من يستعفف يُعِفَّه الله ومن يستغن يُغنِه الله


رم -

رم-واحة الايمان

القدر، عظيمة النفع، تدعو المسلم إلى أن يكون - أبداً - عزيز النفس، مرتفع القدر، قوي الثقة بربه، دائم الاتصال به سبحانه وتعالى.

 

ولقد اشتملت هذه القاعدة العظيمة على جملتين جامعتين للخير، نافعتين للخلق:

 

"إحداهما: قوله: "من يستعفف يعفه الله".

 

والثانية: قوله: "ومن يستغن يغنه الله".

 

وهاتان الجملتان متلازمتان، فإن كمال العبد في إخلاصه لله رغبة ورهبة، وتعلقاً به دون المخلوقين، فعليه أن يسعى لتحقيق هذا الكمال، ويعمل كل سبب يوصله إلى ذلك، حتى يكون عبداً لله حقاً، حُرّاً من رِق المخلوقين، وذلك بأن يجاهد نفسَه عن أمرين: انصرافها عن التعلق بالمخلوقين؛ بالاستعفاف عما في أيديهم، فلا يطلبه بمقاله ولا بلسان حاله، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلم لعمر: "إذا جاءك من هذا المال شيءٌ وأنت غير مشرفٍ ولا سائلٍ فخذه، وما لا فلا تُتْبِعه نفسَك" (2) فقَطْعُ الإشراف في القلب والسؤال باللسان؛ تعففاً وترفعاً عن مِنن الخلق، وعن تعلق القلب بهم؛ سببٌ قويٌ لحصول العفة.

 

وتمام ذلك: أن يجاهد نفسَه على الأمر الثاني، وهو: الاستغناء بالله، والثقة بكفايته؛ فإنه من يتوكل على الله فهو حسبه، وهذا هو المقصود، والأول وسيلة إلى هذا؛ فإن من استعف عما في أيدي الناس، وعما يناله منهم؛ أوجب له ذلك أن يقوى تعلُّقه بالله، ورجاؤه وطمعُه في فضل الله وإحسانه، ويَحسُن ظنُّه وثقتُه بربه، والله تعالى عند حسن ظن عبده به: إن ظن خيراً فله، وإن ظن غيرَه فله، وكل واحد من الأمرين يمُِد الآخرَ فيقوِّيه، فكلما قوي تعلُّقه بالله ضعف تعلُّقه بالمخلوقين، وبالعكس.

 

ومِِن دعاء النبي صلّى الله عليه وسلم: "اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى"، فجمع الخيرَ كلَّه في هذا الدعاء.

 

فالهدى: هو العلم النافع، والتقى: العمل الصالح، وترك المحرمات كلها، وهذا صلاح الدين، وتمام ذلك: بصلاح القلب، وطمأنينته بالعفاف عن الخلق، والغنى بالله، ومن كان غنياً بالله فهو الغني حقاً، وإن قلّتْ حواصِله، فـ"ليس الغنى عن كثرة العَرَض، إنما الغنى غنى القلب" (3)، وبالعفاف والغنى يتم للعبد الحياة الطيبة، والنعيم الدنيوي، والقناعة بما آتاه الله" (4).

 

أيها الأخ الكريم:

 

واعلم أن مستعمِل العفاف داخلٌ في زمرة المعاملين لله عز وجل؛ فإن التعفف يوجب ستر الحال عن الخلق، وإظهار الغنى لهم؛ فيصير معاملاً في الباطن، ويقع له من الربح على قدر صبره وصدقه (5).

 

ومعنى قوله: "يعفه الله" أي: يجعله عفيفاً (مِن الإعفاف)، وهو: إعطاء العفة، وهي الحفظ عن المناهي، يعني: من قنع بأدنى قوت، وترك السؤال؛ تُسَهّل عليه القناعة، وهي كنز لا يفنى (6).

 

تأمل معي - أيها القارئ - في هذه الجملة التي صدّرها نبيك صلى الله عليه وسلم بالقسم تنويهاً بشأنها: "والذي نفسي بيده! لأن يأخذ أحدُكم حبله فيحتطب على ظهره، خيرٌ له من أن يأتي رجلاً فيسأله أعطاه أو منعه" (7) فأقْسَم بمن روحه بيده؛ على أن العمل مهما يكن نوعه فهو أفضل من سؤال الناس، وإراقة ماء الوجه لهم، وأنه مهما يكن شاقّاً عنيفاً فهو أرحم من مذلّة السؤال.

 

أي: لأن يذهب إلى الغابة فيقتطع الحطب من أشجاره، ويجمعه ويحمله على ظهره حتى يأتي السوق فيبيعه فيه "خير له" أي: أشرف وأكرم، وأرحم له من أن يمد يده لغيره، سواء أعطاه أو منعه، فإن منعه فقد كسر نفسه، وإن أعطاه فقد منّ عليه، وقد قال الشاعر:

 

لَحَمْل الصَخْرِ مِنْ قِمَمِ الجِبَالِ *** أحبُّ إِلَيَّ مِنْ مِنَنِ الرجَالِ

 

فدل هذا الحديث على:

 

-    الترغيب في السعي والعمل وطرق الأسباب المشروعة لكسب الرزق بشرف وكرامة وعزّة نفسٍ، وليس في الإِسلام مهنة وضيعة إلَّا فيما حرمه الشرع كالمخدرات والقمار، والتسول إلَّا لضرورة.

 

-       ومحاربة الإِسلام للتسول والبطالة، ولذلك أوجب السعيَ والعملَ، ولو كان شاقاً "كالاحتطاب" مثلاً (8).

