في اللحظات التي تُختبر فيها دول العالم، لا تُقاس العظمة بالضجيج، بل بذلك الهدوء الواثق الذي يسبق العاصفة. حين تلقى الملك عبدالله الثاني دعوة الانضمام إلى ما سُمي 'مجلس السلام'، لم تكن المسألة قبولاً أو رفضاً، بل كانت اختباراً جوهرياً لمعنى الدولة في عالم يحاول تحويل السياسة إلى معادلات اقتصادية. 'يجري دراسة الوثائق وفق الإجراءات القانونية الداخلية'. بهذه الجملة المحكمة، أعاد الأردن كتابة قواعد الرد الدبلوماسي. بينما انشغل العالم بتأويل النوايا، تأمل الأردن في العواقب. بينما سأل الآخرون: 'ماذا يريدون؟' سأل الأردن: 'ماذا سنصبح؟'. لقد حول الرد من إجراء روتيني إلى بيان مبدئي: الدولة الحقيقية هي التي ترفض أن تكون مجرد رد فعل. ما يُسمى 'مجلس السلام' ليس محاولة لصنع سلام، بل هو إعلان عن نظام عالمي مختلف. نظام لم تعد فيه الشرعية تأتي من الإرادة الجماعية، بل من القدرة المالية. مليار دولار ثمن مقعد؟ هذه ليست دبلوماسية، بل هي معادلة سوق تتحول إلى قرار سياسي. نحن أمام تحول في مفهوم النفوذ: من نفوذ القانون إلى قانون النفوذ المالي. وفي قلب هذا التصميم الجديد، وُضع الفلسطينيون خارج المعادلة. ظهور رجل أعمال إسرائيلي-قبرصي في مركز القرار، مقابل غياب أي تمثيل فلسطيني حقيقي، ليس خطأً، بل هو رسالة واضحة: غزة ستُدار من الخارج، ومستقبلها سيُحدد بلغة المصالح لا بلغة الحقوق. لكن في هذا المشهد، برز الأردن كحالة استثنائية. بينما تتعامل معظم الدول مع 'ما هو مكتوب'، يتعامل الأردن مع 'ما سيُقرأ لاحقاً'. بينما تنشغل العواصم بـ'اللحظة'، يقرأ الأردن 'المستقبل'. هذه البراعة تنبع من ثلاثة مصادر: ذاكرة تاريخية تعرف كيف تُعاد قراءة النصوص، وبصيرة سياسية ترى الصورة كاملة قبل اكتمال تفاصيلها، وحكمة تعرف أن بعض القرارات تُقاس بالعقود لا بالأيام. وهذا النهج ليس جديداً. منذ فك الارتباط عام 1988، رسم الأردن خطاً أحمراً: لا توقيع على وثيقة مصيرية تتعلق بفلسطين إلا بتوقيع فلسطيني موازٍ. لم يكن هذا شكلياً، بل كان فهماً عميقاً لكيفية تحول الوثائق مع الزمن إلى أدوات سياسية. الأردن يعرف أن الجغرافيا تُذكر، وأن التاريخ يُراجع، وأن الذاكرة الجماعية تحاسب. والدعوة الأمريكية، بكل ما تحمله من تقدير للمكانة الأردنية، كانت اختباراً حقيقياً: هل يمكن جذب الأردن بمقعد في نادي النفوذ الجديد؟ هل يمكن إغراؤه بوهم القوة؟ والجواب كان درساً في السياسة الواعية: 'نحن ندرس'. كلمات ثلاث تعني: نحن نزن الأمور، نحن نقارن الخيارات، نحن نقرأ الماضي قبل أن نقرأ الوثيقة. لأن غزة اليوم ليست مجرد مكان دمرته الحرب، بل هي نموذج لما يمكن أن يحدث في أي مكان. ما يُجرّب فيها قابل للتكرار في الضفة والقدس وفي كل موقع يراد تحويله من قضية حق إلى ملف إداري. الأردن يدرك أنه لا يتعامل مع أزمة إنسانية عابرة، بل مع نموذج لعالم جديد تُعاد فيه كتابة قواعد اللعبة. ولهذا فإن حكمة الأردن في زمن التسرع الدولي ليست ضعفاً، بل هي قوة من نوع آخر: قوة الرؤية البعيدة، قوة الصبر المدروس، قوة الرفض الواعي للإغراءات السريعة. في عالم يقيس القوة بالأرقام والصفقات، يذكرنا الأردن أن هناك قوة أعلى: قوة المبدأ، قوة الرؤية، قوة التوقيت الصحيح. يقف الأردن اليوم حيث وقف دائماً: في تلك المسافة الدقيقة بين المشاركة في العالم والحفاظ على الهوية، بين التعامل مع الواقع والتمسك بالمبادئ، بين الرد على اللحظة والاستعداد للمستقبل. هذه ليست سياسة مؤقتة، بل هي عقلية دولة راسخة. فالعبرة الحقيقية في السياسة العالمية لم تعد لمن يصنع الحدث الأكبر صوتاً، بل لمن يفهم الحدث قبل أن يكتمل، ويستعد له قبل أن يبدأ. وهذا ما يفعله الأردن: يقرأ مستقبل المنطقة في حاضرها الناقص، ويكتب فصلاً في كتاب الدولة العاقلة التي ترفض أن تكون أداة في يد الآخرين، وتصر على أن تكون قارئة للتاريخ قبل أن تكون مشاركة في اللعبة. لأن أعظم انتصارات الدولة في القرن الحادي والعشرين ليست تلك التي تُحقق في الميدان، بل تلك التي تُحقق في غرف التفكير الهادئة، حيث تُوزن الكلمات بميزان المسؤولية، وتُقاس القرارات بمقاييس الضمير. وهناك، في ذلك المكان الواعي بين العجلة والتروي، يكتب الأردن بحكمة: أن الدولة الكبيرة ليست التي تفعل كل ما تستطيع، بل التي تعرف ما لا يجب أن تفعل.
عماد داود
في اللحظات التي تُختبر فيها دول العالم، لا تُقاس العظمة بالضجيج، بل بذلك الهدوء الواثق الذي يسبق العاصفة. حين تلقى الملك عبدالله الثاني دعوة الانضمام إلى ما سُمي 'مجلس السلام'، لم تكن المسألة قبولاً أو رفضاً، بل كانت اختباراً جوهرياً لمعنى الدولة في عالم يحاول تحويل السياسة إلى معادلات اقتصادية. 'يجري دراسة الوثائق وفق الإجراءات القانونية الداخلية'. بهذه الجملة المحكمة، أعاد الأردن كتابة قواعد الرد الدبلوماسي. بينما انشغل العالم بتأويل النوايا، تأمل الأردن في العواقب. بينما سأل الآخرون: 'ماذا يريدون؟' سأل الأردن: 'ماذا سنصبح؟'. لقد حول الرد من إجراء روتيني إلى بيان مبدئي: الدولة الحقيقية هي التي ترفض أن تكون مجرد رد فعل. ما يُسمى 'مجلس السلام' ليس محاولة لصنع سلام، بل هو إعلان عن نظام عالمي مختلف. نظام لم تعد فيه الشرعية تأتي من الإرادة الجماعية، بل من القدرة المالية. مليار دولار ثمن مقعد؟ هذه ليست دبلوماسية، بل هي معادلة سوق تتحول إلى قرار سياسي. نحن أمام تحول في مفهوم النفوذ: من نفوذ القانون إلى قانون النفوذ المالي. وفي قلب هذا التصميم الجديد، وُضع الفلسطينيون خارج المعادلة. ظهور رجل أعمال إسرائيلي-قبرصي في مركز القرار، مقابل غياب أي تمثيل فلسطيني حقيقي، ليس خطأً، بل هو رسالة واضحة: غزة ستُدار من الخارج، ومستقبلها سيُحدد بلغة المصالح لا بلغة الحقوق. لكن في هذا المشهد، برز الأردن كحالة استثنائية. بينما تتعامل معظم الدول مع 'ما هو مكتوب'، يتعامل الأردن مع 'ما سيُقرأ لاحقاً'. بينما تنشغل العواصم بـ'اللحظة'، يقرأ الأردن 'المستقبل'. هذه البراعة تنبع من ثلاثة مصادر: ذاكرة تاريخية تعرف كيف تُعاد قراءة النصوص، وبصيرة سياسية ترى الصورة كاملة قبل اكتمال تفاصيلها، وحكمة تعرف أن بعض القرارات تُقاس بالعقود لا بالأيام. وهذا النهج ليس جديداً. منذ فك الارتباط عام 1988، رسم الأردن خطاً أحمراً: لا توقيع على وثيقة مصيرية تتعلق بفلسطين إلا بتوقيع فلسطيني موازٍ. لم يكن هذا شكلياً، بل كان فهماً عميقاً لكيفية تحول الوثائق مع الزمن إلى أدوات سياسية. الأردن يعرف أن الجغرافيا تُذكر، وأن التاريخ يُراجع، وأن الذاكرة الجماعية تحاسب. والدعوة الأمريكية، بكل ما تحمله من تقدير للمكانة الأردنية، كانت اختباراً حقيقياً: هل يمكن جذب الأردن بمقعد في نادي النفوذ الجديد؟ هل يمكن إغراؤه بوهم القوة؟ والجواب كان درساً في السياسة الواعية: 'نحن ندرس'. كلمات ثلاث تعني: نحن نزن الأمور، نحن نقارن الخيارات، نحن نقرأ الماضي قبل أن نقرأ الوثيقة. لأن غزة اليوم ليست مجرد مكان دمرته الحرب، بل هي نموذج لما يمكن أن يحدث في أي مكان. ما يُجرّب فيها قابل للتكرار في الضفة والقدس وفي كل موقع يراد تحويله من قضية حق إلى ملف إداري. الأردن يدرك أنه لا يتعامل مع أزمة إنسانية عابرة، بل مع نموذج لعالم جديد تُعاد فيه كتابة قواعد اللعبة. ولهذا فإن حكمة الأردن في زمن التسرع الدولي ليست ضعفاً، بل هي قوة من نوع آخر: قوة الرؤية البعيدة، قوة الصبر المدروس، قوة الرفض الواعي للإغراءات السريعة. في عالم يقيس القوة بالأرقام والصفقات، يذكرنا الأردن أن هناك قوة أعلى: قوة المبدأ، قوة الرؤية، قوة التوقيت الصحيح. يقف الأردن اليوم حيث وقف دائماً: في تلك المسافة الدقيقة بين المشاركة في العالم والحفاظ على الهوية، بين التعامل مع الواقع والتمسك بالمبادئ، بين الرد على اللحظة والاستعداد للمستقبل. هذه ليست سياسة مؤقتة، بل هي عقلية دولة راسخة. فالعبرة الحقيقية في السياسة العالمية لم تعد لمن يصنع الحدث الأكبر صوتاً، بل لمن يفهم الحدث قبل أن يكتمل، ويستعد له قبل أن يبدأ. وهذا ما يفعله الأردن: يقرأ مستقبل المنطقة في حاضرها الناقص، ويكتب فصلاً في كتاب الدولة العاقلة التي ترفض أن تكون أداة في يد الآخرين، وتصر على أن تكون قارئة للتاريخ قبل أن تكون مشاركة في اللعبة. لأن أعظم انتصارات الدولة في القرن الحادي والعشرين ليست تلك التي تُحقق في الميدان، بل تلك التي تُحقق في غرف التفكير الهادئة، حيث تُوزن الكلمات بميزان المسؤولية، وتُقاس القرارات بمقاييس الضمير. وهناك، في ذلك المكان الواعي بين العجلة والتروي، يكتب الأردن بحكمة: أن الدولة الكبيرة ليست التي تفعل كل ما تستطيع، بل التي تعرف ما لا يجب أن تفعل.
عماد داود
في اللحظات التي تُختبر فيها دول العالم، لا تُقاس العظمة بالضجيج، بل بذلك الهدوء الواثق الذي يسبق العاصفة. حين تلقى الملك عبدالله الثاني دعوة الانضمام إلى ما سُمي 'مجلس السلام'، لم تكن المسألة قبولاً أو رفضاً، بل كانت اختباراً جوهرياً لمعنى الدولة في عالم يحاول تحويل السياسة إلى معادلات اقتصادية. 'يجري دراسة الوثائق وفق الإجراءات القانونية الداخلية'. بهذه الجملة المحكمة، أعاد الأردن كتابة قواعد الرد الدبلوماسي. بينما انشغل العالم بتأويل النوايا، تأمل الأردن في العواقب. بينما سأل الآخرون: 'ماذا يريدون؟' سأل الأردن: 'ماذا سنصبح؟'. لقد حول الرد من إجراء روتيني إلى بيان مبدئي: الدولة الحقيقية هي التي ترفض أن تكون مجرد رد فعل. ما يُسمى 'مجلس السلام' ليس محاولة لصنع سلام، بل هو إعلان عن نظام عالمي مختلف. نظام لم تعد فيه الشرعية تأتي من الإرادة الجماعية، بل من القدرة المالية. مليار دولار ثمن مقعد؟ هذه ليست دبلوماسية، بل هي معادلة سوق تتحول إلى قرار سياسي. نحن أمام تحول في مفهوم النفوذ: من نفوذ القانون إلى قانون النفوذ المالي. وفي قلب هذا التصميم الجديد، وُضع الفلسطينيون خارج المعادلة. ظهور رجل أعمال إسرائيلي-قبرصي في مركز القرار، مقابل غياب أي تمثيل فلسطيني حقيقي، ليس خطأً، بل هو رسالة واضحة: غزة ستُدار من الخارج، ومستقبلها سيُحدد بلغة المصالح لا بلغة الحقوق. لكن في هذا المشهد، برز الأردن كحالة استثنائية. بينما تتعامل معظم الدول مع 'ما هو مكتوب'، يتعامل الأردن مع 'ما سيُقرأ لاحقاً'. بينما تنشغل العواصم بـ'اللحظة'، يقرأ الأردن 'المستقبل'. هذه البراعة تنبع من ثلاثة مصادر: ذاكرة تاريخية تعرف كيف تُعاد قراءة النصوص، وبصيرة سياسية ترى الصورة كاملة قبل اكتمال تفاصيلها، وحكمة تعرف أن بعض القرارات تُقاس بالعقود لا بالأيام. وهذا النهج ليس جديداً. منذ فك الارتباط عام 1988، رسم الأردن خطاً أحمراً: لا توقيع على وثيقة مصيرية تتعلق بفلسطين إلا بتوقيع فلسطيني موازٍ. لم يكن هذا شكلياً، بل كان فهماً عميقاً لكيفية تحول الوثائق مع الزمن إلى أدوات سياسية. الأردن يعرف أن الجغرافيا تُذكر، وأن التاريخ يُراجع، وأن الذاكرة الجماعية تحاسب. والدعوة الأمريكية، بكل ما تحمله من تقدير للمكانة الأردنية، كانت اختباراً حقيقياً: هل يمكن جذب الأردن بمقعد في نادي النفوذ الجديد؟ هل يمكن إغراؤه بوهم القوة؟ والجواب كان درساً في السياسة الواعية: 'نحن ندرس'. كلمات ثلاث تعني: نحن نزن الأمور، نحن نقارن الخيارات، نحن نقرأ الماضي قبل أن نقرأ الوثيقة. لأن غزة اليوم ليست مجرد مكان دمرته الحرب، بل هي نموذج لما يمكن أن يحدث في أي مكان. ما يُجرّب فيها قابل للتكرار في الضفة والقدس وفي كل موقع يراد تحويله من قضية حق إلى ملف إداري. الأردن يدرك أنه لا يتعامل مع أزمة إنسانية عابرة، بل مع نموذج لعالم جديد تُعاد فيه كتابة قواعد اللعبة. ولهذا فإن حكمة الأردن في زمن التسرع الدولي ليست ضعفاً، بل هي قوة من نوع آخر: قوة الرؤية البعيدة، قوة الصبر المدروس، قوة الرفض الواعي للإغراءات السريعة. في عالم يقيس القوة بالأرقام والصفقات، يذكرنا الأردن أن هناك قوة أعلى: قوة المبدأ، قوة الرؤية، قوة التوقيت الصحيح. يقف الأردن اليوم حيث وقف دائماً: في تلك المسافة الدقيقة بين المشاركة في العالم والحفاظ على الهوية، بين التعامل مع الواقع والتمسك بالمبادئ، بين الرد على اللحظة والاستعداد للمستقبل. هذه ليست سياسة مؤقتة، بل هي عقلية دولة راسخة. فالعبرة الحقيقية في السياسة العالمية لم تعد لمن يصنع الحدث الأكبر صوتاً، بل لمن يفهم الحدث قبل أن يكتمل، ويستعد له قبل أن يبدأ. وهذا ما يفعله الأردن: يقرأ مستقبل المنطقة في حاضرها الناقص، ويكتب فصلاً في كتاب الدولة العاقلة التي ترفض أن تكون أداة في يد الآخرين، وتصر على أن تكون قارئة للتاريخ قبل أن تكون مشاركة في اللعبة. لأن أعظم انتصارات الدولة في القرن الحادي والعشرين ليست تلك التي تُحقق في الميدان، بل تلك التي تُحقق في غرف التفكير الهادئة، حيث تُوزن الكلمات بميزان المسؤولية، وتُقاس القرارات بمقاييس الضمير. وهناك، في ذلك المكان الواعي بين العجلة والتروي، يكتب الأردن بحكمة: أن الدولة الكبيرة ليست التي تفعل كل ما تستطيع، بل التي تعرف ما لا يجب أن تفعل.
التعليقات