رم - لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية لمجلس الأمة مجرد خطاب بروتوكولي، بل حمل رسائل سياسية ووطنية ومؤسسية ترسم ملامح المرحلة، وتؤكد أن قوة الأردن تبدأ من تماسك جبهته الداخلية، وقوة مؤسساته، وثقة مواطنيه بها.
بدأ جلالة الملك حديثه باستذكار تضحيات أبناء الوطن في مواجهة الإرهاب، مؤكداً أن الدماء عهد في أعناقنا، وأن الأردن عصيّ على الغاشمين. وهي رسالة تؤكد أن أمن الوطن واستقراره ليسا موضع مساومة، وأن الوحدة الوطنية تبقى الركيزة الأساسية في مواجهة التحديات.
وفي تأكيد لثوابت الدولة الأردنية، شدد جلالته على التمسك بالوحدة الوطنية، وعلى بقاء الشعب الفلسطيني في أرضه، مجدداً بذلك الموقف الأردني الثابت تجاه القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.
أما في الشأن البرلماني، فقد حمل حديثه عن مجلس الأمة والأمة بوصفها مصدر السلطات رسالة واضحة حول أهمية الدور الدستوري للمؤسسات التشريعية. فالاختلاف في الرأي ليس نقطة ضعف، بل مصدر قوة ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية. كما أن مسؤولية النائب لا تقتصر على ما يصدر عنه من قوانين، بل تشمل سلوكه وخطابه وممارسته لدوره الوطني.
ولعل من أبرز العبارات التي تستحق التوقف عندها تأكيد جلالته أن مصلحة كل أردني يجب أن تكون في صلب كل قرار لا على هامشه؛ وهي رسالة تضع المواطن في مركز السياسات العامة، وتجعل أثر القرارات على حياته معياراً أساسياً لنجاحها.
كما كان لافتاً تكرار الحديث عن الأمن المائي، والتأكيد على أنه أولوية كبرى لا مجال للمساومة أو المهادنة فيها، بما يعكس مكانة المياه باعتبارها قضية سيادية واستراتيجية ترتبط بالأمن الوطني ومستقبل التنمية.
وفي محور النزاهة وسيادة القانون، جاءت الرسالة حاسمة: الوظيفة العامة ليست تشريفاً، ولا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، فالقانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً. وهي رسالة تؤكد أن المنصب العام مسؤولية، وأن هيبة الدولة تترسخ عندما يُطبق القانون على الجميع دون استثناء.
إن القراءة المتأنية للخطاب تكشف أنه لم يكن موجهاً إلى مجلس الأمة وحده، بل حمل رسائل إلى الحكومة ومؤسسات الدولة والمجتمع بأكمله. فالمرحلة تتطلب مؤسسات فاعلة، واختلافاً مسؤولاً، وإدارة رشيدة، ومساءلة حقيقية، وقرارات تضع المواطن في مقدمة أولوياتها.
ويبقى التحدي الأهم هو ترجمة هذه الرسائل إلى سياسات وتشريعات وممارسات ملموسة؛ فالدول لا تُقاس بما تعلنه من مبادئ فحسب، بل بقدرتها على تحويلها إلى واقع يلمسه المواطن.
فيبقى الأردن عزيزاً كبير القدر والمقدار.
الباحث القانوني: احمد ابوهزيم