الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
حين تمتد يد الإرهاب الغاشم إلى أرواح الأبرياء، فإنها لا تقتل إنسانًا فحسب، بل تترك خلفها أحلامًا لم تكتمل، وأمهات ينتظرن أبناءً لن يعودوا، وأطفالًا يفتقدون دفء آبائهم، وبيوتًا فقدت شيئًا من روحها. وما شهدناه من عمل إرهابي جبان ومدان، وما تركه من وجع في قلوب الأردنيين، يضعنا أمام سؤال إنساني وتربوي عميق: كيف نحمي أبناءنا من ثقافة الكراهية، ونربّيهم على المحبة والتسامح واحترام الحياة؟ إن الوفاء لأرواح الضحايا لا يقتصر على الحزن والمواساة، بل يقتضي أن نحوّل الألم إلى وعي، والغضب إلى مسؤولية، والفاجعة إلى درس أخلاقي يحمي أجيالنا من التطرف والعنف.
فالمحبة ليست كلمات جميلة نرددها، والتسامح ليس ضعفًا أو تنازلًا عن الحقوق، والإنسانية ليست قيمة نحتفي بها في المناسبات؛ إنها سلوك يومي يبدأ من البيت، وينمو في المدرسة، وينضج في الجامعة، ويظهر أثره في المجتمع. تبدأ التربية على الإنسانية حين نعلّم الطفل أن كرامة الآخرين لا تقل عن كرامته، وأن الاختلاف لا يمنح أحدًا حق الإهانة أو الإقصاء.
وحين يرى والديه يحترمان الآخرين، ويعتذران عند الخطأ، ويساعدان المحتاج دون تمييز، فإنه يتعلم المحبة بالممارسة قبل الموعظة. وفي المدرسة، علينا الانتقال من تدريس القيم إلى ممارستها. فعندما يختلف طالبان، يمكن للمعلم أن يطلب من كل منهما الاستماع إلى الآخر وتفسير وجهة نظره بإنصاف قبل الرد عليها. وهكذا يتحول الخلاف إلى فرصة لتعلم الحوار وضبط الانفعال واحترام الاختلاف.
أما الجامعة، فعليها أن تكون فضاءً للعقل والضمير، يتعلم فيه الشباب التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، ومقاومة خطاب التحريض. ويمكن ترجمة هذه القيم إلى مبادرات عملية تجمع طلبة مختلفي الخلفيات لخدمة أسر محتاجة، أو مساعدة ذوي الإعاقة، أو تنظيم حملات تطوعية. فالعمل الإنساني المشترك يعلّم ما قد تعجز عنه عشرات المحاضرات.
ومن الأدوات التربوية المؤثرة أيضًا جلسات الحوار، والوساطة لحل النزاعات، والمسرح التفاعلي، وبرامج خدمة المجتمع، والتربية الإعلامية التي تعلّم الشباب التحقق قبل النشر، ورفض الشائعات والتعميم، واحترام خصوصية الضحايا وأسرهم. ولا بد أن نعلّم أبناءنا أن التسامح لا يعني التساهل مع الجريمة، وأن الرحمة لا تتعارض مع العدالة.
فمن حق المجتمع أن يطالب بمحاسبة المعتدين، لكن دون أن يتحول الغضب المشروع إلى كراهية جماعية أو انتقام أعمى. وفي أوقات الفقد، يحتاج أطفالنا إلى من يصغي إلى مخاوفهم ويطمئن قلوبهم، ويؤكد لهم أن القسوة، مهما اشتدت، لا تمثل حقيقة الإنسان، وأن الخير ما زال حاضرًا في يد تمتد للمساعدة، وقلب يواسي مكلومًا، ومجتمع يتكاتف في المحن. إن الأردن، بإرثه الإنساني وقيمه الأصيلة في التراحم والتكافل والعيش المشترك، يستحق أن نجعل من كل بيت مدرسة للمحبة، ومن كل مؤسسة تعليمية مساحة للحوار، ومن كل مواطن قدوة في احترام الإنسان وصون كرامته.
وفي ختام هذا الوجع، لنتذكر أن من رحلوا لم يكونوا مجرد أسماء في خبر عابر، بل أرواحًا أحبّت وأحبّها الآخرون، وأحلامًا كانت تنتظر الغد. رحم الله أرواحهم البريئة، وجبر قلوب ذويهم، وشفى المصابين، وحفظ أردننا وأهله. ولنعلّم أبناءنا أن اليد التي تواسي أشرف من اليد التي تؤذي، وأن الشجاعة في حماية الحياة لا ترويعها، وأن أعظم وفاء للراحلين أن نمنح الأحياء عالمًا أكثر رحمة وعدلًا وأمانًا. فلا تسمحوا لمن اختار الكراهية أن يسلبكم قدرتكم على المحبة، ولا لمن اعتدى على الحياة أن يطفئ فيكم الأمل. فقد تلتئم جراح الأجساد، لكن مسؤوليتنا أن نحمي القلوب من أن تصبح شبيهة بالقسوة التي جرحتها. سلامٌ على الأرواح البريئة، وسلامٌ على القلوب الموجوعة، وسلامٌ على وطن نريده دائمًا بيتًا للمحبة، وأرضًا تنتصر فيها الإنسانية على الكراهية، والحياة على الموت.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |