رم - د. جمال الدباس
نحن ننام كل ليلة، ونظن أن أجسادنا دخلت في ساعات من السكون والراحة. لكن خلف هذا الهدوء تجري رحلة بالغة التعقيد؛ فالدماغ لا يتوقف عن العمل، بل ينتقل مع الجسم بين مراحل مختلفة من النوم، لكل منها وظيفتها وأهميتها. وما تكشفه الأبحاث الحديثة أن صحة النوم لا تتعلق بعدد ساعاته فقط، بل بنوعيته وانتظامه ومراحله أيضا، وربما كان الأمر أعمق مما كنا نتصور.
دراسة حديثة نُشرت في 17/9/2026 في مجلة
طبية مرموقه محكمه PLOS Medicine
، واعتمدت على بيانات نحو 95 ألف شخص ارتدوا أجهزة على المعصم لتتبع نومهم، كشفت عن ارتباطات لافتة بين أنماط النوم وخطر الإصابة بطيف واسع من الأمراض الجسدية والنفسية والعصبية.
ولفهم هذه النتائج، علينا أولا أن نعرف أن النوم ليس حالة واحدة متواصلة. فنحن نمر خلال الليل بدورات تتكرر عدة مرات؛ نبدأ بالنوم الخفيف، ثم نغوص في النوم العميق، وهي مرحلة مهمة لراحة الجسم واستعادة طاقته وعمليات الترميم والتعافي، ثم تأتي مرحلة الأحلام، أو مرحلة حركة العين السريعة (REM)، حيث يصبح الدماغ أكثر نشاطا وتكثر الأحلام، وترتبط هذه المرحلة بالذاكرة والتعلم وتنظيم المشاعر. وبعدها تبدأ دورة أخرى، وهكذا تستمر الرحلة حتى الصباح.
وهذا يفسر لماذا لا يكفي أن نسأل: كم ساعة نمت؟ فالنوم الجيد ليس رقما على الساعة، بل رحلة متكاملة يحتاج فيها الدماغ والجسم إلى الانتقال الطبيعي بين هذه المراحل. وقد يربك هذه الرحلة السهر المزمن، وعدم انتظام مواعيد النوم، والاستيقاظ المتكرر، كما أن الكحول، رغم أنه قد يجعل الإنسان يشعر بالنعاس في البداية، يمكن أن يخل ببنية النوم وجودته لاحقا.
أما الرسالة الأولى الواضحة من الدراسة فهي أن قلة النوم مهمة. فالنوم أقل من ست ساعات ارتبط بارتفاع خطر عدد من الأمراض، من بينها قصور القلب والسكري من النوع الثاني، بينما ظهرت أوسع الارتباطات بأمراض جسدية ونفسية مختلفة لدى الأشخاص الذين ينامون أقل من خمس ساعات.
لكن المفاجأة أن عدد الساعات ليس القصة كلها. فقد ارتبط النوم المتقطع وغير المنتظم أيضا بمخاطر صحية متعددة. وفي المقابل، ارتبط قضاء نسبة أكبر من النوم في مرحلة حركة العين السريعة بانخفاض خطر عشرات الأمراض، من بينها قصور القلب والرجفان الأذيني والخرف ومرض ألزهايمر ومرض باركنسون.
وهل يعني ذلك أننا يجب أن نحاول زيادة مرحلة حركة العين السريعة على حساب النوم الخفيف أو العميق؟ ليس بهذه البساطة. فلكل مرحلة من مراحل النوم وظيفتها، والنوم الصحي يقوم على توازنها وتسلسلها الطبيعي، وليس على تعظيم مرحلة واحدة منها. كما أن هذه الدراسة رصدت ارتباطات إحصائية؛ أي إنها لا تثبت أن زيادة مرحلة بعينها تمنع المرض، ولا أن نمطا معينا من النوم هو بالضرورة السبب المباشر في حدوثه أو الوقاية منه.
والرسالة العملية للناس أبسط من كل هذه التفاصيل: لا تجعل هدفك مجرد أن تقول: نمت ثماني ساعات. اسأل أيضا: هل كان نومي منتظما؟ هل كان متواصلا؟ وهل أذهب إلى فراشي وأستيقظ في أوقات متقاربة كل يوم؟
فالجسم يحب الإيقاع؛ نوم كاف، وموعد منتظم، وليل هادئ قدر الإمكان، بعيدا عن السهر المزمن والتقطع المتكرر.
نحن نقضي نحو ثلث حياتنا نائمين… وربما لم يكن هذا الثلث وقتا ضائعا قط، بل جزءا من حماية الثلثين الآخرين.
المصدر: PLOS Medicine, September 17, 2026 — PubMed