّ غياب الحسم الدولي، وضعف التنسيق العسكري العربي، والفراغ الذي خلّفه الانسحاب البريطاني، تتيح فرض واقع سياسي جديد بالقوة قبل أيّ تسوية محتملة. وهكذا، لم يكن إعلان الدولة نتيجة قرار أممي أو توافق دولي، بل ثمرة التقاء بين مشروع صهيوني وتردّد أمريكي حُسِم لصالح المصلحة السياسية للرئيس ترومان، لا المصلحة الاستراتيجية للولايات المتحدة.
وبهذا المعنى، لم يُشكّل الاعتراف الأمريكي بـ'إسرائيل' تتويجاً لحلٍّ عادل، بل لحظة انتقال مفصلية حوّلت قضية فلسطين إلى واقع مفروض بالقوّة، وأسّست لصراع مفتوح على الشرعيّة والوجود، ما تزال المنطقة تدفع ثمنه حتى يومنا هذا.
ويعتمد هذا المقال على دراسة موسّعة في الوثائق الأمريكية نُشرت ضمن كتاب: من الشتات إلى فلسطين: قراءة في الوثائق الأمريكية حول الهجرة اليهودية من أوروبا إلى فلسطين.
التعليقات
قراءة في كتاب "من الشتات إلى فلسطين: قراءة في الوثائق الأمريكية حول الهجرة اليهودية من أوروبا إلى فلسطين"
التعليقات