 

أيها الأحبة:

 

والعفة لا تقتصر على التعفف في الجانب المالي! بل هي أوسع، ودلالة كلمة (العفة) في اللغة أرحب، فالعفة: الكف عما لا يحل له؛ كالزنا، والظلم، وسؤال الناس أموالهم، وغيرها من صور العفة (9).

 

فمن أجل صور العفة: عفة الفرج عن الحرام.

 

وفي القرآن الكريم تنبيه على بعض تطبيقات هذه القاعدة العظيمة في هذا المعنى، قال الله تعالى: "وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"[النور: 33]، فالعفة هنا: عفة الفرج عما حرم الله تعالى.

 

وتدبر أخي قوله تعالى: "وَلْيَسْتَعْفِفِ"[النور: 33] ولم يقُلْ: (وليعف)، فالمعنى: ليسلك سبيل الإعفاف لنفسه وليسْعَ إليه؛ بأن يمنع المهيِّج بالنظر، ويُهدِّئ شراسةَ الغريزة بالصوم أو بالعمل؛ فيشغل وقتَه، ويعود آخرَ النهار متعباً يريد أن ينام ليقوم في الصباح لعمله نشيطاً، وهكذا لا يجد فرصة لشيء مما يغضب الله.

 

ومعنى: "الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً"[النور: 33] أي: بذواتهم قدرة، أو بمجتمعهم معونة.

 

ثم قال تعالى: "حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ"[النور: 33] وهذا يدل على أن الاستعفاف وسيلة من وسائل الغنى؛ لأن الاستعفاف إنما نشأ من إرادة التقوى، وقد قال تعالى في قضية قرآنية: "وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ"[الطلاق: 2 - 3] فمن هذا الباب يأتيه غِنَى الله" (10)، فـ"من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله".

 

والإنسان الذي يُتبع نفسَه هواها - فيما يتعلق بالعفة - فإنه يَهلك والعياذ بالله؛ لأنه إذا أتبع نفسه هواها؛ صار يتتبع النساء؛ فيقع فيما حرم الله فيهلك، فالعين تزني، والأذن تزني، واليد تزني، والرجل تزني، ثم الفرج يصدّق ذلك أو يكذبه، وهو الفاحشة والعياذ بالله.

 

فإذا استعف الإنسان عن هذا المحرم، فصرف بصره، وأشغل نفسه وجوارحه بما يعود عليه نفعه، وملئ فراغ وقته بالخير والبر؛ أعفه الله - عز وجل- وحماه وحمى أهلَه أيضاً (11) قال تعالى: "إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ"[الأعراف: 196].

 

- ومن القصص المشهورة في آثار العفة وبركتها على صاحبها في الدنيا قبل الآخرة:

 

قصة الرجل – الذي كان أحد الثلاثة – الذين انطبقت عليهم الصخرة في غار من الأغوار، فقال - متوسلاً إلى الله بعفته -:"اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء، وطلبت إليها نفسها، فأبت حتى آتيها بمائة دينار، فتعبت حتى جمعت مائة دينار، فجئتها بها، فلما وقعت بين رجليها، قالت: يا عبد الله اتق الله، ولا تفتح الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة، ففرج لهم" (12).

 

- ومن قصص العفة المؤثرة التي ذكرها ابن قدامة - رحمه الله - في كتابه التوابين: أنه كان بالكوفة فتى جميل الوجه، شديد التعبد والاجتهاد، وكان أحدَ الزهاد، فنزل في جوار قوم من النخع، فنظر إلى جارية منهم جميلة؛ فهويها وهام بها عقله، ونزل بها مثل الذي نزل به، فأرسل يخطبها من أبيها، فأخبره أبوها أنها مسماة لابن عم لها، واشتد عليهما ما يقاسيان من ألم الهوى! فأرسلت إليه الجارية: قد بلغني شدة محبتك لي وقد اشتد بلائي بك لذلك مع وجدي بك، فإن شئت زرتك وإن شئت سهلت لك أن تأتيني إلى منزلي، فقال للرسول: لا واحدة من هاتين الخصلتين "إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ"[الزمر: 13]! أخاف ناراً لا يخبو سعيرها، ولا يخمد لهبها! فلما انصرف الرسول إليها فأبلغها ما قال؛ قالت: وأراه مع هذا زاهداً يخاف الله تعالى، واللهِ ما أحدٌ أحق بهذا من أحد، وإن العباد فيه لمشتركون، ثم انخلعت من الدنيا وألقت علائقها خلف ظهرها، وجعلت تعبد، وهي مع ذلك تذوب وتنحل حباً للفتى وأسفاً عليه حتى ماتت شوقاً إليه، ثم لحقها بعد سبع ليال رحمهما الله"(13).

 

قال ابن القيم رحمه الله - تعليقاً على قول بعضهم: (والله للذة العفة أعظم من لذة الذنب) -: "ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحاً وسروراً ولذة أكمل من لذة موافقة الهوى بما لا نسبة بينهما، وهاهنا يمتاز العقل من الهوى" (14).

 

فيا كل من أساء وأذنب واقترف؛ عجِّل بالتوبة، وأسرع بالإقلاع والندم؛ واستعفف يعفك الله، واستغن بما آتاك الله يغنك الله، لعله يكتب لك الخير قبل أن يفجأك الموت، وتدركك المنية.

 

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى، اللهم أغنِنا بحلالك عن حرامك، وبك عمن سواك، وقنا وأهلينا والمسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن.






عدد المشاهدات : (7095)

تعليقات القراء

وين معنى الكلمة
05-01-2013 04:51 PM
الآل
000
04-01-2013 08:05 PM

أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :