بقلم: المستشار مثقال مقطش – أمريكا
كلما أطلّت الشاشات والتقارير الرسمية محتفيةً بارتفاع "الناتج المحلي الإجمالي"، يُفترض بالجميع أن يتبادلوا التهاني ويبتهجوا بهذا الإنجاز الاقتصادي، وتتأنق الرسوم البيانية وتزدهي المؤشرات، بينما يقف المواطن المجهد متسائلاً في ذهول: "كيف ينقاد الاقتصاد إلى الذرى، بينما تعجز الميزانية الفردية عن تأمين أدنى مقومات العيش؟" الشائبة في المشهد جليّة؛ فهذا الرقم البراق لا يسدّ رمق المحتاجين. لقد تحول مؤشر الناتج المحلي إلى ما يشبه سراباً؛ فهو معيارٌ يرصد حركة رؤوس الأموال ودوران العجلة في المدى البعيد، لكنه أعمى عن أدق تفاصيل المعيشة اليومية.
ولا يستشعر كفاف العائلات الكادحة، ولا يرصد نزيف الطبقة المتوسطة وهي تصارع للبقاء فوق خط الكفاف. وحين تتسامى الأرقام في الفضاء بينما تطحن جمر الأسعار القدرة الشرائية للعامة، نكون أمام اقتصادٍ يبدو مخضوضراً على الأوراق، لكنه قاحلٌ يابسٌ على أرض الواقع. يعود هذا التناقض الصارخ إلى أن نمو المؤشرات الرسمية غالباً ما يُغذّيه ضخ السيولة في الصفقات المليارية والمشاريع العملاقة، فتُسجّل فوراً كطفرة رقمية في هيكل الدولة الاقتصادي.
غير أن هذه الطفرة الحبرية لا تعني مطلقاً تحسناً في أجور الأفراد ولا انتعاشاً في قدراتهم الشرائية؛ بل كثيراً ما تقترن بضغوط تضخمية تضاعف الأعباء، فيحلق السقف الرقمي فوق، بينما يعاني المجتمع من وطأة الغلاء. لقد آن الأوان لكسر صنم الأرقام الصماء، وإعادة تعريف "النمو الاقتصادي" بمعايير إنسانية حقيقية. فالنمو الذي لا يلامس الرمق اليومي للشعوب، ولا يغرس الأمان الاقتصادي في البيوت، ليس سوى انتفاخ مجوف وتضخم شكلي.
وإن المعيار الوحيد والعادل لنجاح أي دولة اقتصادياً لا يُقاس بحجم الأرقام المدونة في أضابير التقارير، بل بمدى قدرة الإنسان البسيط على العيش بكرامة، واستقرار، واطمئنان؛ وما عدا ذلك، فليس إلا استعراضاً رقمياً لا يطعم جائعاً. وخلاصة القول: إن الاستدامة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية صنوان لا يفترقان؛ ولا يمكن لاقتصادٍ أن يدّعي العافية ما لم ينعكس نموه الرقمي قوةً شرائية في جيوب المواطنين واستقراراً في معيشهم. فهل تواصل الدول الإعلان عن ارقام صماء بارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بينما يستمر التضخم بارتداء عباءة هذا النمو؟ [email protected]
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |