المنسفُ في الوجدان الأردني ليس مجرّد طعامٍ دسمٍ يُقدَّم في الأفراح والمُلِمّات؛ إنّه «ميثاقُ عهدٍ» حيّ، يَجمع ذاكرة المكان بكرامة الإنسان، ويصوغ من اللحم واللبن والجريش لغةً اجتماعيةً وسياسيةً عريقة. في سرديّتنا البحثية يمتدّ أصلُه إلى مدىً بعيدٍ من تاريخ الأردن، إلى ما قبل اثني عشر ألف سنة قبل الميلاد، حين تبلورت في الهضاب والبوادي أنماطُ الرعي وتدجين الحيوان وحفظ الألبان.
هناك، بين غلال السهول ومراعي الجبال، وُلد «منطقُ الطبق / المنسف ( الصحن ، الَّلقن، الباطية، »: غذاءٌ يُخزَّن ويُعاد تشكيلُه بحسب الحاجة، ويكفي جماعةً كاملةً بغير تعقيدٍ أو إسراف، وهو طبق لا يستطيع الشخص مقاومته عندما يكون مصنوعا حسب الأصول الأردنية. وبالسمن البلدي والجميد البلدي والقمح البلدي
(تبسيط المعنى): من البداية، المنسف عند الأردنيين ليس وصفةً فقط، بل طريقة سلوك حياتي : يجمع الناس حول مائدة واحدة، ويعبّر عن الكرم والكرامة، وقد نشأ من بيئة الرعي والقمح الأردنية عندما كانت نقية وحفظ اللبن عبر آلاف السنين.
تنهض الكرك—«قير حارسة»، أي حارسةُ طريق القير / القار، والملح المستخرَج من البحر الميّت زمن الإيميّين ( 12000 سنة قبل الميلادي ) ومن تلاهم—بوصفها مختبرًا ورحِمًا طبيعيًّا لولادة المنسف وانتشاره: فالكرك كانت ُ ملتقى البادية بحقول القمح، وممرُّ التجارة والحراسة معًا. هنا تتبدّى عبقريةُ الأردنيين والبيئة الأردنية: لحمُ الضأن أو الماعز رمزُ القوة والوفرة، واللبنُ المجفَّف (الجميد) تقنيةُ الصون والدوام، والقمحُ/الجريشة عنوانُ الاستقرار والزرع، والشَّراك لقمة الضيافة الممتدّة.
كلُّ عنصرٍ منها يؤدي وظيفةً في «اقتصاد المعاش والحياة »: الجميدٌ الكركي ثم الأردنية «عملةٌ غذائيةٌ صلبة» تُجفَّف في قِرب من الجلد ( الشراع / السِّعن، ) وتُكبس وتُبيَّض في شمس الكرك والبلقاء لتصمد شهورًا وسنوات، واما الجريشةُ فتُهيَّأ سريعًا وتُطوَّع للمائدة الكبيرة، بينما يجري فرش الشراك في المنسف ليمهّد احتضان الجريشة .
(تبسيط المعنى): المكان خدم الفكرة؛ الكرك عقدة طرق ومراعٍ وحقول، وكانت تسمى حصن اللبن ( أي الجميد الكركي ) . لذلك اجتمعت الموارد: لحم، لبن محفوظ (جميد)، قمح، وخبز شراك. هكذا صار المنسف عمليًّا ومتاحًا، ويكفي عددًا كبيرًا بسرعة وبتكلفة معقولة. ، ويمثل وحدة الاسرة والعشيرة والمحاربين وتماسكهم والمساواة بين الطبقات واسم «المنسف» نفسُه يحفظ ثلاث إشاراتٍ متراكبة الدلالة: «تَنسيفُ» القمح وتنقيته من الشوائب ثم وهو جريشة (ومنها اشتُقّ الاسم)، و«نَسْفُ» اللبن في لسان أهل البادية حين يفور ويغلي («ينسف» اللبن إذا فار)، ثم «نسفُ» الكابوس الاحتلالي في رمز التحرّر من القهر والاحتلال. بهذا الثلاثيّ تتقاطع اللغةُ بالطهو بالسياسة: تنقيةٌ للحبّة، وفورانٌ في القدر، وكسرٌ للقيود.(تبسيط المعنى): الاسم يحمل المعنى: تنقية، غليان، وتحرّر. لذلك يرتبط المنسف بالنظافة والحرارة والعزة معًا.
وحين استقرّ الإسرائيليون في بلاد كنعان نشأت لديهم عقيدة تحريمي طبخ لحم الضان بلبن امه الجاف («لا تُطبَخ جديًّا بلبن أمه»)، فتحوّل المنسف—في الحسّ الثقافي الأردني—إلى حدٍّ فاصلٍ بين هويّتَين: ما تُحرِّمه شريعةُ الغير وهم هنا الإسرائيليون ، وفلسفة صيانة المنسف بوصفه طعامَ الأردنيين وعلامةَ كرمهم.
وعلى هذا المِحكّ تنعقد حكايةُ «ميثاق المنسف» في الذاكرة الأردنية: فحين ضيّق الاحتلالُ الاسرائيلي على المؤابيين ومنع عليهم طبخةَ اللحم باللبن ومنعهم من صنع المنسف لأهميته في جمع الناس وتحريرهم , ، جاء الملك ميشع—في سرديّةٍ شعبيةٍ يتناقلها الرواة عبر ثلاثة الاف سنة , وتنسجم مع منطق نقش حجر ذيبان—ليأمر المؤابيين بطبخ المنسف في يوم واحد معين «, واعتباره نداءَ تعبئةٍ وتحشيدًا للقلوب قبل السيوف لتحرير بلادهم من الاحتلال الإسرائيلي ؛ طبخةٌ تُخالف المنع، وتستعيد السيادة على الذوق والعادة، وتعلن ساعةَ الفِكاك. فأطاعوه وهنا اعلن الملك ميشع حرب التحرير بمؤازرة شعبه وكان يقودهم في وطيس المعارك
وسواء اذا كان الحجر قد دوّن تفاصيل الطبخة أو لم يدونها، فإنّ روح الوثيقة واضحة: نصرٌ يقوم على ثورة التحرير المؤابية والقائمة على دعم مشروع الملك ميشع وتنظيمٌ للموارد والمرافق، ومن بينها طعامُ الجماعة الذي يَحشد ويُوحِّد ويُقسِم على العهد.
(تبسيط المعنى): المنسف هنا صار «شارة تحرّر»: ما مُنع قسرًا ( وهو اكل المنسف ) عاد رمزًا للهوية المؤابية الأردنية ، وطريقةً لتجميع الناس حول هدف واحد. وليس سرًّا أنّ المنسفَ ظلّ وعاءَ «القِرَى» و«العهد» في العُرف العشائري الأردني : تُمدّ «السَّدور »، تُرصّ الأرغفةُ أوّلًا، تُفرش الجريشةُ أو الأرزّ بحسب البيئات، يُوضع اللبنُ إلى القدر حتى «ينسف»، ثم تُنزّل اللحمةُ ويُدار السمنُ البلدي ويُنثَر اللوز أو الصنوبر.
يمسك المعزب بطرف المائدة ويطلب من الجميع ان يقوموا لطعامهم، فيتقدّم الأكابرُ والأصاغرُ سواءً، وتختفي الألقاب أمام «حقِّ اللقمة». بهذا الطقس تُعلن الحماية («الدخالة»)، وتُسَمّى «العطوة»، وتُبرَم «الصلحَة»، وتُحفظ «الوجوه»، وتختلط اللُّقمُ بالأيمان، فيغدو الطعامُ نصًّا اجتماعيًّا لا يقلّ إلزامًا عن الوثيقة المكتوبة. يأكلون معًا، فتسقط الفوارق، ويثبت العهد.
ولكي نفهم المنسفَ على طريقة «مشروعنا (المؤلف) على انه جزء من المواثيق الأردنية » ينبغي أن نضعه في سلسلة المواثيق الأردنية الكبرى وهي : ميثاق الطريق والماء والميزان الذي قرأناه في حجر ميشع، وهو الذي تكتمل حلقته بـميثاق القِرَى والمائدة. فلا سيادةَ بلا طريقٍ آمن يربط المرتفع بالوادي، ولا أمنَ بلا ماءٍ جارٍ وعدلِ مكيالٍ وميزان، ولا معنى لكلّ ذلك إن لم تُرفع على المائدة رايةَ الكرامة: لحمٌ ولبنٌ وجريشةٌ وشراك يُعلِن بها الناسُ أنهم جسدٌ واحد. هكذا يتحوّل المنسف من وصفةٍ إلى «سياسة وحياة وكرامة وهوية وشرعية »: يعيد توزيعَ الدفء والغذاء، ويُصالح الحقول بالمراعي، ويَختم النزاع باللقمة المشتركة، ويضع نقطةَ النظام في نهاية سطر الخصومة.
إنّ المنسفَ، بهذا التعريف، وثيقةُ انتماءٍ حيّة: تبدأ من تدبير القِدر وتنتهي إلى تدبير المجتمع. يحمل اسمُه دلالاتِ «النسف» الثلاث: نسفُ القمح تنقيةً، ونسفُ اللبن فورانًا، ونسفُ العبودية رمزًا للتحرّر. ومن الكرك إلى ذيبان، ومن جبال البلقاء إلى مضارب البادية، ظلّت هذه الطبخة توقيعًا مرفوعًا على عهدٍ أردنيٍّ عابرٍ للعصور:
كان طبخُ اللحم باللبن ميثاقَ تحرُّك يَكسر حظرَ المحتلّ ويستعيد السيادة على الذوق والعادة، فيتقدّم الناسُ من «قِرى العهد» إلى قِرى الوطن؛ من صُلحِ الداخل إلى تحريرِ الخارج. هكذا يجمع المنسف بين وظيفتين متكاملتين: يطوي صفحةَ النزاع الداخلي، ويَفتح صفحةَ الدفاع والتحرير حين تُنتهك السيادة؛ فيغدو رايةَ كرامة تُرفع في السِّلم لتثبيت الحقّ، وتُرفع في الشدّة لردّ العدوان—مكمِّلًا «ميثاق الطريق والماء والميزان» بعهدِ مائدةٍ يوحّد الصفَّ ويُطلق الإرادة.
فإذا حضر المنسفُ حضرت المروءة، وإذا حضرت المروءةُ انعقد العهد والميثاق . وفي هذا المعنى الدقيق تلتقي ذاكرةُ الطعم بـسياسات العيش: لقمةٌ واحدةٌ تُنهي خلافًا، ويُكتَب العهدُ باللقمة قبل الحبر، وقدرٌ واحدٌ يُطلق نهارًا جديدًا، وعصرا جديدا كما كان عصر ميشع بعد التحرير، وطبقٌ واحدٌ يُبقي الأردنَّ جماعةً تتذكّر أنّ الكرامةَ هي منسف الطعام وعباءة الحياة، وتُعاش قبل أن تُقال. وخلاصة القولان المنسف رسالة: كرامةٌ وعهدٌ يُجَدَّد، وجماعةٌ تتماسك بالفعل قبل القول ) تفاصيل موسعة جدا عن المنسف وتاريخه وانتشاره اردنيا منذ الاف السنين موجود في كتابي ( المؤلف ) ممكلة مؤاب الأردنية )) .
تاليف د احمد عويدي العبادي ( أبو البشر ونمي )
المنسفُ في الوجدان الأردني ليس مجرّد طعامٍ دسمٍ يُقدَّم في الأفراح والمُلِمّات؛ إنّه «ميثاقُ عهدٍ» حيّ، يَجمع ذاكرة المكان بكرامة الإنسان، ويصوغ من اللحم واللبن والجريش لغةً اجتماعيةً وسياسيةً عريقة. في سرديّتنا البحثية يمتدّ أصلُه إلى مدىً بعيدٍ من تاريخ الأردن، إلى ما قبل اثني عشر ألف سنة قبل الميلاد، حين تبلورت في الهضاب والبوادي أنماطُ الرعي وتدجين الحيوان وحفظ الألبان.
هناك، بين غلال السهول ومراعي الجبال، وُلد «منطقُ الطبق / المنسف ( الصحن ، الَّلقن، الباطية، »: غذاءٌ يُخزَّن ويُعاد تشكيلُه بحسب الحاجة، ويكفي جماعةً كاملةً بغير تعقيدٍ أو إسراف، وهو طبق لا يستطيع الشخص مقاومته عندما يكون مصنوعا حسب الأصول الأردنية. وبالسمن البلدي والجميد البلدي والقمح البلدي
(تبسيط المعنى): من البداية، المنسف عند الأردنيين ليس وصفةً فقط، بل طريقة سلوك حياتي : يجمع الناس حول مائدة واحدة، ويعبّر عن الكرم والكرامة، وقد نشأ من بيئة الرعي والقمح الأردنية عندما كانت نقية وحفظ اللبن عبر آلاف السنين.
تنهض الكرك—«قير حارسة»، أي حارسةُ طريق القير / القار، والملح المستخرَج من البحر الميّت زمن الإيميّين ( 12000 سنة قبل الميلادي ) ومن تلاهم—بوصفها مختبرًا ورحِمًا طبيعيًّا لولادة المنسف وانتشاره: فالكرك كانت ُ ملتقى البادية بحقول القمح، وممرُّ التجارة والحراسة معًا. هنا تتبدّى عبقريةُ الأردنيين والبيئة الأردنية: لحمُ الضأن أو الماعز رمزُ القوة والوفرة، واللبنُ المجفَّف (الجميد) تقنيةُ الصون والدوام، والقمحُ/الجريشة عنوانُ الاستقرار والزرع، والشَّراك لقمة الضيافة الممتدّة.
كلُّ عنصرٍ منها يؤدي وظيفةً في «اقتصاد المعاش والحياة »: الجميدٌ الكركي ثم الأردنية «عملةٌ غذائيةٌ صلبة» تُجفَّف في قِرب من الجلد ( الشراع / السِّعن، ) وتُكبس وتُبيَّض في شمس الكرك والبلقاء لتصمد شهورًا وسنوات، واما الجريشةُ فتُهيَّأ سريعًا وتُطوَّع للمائدة الكبيرة، بينما يجري فرش الشراك في المنسف ليمهّد احتضان الجريشة .
(تبسيط المعنى): المكان خدم الفكرة؛ الكرك عقدة طرق ومراعٍ وحقول، وكانت تسمى حصن اللبن ( أي الجميد الكركي ) . لذلك اجتمعت الموارد: لحم، لبن محفوظ (جميد)، قمح، وخبز شراك. هكذا صار المنسف عمليًّا ومتاحًا، ويكفي عددًا كبيرًا بسرعة وبتكلفة معقولة. ، ويمثل وحدة الاسرة والعشيرة والمحاربين وتماسكهم والمساواة بين الطبقات واسم «المنسف» نفسُه يحفظ ثلاث إشاراتٍ متراكبة الدلالة: «تَنسيفُ» القمح وتنقيته من الشوائب ثم وهو جريشة (ومنها اشتُقّ الاسم)، و«نَسْفُ» اللبن في لسان أهل البادية حين يفور ويغلي («ينسف» اللبن إذا فار)، ثم «نسفُ» الكابوس الاحتلالي في رمز التحرّر من القهر والاحتلال. بهذا الثلاثيّ تتقاطع اللغةُ بالطهو بالسياسة: تنقيةٌ للحبّة، وفورانٌ في القدر، وكسرٌ للقيود.(تبسيط المعنى): الاسم يحمل المعنى: تنقية، غليان، وتحرّر. لذلك يرتبط المنسف بالنظافة والحرارة والعزة معًا.
وحين استقرّ الإسرائيليون في بلاد كنعان نشأت لديهم عقيدة تحريمي طبخ لحم الضان بلبن امه الجاف («لا تُطبَخ جديًّا بلبن أمه»)، فتحوّل المنسف—في الحسّ الثقافي الأردني—إلى حدٍّ فاصلٍ بين هويّتَين: ما تُحرِّمه شريعةُ الغير وهم هنا الإسرائيليون ، وفلسفة صيانة المنسف بوصفه طعامَ الأردنيين وعلامةَ كرمهم.
وعلى هذا المِحكّ تنعقد حكايةُ «ميثاق المنسف» في الذاكرة الأردنية: فحين ضيّق الاحتلالُ الاسرائيلي على المؤابيين ومنع عليهم طبخةَ اللحم باللبن ومنعهم من صنع المنسف لأهميته في جمع الناس وتحريرهم , ، جاء الملك ميشع—في سرديّةٍ شعبيةٍ يتناقلها الرواة عبر ثلاثة الاف سنة , وتنسجم مع منطق نقش حجر ذيبان—ليأمر المؤابيين بطبخ المنسف في يوم واحد معين «, واعتباره نداءَ تعبئةٍ وتحشيدًا للقلوب قبل السيوف لتحرير بلادهم من الاحتلال الإسرائيلي ؛ طبخةٌ تُخالف المنع، وتستعيد السيادة على الذوق والعادة، وتعلن ساعةَ الفِكاك. فأطاعوه وهنا اعلن الملك ميشع حرب التحرير بمؤازرة شعبه وكان يقودهم في وطيس المعارك
وسواء اذا كان الحجر قد دوّن تفاصيل الطبخة أو لم يدونها، فإنّ روح الوثيقة واضحة: نصرٌ يقوم على ثورة التحرير المؤابية والقائمة على دعم مشروع الملك ميشع وتنظيمٌ للموارد والمرافق، ومن بينها طعامُ الجماعة الذي يَحشد ويُوحِّد ويُقسِم على العهد.
(تبسيط المعنى): المنسف هنا صار «شارة تحرّر»: ما مُنع قسرًا ( وهو اكل المنسف ) عاد رمزًا للهوية المؤابية الأردنية ، وطريقةً لتجميع الناس حول هدف واحد. وليس سرًّا أنّ المنسفَ ظلّ وعاءَ «القِرَى» و«العهد» في العُرف العشائري الأردني : تُمدّ «السَّدور »، تُرصّ الأرغفةُ أوّلًا، تُفرش الجريشةُ أو الأرزّ بحسب البيئات، يُوضع اللبنُ إلى القدر حتى «ينسف»، ثم تُنزّل اللحمةُ ويُدار السمنُ البلدي ويُنثَر اللوز أو الصنوبر.
يمسك المعزب بطرف المائدة ويطلب من الجميع ان يقوموا لطعامهم، فيتقدّم الأكابرُ والأصاغرُ سواءً، وتختفي الألقاب أمام «حقِّ اللقمة». بهذا الطقس تُعلن الحماية («الدخالة»)، وتُسَمّى «العطوة»، وتُبرَم «الصلحَة»، وتُحفظ «الوجوه»، وتختلط اللُّقمُ بالأيمان، فيغدو الطعامُ نصًّا اجتماعيًّا لا يقلّ إلزامًا عن الوثيقة المكتوبة. يأكلون معًا، فتسقط الفوارق، ويثبت العهد.
ولكي نفهم المنسفَ على طريقة «مشروعنا (المؤلف) على انه جزء من المواثيق الأردنية » ينبغي أن نضعه في سلسلة المواثيق الأردنية الكبرى وهي : ميثاق الطريق والماء والميزان الذي قرأناه في حجر ميشع، وهو الذي تكتمل حلقته بـميثاق القِرَى والمائدة. فلا سيادةَ بلا طريقٍ آمن يربط المرتفع بالوادي، ولا أمنَ بلا ماءٍ جارٍ وعدلِ مكيالٍ وميزان، ولا معنى لكلّ ذلك إن لم تُرفع على المائدة رايةَ الكرامة: لحمٌ ولبنٌ وجريشةٌ وشراك يُعلِن بها الناسُ أنهم جسدٌ واحد. هكذا يتحوّل المنسف من وصفةٍ إلى «سياسة وحياة وكرامة وهوية وشرعية »: يعيد توزيعَ الدفء والغذاء، ويُصالح الحقول بالمراعي، ويَختم النزاع باللقمة المشتركة، ويضع نقطةَ النظام في نهاية سطر الخصومة.
إنّ المنسفَ، بهذا التعريف، وثيقةُ انتماءٍ حيّة: تبدأ من تدبير القِدر وتنتهي إلى تدبير المجتمع. يحمل اسمُه دلالاتِ «النسف» الثلاث: نسفُ القمح تنقيةً، ونسفُ اللبن فورانًا، ونسفُ العبودية رمزًا للتحرّر. ومن الكرك إلى ذيبان، ومن جبال البلقاء إلى مضارب البادية، ظلّت هذه الطبخة توقيعًا مرفوعًا على عهدٍ أردنيٍّ عابرٍ للعصور:
كان طبخُ اللحم باللبن ميثاقَ تحرُّك يَكسر حظرَ المحتلّ ويستعيد السيادة على الذوق والعادة، فيتقدّم الناسُ من «قِرى العهد» إلى قِرى الوطن؛ من صُلحِ الداخل إلى تحريرِ الخارج. هكذا يجمع المنسف بين وظيفتين متكاملتين: يطوي صفحةَ النزاع الداخلي، ويَفتح صفحةَ الدفاع والتحرير حين تُنتهك السيادة؛ فيغدو رايةَ كرامة تُرفع في السِّلم لتثبيت الحقّ، وتُرفع في الشدّة لردّ العدوان—مكمِّلًا «ميثاق الطريق والماء والميزان» بعهدِ مائدةٍ يوحّد الصفَّ ويُطلق الإرادة.
فإذا حضر المنسفُ حضرت المروءة، وإذا حضرت المروءةُ انعقد العهد والميثاق . وفي هذا المعنى الدقيق تلتقي ذاكرةُ الطعم بـسياسات العيش: لقمةٌ واحدةٌ تُنهي خلافًا، ويُكتَب العهدُ باللقمة قبل الحبر، وقدرٌ واحدٌ يُطلق نهارًا جديدًا، وعصرا جديدا كما كان عصر ميشع بعد التحرير، وطبقٌ واحدٌ يُبقي الأردنَّ جماعةً تتذكّر أنّ الكرامةَ هي منسف الطعام وعباءة الحياة، وتُعاش قبل أن تُقال. وخلاصة القولان المنسف رسالة: كرامةٌ وعهدٌ يُجَدَّد، وجماعةٌ تتماسك بالفعل قبل القول ) تفاصيل موسعة جدا عن المنسف وتاريخه وانتشاره اردنيا منذ الاف السنين موجود في كتابي ( المؤلف ) ممكلة مؤاب الأردنية )) .
تاليف د احمد عويدي العبادي ( أبو البشر ونمي )
المنسفُ في الوجدان الأردني ليس مجرّد طعامٍ دسمٍ يُقدَّم في الأفراح والمُلِمّات؛ إنّه «ميثاقُ عهدٍ» حيّ، يَجمع ذاكرة المكان بكرامة الإنسان، ويصوغ من اللحم واللبن والجريش لغةً اجتماعيةً وسياسيةً عريقة. في سرديّتنا البحثية يمتدّ أصلُه إلى مدىً بعيدٍ من تاريخ الأردن، إلى ما قبل اثني عشر ألف سنة قبل الميلاد، حين تبلورت في الهضاب والبوادي أنماطُ الرعي وتدجين الحيوان وحفظ الألبان.
هناك، بين غلال السهول ومراعي الجبال، وُلد «منطقُ الطبق / المنسف ( الصحن ، الَّلقن، الباطية، »: غذاءٌ يُخزَّن ويُعاد تشكيلُه بحسب الحاجة، ويكفي جماعةً كاملةً بغير تعقيدٍ أو إسراف، وهو طبق لا يستطيع الشخص مقاومته عندما يكون مصنوعا حسب الأصول الأردنية. وبالسمن البلدي والجميد البلدي والقمح البلدي
(تبسيط المعنى): من البداية، المنسف عند الأردنيين ليس وصفةً فقط، بل طريقة سلوك حياتي : يجمع الناس حول مائدة واحدة، ويعبّر عن الكرم والكرامة، وقد نشأ من بيئة الرعي والقمح الأردنية عندما كانت نقية وحفظ اللبن عبر آلاف السنين.
تنهض الكرك—«قير حارسة»، أي حارسةُ طريق القير / القار، والملح المستخرَج من البحر الميّت زمن الإيميّين ( 12000 سنة قبل الميلادي ) ومن تلاهم—بوصفها مختبرًا ورحِمًا طبيعيًّا لولادة المنسف وانتشاره: فالكرك كانت ُ ملتقى البادية بحقول القمح، وممرُّ التجارة والحراسة معًا. هنا تتبدّى عبقريةُ الأردنيين والبيئة الأردنية: لحمُ الضأن أو الماعز رمزُ القوة والوفرة، واللبنُ المجفَّف (الجميد) تقنيةُ الصون والدوام، والقمحُ/الجريشة عنوانُ الاستقرار والزرع، والشَّراك لقمة الضيافة الممتدّة.
كلُّ عنصرٍ منها يؤدي وظيفةً في «اقتصاد المعاش والحياة »: الجميدٌ الكركي ثم الأردنية «عملةٌ غذائيةٌ صلبة» تُجفَّف في قِرب من الجلد ( الشراع / السِّعن، ) وتُكبس وتُبيَّض في شمس الكرك والبلقاء لتصمد شهورًا وسنوات، واما الجريشةُ فتُهيَّأ سريعًا وتُطوَّع للمائدة الكبيرة، بينما يجري فرش الشراك في المنسف ليمهّد احتضان الجريشة .
(تبسيط المعنى): المكان خدم الفكرة؛ الكرك عقدة طرق ومراعٍ وحقول، وكانت تسمى حصن اللبن ( أي الجميد الكركي ) . لذلك اجتمعت الموارد: لحم، لبن محفوظ (جميد)، قمح، وخبز شراك. هكذا صار المنسف عمليًّا ومتاحًا، ويكفي عددًا كبيرًا بسرعة وبتكلفة معقولة. ، ويمثل وحدة الاسرة والعشيرة والمحاربين وتماسكهم والمساواة بين الطبقات واسم «المنسف» نفسُه يحفظ ثلاث إشاراتٍ متراكبة الدلالة: «تَنسيفُ» القمح وتنقيته من الشوائب ثم وهو جريشة (ومنها اشتُقّ الاسم)، و«نَسْفُ» اللبن في لسان أهل البادية حين يفور ويغلي («ينسف» اللبن إذا فار)، ثم «نسفُ» الكابوس الاحتلالي في رمز التحرّر من القهر والاحتلال. بهذا الثلاثيّ تتقاطع اللغةُ بالطهو بالسياسة: تنقيةٌ للحبّة، وفورانٌ في القدر، وكسرٌ للقيود.(تبسيط المعنى): الاسم يحمل المعنى: تنقية، غليان، وتحرّر. لذلك يرتبط المنسف بالنظافة والحرارة والعزة معًا.
وحين استقرّ الإسرائيليون في بلاد كنعان نشأت لديهم عقيدة تحريمي طبخ لحم الضان بلبن امه الجاف («لا تُطبَخ جديًّا بلبن أمه»)، فتحوّل المنسف—في الحسّ الثقافي الأردني—إلى حدٍّ فاصلٍ بين هويّتَين: ما تُحرِّمه شريعةُ الغير وهم هنا الإسرائيليون ، وفلسفة صيانة المنسف بوصفه طعامَ الأردنيين وعلامةَ كرمهم.
وعلى هذا المِحكّ تنعقد حكايةُ «ميثاق المنسف» في الذاكرة الأردنية: فحين ضيّق الاحتلالُ الاسرائيلي على المؤابيين ومنع عليهم طبخةَ اللحم باللبن ومنعهم من صنع المنسف لأهميته في جمع الناس وتحريرهم , ، جاء الملك ميشع—في سرديّةٍ شعبيةٍ يتناقلها الرواة عبر ثلاثة الاف سنة , وتنسجم مع منطق نقش حجر ذيبان—ليأمر المؤابيين بطبخ المنسف في يوم واحد معين «, واعتباره نداءَ تعبئةٍ وتحشيدًا للقلوب قبل السيوف لتحرير بلادهم من الاحتلال الإسرائيلي ؛ طبخةٌ تُخالف المنع، وتستعيد السيادة على الذوق والعادة، وتعلن ساعةَ الفِكاك. فأطاعوه وهنا اعلن الملك ميشع حرب التحرير بمؤازرة شعبه وكان يقودهم في وطيس المعارك
وسواء اذا كان الحجر قد دوّن تفاصيل الطبخة أو لم يدونها، فإنّ روح الوثيقة واضحة: نصرٌ يقوم على ثورة التحرير المؤابية والقائمة على دعم مشروع الملك ميشع وتنظيمٌ للموارد والمرافق، ومن بينها طعامُ الجماعة الذي يَحشد ويُوحِّد ويُقسِم على العهد.
(تبسيط المعنى): المنسف هنا صار «شارة تحرّر»: ما مُنع قسرًا ( وهو اكل المنسف ) عاد رمزًا للهوية المؤابية الأردنية ، وطريقةً لتجميع الناس حول هدف واحد. وليس سرًّا أنّ المنسفَ ظلّ وعاءَ «القِرَى» و«العهد» في العُرف العشائري الأردني : تُمدّ «السَّدور »، تُرصّ الأرغفةُ أوّلًا، تُفرش الجريشةُ أو الأرزّ بحسب البيئات، يُوضع اللبنُ إلى القدر حتى «ينسف»، ثم تُنزّل اللحمةُ ويُدار السمنُ البلدي ويُنثَر اللوز أو الصنوبر.
يمسك المعزب بطرف المائدة ويطلب من الجميع ان يقوموا لطعامهم، فيتقدّم الأكابرُ والأصاغرُ سواءً، وتختفي الألقاب أمام «حقِّ اللقمة». بهذا الطقس تُعلن الحماية («الدخالة»)، وتُسَمّى «العطوة»، وتُبرَم «الصلحَة»، وتُحفظ «الوجوه»، وتختلط اللُّقمُ بالأيمان، فيغدو الطعامُ نصًّا اجتماعيًّا لا يقلّ إلزامًا عن الوثيقة المكتوبة. يأكلون معًا، فتسقط الفوارق، ويثبت العهد.
ولكي نفهم المنسفَ على طريقة «مشروعنا (المؤلف) على انه جزء من المواثيق الأردنية » ينبغي أن نضعه في سلسلة المواثيق الأردنية الكبرى وهي : ميثاق الطريق والماء والميزان الذي قرأناه في حجر ميشع، وهو الذي تكتمل حلقته بـميثاق القِرَى والمائدة. فلا سيادةَ بلا طريقٍ آمن يربط المرتفع بالوادي، ولا أمنَ بلا ماءٍ جارٍ وعدلِ مكيالٍ وميزان، ولا معنى لكلّ ذلك إن لم تُرفع على المائدة رايةَ الكرامة: لحمٌ ولبنٌ وجريشةٌ وشراك يُعلِن بها الناسُ أنهم جسدٌ واحد. هكذا يتحوّل المنسف من وصفةٍ إلى «سياسة وحياة وكرامة وهوية وشرعية »: يعيد توزيعَ الدفء والغذاء، ويُصالح الحقول بالمراعي، ويَختم النزاع باللقمة المشتركة، ويضع نقطةَ النظام في نهاية سطر الخصومة.
إنّ المنسفَ، بهذا التعريف، وثيقةُ انتماءٍ حيّة: تبدأ من تدبير القِدر وتنتهي إلى تدبير المجتمع. يحمل اسمُه دلالاتِ «النسف» الثلاث: نسفُ القمح تنقيةً، ونسفُ اللبن فورانًا، ونسفُ العبودية رمزًا للتحرّر. ومن الكرك إلى ذيبان، ومن جبال البلقاء إلى مضارب البادية، ظلّت هذه الطبخة توقيعًا مرفوعًا على عهدٍ أردنيٍّ عابرٍ للعصور:
كان طبخُ اللحم باللبن ميثاقَ تحرُّك يَكسر حظرَ المحتلّ ويستعيد السيادة على الذوق والعادة، فيتقدّم الناسُ من «قِرى العهد» إلى قِرى الوطن؛ من صُلحِ الداخل إلى تحريرِ الخارج. هكذا يجمع المنسف بين وظيفتين متكاملتين: يطوي صفحةَ النزاع الداخلي، ويَفتح صفحةَ الدفاع والتحرير حين تُنتهك السيادة؛ فيغدو رايةَ كرامة تُرفع في السِّلم لتثبيت الحقّ، وتُرفع في الشدّة لردّ العدوان—مكمِّلًا «ميثاق الطريق والماء والميزان» بعهدِ مائدةٍ يوحّد الصفَّ ويُطلق الإرادة.
فإذا حضر المنسفُ حضرت المروءة، وإذا حضرت المروءةُ انعقد العهد والميثاق . وفي هذا المعنى الدقيق تلتقي ذاكرةُ الطعم بـسياسات العيش: لقمةٌ واحدةٌ تُنهي خلافًا، ويُكتَب العهدُ باللقمة قبل الحبر، وقدرٌ واحدٌ يُطلق نهارًا جديدًا، وعصرا جديدا كما كان عصر ميشع بعد التحرير، وطبقٌ واحدٌ يُبقي الأردنَّ جماعةً تتذكّر أنّ الكرامةَ هي منسف الطعام وعباءة الحياة، وتُعاش قبل أن تُقال. وخلاصة القولان المنسف رسالة: كرامةٌ وعهدٌ يُجَدَّد، وجماعةٌ تتماسك بالفعل قبل القول ) تفاصيل موسعة جدا عن المنسف وتاريخه وانتشاره اردنيا منذ الاف السنين موجود في كتابي ( المؤلف ) ممكلة مؤاب الأردنية )) .
التعليقات
المنسفُ في الوجدان الأردني «ميثاقُ عهدٍ» حيّ، يَجمع ذاكرة المكان بكرامة الإنسان
التعليقات